أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - فريق الألة البشرية – الحلقة الثالثة .















المزيد.....



فريق الألة البشرية – الحلقة الثالثة .


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 22:09
المحور: قضايا ثقافية
    


فريق الألة البشرية – الحلقة الثالثة
تأليف : الجنرال ي س
ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

الفصل الثالث
الدفاع العميق الماضي - المستقبل - الحاضر (بهذا الترتيب)
تتطلب التحديات الاستراتيجية عملية تعلم، وتستند هذه العملية إلى الماضي والمستقبل والحاضر (نعم، بهذا الترتيب). الماضي – لفهم الجذور والإطار الذي وصلنا إليه حتى اليوم. المستقبل – لاكتشاف المخاطر والفرص الكامنة في المستقبل. الحاضر – لبلورة توجهات العمل الاستراتيجي لتجنب المخاطر والسعي لاستغلال الفرص.
إحدى طرق التفكير في المستقبل هي مفهوم "السيناريوهات". يطور "كينز فان دير هايدن" في كتابه السيناريوهات: فن المحادثة الاستراتيجية، السيناريوهات كطرق بديلة لوصف خيارات ما قد يحدث في المستقبل. كما يناقش كيفية الاستفادة من هذه السيناريوهات في عملية تنظيمية للتأثير على استراتيجية وتخطيط المنظمة ككل وإعدادها للعمل. يوضح هايدن:
"... أفضل استراتيجية اليوم قد تكون كارثة الغد... الهدف النهائي لمخطط السيناريوهات هو خلق منظمة أكثر قدرة على التكيف، منظمة تدرك أولاً التغيير وعدم اليقين، وثانياً تستخدم ذلك بشكل خلاق لمصلحتها."
في هذه الأيام، يُطالب القادة الأمنيون بناء سيناريوهات للتحديات الأمنية في العصر الرقمي. يجب على هؤلاء القادة صياغة سيناريوهات لثورة الذكاء الاصطناعي كأساس لعمليات التخطيط الخاصة بهم. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مغيراً لقواعد اللعبة للفوز في الحرب، وماذا نحتاج أن نفعل اليوم لنعد أنفسنا للمستقبل القريب؟
الماضي (الخبرة والتحديات للدفاع الوطني)
الحرب هي الاختبار الأسمى للمنظمة العسكرية. المهمة الأساسية للأمن الوطني هي حماية الدولة والفوز في الحرب. تاريخياً، اندلعت حروب كثيرة دون سابق إنذار؛ علاوة على ذلك، بدأت بعضها رغم أن كلا الجانبين لم يكن يريد الحرب. ومع ذلك، انتهى الأمر بالخصوم في حرب صعبة ودموية، وأحياناً وجدوا أنفسهم في حرب وجودية. بالإضافة إلى ذلك، لنتائج الحرب تداعيات بعيدة المدى، كما أنها ترسم ملامح المستقبل لسنوات عديدة.
في البيئة المعقدة للشرق الأوسط، فإن معنى الحرب "الجيدة" أو "السيئة" له تداعيات هائلة على جميع الأطراف. في الماضي البعيد، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، كان النصر أو الخسارة في الحرب واضحاً عادةً؛ الجانب المنتصر يحتل أراضي الخاسر، وكان الجميع يعرف من انتصر ومن خسر. في الثمانين عاماً الماضية، كانت هناك حروب انتهت بنصر واضح، وحروب انتهت دون هزيمة واضحة، ولا يزال الصراع حول من فاز ومن خسر قائماً حتى اليوم.
من المنظور الإسرائيلي، هناك حروب مثل حرب الأيام الستة عام 1967 وحملة سيناء عام 1956، التي هزمت فيها إسرائيل أعداءها وكان النصر واضحاً وحاسماً. وعلى العكس من ذلك، هناك حروب مثل حرب "يوم الغفران" (1973) حيث يقتنع الجانبان -حتى اليوم- بأنهما انتصرا. في العشرين سنة الماضية، أنهى الجيش الإسرائيلي عمليات وحروباً بشعور "الخمص" (كلمة عبرية تعني "الفرصة الضائعة"). على سبيل المثال، جادلت لجنة "فينوغراد" عام 2006 (لجنة التحقيق الرسمية للحكومة الإسرائيلية في حرب لبنان الثانية) بالتفصيل بأن جيش الدفاع الإسرائيلي أضاع فرصة لهزيمة حزب الله وتحقيق نصر حاسم، كما أن جميع العمليات في غزة على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية انتهت دون نتائج حاسمة.
علاوة على ذلك، خلال العقود القليلة الماضية ومنذ نهاية الحرب الباردة، كانت معظم الحروب والصراعات غير متكافئة. ويعزز العصر الرقمي هذا الواقع غير المتكافئ؛ فالمعرفة التقنية التي كانت حكراً على الدول أصبحت معرفة يمكن للجميع الحصول عليها. منذ العصر الرقمي، أصبح بإمكان كل رجل وامرأة الوصول إلى بيانات عبر هواتفهم الذكية أكثر مما كانت تمتلكه القوى العظمى قبل 50 عاماً. خلقت وسائل التواصل الاجتماعي واقعاً يمكن فيه لكل شخص نشر ما يريد.
بالإضافة إلى ذلك، يعزز العصر الرقمي عالمياً ظاهرة هجمات "الذئاب المنفردة" الإرهابية. يحدث هذا النوع من الهجمات "كإرهاب نابع من الإلهام"؛ حيث يقرأ الشخص شيئاً على وسائل التواصل الاجتماعي أو يرى صورة لحدث ما ويقرر الخروج لتنفيذ هجوم. وعلاوة على ذلك، فإن القدرة على النشر الذاتي لهذا الهجوم الإرهابي هي مسألة أخرى تساعد الفرد على اتخاذ قرار التنفيذ. لطالما وجد إرهابيون منفردون منذ الأزل، ولكن في العصر الرقمي أصبحت هذه الظاهرة أكثر انتشاراً، ونتيجة لذلك، تشكل "الذئاب المنفردة" تحدياً أكبر لمؤسسات الأمن الوطني.
تحدٍ معقد آخر ينمو ويزداد قوة وهو القدرة على حماية حدود الدول من المتسللين، والإرهابيين، والأنفاق تحت الأرض، والطائرات المسيرة، وما إلى ذلك. الجدار الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك هو مثال على هذا التحدي. علاوة على ذلك، فإن حماية الحدود هي أيضاً تحدٍ فريد أثناء الحرب، كما يتضح من مفهوم أنفاق الهجوم التي بنتها حماس على طول الحدود بين غزة وإسرائيل، والتي بناها حزب الله على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
في السنوات القليلة الماضية، أصبح حزب الله في لبنان يمثل تحدياً عسكرياً لإسرائيل. خلال العصر الرقمي، تمكن حزب الله بدعم من إيران من تسليح نفسه بأكثر من مائة ألف صاروخ يمكنه استخدامها ضد أهداف في إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك هذه الصواريخ بشكل متزايد قدرات الصواريخ الموجهة. يستخدم حزب الله السكان المدنيين في لبنان لتعزيز قدراته؛ حيث يتمركز مقاتلوه وصواريخه بشكل استراتيجي بين السكان وينفذون أعمالهم من داخل المراكز السكانية. وبالتالي، يصعب تحديد وإنتاج أهداف لمهاجمة منصات إطلاق الصواريخ بفعالية أو استخدام القوات الخاصة لمنع حزب الله من استخدام الصواريخ. بعبارة أخرى، من الصعب كشف عشرات الآلاف من المنصات المخبأة داخل المدن والقرى، وبين المباني والمنازل المدنية.
علاوة على ذلك، من الصعب جداً مهاجمة المنصات دون إلحاق الأذى بعدد لا يحصى من المدنيين الأبرياء. على سبيل المثال، في حرب لبنان الثانية عام 2006، أطلق حزب الله أكثر من 4,000 صاروخ على إسرائيل خلال 33 يوماً. بالنسبة للحرب القادمة، نما التهديد بشكل كبير؛ إذ يخطط حزب الله لإطلاق آلاف الصواريخ ضد إسرائيل يومياً، بما في ذلك صواريخ موجهة ضد أصول استراتيجية في قلب البلاد. إن منع حزب الله من الاستخدام الفعال لهذه الصواريخ هو مهمة بالغة الأهمية. الخلاصة هي أنه خلال العقود القليلة الماضية، وتحديداً خلال السنوات القليلة الأخيرة، تجد إسرائيل المزيد والمزيد من التحديات الدفاعية التي لن تتمكن قدراتنا وقوتنا التقليدية من هزيمة العدو فيها بشكل كامل، ولذلك انتهت الصراعات غير المتكافئة دون انتصارات واضحة.
المستقبل (من منظور الذكاء الاصطناعي)
في عام 2040، ستكون منظمات الأمن الوطني مختلفة في هيكلها عما هي عليه اليوم أكثر مما هي متشابهة. ستكون مختلفة لدرجة أننا لا نستطيع حتى وصف القضايا الكبرى والأولويات القصوى التي ستواجهها، ولا يمكننا حتى تخيل الهيكل المستقبلي لهذه المنظمات. سيتم تنظيم البيانات اللانهائية بطريقة تمكن الجميع من استخدامها. ستختفي بعض الوظائف الاستخباراتية التقليدية الهامة، مثل محللي الصوت واللغات ومحللي الصور الجوية -والتي تتطلب اليوم آلاف المحللين- تقريباً، وستحل محلها آلات الذكاء الاصطناعي. ستكون البيانات الضخمة هي المفتاح للعثور على المنافسين والأعداء وفهمهم. ستكون البيانات المستمدة من مئات الآلاف من الطائرات المسيرة جزءاً من المعلومات الأساسية عن كل شيء.
