أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (65)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (65)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 04:50
المحور: القضية الفلسطينية
    


في نزع سلاح المقاومة: بين منطق النهايات واستبطان التاريخ
هل من يدلنا على استعمار استيطاني هُزم لأنه اكتشف خطأه الأخلاقي؟
وهل من يدلنا على مستعمِر انسحب لأنه اقتنع بحقوق ضحاياه؟
ربما تكون الإجابة صعبة، لأن التاريخ لا يقدم أمثلة كثيرة على أن القوى الاستعمارية تخلت طوعاً عن مشاريعها بفعل صحوة أخلاقية. فالتحولات الكبرى جاءت، في الغالب، عندما أصبحت كلفة الاستعمار أعلى من قدرته على الاستمرار، وعندما تحولت مقاومة الشعوب إلى عامل يمنع تثبيت الاحتلال وتحويله إلى واقع دائم.
فهل عرف التاريخ استعماراً استيطانياً انتهى من دون مقاومة؟
تدل التجارب التاريخية على أن الاستعمار الاستيطاني لا يزول عادة بسبب اقتناع المستعمِر بعدالة مطالب السكان الأصليين، وإنما بسبب تراكم عوامل سياسية ومادية وأخلاقية تجعل استمرار السيطرة أمراً أكثر كلفة من التخلي عنها. فالمقاومة، بأشكالها المختلفة، لا تضمن النصر في كل مواجهة، لكنها تمنع الاحتلال من الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها وجوده أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى تبرير.
حين تنخفض كلفة الاحتلال إلى الصفر، يتحول الاحتلال من أزمة سياسية إلى نظام حكم مستقر، ولم يعد أزمة سياسية تبحث عن حل*. أما استمرار المقاومة، فهو يبقي الاستعمار في حالة أزمة تاريخية وسياسية، ويمنع تحويل السيطرة المفروضة إلى حقيقة نهائية.
في الحالة الفلسطينية، جوهر القضية ليس وجود حركة بعينها، أياً كانت، وإنما طبيعة النظام الاستعماري الاستيطاني القائم. ومن هنا تأتي إحدى أكبر المغالطات في النقاش الراهن، حين تُعرض المقاومة وكأنها خيار من بين خيارات متساوية ومتاحة لشعب يعيش في ظروف طبيعية. غير أن الشعوب الواقعة تحت الاستعمار لا تواجه سؤالاً مجرداً: هل نقاوم أم لا نقاوم؟ بل تواجه سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف نقاوم؟ وبأي أدوات؟ وتحت أي مشروع سياسي**؟
الاستعمار الاستيطاني ليس نظاماً يسعى إلى إدارة شعب آخر مع الإبقاء على وجوده وحقوقه، وإنما يقوم على الإحلال والسيطرة وإعادة تشكيل المكان والسكان. لذلك فإن غياب المقاومة لا يعني بالضرورة نهاية الصراع، بل قد يعني إزالة العائق الأخير أمام اكتمال المشروع الاستعماري.
لكن هذا لا يجعل المقاومة قيمة مطلقة خارج التاريخ. فالمقاومة ليست ضمانة للنصر، ولا تعفي أصحابها من النقد والمراجعة والمساءلة. قد تخطئ، وقد تفشل، وقد تحتاج إلى مراجعة عميقة في قيادتها وأدواتها وأهدافها. غير أن نقد المقاومة يختلف جذرياً عن الدعوة إلى إلغائها. فالنقد الذي يسعى إلى تطوير قدرة التحرر يختلف عن النقد الذي ينتهي عملياً إلى مطالبة الضحية بالتخلي عن أدواتها فيما يحتفظ الطرف المسيطر بكل أدوات القوة. لهذا لا تقاس جدوى المقاومة بنتيجة معركة واحدة، ولا بعدد الانتصارات العسكرية المباشرة فقط. وظيفتها التاريخية أوسع من ذلك؛ فهي تمنع الاستعمار من التحول إلى حقيقة طبيعية وأخلاقية. وحتى حين تُهزم عسكرياً، فإن استمرارها يحول دون انتقال السيطرة الاستعمارية من واقع مفروض إلى حق مزعوم، ومن حق مزعوم إلى ذاكرة تاريخية تُمحى منها هوية أصحاب الأرض.
فما دام الشعب يقاوم، يبقى الاستعمار قضية سياسية وتاريخية قابلة للنقض. أما حين تختفي المقاومة، فإن الخطر يكمن في أن يتحول الاستعمار تدريجياً إلى أمر واقع، ثم إلى نظام طبيعي في وعي الأجيال اللاحقة.
من هنا يصبح السؤال موجهاً أيضاً إلى المثقف الذي يرى في الدعوة إلى التخلي عن المقاومة نوعاً من "العقلانية السياسية". هل يميز بين نقد الأداء وبين تبني منطق القوة المسيطرة؟ وهل يدرك أن اختزال الصراع في أخطاء المقاومة وحدها قد يؤدي، عن قصد أو من دونه، إلى إعادة إنتاج رواية الطرف الذي يملك القوة ويعرّف المشكلة وفق شروطه؟
المفارقة أن ما يبدو في لحظته فعلاً متهوراً أو غير محسوب قد يتحول، في الذاكرة التاريخية، إلى لحظة كاشفة أو تأسيسية. فالأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بالنتائج المباشرة، وإنما بما تكشفه من تناقضات، وما تعيد إنتاجه من أسئلة، وما تفتحه من إمكانات جديدة.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى السابع من تشرين الأول 2023 بوصفه حدثاً أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بعد مرحلة طويلة من التهميش السياسي، حيث بدا أن القضية تتحول تدريجياً إلى ملف أمني وبيروقراطي، بينما تتسارع مشاريع التطبيع ويُفترض أن الصراع أصبح قابلاً للتجاوز.
لقد جاء الحدث في سياق تاريخي من الحصار والجمود وانسداد الأفق السياسي في غزة والضفة والشتات. ولذلك يمكن فهمه بوصفه فعلاً أراد كسر حالة الاستقرار الزائف التي نشأت حول القضية الفلسطينية. لكنه، في الوقت نفسه، لا يمكن قراءته خارج نتائجه الإنسانية الهائلة، من قتل ودمار وتهجير وتجويع ومعاناة واسعة تحمل الفلسطينيون كلفتها الأساسية.
وهنا يظهر السؤال الأخلاقي الأصعب: هل يمكن تأجيل تقويم الفعل إلى مستقبل مجهول بحجة أن التاريخ قد يكشف لاحقاً معناه؟ وهل يجوز الاحتماء بفكرة "مكر التاريخ" لتجاوز الألم المباشر للضحايا؟
لا تكفي قراءة الحدث بوصفه رمزاً أو لحظة تاريخية؛ فالتحليل الجاد يقتضي مراقبة مآلاته، ليس بهدف منحه قيمة مقدسة أو إدانته مسبقاً، وإنما لفهم كيفية تشكل الأحداث الكبرى من تفاعل التخطيط والصدفة والاختيارات البشرية والظروف التاريخية.
قد يكون الطوفان لحظة أعادت تشكيل الوعي السياسي العالمي تجاه فلسطين، وقد يكون بداية مرحلة أكثر قسوة، وقد يجمع بين الأمرين معاً. فالتاريخ لا يسير وفق نيات الفاعلين وحدها، ولا وفق حسابات القوة المباشرة فقط.
ولهذا فإن مقولة "عدم جدوى الكفاح المسلح ضد إسرائيل" تحتاج إلى تفكيك، لأنها كثيراً ما تنطلق من افتراض أن الطرف الواقع تحت الاحتلال يمتلك خيارات متكافئة، وأن بإمكانه الاختيار بين المقاومة والسلام بالطريقة نفسها التي تختار بها الدول المستقلة سياساتها. لكن واقع الاستعمار الاستيطاني مختلف؛ فالمستعمَر لا يقف أمام طريقين متساويين، وإنما أمام معادلة أكثر قسوة: مقاومة المشروع الذي يهدد وجوده، أو السماح لهذا المشروع بأن يرسخ نفسه.
أما السلاح، فهو ليس جوهر المقاومة ولا غايتها، وإنما أحد أدواتها حين تُغلق أمام الشعب الواقع تحت السيطرة بقية أدوات التأثير. فحين يحتكر المستعمِر القوة، ويفقد المستعمَر القدرة على رفض الإملاءات، تصبح السياسة نفسها مختلة؛ لأن التفاوض بين طرف يملك كل أدوات القوة وطرف منزوع القدرة ليس تفاوضاً متكافئاً.
في تجارب التحرر الوطني، لم يكن السلاح بديلاً عن السياسة، بل كان جزءاً من علاقة أوسع بين القوة والمشروع السياسي. ولم تنجح حركات تحرر كثيرة لأنها امتلكت السلاح فقط، وإنما لأنها استطاعت تحويل القوة إلى مشروع سياسي قادر على تغيير موازين الواقع.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ينبغي وجود المقاومة أم غيابها؟ بل: كيف يمكن تحويل المقاومة إلى قوة سياسية وتاريخية قادرة على تحقيق التحرر؟ وكيف يمكن أن يصبح نقدها وسيلة لتطويرها لا ذريعة لإلغائها؟
فنزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاستعمار لا ينهي الصراع، وإنما يعيد تعريفه لمصلحة الطرف الأقوى. أما إنهاء الصراع الحقيقي، فيبدأ من معالجة البنية التي أنتجته أصلاً.
.............
* في العموم "المبرهن" ليست المقاومة مشروعاً قابل للاختبار على طريقة اختبار البرامج الاقتصادية أو الحملات الانتخابية، ومن نحكم عليه-عليها بالنجاح أو الفشل. إن هذا إلا تصور ليبرالي للسياسة، يفترض أن الشعوب تختار بين بدائل متكافئة. في الحقيقة الواقعية "المبرهنة أيضاً" لا يمتلك الفلسطينيون اليوم (وأمس وفي الغد) تلك الرفاهية إزاء هذه الإسرائيل الاستيطانية التي ليس كمثلها عدو. المستعمَر لا يقف أمام طريقين، أحدهما مقاومة والآخر سلام. فما هو أمامه شيء مختلف تماماً: مقاومته أو تأبيده.
**السلاح بالنسبة إلى المقاومة آخر ضمانة مادية لوجود السياسة. فحين يحتكر المستعمِر وسائل العنف، ويتجرد المستعمَر من كل قدرة على مقاومته، تنتهي السياسة، لأن التفاوض بين طرف يملك كل شيء وطرف لا يملك شيئاً ليس تفاوضاً، بل إملاء. في كل تجارب التحرر تقريباً، لم يكن السلاح هو الذي صنع السياسة، وإنما السياسة هي التي أعطت السلاح معناه. لكن لم توجد تجربة تحرر وطني نجحت بعد أن تخلت طوعاً عن آخر أدوات القوة لديها بينما بقي الاستعمار قائماً بكل أدواته. فهل زالت الأسباب التي جعلت السلاح موجوداً أصلاً؟ إذا بقي الاستعمار، وبقي الاحتلال، وبقي الاستيطان، وبقي اختلال ميزان القوة، هل تكون الدعوة إلى نزع السلاح تعني إنهاء الصراع، أم ستنهي عملياً قدرة أحد طرفيه على التأثير في مساره



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة
- عن الطوفان واشياء أخرى (62)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (61)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (60)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (58)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (59)
- السيدة صاحبة النزل
- الحروب الأهلية القديمة والجديدة: مفارقة التصنيف والتحليل الم ...
- أمنية


المزيد.....




- اليويفا يقول إن المقاطعة قد تستمر والاتحاد الإنجليزي يسحب دع ...
- بلومبيرغ: كثرة حالات الانتحار في قيادة الأمن السيبراني بالجي ...
- مصادر: السعودية وباكستان وتركيا ستوقّع اتفاقية دفاع مشترك ال ...
- أثارت غضب ترمب.. ماذا تُخفي تقارير مخزون الأسلحة الأمريكية؟ ...
- أوروبا في مواجهة أزمات تهدد مستقبلها
- مصادر تفسر لـCNN علاقة غضب ترامب من التسريبات عن تناقص الذخا ...
- مصدر سعودي مسؤول: هناك تنسيق بين الحوثيين والميليشيات العراق ...
- علماء -ستانفورد- يبتكرون فيروسات اصطناعية باستخدام الذكاء ال ...
- الهند.. ارتفاع عدد ضحايا الصواعق الرعدية في ولاية جهارخاند ...
- غالوزين: محاولات الغرب لإضعاف العلاقات الروسية الكازاخستانية ...


المزيد.....

- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (65)