|
|
حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسكري والصمود الإقتصادي في روسيا؟ الجزء الأول 1-2
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 22:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
6 آب أغسطس 2026
دراسة في تداخل الأمن العسكري، والإقتصاد السياسي، والحرب النفسية، وإدارة الإحتياطيات الإستراتيجية في أزمة الوقود الروسية عام 2026.
الفصل الأول: حرب الوقود... عندما تتحول الطاقة إلى سلاح في الصراعات الحديثة
لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات أو بحجم الأراضي التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك. فقد أدى التطور الهائل في وسائل الإستطلاع والضربات الدقيقة والحرب السيبرانية والعمليات غير المتماثلة إلى توسيع مفهوم ساحة المعركة، بحيث أصبحت البنية التحتية الإقتصادية، وشبكات الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأنظمة المالية، وحتى المزاج النفسي للمجتمعات، أهدافاً مشروعة في حسابات الصراع. وفي هذا السياق، برز قطاع الطاقة بوصفه أحد أكثر القطاعات حساسية، ليس فقط بسبب أهميته الإقتصادية، بل لأنه يشكل عصب الحياة اليومية للدولة الحديثة. فالوقود لم يعد مجرد سلعة تُباع في محطات التزود بالطاقة، بل أصبح حلقة مركزية تربط الصناعة بالنقل، والزراعة بالتجارة، والخدمات المدنية بالقدرات العسكرية. وأي إضطراب يصيب هذه الحلقة ينعكس بسرعة على بقية قطاعات الإقتصاد، ويؤثر في حركة الأسواق، وفي ثقة المواطنين، وفي قدرة الدولة على إدارة مواردها في ظروف الأزمات. منذ إندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، برزت منشآت الطاقة بوصفها أحد أهم أهداف العمليات العسكرية المتبادلة. فإلى جانب المواجهة التقليدية على خطوط القتال، إتجهت الضربات نحو البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك محطات الكهرباء، ومستودعات الوقود، وخطوط النقل، ومصافي النفط. وأصبحت هذه المنشآت جزءاً من معركة أوسع تهدف إلى تقليص قدرة الخصم على مواصلة القتال، وإرباك إقتصاده، ورفع الكلفة السياسية والإجتماعية للحرب. وفي هذا الإطار، شهدت روسيا خلال عام 2026 تصاعداً ملحوظاً في إستهداف عدد من مصافي النفط بواسطة الطائرات المسيّرة الأوكرانية، الأمر الذي أدى إلى إنخفاض مؤقت في طاقات التكرير، وظهور إختناقات في سوق الوقود، وإرتفاع الأسعار في بعض المناطق، إضافة إلى طوابير أمام محطات الوقود أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الروسية. غير أن أهمية هذه التطورات لا تكمن في تأثيرها الإقتصادي المباشر فحسب، وإنما في ما كشفته من إنتقال الصراع إلى مستوى جديد، أصبحت فيه الطاقة وسيلة للضغط الإستراتيجي، وأداة للتأثير في الداخل بقدر ما هي هدف عسكري. فمن وجهة نظر عدد من الكتّاب والمحللين الروس، لم يعد الهدف من إستهداف المصافي مجرد تقليص إنتاج البنزين والديزل، بل توسيع دائرة الضغوط لتشمل قطاع النقل، والزراعة، وسلاسل الإمداد، والأسواق المحلية، ومن ثم التأثير في المزاج العام والثقة بقدرة الدولة على إدارة الأزمة. وفي المقابل، تؤكد الرواية الرسمية الروسية أن الأزمة، رغم صعوبتها، تبقى مؤقتة وقابلة للإحتواء، وأن الإجراءات التي إتخذتها الحكومة، بما في ذلك حظر تصدير بعض المشتقات النفطية، وزيادة الإستفادة من المخزونات، وتشجيع الإستيراد من الدول الصديقة، ستؤدي إلى إعادة التوازن للسوق. كما يشير عدد من الخبراء إلى أن شبكة العلاقات الإقتصادية التي بنتها موسكو مع شركائها في آسيا والإتحاد الإقتصادي الأوراسي والجنوب العالمي منحتها هامشاً أوسع للتكيف مع الضغوط، مقارنة بما كان متوقعاً عند بداية الأزمة. في المقابل، لا يكتفي بعض الإقتصاديين الروس بتفسير الأزمة من خلال العامل الخارجي وحده، بل يطرحون أسئلة تتعلق بفعالية إدارة الإحتياطيات الإستراتيجية، وآليات التدخل الحكومي، وكفاءة المؤسسات المسؤولة عن إدارة الأزمات. ويرون أن إختبار صلابة الدولة لا يقتصر على إمتلاك الموارد، بل يشمل أيضاً سرعة تعبئتها، وشفافية إدارتها، وقدرتها على الوصول إلى الأسواق في الوقت المناسب. وانطلاقاً من هذه الرؤى المتباينة، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل أزمة الوقود الروسية بوصفها نموذجاً لتداخل الأبعاد العسكرية والإقتصادية والسياسية والنفسية في الحروب المعاصرة. فهي لا تتناول نقص البنزين بإعتباره مشكلة قطاعية عابرة، بل بإعتباره حالة تكشف كيف يمكن لإستهداف البنية التحتية للطاقة أن يتحول إلى أداة ضغط مركبة تمس الأمن القومي، والإقتصاد، والإستقرار الاجتماعي، والثقة بالمؤسسات في آن واحد.
ولتحقيق ذلك، ستتناول الدراسة في الفصول التالية تطور أزمة الوقود داخل روسيا، وتأثير الهجمات على مصافي النفط، والإجراءات الحكومية الهادفة إلى إحتواء الأزمة، إضافة إلى تحليل البعد النفسي للطوابير ونقص الإمدادات، ودور شبكات التعاون مع دول الجنوب العالمي في الحد من آثار الضغوط، وصولاً إلى تقييم مدى نجاح روسيا في تحويل الأزمة من تهديد إستراتيجي إلى إختبار لقدرتها على التكيف والصمود.
الفصل الثاني: من حرب الطائرات المسيّرة إلى أزمة الوقود... هل أصبح الإقتصاد ساحة القتال الرئيسية؟
إذا كان إستهداف المصافي الروسية قد بدأ بوصفه عملاً عسكرياً يهدف إلى تقليص قدرات موسكو اللوجستية، فإن تطور الأحداث خلال صيف 2026 كشف، بحسب عدد من المحللين الروس، عن إنتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث بات الإقتصاد نفسه ميداناً للحرب. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بتدمير منشآت أو تعطيل خطوط إنتاج، بل بمحاولة التأثير في حياة المواطنين اليومية عبر الوقود وأسعاره وسلاسل التوريد. هذا التحول هو المحور الذي يتوقف عنده الكاتب رسلان بانكراتوف، الذي يرى أن الضربات المتكررة للمصافي لا ينبغي النظر إليها بإعتبارها عمليات تكتيكية معزولة، بل كجزء من إستراتيجية تستهدف ما يسميه "الجهاز العصبي للإقتصاد الروسي". ومن هذا المنظور، فإن كل مصفاة تتوقف عن العمل لا تعني فقط خسارة كمية من الوقود، وإنما سلسلة من التداعيات تمتد إلى النقل والزراعة والصناعة والتجارة، وصولاً إلى المزاج الإجتماعي. ويذهب بانكراتوف أبعد من ذلك حين يعتبر أن الهدف النهائي لهذه الضربات هو خلق حالة من الضغط النفسي والإقتصادي داخل روسيا، بحيث تتحول الطوابير أمام محطات الوقود وإرتفاع الأسعار إلى عنصر يؤثر في الرأي العام، ويضع الدولة أمام إختبار داخلي لا يقل أهمية عن المواجهة العسكرية على الجبهات. هذه القراءة تتقاطع مع رؤية أخرى قدمها الباحث دميتري نيفيدوف، الذي يرى أن الضغوط على قطاع الطاقة الروسي دفعت موسكو إلى تسريع بناء منظومة بديلة للإمدادات، مستندة إلى فضاء الإتحاد الإقتصادي الأوراسي وشركاء "الجنوب العالمي". فبدلاً من الإكتفاء بإصلاح المصافي المتضررة، بدأت روسيا - بحسب نيفيدوف - في توسيع شبكة إستيراد المشتقات النفطية من دول صديقة مثل بيلاروس وكازاخستان والهند والصين وإيران وتركيا وأذربيجان وتركمانستان، مع توفير حوافز مالية وتشريعية لتسهيل هذه الواردات. ويرى نيفيدوف أن هذه الإجراءات تكشف عن محاولة لتحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة سوق الوقود، بحيث يصبح أقل إعتمادًا على الإنتاج المحلي وحده وأكثر إرتباطًا بشبكات إقليمية ودولية بديلة، الأمر الذي قد يحد من فعالية أي محاولة مستقبلية لفرض "حصار وقودي" على روسيا. وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى أهمية القرار الذي وقعه الرئيس فلاديمير بوتين في مطلع تموز/يوليو 2026، والذي تضمن تعديلات على آلية الدعم الحكومي لمصافي النفط، بما يسمح بمنح تعويضات للشركات التي تستورد الوقود الجاهز من الخارج عند الحاجة، إضافة إلى تمديد الإعفاءات الجمركية على واردات البنزين والديزل ووقود الطائرات داخل إطار الإتحاد الإقتصادي الأوراسي. كما يلفت نيفيدوف الإنتباه إلى الدور المتنامي للهند، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكبر مستورد للنفط الروسي، قبل أن تتحول أيضاً إلى مصدر محتمل للمشتقات النفطية نحو السوق الروسية نفسها. ويعتبر أن إمتلاك شركة "روسنفت" حصة كبيرة في مجمع Nayara Energy الهندي يمنح موسكو قدرة على تدوير نفطها عبر منشآت التكرير الهندية ثم إعادة جزء من المنتجات النهائية إلى