ستكون البيانات المصنفة وغير المصنفة على نفس "الشبكة المغلقة-المفتوحة-المغلقة" بطريقة تتيح لك الحفاظ على أسرارك وفي نفس الوقت الاستمتاع بمزايا الشبكة المفتوحة. كل هذه مجرد أمثلة قليلة فيما يتعلق بالتغييرات التي ستحدث بحلول عام 2040. أما التغييرات الأكثر أهمية التي ستطرأ فلا يمكن حتى تخيلها اليوم؛ والخيار الوحيد هو وضع الأساس وبدء رحلة الذكاء الاصطناعي.
مثال لسيناريو الأمن القومي لعام 2035
حزب الله في عام 2035
مرحباً بكم في عام 2035. يمتلك حزب الله الآن أكثر من 200,000 صاروخ، بما في ذلك مئات الصواريخ الموجهة. بالإضافة إلى ذلك، طور حزب الله قدرات الذكاء الاصطناعي لتعزيز نظام القيادة والسيطرة لديه، وأصبح بإمكانه استخدام جميع صواريخه بفعالية. علاوة على ذلك، وبعد أن اكتشفت إسرائيل ودمرت الأنفاق تحت الأرض التي حفرها حزب الله على طول الحدود الإسرائيلية اللبنانية، سلح التنظيم نفسه بأكثر من 1,000 طائرة مسيرة تعمل بالذكاء الاصطناعي يمكنها اختراق الأراضي الإسرائيلية. يبلغ حسن نصر الله، زعيم حزب الله، 75 عاماً، وهو يتطلع إلى تحقيق نصر تاريخي ضد إسرائيل، ويؤكد له قادته الكبار أن بإمكانهم تحقيق هذا الهدف.
الذكاء الاصطناعي في عام 2035
الواقع اليوم (في عام 2035) هو أن الذكاء الاصطناعي قد عزز وسرع بالفعل ثورة العصر الرقمي. هذه هي الفترة التي بدأ فيها الذكاء الاصطناعي في معالجة التحديات بطرق جديدة وغير مألوفة لم يكن بإمكاننا تخيلها قبل سنوات. المشكلات التي لم يعرف البشر كيفية حلها في الماضي، بدأ الذكاء الاصطناعي في حلها في عصرنا الحالي. التحديات التي لم يعرف الناس كيفية التعامل معها في عام 2020، يمكن الآن فحصها ومواجهتها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
"الدفاع العميق": إمكانات جديدة
التعلم العميق هو القدرة على استخدام التكنولوجيا والقدرات الرقمية للذهاب إلى مدى "أعمق" واكتشاف وفهم القضايا التي كانت "مغطاة" سابقاً ومستحيلة التحقيق. الدفاع العميق هو قدرة المؤسسات الوطنية على استخدام مفهوم "فريق الإنسان-الآلة" لمعالجة التحديات الأمنية وكشف القضايا بطرق جديدة كانت مستحيلة حتى الآن.
أولى الإمكانات الجديدة للحرب هي القدرة على إنشاء "أهداف في سياقها". يمتلك فريق الإنسان-الآلة القدرة على إنشاء عشرات الآلاف من الأهداف قبل بدء المعركة، وتجميع آلاف الأهداف الجديدة يومياً خلال الحرب. بالإضافة إلى ذلك، فإن القدرة على إنشاء هذه الأهداف في سياقها تعني أن الجيش يمكنه مهاجمة الأهداف الصحيحة في الوقت الصحيح. وهذا يعني العثور على عشرات الآلاف من منصات إطلاق الصواريخ المخفية، وفهم متى تكون مأهولة بمقاتلي العدو أو غير مأهولة، وفهم متى يمكن مهاجمتها دون إلحاق الأذى بالمدنيين. تخيل إنتاج 80,000 هدف ذي صلة قبل القتال، وإنشاء 1,500 هدف جديد كل يوم خلال الحرب. تخيل أن لدينا قدرة مستمرة على معرفة ما إذا كانت الأهداف مأهولة بمقاتلي العدو أم لا. وأخيراً، تخيل واقعاً يمتلك فيه الجيش القدرة على ضرب "الأهداف الصحيحة في الوقت الصحيح"، وتدمير الهدف بأقل قدر ممكن من الأضرار الجانبية.
في الماضي، كان "جهد النيران" (الذي يشمل قدرات الهجوم عن بعد مثل المدفعية والهاون) جهداً مساعداً في الحرب. ومع ذلك، خلال العقود القليلة الماضية، أصبح جهد النيران هو الجهد الرئيسي للفوز في الحرب. غدت القوات الجوية والأسلحة الدقيقة -تحديداً نيران الصواريخ الموجهة واعتراض الصواريخ- من أهم القدرات لتحقيق النصر. وهذا هو السبب في أن القوات المسلحة في العالم تحاول منذ عقود تحسين الربط بين "مصنع الاستخبارات" و"مصنع النيران". إن القدرة على حسم الحرب تتطلب وضع العدو كل يوم في وضع أسوأ مما كان عليه في اليوم السابق. إذا ساء وضع العدو يوماً بعد يوم، ف سيرغب في وقف الحرب في أقرب وقت ممكن. لذلك، فإن عشرات الآلاف من "الأهداف في سياقها" لديها القدرة على تحقيق ذلك.
البشر هم "عنق الزجاجة" الذي يمنع إنشاء عشرات الآلاف من الأهداف في سياقها؛ فنحن لا نستطيع معالجة هذا الكم الهائل من المعلومات. إذا أردنا إنشاء 80,000 هدف قبل الحرب، فنحن بحاجة إلى آلاف المحققين الاستخباراتيين الذين يحتاجون لسنوات للعمل على مثل هذه المهمة. علاوة على ذلك، بعد بضعة أسابيع أو أشهر من تحديد هذه الأهداف، لا يمكن للجيش أن يعرف يقيناً ما إذا كان أي هدف فردي لا يزال ذا صلة. بمجرد بدء الحرب، ستتغير العديد من الأهداف الأصلية، وعادة ما يكون من الصعب تأكيد ما إذا كانت الأهداف مأهولة أم لا. ومن المثير للاهتمام أنه لا يهم عدد الأشخاص المكلفين بإنتاج الأهداف أثناء الحرب؛ فلن تتمكن من إنتاج أهداف كافية يومياً. هناك عنق زجاجة بشري في كل من تحديد الأهداف الجديدة واتخاذ القرار للموافقة عليها، بالإضافة إلى عنق الزجاجة في معالجة كميات ضخمة من البيانات والربط بين "الاستخبارات" و"النيران".
يمتلك فريق الإنسان-الآلة القدرة على إحداث ثورة في إمكانية إنشاء أهداف في سياقها. فالفريق المكون من آلات ومحققين يمكنه فتح عنق الزجاجة على مصراعيه. يمتلك تعلم الآلة القدرة على التعامل مع البيانات الضخمة، وهي وظيفة لا يستطيع الدماغ البشري القيام بها بمفرده، ولكن يمكن اتخاذ العديد من القرارات معاً. فريق الإنسان-الآلة قادر على التعلم واستخلاص النتائج من البيانات الضخمة لتقديم تنبؤات، ومن هذه التنبؤات يتم إنشاء الأهداف والإجابة على سؤال ما إذا كانت الأهداف ذات صلة في الوقت الفعلي. يتطلب هذا التنظيم لكافة طبقات المعلومات بناء "آلة أهداف" تعتمد على جميع البيانات والمستشعرات في الميدان؛ علاوة على ذلك، يساعد هذا الفريق في مراقبة القضايا الأخلاقية. لذلك، فإن القرارات ليست "قرارات آلة"، بل هي قرارات متبادلة ناتجة عن تعلم تآزري.
الإمكانية الثانية هي استخدام مفهوم فريق الإنسان-الآلة لفهم الواقع المتغير للعدو أثناء الحرب. كما كتب كارل فون كلاوزفيتز: "الحرب هي عالم عدم اليقين". إن الصورة الكبيرة للحرب، وصورة كل معركة على حدة، تتغير أثناء القتال. يمتلك فريق الإنسان-الآلة القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على لقطة فورية ("الأشجار والغابة") للعدو في كل لحظة وفي كل مكان لمساعدة القوات العسكرية على القتال وهزيمة العدو، تماماً مثل تطبيقات (Google Maps) و(Waze) التي توفر صوراً لحظية لحركة المرور.
الإمكانية الثالثة هي استخدام فريق الإنسان-الآلة لبناء "حدود ذكية" (أو "منطقة ذكية") للسيطرة على الحدود، ومعرفة التغييرات على طولها، واستخدام الطائرات المسيرة أو الروبوتات الأخرى في هذه المناطق.
الإمكانية الرابعة هي "جهد التأثير أو التشكيل" في عصر الذكاء الاصطناعي. في العصر الرقمي، تختلط الحقيقة بالأكاذيب. يمكن لتعلم الآلة أن يساعد في خلق "تأثير في السياق"، مما يعني أن الجماهير والأفراد المختلفين سيتلقون البيانات ذات الصلة عبر الوسيلة الإعلامية التي تمتلك أكبر فرصة للتأثير عليهم.
الإمكانية الخامسة هي استخدام فريق الإنسان-الآلة لفهم أنفسنا. بما أن "الحرب هي عالم عدم اليقين"، فنحن أيضاً لا نستطيع دائماً معرفة أماكن تموضع قواتنا وكيف سيكون رد فعلها. يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة ليس فقط على الحصول على لقطة لعدونا، بل أيضاً الحصول على "لقطة ذكية" لقواتنا العسكرية في الوقت الفعلي لاستخدامها كأداة للمساعدة في اتخاذ القرارات.

الحاضر: كيفية تطوير "الاستخبارات العميقة" + ثلاث دراسات حالة
الاستراتيجية هي علم ما يجب علينا فعله اليوم. لذلك، نحتاج في الوقت الحاضر إلى بلورة توجهات للعمل الاستراتيجي لتجنب المخاطر والسعي لتحقيق الفرص. إحدى الاستراتيجيات لنقل المنظمات العسكرية إلى المستقبل هي الفكرة المبتكرة المتمثلة في "فريق الإنسان-الآلة". هذا مفهوم جديد يسمح بتوظيف الذكاء الاصطناعي لكسب الحرب وتحقيق قرار استراتيجي. يعد العصر الرقمي عاملاً رئيسياً في تمكين الصراعات غير المتكافئة التي لا تمتلك فيها القوات العسكرية الأقوى والأكبر بالضرورة ميزة على القوات الأصغر. ويمتلك "فريق الإنسان-الآلة" القدرة على استعادة هذه الأفضلية.
الاستخبارات العميقة
تعد الاستخبارات والمنظمات الاستخباراتية قضايا واسعة، يمكن لكل منها أن يشغل كتاباً كاملاً بمفرده. هناك أشخاص اعتادوا وصف العصر الرقمي بأنه ثورة المعلومات أو عصر المعلومات؛ فالمعلومات التي كانت تستخدم كـ "دعم" للمساعدة في اتخاذ القرارات أصبحت هي القضية في حد ذاتها. البيانات التي كانت في "الخلفية" انتقلت إلى "الصدارة". لذلك، تتطلب الاستخبارات في عصر الذكاء الاصطناعي ثورة للمساعدة في التعامل مع النموذج المعرفي الجديد ومعالجة المخاطر والفرص المستجدة. ستكون السنوات القليلة القادمة مرحلة انتقالية بين النماذج المعرفية. في هذا القسم، سنحاول تقديم بعض الأفكار والخواطر الأولى لبداية الرحلة نحو تحقيق ثورة الاستخبارات في عصر الذكاء الاصطناعي.
خلفية قصيرة
وجدت الاستخبارات منذ فجر التاريخ. فآلاف السنين، شملت الاستخبارات أشخاصاً يعملون كجواسيس أو حراس لقائد، يزودونه بالمعلومات. تقوم المنظمات الاستخباراتية الموجودة اليوم على الطريقة التي صُممت بها على مدار المائة عام الماضية؛ حيث تأسست منظماتنا الاستخباراتية في الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية. تستخدم المنظمات في جميع أنحاء العالم وظائف وقدرات مختلفة للبقاء متقدمة بخطوة على أعدائها ومنافسيها. وهناك هيئات وطنية جرت العادة أن تصف هذه الفكرة بمفهوم "التفوق الاستخباراتي"، وهو مفهوم يشير إلى القدرة ليس فقط على البقاء متقدماً بخطوة على أعدائنا، بل أيضاً أن نكون قاعدة لسياسة القوة وتفعيلها.
كانت إحدى الطرق التي اتبعتها المنظمات الاستخباراتية للاستجابة للأسئلة والتحديات هي خلق إمكانية وصول محددة إلى الأماكن ذات الصلة، والحصول على قطع مهمة من البيانات، واستخدامها لتجميع "أحجية الاستخبارات". كان الهدف من كل هذا النشاط، ولا يزال، هو تقديم الصورة الاستخباراتية (توضيح الواقع)، والإشارة إلى سيناريوهات المستقبل المحتملة، وتقديم توصيات حول السبل التي يمكن من خلالها التأثير على هذا الواقع. كان حلم كل ضابط استخبارات هو أن يكون "ذبابة على الحائط" داخل عقل الهدف الاستخباراتي.
اعتادت المنظمات الاستخباراتية أن تُنشأ لوظائف متنوعة، تشمل البحث الاستخباراتي، والمنظمات التكنولوجية (المسؤولة أولاً عن جمع البيانات)، والقوات الخاصة للمهمات الاستخباراتية. تقليدياً، كانت أجهزة الاستخبارات تقوم على الاستخبارات البشرية، والتكنولوجيا، والعمليات (بهذا الترتيب). خلال السنوات القليلة الماضية، حدثت تغييرات في هذه المنظمات، معظمها نتيجة للفضاء السيبراني. علّمنا المجال السيبراني أن العالم كله مترابط، وهذا يعني -نظرياً على الأقل- أنه يمكن للمرء الذهاب إلى أي مكان في الشبكة الرقمية العالمية.
من خلال الاستفادة من البعد السيبراني، يمكن للمرء تقديم استجابة لأي معلومات حيوية، حتى المعلومات المعقدة. ومع ذلك، من الممكن النظر إلى كل التغييرات التي حدثت على مدار السنوات القليلة الماضية على أنها مجرد "توسيع للمنطق"، مما يعني أن المهمة الرئيسية والمفهوم الأساسي لم يتغيرا.
في الجوهر (منظور عام)
تمثل الاستخبارات في عصر الذكاء الاصطناعي مرحلة أخرى في رحلة توضيح المفهوم واستخدام التفوق الاستخباراتي والعملياتي (في السياق ولبعثات محددة) في العصر الرقمي. يمكن تلخيص مفهوم الاستخبارات في العصر الرقمي كالتالي: تطبيق إمكانات العصر الرقمي على التحديات النظامية التي تواجهها الاستخبارات الآن. وبدلاً من ذلك، هناك مفهوم مختلف للتفوق الاستخباراتي-العملياتي، يقوم على فهم أن الانفجار المعلوماتي والقدرة على السعي لمعرفة "كل شيء عن الجميع" يجعل الاستجابة الاستخباراتية والعملياتية المحدّثة والمختلفة ممكنة ومطلوبة في آن واحد.
يمكن وصف المسعى الاستخباراتي في العصر الرقمي بأنه نهج مختلف للتفوق الاستخباراتي (والعملياتي). على سبيل المثال، يختلف نهج جوجل تجاه انفجار المعلومات عن نهج أسلافها. ذات يوم أراني صديق نكتة كانت متداولة على الشبكة: س: "ما هو أفضل مكان لإخفاء جثة؟" ج: "في الصفحة الثانية من نتائج بحث جوجل، حيث لن يجدها أحد أبداً."
هذه النكتة تمثل لحظة إدراك وتجسد حقيقة الأمر ببساطة. بصفتنا أفراد استخبارات، اعتدنا على مر السنين على قراءة مئات وآلاف العناصر للعثور على قطعة من أحجية في أحد هذه العناصر، ثم نحاول ربطها بقطعة أحجية أخرى في عنصر آخر. أخيراً، نحاول بناء الصورة الكاملة. في الواقع، معظم العناصر لا تساهم بالضرورة بطريقة معينة في فهم الكل. ومن هنا، فإن مهمة ضابط البحث هي "فصل القمح عن القشر" والعثور على البيانات ذات الصلة من بين جبال العناصر.
تمتلك جوجل نهجاً مختلفاً. عندما أسأل جوجل سؤالاً محدداً (ولم أكن قد استيقظت للتو وبدأت في القراءة عبر عدد لا يحصى من الأخبار التي وصلت خلال الليل)، فأنا لست مستعداً للذهاب إلى الصفحة الثانية من بحث جوجل وقراءة عنوان أحد الإجابات التي تظهر هناك. أتوقع أن تزودني جوجل بالإجابة في الصفحة الأولى وفي أحد العناوين الأولى. أنا لا أنظر إلى الصفحة الثانية. إذا لم أحصل على إجابة، فلا أصاب باليأس، وبالتأكيد لا أقول لنفسي: "حسناً، جوجل لا يعرف". بدلاً من ذلك، أقول لنفسي: "جوجل يعرف كل شيء، لكني لم أسأل جوجل السؤال الصحيح". علاوة على ذلك، لم تطلب مني جوجل أبداً إعطاء الأولوية لمجموعة سكانية على أخرى. تفترض جوجل، تحت رعاية عصر المعلومات، أنها تعرف كل شيء عن الجميع، حتى لو كان ذلك يعني معرفة كل شيء عن مليارات البشر.
باختصار، يحتاج هذا إلى تمثيل النهج المبتكر للاستخبارات في العصر الرقمي. التفوق لا ينبع من قطعة معلومات أو أخرى، بل من انفجار المعلومات نفسه والقدرة على السؤال عن كل ما يهمني. عندما تكون المعلومات لانهائية حقاً، فمن الواضح أنه لا يمكن للمرء أن يتوقع قراءة جميع العناصر، ولا حاجة لإعادة ضبط الأعمدة. النهج مختلف؛ يمكن للمرء بل ويجب عليه التجول بين ثنايا المعلومات. وفقاً لهذا النهج، يمكن العثور على الإجابات بالفعل في المعلومات الموجودة؛ كل ما على المرء فعله هو معرفة كيفية التنقل عبرها بشكل مثالي وطرح الأسئلة التي تهم ضابط الاستخبارات.
مع مراعاة محدودية الاستعارة، يمكننا تشبيه الموقف بالاختراق العالمي الذي حدث حول فك شفرة "إنيجما" (Enigma). حتى قبل ذلك، كان هناك عباقرة يفككون الشفرات، لكن البريطانيين والأمريكيين أدركوا أن فك شفرة إنيجما سيتطلب 20,000 شخص يعملون لمدة 20,000,000 سنة. لذلك، بنوا آلة لمساعدتهم على فكها. كانت تلك الآلة الخطوة الأولى في اختراع الحاسوب العميق، الذي غير مسار التاريخ البشري. وهذا مشابه لما يحدث في عصرنا فيما يتعلق بالمعلومات واستخدامها وأهميتها.
ومن ثم، يظل المحلل الاستخباراتي ذا صلة (بل إن الصلة والأهمية قد زادتا في الواقع)، لكن الحوار بين الإنسان والآلة يتغير. ونظراً لأن الذكاء الاصطناعي يسرع ثورة العصر الرقمي، فإنه يسرع أيضاً ثورة المنظمات الاستخباراتية كما نعرفها. بعبارة أخرى، يمكننا صياغة ذلك من خلال فهم التعلم التقليدي والتعلم التآزري. الاستخبارات هي عملية تعلم عن منافسيك وأعدائك. و"فريق الإنسان-الآلة"، الذي يخلق تعلماً تآزرياً، هو عملية تعلم جديدة بالإضافة إلى كونه طريقة جديدة للتشكيل والتأثير.
أهمية السؤال
على مر السنين، شجعت التقاليد اليهودية شعبها على إدراك أن طرح الأسئلة هو حقهم، ومسؤوليتهم، بل وواجبهم. ويتجلى هذا التشجيع في "الأسئلة الأربعة" التي تُطرح في بداية عشاء "عيد الفصح" (Seder)، والتي تشكل الأساس لسرد قصة الخروج بأكملها. وبالمثل، تركز الاستخبارات على مسؤولية طرح الأسئلة الصحيحة، مما يجعل من الممكن تحديد قطع دقيقة وحيوية من المعلومات وتوضيح واقع معقد؛ فهذه الأسئلة توفر بوصلة أساسية للنشاط الاستخباراتي.
وفقاً للمنهج التقليدي، يمكن لأي سؤال ناجح أن يؤدي إلى وصول ذي صلة، ومن ثم كشف أسرار الطرف الآخر. وإذا كان السؤال مما لا توجد له إجابة في المعلومات المتاحة، فإن الرؤى العميقة لا تزال تمكننا من تحديد منطق الخصم وأفكاره وما إلى ذلك. ومع ذلك، في عصر انفجار المعلومات، يمكن للمرء أن يفترض أن لكل سؤال (تقريباً) إجابة محتملة يمكن العثور عليها في البيانات. يحتاج المرء إلى معرفة كيفية سبر أغوار البيانات بحثاً عن العناصر الصحيحة، وصياغة أسئلة يمكنها الصمود أمام عبء المعلومات، وفهم أنه عند عدم الحصول على إجابة، يجب أن نفترض أننا لم نطرح السؤال الصحيح.
إذا تم تنظيم أساس المعلومات بشكل صحيح، فإن الشيء الرئيسي الذي يتعين علينا القيام به هو تحسين قدرتنا على طرح أسئلة ذات صلة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن التعامل مع سؤال طرحه شخص آخر كـ "سمة" (Feature) محتملة لـ "فريق الإنسان-الآلة". فإذا بحث محلل في معلومات حول مسألة معينة وفُهمت المعلومات بطريقة محددة، فقد يكشف ذلك شيئاً جديداً عن المعلومات. على سبيل المثال، إذا تحقق محلل ممن ينام عادة في الساعة 11 مساءً ولكنه كان مستيقظاً في الشهر الماضي بين الساعة 1:00 و4:00 صباحاً، فإن كلاً من السؤال والإجابة يمكن أن يكونا سمات جديدة لتحديد العلامات الدالة. مثال آخر هو إذا قام محلل بفحص كل الخضرة الجديدة التي زُرعت في منطقة محددة يبدو أنه لا يوجد سبب لزراعتها فيها، فإن هذه المعرفة يمكن أن تكون أيضاً علامة دالة لهذا الموقع.
تطرح المنظمات الاستخباراتية كل شهر مئات الآلاف من الأسئلة التي تنتج مئات الآلاف من الإجابات. مجتمعة، تخلق هذه الأسئلة والإجابات سمات ذات صلة محتملة يمكننا استخدامها لترقية قوة "فريق الإنسان-الآلة" لتحقيق قدرات رائعة في تعلم الآلة. كما يمكن خلق معرفة جديدة من خلال دمج بضعة أسئلة؛ على سبيل المثال، قد يقرر محلل فحص جميع المشتبه بهم الذين لم يناموا في منازلهم خلال الليلتين الماضيتين في منطقة معينة، والذين ناقشوا أيضاً شراء أسلحة خلال الأسبوع الماضي. هذا السؤال، بالإضافة إلى أسماء المشتبه بهم الذين نتجوا عنه، يمكن أن يصبح الآن مزيجاً من "السمات ذات الصلة" لتعلم الآلة. وكما نوقش في قسم تعلم الآلة، كلما زاد عدد السمات التي يمكن تزويد الآلة بها لعملية التعلم، كانت النتائج أفضل.

الاستخبارات في عصر أتمتة الذكاء الاصطناعي تتمثل الفرصة الجديدة الأولى في أتمتة العمليات الاستخباراتية بطريقة يمكنها خلق قدرات جديدة لم تكن ممكنة من قبل. وتحت هذه المظلة، هناك فرص جديدة للقيام بالأشياء نفسها، ولكن بشكل أسرع وعلى نطاق أوسع. على سبيل المثال، يمكن لتقنية "تحويل الكلام إلى نص" (STT) أن تحل محل المحللين السمعيين واللغويين. تمتلك المنظمات الاستخباراتية اليوم الآلاف من هؤلاء المحللين المطالبين بالاستماع إلى نقاشات العدو أو قراءة بياناته الداخلية وترجمة اللغة الأصلية إلى لغات بلدانهم الأم. ظهرت فكرة (STT) منذ عقود ولم يتم استبدالها؛ أما اليوم، فلدينا الظروف والقدرات لتحقيق هذا المفهوم. في غضون خمس سنوات، سنظل بحاجة إلى محللين سمعيين لغويين، ولكن يمكن استبدال أكثر من 80% من مهامهم بالآلات. مثال آخر هو تعلم الآلة لاستبدال محللي الصور والفيديو؛ فكما هو الحال مع المحللين اللغويين، تمتلك كل مؤسسة استخباراتية آلاف محللي الصور والفيديو. ومؤخراً، بدأت آلات الذكاء الاصطناعي في تعلم كيفية استبدال بعض وظائف هؤلاء المحللين. علاوة على ذلك، في هذا المجال أيضاً، لدينا الظروف والقدرات لتحقيق هذه الفكرة وتنفيذ المهام باستخدام آلات الذكاء الاصطناعي.


إكمال الأحجيات التي لم تُحل من قبل تخلق "الحافروتا" Havruta
الحافروتا - الشراكة التعليمية) في "فريق الإنسان-الآلة" طرقاً جديدة لحل الأحجيات التي كانت غير محلولة سابقاً. تعتمد إحدى القدرات الجديدة لتمكين هذا الإمكان لحل الألغاز باستخدام الذكاء الاصطناعي على "قوة الإنترنت". كانت المنظمات الاستخباراتية سابقاً تستخدم قدرات فريدة للحصول على بيانات مصنفة، واعتدنا على مر السنين أن الأسرار الكبيرة توجد في مكاتب معزولة. وبالمثل، في العصر السيبراني، يسود الاعتقاد بأن الأسرار الكبرى تكمن في "الشبكات الداخلية" المصنفة. وبناءً على ذلك، في كثير من الحالات، كلما كانت المعلومات أكثر خصوصية وداخلية، زادت صعوبة الحصول عليها، وارتفع تصنيفها - وعادةً ما تزداد أهميتها أيضاً. بالنسبة لنا، في عصر المعلومات، لا يتمثل التحدي الأكبر بالضرورة في القدرة على خلق وصول خاص من نوع أو آخر، بل في القدرة على استنفاد المعلومات ذات الصلة ضمن الكم الهائل من المعلومات بشكل عام، وعلى الإنترنت بشكل خاص.
يبدو أن المنظمات الاستخباراتية لم تحقق هذه الثورة بعد، وبالتأكيد لم تستوعبها؛ حيث لا تزال تُبذل جهود كبيرة في خلق سبل وصول إضافية. ومع ذلك، فإننا نؤكد أن من يفوز في المنافسة للاستفادة من المعلومات الموجودة على الإنترنت لصالح التحديات الاستخباراتية لمنظمته سيكون متقدماً بخطوة ونصف على المنظمات الأخرى. وسيكون أحد أسرار النجاح في السنوات القادمة هو تحديداً القدرة على استخدام قوة الإنترنت لصالح كيانات الاستخبارات الأمنية.

التأثير وتشكيل الواقع
في العصر الرقمي وعصر المعلومات، تعد البيانات جزءاً من الواقع. بعبارة أخرى، عندما نؤثر في البيانات، فإننا نغير الواقع. وهذا وضع أساسي جديد للمؤسسات الاستخباراتية؛ فقد كانت المنظمات الاستخباراتية تستخدم البيانات، في معظمها، لتقديم التوصيات. أما اليوم، ونظراً لمسؤوليتها عن البيانات وخبرتها فيها، فإن المنظمات الاستخباراتية لديها الفرصة والمسؤولية لتشكيل الواقع وتحويله. إن "جهد التأثير أو التشكيل" في فترة "فريق الإنسان-الآلة" هو فرصة جديدة للمنظمات الاستخباراتية، وتشمل هذه المهمة استخدام الاستخبارات لتشكيل الواقع، وليس فقط لوصفه.
لقد أسس العصر الرقمي، وتحديداً وسائل التواصل الاجتماعي، واقعاً جديداً تلاشت فيه الحدود بين الحقائق والواقع الزائف. وصف توماس فريدمان ذلك قائلاً: "أخشى أننا نشهد نهاية الحقيقة ، وأننا ببساطة لم نعد نستطيع الاتفاق على الحقائق الأساسية... ما نختبره هو هجوم على صميم أسس مجتمعنا وديمقراطيتنا، ركيزتي الحقيقة والثقة". منذ الأزل، حاول البشر تشكيل الواقع؛ فمنذ جنة عدن، حاول آدم "التأثير" في تفكير الرب حول ما حدث بالضبط. إن تطور وسائل الإعلام، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، يزيد بشكل كبير من إمكانية تشكيل الواقع.
اليوم، يمكن لأي شخص أن يكون بمثابة محطة إعلامية بهاتفه الذكي الخاص. إن سهولة التغريد والنشر والإرسال جعلت "جهد التأثير" جزءاً ذا صلة من "عمل الحرب" أيضاً. كما يمتلك جهد التأثير أو التشكيل القدرة على أن يكون عاملاً حاسماً في النصر أو الخسارة، ويمكن أن يكون جهد التشكيل في عصر الذكاء الاصطناعي أكثر أهمية بكثير. على سبيل المثال، يمكن لتعلم الآلة أن يساعد في خلق "تأثير في السياق"، مما يعني أن جماهير وأفراداً مختلفين سيتلقون البيانات ذات الصلة من خلال الوسيلة الإعلامية التي تمتلك أكبر فرصة للتأثير عليهم. يتطلب هذا المفهوم الجديد أيضاً أشخاصاً وثقافات مختلفة. وتعد روسيا مثالاً لدولة أصبحت أكثر نشاطاً في استخدام البيانات للتأثير في الواقع؛ ومن الأمثلة المتطرفة اتهام الروس بالتأثير في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016 بحملة بيانات ربما تضمنت قدرات الذكاء الاصطناعي.
إمكانات جديدة وفرص جديدة لأعدائنا ومنافسينا
الخطر الأول هو أن يسبقنا أعداؤنا ومنافسونا بخطوات ويتولوا زمام المبادرة في سباق الذكاء الاصطناعي. إن العالم الحر الذي قاد الثورة الصناعية نجح أيضاً في قيادة الفضاء السيبراني؛ حيث حققت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وكذلك إسرائيل، تفوقاً سيبرانياً. حالياً، حددت روسيا والصين الذكاء الاصطناعي كمجال تخططان لريادته على نطاق عالمي، واستثمرتا موارد هائلة لتحقيق هذا الهدف. "الذكاء الاصطناعي هو المستقبل ليس لروسيا فحسب، بل للبشرية جمعاء... من يصبح القائد في هذا المجال يصبح حاكم العالم". هذه الكلمات المدوية التي قالها الرئيس فلاديمير بوتين في سبتمبر 2017 للطلاب في يومهم الدراسي الأول، توضح لماذا نحتاج إلى البقاء متقدمين بخطوات على الأعداء والمنافسين في هذا المجال.
عندما نتحدث عن "السيبرانية"، فإن أقوى القدرات لا تزال "قدرات حكومية"، أما عندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، فإن أعظم القدرات تكمن في القطاع الخاص. لذلك، يمكن لأعدائنا أن يسبقونا ببساطة عبر شراء واستخدام أفضل الأنظمة من السوق الخاصة. المفتاح لمعالجة هذا الخطر هو خلق طرق مبتكرة للتعاون بين القدرات السيبرانية وقدرات الذكاء الاصطناعي.

ليس لدينا 70 عاماً
كما ناقشنا، فإن فكرة الذكاء الاصطناعي التي ظهرت لأول مرة قبل 70 عاماً، لم تبدأ في تغيير حياتنا إلا خلال السنوات القليلة الماضية. إن تطوير الأسس (القنوات) للبيانات الضخمة التي تمكننا من استخدام كافة البيانات يتيح لنا أخذ فكرة تعلم الآلة وخلق الظروف لتحقيق مفهوم الذكاء الاصطناعي. لذلك، يكمن الخطر على المؤسسات الأمنية في أن يستغرق الأمر 70 عاماً أخرى لتحقيق مفهوم الذكاء الاصطناعي داخل منظماتها.
العوامل التي تغيرت وتساعدنا الآن على إدراك مفهوم الذكاء الاصطناعي لم تُطبق بعد في المؤسسات الأمنية. الفرق الأول هو الحاجة إلى "قنوات" لكمية هائلة من البيانات المصنفة. الفرق الثاني هو عملية تعلم الآلة التي تتطلب آلاف التجارب؛ ومع ذلك، فإن كل صراع أو حرب هي حدث فريد، لذا لا نمتلك بالضرورة تجارب ذات صلة لأي حرب بعينها. الفرق الثالث هو الأعداء الذين يحاولون إرباك الظروف ومنع الآلة من التعلم من الماضي لإجراء التنبؤات. الخطر هنا هو أن ترتبك المؤسسات الأمنية بسبب هذه الاختلافات، وهذا الارتباك سيمنعها من تبني إمكانات المستقبل.
يأتي التحدي والمخاطرة من محاولة تطوير "طابق واحد" فقط من التغييرات المطلوبة دون بناء جميع الطوابق في وقت واحد. إذا حاول شخص بناء آلات ذكاء اصطناعي دون جهد منهجي لتنظيم البيانات أولاً، فإنه سيفشل. ومن ناحية أخرى، فإن البيانات المراد تنظيمها لا نهائية ومهمة تنظيم "الطابق الأرضي" لن تنتهي أبداً. لذلك، الخطر هو أن نقضي عقداً بعد عقد في تنظيم البيانات دون نقل منظماتنا إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي.


من منظور البيانات: إنهاء احتكار البيانات تقليدياً
تمتلك المنظمات الاستخباراتية "احتكاراً للبيانات"، فمعظم المعلومات ذات الصلة مصنفة، والمعلومات غير المصنفة ليست مفيدة بدون المصنفة. لسنوات، تجنبت الهيئات الاستخباراتية نقل المعلومات إلى الكيانات العملياتية خوفاً من استخدامها بشكل غير لائق. وبالمثل، لم تنقل وحدات الجمع معظم المعلومات الخام إلى وحدات البحث لأسباب تتعلق بالسرية والمنطق العقائدي.
في عصر المعلومات، لا توجد ملكية للمعلومات؛ يجب أن تنتمي للجميع. على سبيل المثال، لا أحد يتجنب إتاحة المعلومات الطبية على الإنترنت خوفاً من سوء استخدامها؛ فالمعلومات ملك للجميع، ويمكن لأي شخص أن يسأل عما يريد ويقرر متى يلجأ لخبير. احتكار البيانات يخلق صعوبات في الأوقات الروتينية، لكنها تشتد في الأزمات والحروب التي تقوم على استقلالية القوات المختلفة. إن فكرة أن المنظمات الاستخباراتية تعرف كيف تستخدم البيانات لصالح المنظمات العسكرية الأخرى هي وهم؛ علينا أن نودع ملكية واحتكار البيانات دون إغفال مسؤولية الحفاظ على سرية المعلومات المصنفة.

استمرارية البيانات في العصر الرقمي، تعتمد القدرات الاستخباراتية على "الاستمرارية" – أي الاتصال المستمر بين أنواع المواد والمعلومات والكيانات الاستخباراتية المختلفة. قديماً، كان يتم تحليل أنواع المعلومات بشكل منفصل ثم يحاول المحلل البشري ربطها. علم البيانات ليس فرعاً من استخبارات الإشارات (SIGINT) ولا امتداداً للاستخبارات البصرية (VISINT)، بل هو مشروط بالاستمرارية والقدرة على "ربط النقاط" بين أنواع البيانات المختلفة في معالجة واحدة.
على سبيل المثال، يجب بناء الاستخبارات بحيث يمكننا طرح أسئلة تعلم الآلة وفق الصيغة التالية: من هو الشخص الذي (1) تحدث مع شخص في إيران (2) ويسكن على بُعد 100 متر من مكان مشبوه (3) وشوهد خلال الساعة الماضية (4) يقود باتجاه الشمال (5) ولم ينم في منزله الليلة الماضية. هذا الاستعلام يخص أنواعاً مختلفة من المصادر، وما نحتاجه هو القدرة على إدارة وتوضيح تحقيقات من هذا النوع.

"آلة الأهداف" – مغير لقواعد اللعبة لتحقيق النصر – دراسة حالة (1)
من البيانات إلى التنبؤ تعلم الآلة هو تكنولوجيا للتعلم من خلال البيانات الضخمة التي تملكها لتوليد المعلومات التي "لا تملكها". تعلم الآلة لتصنيع الأهداف يعني اكتشاف أماكن مجهولة واستنباط آلاف الأهداف الجديدة. تستخدم "آلة الأهداف" البيانات للإجابة على أسئلة حول مخابئ العدو واستخلاص النتائج للتنبؤ. هذه الآلة تمتلك إمكانات جديدة للتعامل مع البيانات الضخمة التي لا يستطيع الدماغ البشري القيام بها بمفرده. تبدأ العملية بخطوات متتالية: جمع البيانات، تحضيرها، اختيار النموذج، التدريب، التقييم، ضبط المعايير، ثم التنبؤ.
كل شيء يعتمد على البيانات
في الوقت الحاضر، يتم استهداف الجميع تقريباً بواسطة تعلم الآلة (مثل اقتراحات الصداقة في فيسبوك). الأمر مشابه في آلة الأهداف. الخطوة الأولى هي البيانات؛ تحتاج الآلة إلى بيانات كافية عن ميدان المعركة، السكان، المعلومات البصرية، البيانات الخلوية، علاقات وسائل التواصل الاجتماعي، جهات الاتصال، إلخ. كلما زادت البيانات وتنوعت، كان ذلك أفضل. الخطوة الثانية هي تنظيم البيانات بطريقة تتيح للآلة الوصول إليها ومعالجتها. البيانات هي مفتاح النجاح، ويمكن القول إنه في "علم البيانات"، فإن "البيانات" أصعب وأكثر حرجاً من "العلم" نفسه.
النموذج
الخطوة التالية هي اختيار وإنشاء نموذج. تحتاج آلة الأهداف إلى بناء نموذج لإنشاء أهداف جديدة ومعرفة ما إذا كانت مأهولة أم لا. يمكن أن يكون نموذجاً يعتمد على "سمات" (Features) قوية ومصنفة، أو نموذجاً يبنى على آلاف السمات الصغيرة والمتنوعة (مثلاً: أشخاص في مجموعة واتساب مع عضو من حزب الله، أشخاص يغيرون هواتفهم أو عناوينهم باستمرار). تكمن القوة في كمية وتنوع هذه السمات. يمكن بناء النموذج بواسطة المحللين، ويمكن للآلة بناء جزء منه.
التدريب والضبط
بعد امتلاك النموذج، ننتقل إلى التدريب والضبط. تدريب الآلة يعني فحص النموذج وتحسينه، مثل عداء يحسن سرعته بدراسة أساليب الجري والتدرب عليها مراراً. في آلة الأهداف، نبدأ بالتحقق من النموذج باستخدام البيانات مرة أخرى لتحسين الدقة والتأكد من فاعلية "السمات". يساعد التدريب في فهم ما إذا كان النموذج يعطي أولوية خاطئة لنمط معين (مثل الصور) على حساب سمات أخرى، مما يسمح لنا بإجراء تعديلات دقيقة في الأولويات. عندما ينتهي التدريب، نصبح أمام نموذج مطور وجاهز.
التقييم
الخطوة التالية هي التقييم؛ وهي تعني القفز إلى العالم الحقيقي. التقييم هو اختبار نموذجنا باستخدام بيانات لم يسبق استخدامها في التدريب. النتائج لا تتطابق أبداً مع النموذج بنسبة 100%. تهدف هذه الخطوة أولاً إلى تحديد ما إذا كان لدينا نموذج جيد لـ "آلة الأهداف" أم لا. عادةً ما تكون نسبة مطابقة 70% أو 80% جيدة بما يكفي. كما تساعد هذه الخطوة في تحسين النموذج، ولهذا السبب فإن الخطوة التي تلي التدريب والتقييم هي الضبط، وتحديداً ضبط "المعلمات الفائقة" (hyperparameter). إن الاختبار في العالم الحقيقي يساعد في اختيار المعلمات الفائقة وإعطائها وزناً أكبر في النموذج.
يمكن لآلة الأهداف استخدام النموذج مع بيانات لم تُستخدم من قبل لفحص الأماكن والعثور على أهداف جديدة. وتنتهي هذه الخطوة بخيار ضبط المعلمات الفائقة؛ فعلى سبيل المثال، إذا رأينا أثناء التقييم أن سمة واحدة أقوى من غيرها، يمكننا أن نقرر منح هذه السمة أولوية أكبر. هذا هو الطابق الثاني من تعلم الآلة: التدريب، التقييم، والضبط. والآن، عندما تتوفر لدينا البيانات والنموذج المطور، يمكننا الانتقال إلى الخطوة النهائية وهي التنبؤ.
التنبؤ لـ "آلة الأهداف"
التنبؤ هو الخطوة التي تبدأ فيها الآلة بالإجابة على الأسئلة. في مثالنا، يمكننا وضع بيانات مصنفة وغير مصنفة في النموذج، وتبدأ الآلة في التفكير واقتراح أهداف جديدة. التنبؤ هو المرحلة التي تتحقق فيها قيمة آلة الأهداف. يقدم أغراوال وغانس وغولد فارب في كتابهم "آلات التنبؤ" تعريفاً مذهلاً للتنبؤ:
"التنبؤ هو عملية ملء المعلومات المفقودة. يأخذ التنبؤ المعلومات التي لديك، والتي تسمى غالباً بيانات ، ويستخدمها لتوليد معلومات لا تملكها."
من منظورهم، التنبؤ هو قدرة أساسية للذكاء البشري، ويمكن للتنبؤ أن يولد معلومات عن الحاضر والماضي. عادةً ما نعتقد أن التنبؤ يخص المستقبل فقط؛ لكن بالنسبة لي، كان إدراك أن التنبؤ يتعلق أولاً بالماضي والحاضر بمثابة لحظة إدراك حقيقية.
عادةً ما يحدث تعلم الآلة عندما تتوفر لدينا بيانات تقدم لنا بيانات أو معلومات لا نملكها. الأنشطة وحدها هي التي ستكون في المستقبل، أما الاستنتاجات فهي من الماضي أو الحاضر. يمكن لآلة الأهداف أن تتعلم من البيانات والمعلومات المتوفرة لديها عن لبنان وحزب الله، وتقترح أماكن جديدة قد تكون منصات إطلاق الصواريخ مخبأة فيها.
فريق الإنسان-الآلة لمواجهة هجمات "الذئاب المنفردة" الإرهابية – دراسة حالة (2)
يمتلك الذكاء الاصطناعي أيضاً القدرة على التأثير في الحملة المستمرة (التي تسمى أحياناً "المعركة بين الحروب"). يمكن لفريق الإنسان-الآلة أن يؤثر أيضاً على القدرة على العثور على الإرهابيين قبل ارتكابهم لهجوم إرهابي. أحد الأمثلة الرئيسية لأنواع الأزمات التي تواجهها أجهزة الاستخبارات في إسرائيل هو ظاهرة "الإرهاب بالإلهام"، والتي تتخذ شكل هجمات الذئاب المنفردة. يستيقظ إرهابي محتمل ذات صباح ويقرر تنفيذ هجوم باستخدام سكين مطبخ للطعن، أو مركبة العائلة لدهس الناس. في بعض الأحيان لا يعرف الشخص حتى قبل يوم واحد أنه سيرتكب مثل هذا الهجوم. في هذه الحالات، تقف وكالات الاستخبارات التقليدية عاجزة. كيف يمكن التنبؤ بمثل هذا الهجوم أو منعه؟ وما الذي يمكن منحه الأولوية كقطعة معلومات أساسية يجب مراقبتها بدلاً من شيء آخر؟
في الواقع، وجدنا أنفسنا مرة تلو الأخرى دون رد صلة أو كافٍ على هجمات الذئاب المنفردة. كانت الأزمة شديدة في إسرائيل لدرجة أننا وجدنا أنفسنا في أكتوبر 2015 ننتقل من هجوم إرهابي إلى آخر ومن جنازة إلى جنازة. وفي كل مرة كنا نقول لأنفسنا بأثر رجعي: "انتظر لحظة! لابد أنه كان هناك نوع من الإشارات هنا، لو انتبهنا إليها، لربما أمكن منع الهجوم". ومع مرور الوقت واستمرار عدم فاعلية الوحدات الاستخباراتية، اشتد الشعور بالأزمة. أدركنا أن تفوق وكالات الاستخبارات في معالجة الهجمات الإرهابية مسبقاً كان بالفعل موضع تحدٍ. وفهمنا أنه عندما يتعلق الأمر بالإرهاب بالإلهام الذي يرتكبه الذئاب المنفردة، فإن الطريقة التي أنجزنا بها عملنا الاستخباراتي على مدار العقود الماضية لم تكن كافية.
بما أن كل شخص لديه القدرة على أن يكون إرهابياً منفرداً، فمن المستحيل فحص جميع الناس طوال الوقت. إن مهمة كهذه، تشبه فك شفرة "إنيجما"، تتطلب أكثر من 20 ألف محلل وأكثر من 20 مليون سنة. والطريقة لمعالجة هذا التحدي المعقد هي عبر فريق يتكون من البشر والآلات، ومن خلال عمليات "التمرير المتبادل" بين هذا الفريق. الخطوة الأولى بشرية؛ حيث يجب على البشر تحديد الحدود وتقديم أمثلة لخصائص إرهابيي الذئاب المنفردة السابقين. ثم يحتاج البشر والآلات معاً إلى صياغة خصائص الإرهابيين المحتملين، باستخدام خبرات الماضي لتقديم تنبؤات للمستقبل. الخطوة التالية هي التنبؤ الذي تنشئه الآلة من خلال البيانات الضخمة حول مشتبه بهم محددين. وأخيراً، يفحص البشر هؤلاء المشتبه بهم ويقررون كيفية التصرف. لقد ساعدنا هذا المفهوم وهذه العملية في مواجهة هذه التحديات ومنع عشرات هجمات الذئاب المنفردة كل شهر.

فريق الإنسان-الآلة لـ "حدود ذكية" – دراسة حالة (3)
يعد "المنزل الذكي" مثالاً يومياً للقدرات الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي والمتاحة لأصحاب المنازل. يستخدم المنزل الذكي أنواعاً مختلفة من البيانات في مكان واحد محدد لتحسين جودة حياتنا باستخدام "البتات" (bits). تخلق الرقمنة القدرة على تمثيل وترتيب ومعالجة العالم الحقيقي من خلال هذه البتات. والهزة الكبيرة التي تغير حياتنا هي القدرة على أخذ أنواع مختلفة من البيانات وتحويلها إلى أرقام ثنائية. يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أخذ كل هذه البتات واستخدامها في سياق مكان محدد، وبالتالي تحويل منزل "عادي" إلى منزل "ذكي". فكرة المنطقة الذكية هي استخدام فريق الإنسان-الآلة لحماية أماكن مثل حدودنا؛ فالقدرة على ربط البتات حول الحدود من خلال تعلم الآلة يمكن أن تساعد في السيطرة عليها وحمايتها. (مثال آخر هو "منطقة محمية ذكية قابلة للنقل" يمكن للقوات الصديقة العاملة في أراضي العدو استخدامها لحماية نفسها بشكل أفضل من التهديدات المتعددة).
أساس الحدود الذكية هو الربط بين المكان والشخص الذي يفعل شيئاً فيه (عن قصد بهذا الترتيب، أي البدء بالمكان). في العصر الرقمي، يمكن للمرء دمج المعلومات البصرية والمعلومات الشبكية في حيز مكاني معين. يمكن لهذا الاندماج أن يتعامل مع التحذيرات، وبشكل عام يساعد في تقديم استجابة مختلفة للاحتياجات العملياتية في سياق جغرافي. تبدأ الحدود الذكية بتحديد المساحة؛ ونقطة انطلاقها هي اختيار الحيز المكاني الذي نريد الوصول إليه على النحو الأمثل (قد يكون عبر الحدود، أو حيث يوجد نشاط مشبوه، إلخ). داخل الحيز المكاني المحدد، يجب خلق القدرة على دمج المستشعرات المختلفة في سياق المشكلة العملياتية التي تم تعريفها. بالنسبة لهذا الحيز المكاني، من الضروري أيضاً تنظيم جميع البيانات في سياق ذلك الموقع نفسه. بالإضافة إلى ذلك، يجب تنظيم مستشعرات محددة للمهام، وتوجيه كيان استخباراتي وعملياتي للاستفادة من معلومات الفضاء الذكي. كل هذه العوامل مجتمعة يمكن أن تحقق استجابة عملياتية مطورة.
يمكننا البدء في بناء حدود ذكية باختيار قسم من الحدود وبناء "نموذج إثبات مفهوم". الخطوة الأولى ستكون تنظيم جميع البيانات الخاصة بهذه المنطقة: التاريخ، الوجوه المألوفة في هذه المنطقة، الطبقات الجغرافية، إلخ. والثانية ستكون تنظيم أنواع مختلفة من المستشعرات لـ "السيطرة على المنطقة" – مثل الكاميرات، تسجيل الهويات الخلوية، الطائرات المسيرة، إلخ. والثالثة ستكون بناء نظام لربط أنواع البيانات المختلفة ببعضها البعض؛ والرابعة تصميم تعلم آلة لتحديد الظواهر غير العادية، وأخيراً بناء مجموعة محللين للتعامل مع هذه الآلة وتحسين الحدود الذكية كل يوم بناءً على كل تجربة.

فريق الألة البشرية – الجنرال ي س – ترجمة محمد عبد الكريم يوسف- أكاديميا



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فريق الألة البشرية – الحلقة الرابعة .
- فريق الألة البشرية في حلقات ( الحلقة الأولى – كلمة – المقدمة ...
- فريق الألة البشرية في حلقات (الحلقة الثانية – البشر أم الآلا ...
- كيف أقنع الشاعر عمر أبو ريشة جواهر لال نهرو بفتح معابد الهند ...
- في ضيافة الشاعر الأمير أبي فراس الحمداني، محمد عبد الكريم يو ...
- قراءة في قصيدة -حضن الأم- للشاعر رشيد سليم الخوري
- مناجاة فاوستوس الأخيرة( عذرا غوتيه- عذرا مارلو-عذرا توماس ما ...
- قراءة بلاغية في قصيدة الشتاء للشاعر زكي قنصل: محمد عبد الكري ...
- في ضيافة إخوان الصفا وخلان الوفا : دراسة أكاديمية شاملة
- بين فاوستوس وميفستوفوليس: عند توقع العقد مع الشيطان
- حوارٌ بيني وبين الدكتور فاوستوس .
- الاغتراب في أدب الشاعر نسيب عريضة، دراسة أكاديمية
- قراءة في قصيدة «بلادي» للشاعر إيليا أبو ماضي: دراسة نقدية شا ...
- خاجوراهو: حين نطق الحجر بقصيدة عمر أبو ريشة
- مناجاة جواهر لِال نَهْرُو لحبيبته إدوينا بعد رمي جثمانها في ...
- حوار افتراضي مع وليم شكسبير
- حوار افتراضي مع جورج جاك دانتون
- حوار افتراضي مع الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري( حكيم المع ...
- حوار افتراضي مع تشي غيفارا
- حوار افتراضي مع فيديريكو غارسيا لوركا


المزيد.....




- مع زيارة ملادينوف.. مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من الأراضي التي ...
- هل تدخل ماكرون فعلاً لإسقاط مشروع إنفانتينو؟.. تقرير يكشف تأ ...
- واشنطن تعلن حالة الطوارئ لمواجهة -أسوأ كارثة طبيعية تواجهها ...
- العراق.. كتلة الصادقون النيابية تطلق سلسلة إجراءات بعد استهد ...
- إسرائيل توسع الخط الأصفر وتبتلع مزيدا من أراضي الفلسطينيين ف ...
- أكثر من 2250 اعتداء استيطانيا خلال تموز
- نازحو السودان.. معاناة يمدها نقص التمويل
- برلمان شباب ليبيا ينظم حوارا وطنيا
- الموت يفجع محمد هنيدي
- قشقاوي: إيران في -حرب شاملة- مع أمريكا.. نتبع شيئا يتجاوز ال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - فريق الألة البشرية – الحلقة الثالثة .