أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء














المزيد.....

قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 00:20
المحور: الادب والفن
    


لم يكن النهر، في ذلك المساء، نهراً كما عرفته القرية منذ سنين، بل بدا ككائنٍ ضاق بصبره، فراح يمد ذراعيه نحو الضفة الغربية، يلامسها مرة، ثم يصفعها أخرى، كأنه يطالبها بردِّ دينٍ قديم. كانت المياه تعلو بصمتٍ مهيب، فيما أخذت البيوت الطينية والحقول تتبادل نظرات الوداع، وكأنها تدرك أن الليل لن يمر كما مرَّت الليالي السابقة.
في تلك اللحظات، لم تكن البيوت تُغلق أبوابها، بل كانت تفتح ذاكرتها. داخل كل أسرة كانت الحياة تعيد ترتيب أولوياتها دون اتفاقٍ مسبق، وكأن الخطر يوقظ في كل إنسان غريزته الأولى.
وقف الأب أمام أكياس الحنطة والدقيق، يربط أفواهها بحبالٍ مرتجفة، ثم قال في سره:
- إن ضاع الزرع، فمن أين نطعم الغد؟ الجوع لا يرحم، ولا يؤجل مواعيده.
كان يحمل كيساً على ظهر حماره، ثم يعود مسرعاً لآخر، وكأن كل حفنة قمح تحمل وجهاً من وجوه أطفاله. فكان يوصلها إلى التلال التي تبعد مسافة لا بأس فيها
أما الأم، فقد وقفت حائرة بين أواني الطبخ والأغطية. مدت يدها إلى قدرٍ أسود طالما اجتمع حوله أفراد الأسرة، ثم احتضنت بعض الأغطية وهمست لنفسها:
-قد نفقد الجدران، لكن لا ينبغي أن يفقد الصغار دفء الليل.
لذا رفعت رأسها نحو زوجها وقالت:
- خذ ما يقيم الجسد... وسأحمل ما يدفئ الأرواح.
لم يجبها، لكنه ابتسم ابتسامةً قصيرة، كانت أبلغ من الكلمات.
وفي زاوية الدار، مرر الجد كفه على جدارٍ تشققت أطرافه، وقال بصوتٍ خفيض:
- كم شتاءً احتميتُ بك، ليت الطين يعرف أننا لم نهجره مختارين.
أما الجدة، فقد ألقت نظرةً أخيرة على التنور، ومسحت بيدها حافته المتفحمة، وقالت:
- سيبقى الجمر ينتظرنا، حتى لو غطّاه الماء.
لم يكن أحد يصدر الأوامر، ولم يكن أحد يسأل الآخر ماذا يحمل؛ فحين يقترب الطوفان، يعرف كل قلبٍ ما يراه أثمن من سواه.
غير أن طفلاً صغيراً، لم يتجاوز الخامسة من عمره، كان يعيش في عالمٍ آخر. لم يكن يسمع هدير الماء، بقدر ما كان ينصت إلى صمت الدجاجة البيضاء، الراقدة فوق بيضاتها منذ خمسة عشر يوماً. كان يزورها كل صباح، يجلس إلى جوارها، ويهمس لها:
- لم يبقَ إلا قليل، أليس كذلك؟
ثم يضع أذنه على البيض، ويبتسم، كأنه يسمع حياةً صغيرة تتقلب في الداخل.
وحين تعالى النداء:
- أسرعوا، أسرعوا. الماء وصل إلى أطراف الحقول.
أسرع الجميع إلى ما اعتقدوا أنه ينقذ الحياة. أما هو، فاتجه إلى الدجاجة. جثا على ركبتيه، وربت على ريشها برفق، وكأنه يقول لها:
- لا تخافي، لن أتركك وحدك.
رفع العش بكلتا يديه، بحذرٍ يفوق عمره، وكأنه يحمل صباحاً كاملاً بين ذراعيه.
نظر الأب إليه، وكادت الكلمات أن تخرج من فمه:
- اتركه... لسنا قادرين على حمل كل شيء.
لكن عيني الطفل أوقفتا الكلمات في حلقه، كان فيهما يقينٌ لا يعرفه إلا الذين لم تتلوث أحلامهم بحسابات الخسارة.
لذا اقترب الأب بصمت، وساعده في تثبيت العش فوق ظهر الحمار، ثم قال وهو يربت على كتف ابنه:
- تمسك به جيداً.
ابتسم الطفل، وأجاب بثقة:
- لن أسقطه... فالبيوض لا تعرف السباحة.
ضحكت الأم رغم دموعها، وقالت:
- حتى في الخوف يجد الصغار سبباً للابتسام.
تحرك الموكب الصغير.
الأب يقود الحمار، الأم تحمل ما يقيهم برد الليل، الجد يسير ببطء، كأنه يخشى أن يوقظ الطريق ذكرياته، والجدة تتمتم بدعاءٍ لا يسمعه إلا الله. أما الطفل، فكان يحيط العش بذراعيه، يحميه من اهتزاز الطريق، ويهمس للدجاجة:
- عندما نصل، سنصنع لهم بيتاً جديداً.
سألته أمه، وهي تمشي إلى جواره:
-ألا تخاف أن يأخذ الماء دارنا؟
رفع رأسه إليها، وقال ببراءةٍ أدهشت الجميع:
-إذا بقي العش... فسنجد داراً أخرى.
ساد الصمت. شعر الأب أن ابنه الصغير قال، من حيث لا يدري، ما عجز الكبار عن قوله.
واصلوا السير، وكل واحدٍ منهم يحمل ما يراه جوهر الحياة. الأب يحمل القوت، والأم تحمل الدفء، والجد يحمل الذاكرة، والجدة تحمل الدعاء. أما الطفل... فكان يحمل الغد.
وحين ابتعدوا كثيراً، التفت الجميع إلى القرية، فرأوا الماء يبتلع آخر ما بقي من ملامحها. إلا الطفل لم يلتفت، ظل يحدق في العش، كأنه يخشى أن يفوته موعدٌ لا ينتظر أحداً.
وفي تلك اللحظة، وبين هدير الماء وصمت الطريق، خُيّل للجميع أنهم سمعوا صوتاً خافتاً. لم يعرفوا أكان ارتطام موجةٍ بجذع شجرة، أم أن أول بيضةٍ كانت قد قررت أن تنشق، معلنةً أن ثمة أشياء... لا يحملها الماء.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الشبح
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر


المزيد.....




- فنان مصري شهير يعلن اعتزاله التمثيل نهائيا
- رجل يعيش داخل لوحة إعلانية.. نتفليكس تبتكر أغرب دعاية لفيلم ...
- ما علاقة القطط بالكهرباء والفلسفة والأدب؟
- تنكيل وتعذيب في عرض البحر.. شهادات ناشطي أسطول غزة تفضح الرو ...
- تطور المقامة من اليازجي إلى المويلحي مرورا بسحر القصص التراث ...
- -باص الأحلام-.. تحويل سيارة إسعاف مستهدفة إلى سينما متنقلة ل ...
- مصر.. عمرو دياب يحتفي ببطلة كليب -لولا البنات- في حفله بالعل ...
- مصر.. كشف أثري جديد يوثق آلاف السنين من الاستيطان البشري
- أزياء الفيلم تُعرض للبيع.. مزاد يحقق حلم جمهورThe Devil Wear ...
- حين يتحوّل اللقاء إلى -زحف بشري-.. دمشق تستقبل -المايسترو-


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ما لم يحمله الماء