الداخل الروسي عند الضرورة. ويرى أصحاب هذا الإتجاه أن هذه الآلية تمثل نموذجاً جديداً للتكامل الإقتصادي بين روسيا ودول الجنوب العالمي، حيث تتحول العقوبات والضغوط الغربية إلى دافع لإعادة تشكيل مسارات التجارة والطاقة خارج المنظومة الغربية التقليدية. لكن، وعلى الرغم من هذه الإجراءات، لا يخفي عدد من الإقتصاديين الروس أن الأزمة كشفت أيضاً عن نقاط ضعف داخلية لا يمكن تجاهلها. فإستهداف المصافي تزامن مع إختناقات في النقل والتوزيع، وإرتفاع تكاليف الشحن، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بموسم الحصاد الزراعي، وهو ما جعل أي نقص محدود في الوقود يتحول سريعاً إلى قضية رأي عام. ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من النقاش داخل روسيا، لا تقتصر على كيفية مواجهة الهجمات الخارجية، بل تمتد إلى سؤال أكثر حساسية: هل تمتلك الدولة فعلاً إحتياطيات إستراتيجية وآليات إدارة أزمات قادرة على إمتصاص الصدمات، أم أن الأزمة كشفت عن ثغرات في منظومة التخطيط والإدارة؟ هذا السؤال تحديداً سيكون محور الفصل التالي، من خلال قراءة الإقتصادي الروسي البارز البروفيسور فالنتين كاتاسونوف، الذي لا يركز على الهجمات الأوكرانية بقدر ما يوجه إنتقادات حادة للإدارة الإقتصادية الروسية نفسها، متسائلاً عما إذا كانت الإحتياطيات الإستراتيجية المعلنة موجودة بالفعل، أم أنها لا تزال، كما يقول، "حبراً على الورق".
***** غدا الجزء الثاني والأخير
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العودة إلى السوفيات؟
-
الأخطاء العسكرية التي كشفتها الحرب على إيران
-
روسيا وحيدة في ساحة المعركة: دروس التاريخ في مواجهة واقع الح
...
-
ناجي العلي... الرصاص الذي لم يقتل حنظلة
-
من فندق الملك داود إلى الليكود: كيف صعد قادة التنظيمات الإره
...
-
لماذا تحمل النخبة البريطانية عداءً راسخاً تجاه روسيا؟
-
ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا و
...
-
من «إبتزاز» الحلفاء إلى «جاهزية 2030»... كيف تعيد واشنطن هند
...
-
«النصر على الذات قبل العدو»
-
حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
-
من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم
...
-
أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
-
حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
-
ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو
...
-
مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف
...
-
ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر
...
-
«المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا
...
-
ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
-
أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
-
عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا
...
المزيد.....
-
لغز المسيرة المفخخة.. مطار ألماني ينجو بأعجوبة من كارثة محتم
...
-
صفقة هرمز.. شروط إيران تتخطى مطالب ترامب
-
تعليق محادثات إسرائيل ولبنان في روما وسط تصعيد ميداني في جنو
...
-
موسكو تستبعد ألمانيا من أي وساطة في أوكرانيا
-
التعليم العالي: جامعة النيل تفتح باب التقدم للمنح الدراسية ا
...
-
التعليم العالي: إقبال متزايد على تسجيل رغبات المرحلة الأولى
...
-
من نيو أورلينز إلى نهر المسيسيبي: رحلة عبر التاريخ، الجاز، و
...
-
مهمة في أمريكا اللاتينية.. هل تنجح إسرائيل في اختراق معقل ال
...
-
بين احتفالات التقدميين وهجوم ترمب.. لماذا أثار فوز عبدول كل
...
-
كيف يبدو المشهد في إسرائيل مع بدء الحملة الانتخابية؟
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|