أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحُلم














المزيد.....

قصة قصيرة: الحُلم


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 00:19
المحور: الادب والفن
    


في صباحٍ ربيعيٍّ متقلّب المزاج، كانت الرياحُ تتهادى بين دفءِ الشمس وبرودة الغيوم، فيما تتناثر في السماءِ سحبٌ بيضٌ غير منتظمة، تحجبُ أشعةَ الشمسِ بين حينٍ وآخر، فتمنحُ المكانَ لطفاً مضاعفاً ورغبةً خفيةً في البقاء تحت الهواء الطلق. كانت رائحةُ التراب المبتلِّ تمتزجُ بعبق الأزهار المتفتحة، وكأن الربيع يحاول أن يُقنع الأرواح المتعبة بأن للحياة وجهاً آخر غير القسوة.
جلس الشيخُ الكبير فوق أريكةٍ خشبيةٍ عتيقة، لا تتسعُ إلا لشخصين أو ثلاثة، لكنها بدت وكأنها تحمل تاريخاً طويلاً من الوقار والسكينة. كان يتحدثُ بهدوءٍ مع أحد جلاسه عن شيخٍ طاعنٍ في السنّ، كان يقود عشيرته بحكمةٍ نادرة، وكيف اعتاد أن يُصلح حاجياته بيديهِ بصبرٍ عجيب، يُتمّ أدق التفاصيل وكأنه يُعيد ترتيب العالم من حوله لا مجرد قطعةٍ صغيرة بين يديه.
كان ذلك الشيخ يمتلك هدوءاً أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع؛ هدوءٌ لا تهزه العواصف، ولا تُسقطه الإساءات، حتى ليخيَّل لمن يراه أن السنين الطويلة لم تُثقِل روحه، بل صقلتها.
عرفه الناس رجلاً يرى الحياة بصورةٍ كاملة، لا يتوقف عند زواياها الضيقة، فإن اضطر إلى التراجع خطوةً فعلها بوعي، وإن احتاج الأمر خطواتٍ كثيرةً لم يعتبر ذلك هزيمة، بل نوعاً من الحكمة التي لا يجيدها إلا من تصالح مع نفسه. كان يؤمن أن الخطأ البشري لا يولد دائماً من الشر، بل قد تصنعه الحاجة، أو القهر، أو لحظة ضعفٍ خانت صاحبها. لذلك لم يكن يُسارع إلى الإدانة، بل يبحث دائماً عن الجرح المختبئ خلف التصرفات.
وفي الطرف المقابل، كان رجلٌ قصير القامة يراقبه بعينين مضطربتين. أشيب الشعر، يرتدي معطفاً قديماً رغم دفءِ الطقس، وعلى ملامحه شيءٌ من المكر والاضطراب معاً، كأنما جاء مدفوعاً بقوةٍ داخلية لا يستطيع مقاومتها. وفجأة انفجر صوته عالياً من بعيد، يسبّ ويشتم ويقذف الشيخ بأقسى الألفاظ، حتى بدا وكأن الكلمات تخرج من فمه لا من عقله. كان الزبد يتطاير من شدقيه، والغضب يُفقده اتزان عباراته، وهو يتوعد الشيخ بأنه سيفعل كل ما يستطيع للنيل منه.
وقف ابن أخي الشيخ بالقرب منه، شاباً طويل القامة، قوي البنية، اشتعل الدم في عروقه من شدة الغضب.
"كيف يُهان عمّه الوقور أمام الناس، وفي داره؟" راح يضغط على كفيه بقوة، ويضرب الأرض بقدمه بين لحظةٍ وأخرى، بينما كان قلبه يخفق بعنفٍ كفرسٍ جامح يريد الانطلاق.
قال بانفعال:
- أتسمعه يا عم؟
أجاب الشيخ بهدوءٍ وهو مستمر في عمله:
- نعم، أسمعه جيداً يا ابن أخي.
قال الشاب وقد ارتفع صوته:
-إنه يقصدك أنت… يشتمك أنت بالذات!
رفع الشيخ رأسه قليلاً، ثم قال بصوتٍ خفيض:
-أعلم ذلك… لكن ربما يكون محقاً بطريقته، فلعلّ أحداً قد ظلمه أو سلبه حقاً، فامتلأ قلبه بكل هذا الغضب.
كانت الكلمات كصفعةٍ غير متوقعة لذلك الرجل الغاضب. توقف فجأة، وانطفأت نبرة الصراخ في حلقه .راح ينظر حوله بارتباك، ثم أخذ صدره يرتجف بعنف، وكأن شيئاً داخله قد انهار دفعةً واحدة .مرّر أصابعه بين شعره الأشيب، ثم رفع بصره نحو الشيخ بخجلٍ لم يعرفه من قبل. قال بصوتٍ متقطع:
- كنتُ أنتظر هذا اليوم منذ زمن… كنتُ أتهيأ لهذه اللحظة، لأرميك بكل ما في داخلي من حقدٍ وكلمات. كنتُ أظن أني حين أسيء إليك سأشعر بالانتصار… بل كنت أتلذذ بذكرك بالسوء في غيابك. لكنني الآن… أمام حلمك هذا… اكتشفت أنني أنا من أهان نفسه، وأنا من صغّرها بيدي. ثم اقترب بخطواتٍ مرتجفة، وطبع قبلةً سريعة على جبين الشيخ، وغادر مسرعاً كمن يهرب من صورته القديمة.
ساد الصمت للحظات، صمتٌ ثقيل لكنه مفعم بشيءٍ من الطمأنينة. أما أحد الجالسين، فقد بقي شارداً وهو يستعيد تفاصيل الحكاية في ذهنه، شاعراً براحةٍ غريبة، وكأن هذا المشهد أعاد إليه إيمانه بأن الحِلم ما يزال قادراً على إنقاذ البشر من وحشية أنفسهم.
وحين أفاق من قيلولته القصيرة في عصر ذلك اليوم، خرج من منزله بنفسٍ منشرحة، وما إن ابتعد قليلاً حتى لمح الرجل ذاته، لكن ملامحه هذه المرة كانت متجهمة، يمشي بخطواتٍ متسارعة، وخلفه شاب يهرول.
سمعه يقول بعصبية:
- أسرع يا ولدي… اجمع الشباب كلهم، وإياكم أن تعودوا قبل أن تؤدبوه قبل حلول المساء… أما أنا فسأتكفل بإيجاد الحلول!
توقف الرجل مذهولاً .شعر وكأن الحكاية التي كانت قبل ساعات مثالاً للحِلم والسمو، قد تحولت فجأة إلى مرآةٍ أخرى تكشف هشاشة الإنسان حين يعود أسير طبعه القديم. وأدرك في تلك اللحظة أن الحِلم ليس موقفاً عابراً، بل معركةٌ يومية يخوضها الإنسان ضد نفسه قبل أن يخوضها مع الآخرين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة


المزيد.....




- من نحيب -تموز- إلى كاظم الساهر.. لماذا يبكي الغناء العراقي؟ ...
- المجمع المعماري لمركز معارض عموم روسيا في موسكو يستعد لتقييم ...
- ألكسندر بلوك.. رحيل أنهى حقبة العصر الفضي للأدب الروسي
- لا تتجاوز 15 دقيقة.. أفلام مصرية قصيرة بحكايات لا تُنسى
- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحُلم