أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن














المزيد.....

التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 23:43
المحور: القضية الكردية
    


ماذا قال السيد بافل طالباني، وماذا كشف حديثه عن وعينا بتاريخنا؟
من أخطر ما يواجه الوعي الكوردي اليوم أن تشويه التاريخ لم يعد يأتي فقط من خصوم الكورد والأنظمة التي احتلت كوردستان، بل يتسرّب أحيانًا إلى خطاب بعض النخب والقيادات الكوردية نفسها؛ إما بفعل تاريخٍ ملفّق جرى تلقينه عبر المناهج الرسمية، أو بسبب ضعف المراجعة والتدقيق، أو لأن مصطلحات صنعتها سرديات قومية لاحقة تُكرَّر وكأنها حقائق تاريخية ثابتة.
والمشكلة لا تقف عند خطأ في التسمية. فعندما تُختزل إمبراطوريات متعددة الشعوب والثقافات في هوية قومية واحدة، فارسية كانت أو عربية، نكون أمام إعادة إنتاج للرواية التي همّشت تاريخ شعوب المنطقة ووسّعت تاريخ مكوّن واحد على حساب الآخرين. فتسمية التاريخ ليست مسألة بريئة دائمًا؛ من يحتكر اسم الحضارة، يحتكر تدريجيًا ذاكرة الشعوب التي شاركت في صنعها.
وخير مثال ما لفت انتباهي في حوار مفتوح مع السيد بافل طالباني حول الدبلوماسية الإيرانية. فقد عرض، بأسلوب لافت ولغة إنكليزية سليمة وحجة تاريخية منطقية واضحة، قرابة ستة قرون من الصراع بين روما ثم بيزنطة من جهة، والبارثيين ثم الساسانيين من جهة أخرى، لكنه قدّمه في أكثر من موضع بوصفه صراعًا بين «الفرس والرومان»، ليستدل به على قدرة الدبلوماسية على تحويل نتائج الصراع العسكري إلى مكاسب سياسية.
لكن ما استوقفني لم يكن المثال، بل طريقة تسمية التاريخ نفسه. فقد تكرر الحديث عن «الإمبراطورية الفارسية»، وكأن البارثيين والساسانيين دولتان فارسيتان بالمعنى القومي الحديث، من دون تسمية الإمبراطوريتين بأسمائهما التاريخية، أو التوقف عند تركيبتهما البشرية والثقافية المتعددة.
البارثيون لم يكونوا دولة قومية فارسية، والساسانيون كذلك لا يمكن اختزالهم في «إمبراطورية فارسية» بالمعنى الذي كرّسته السرديات القومية المتأخرة. كانتا إمبراطوريتين واسعتين شاركت في تكوينهما شعوب ومناطق وثقافات متعددة، وكان لزاغروس وشعوبه حضور أساسي في بنيتهما السياسية والعسكرية والثقافية. أما تحويل تاريخ المجال الإيراني كله إلى «تاريخ فارسي»، فهو نتاج قراءات متأخرة أُسقطت بأثر رجعي على عصور أقدم، حتى بدا وكأن كل ما نشأ في ذلك المجال كان فارسيًا بالضرورة.
وهنا يتحول الخطأ التاريخي إلى مشكلة سياسية. فحين يكرر مسؤول كوردي هذه الرواية من دون تدقيق، فإنه، من حيث لا يقصد، يعيد إنتاج السردية التي أخرجت الكورد من تاريخ جغرافيتهم، وقلّصت نصيبهم من الحضارات التي شارك أسلافهم في صنعها.
والمفارقة أنني كنت، بالمصادفة، أشاهد الفيلم الأمريكي «محاربو الصحراء» عن معركة ذي قار، التي جرت وقائعها ما بين 609-611 م، أي قبل الإسلام بعقود. وطوال الفيلم استُخدمت التسميات التاريخية: الساسانيون، إمبراطور ساسان، قادة الجيش الساساني وجنرالاته، من دون أن يتم ذكر «الفرس» كليا طوال الفيلم. مخرج سينمائي التزم اسم الدولة التاريخي، بينما قد يقع بعض السياسيين الكورد في تكرار رواية قومية متأخرة وكأنها حقيقة أزلية.
وهنا جوهر المسألة، خصوم الكورد أعادوا تشكيل تاريخهم عن وعي، وبعض الكورد يعيدون ترديد تلك الرواية عن نقص في المعرفة أو الوعي التاريخي، من دون أن يعني ذلك نقصًا في وطنيتهم أو طعنًا فيها.
فالأمم لا تخسر الأرض وحدها؛ قد تخسر أسماءها وذاكرتها ونصيبها من الحضارات أيضًا. ولذلك فإن معرفة التاريخ بالنسبة إلى السياسي الكوردي ليست ترفًا ثقافيًا، بل جزء من أدواته السياسية والدبلوماسية؛ فمن يقرأ تاريخ شعبه بلغة خصومه قد يجد نفسه يدافع عن حقوقه اليوم بالرواية التي صيغت أصلًا لتهميشه.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
2/8/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من انتصر؟ السؤال الخطأ في الحرب الأمريكية–الإيرانية
- بعد الانسحاب الأمريكي من يهدد كوردستان؟
- لماذا خسرنا مكتسبات غربي كوردستان؟ 2/2
- لماذا خسرنا مكتسبات غربي كوردستان؟ 1/2
- إلى العرب لا تجعلوا أنفسكم وقودًا لتركيا وإيران
- من الحسكة يبدأ الحريق تحذير إلى واشنطن وتل أبيب وأوروبا
- في الرابعة والسبعين ما كنت سأغيّره لو عادت الحياة؟
- أيُّ انهيارٍ ثقافي أخلاقي تنحدر إليه سوريا؟
- يشتمون الكورد ثم يستترون بالقرآن
- ترامب لم يصنع أحمد الشرع رئيسًا بل جهّزه لمهمة
- سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 2/2
- سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 1/2
- أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان
- من نظام الجولاني إلى حكومة الشرع
- صفقة أنقرة الكبرى في قمة الناتو
- مجلس الشعب السوري المعيّن 2/2
- مجلس الشعب السوري المعيّن
- التكويع
- من سرق تريليون العراق؟
- متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ ...


المزيد.....




- 5 اقتحامات لآخر معاقلها بالقدس هذا العام.. ماذا تقول الأونرو ...
- بوتين يوقع قانونا يوسع أسباب ترحيل المهاجرين ليشمل التمييز و ...
- سوريا: احتقان متصاعد في الرقة إثر أزمة تبديل العملة.. احتجاج ...
- لافروف يترأس وفد روسيا إلى الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم ...
- مفوضية اللاجئين تطلق استطلاعا سريا للسوريين في مصر.. ماذا تر ...
- اجتماع طارئ للاتحاد الأوروبي لبحث تدفق المهاجرين إلى سبتة، و ...
- بعد وسيم الأسد.. النيابة تطلب إعدام عاطف نجيب والمحكمة تؤجل ...
- -قرار قضائي- يشعل أزمة سبتة.. المغرب يتهم إسبانيا بتجاهل تحذ ...
- الأونروا: إسرائيل اقتحمت معهد قلنديا في القدس 5 مرات بالعام ...
- الأمم المتحدة في ذكرى انفجار مرفأ بيروت: العدالة المتأخرة غا ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن