|
|
السريان وتأميم التاريخ والتراث المسيحي السوري
خلف علي الخلف
الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 01:12
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
يتناول هذا المقال النشأة الأولى لمصطلح «السريان»، ودلالاته المبكرة، والظروف التي أفضت إلى ظهوره وتحوله مع مرور الزمن. كما يتناول الكيفية التي أُمِّم بها النعت الجغرافي «السوري» على يد أتباع الكنيسة السريانية، وتحويله إلى «السرياني»، ثم تأميم «اللسان السوري» وإعادة تشكيله في الأدبيات اللاحقة تحت اسم «اللغة السريانية». ويجادل المقال بأن هذا التحول لم يكن نتيجة تطور لغوي طبيعي، وإنما جاء ثمرة عملية واعية فرضتها اعتبارات دينية وسياسية وثقافية، أعقبها احتكار التراث السوري وإعادة تفسيره وإلحاقه بالهوية الكنسية السريانية. مقدمة: معضلة الإسقاط المصطلحي التراجعي
تعاني الدراسات وبعض الترجمات التاريخية الكنسية والشرقية التقليدية والاستشراقية من إشكالية معرفية ومنهجية تتمثل في الإسقاط المصطلحي التراجعي (Anachronism)، أي إسقاط مفاهيم وهويات متأخرة على عصور لم تكن تعرفها. من أبرز تجليات هذه الإشكالية ما يمكن تسميته بـ «الغزو السرياني لتاريخ سوريا المسيحي». نقصد بهذا الغزو عملية «تأميم» النعوت الجغرافية واللغوية العامة التي كانت تُطلق على سكان ولاية سوريا الرومانية، بما ضمته من بلاد الشام إضافة إلى ولاية الجزيرة الفراتية، ثم إعادة توظيفها بأثر رجعي لتغدو صك ملكية مذهبية حصرية للكنيسة اليعقوبية، التي أعادت تسمية نفسها بالكنيسة السريانية الأرثوذكسية في القرن العشرين رسميا.
إن العودة إلى المصادر والوثائق الأصلية المعاصرة للوقائع تنزع الشرعية التاريخية عن هذا الاحتكار المصطلحي، وتكشف كيف تحوّل «اللسان السوري» والانتساب الجغرافي إلى سوريا من وصفين لغوي وإقليمي عامين إلى هوية مذهبية منغلقة. لم يأت هذا التحول وليد تطور لغوي طبيعي، إنما ارتبط بالأزمة التي أعقبت مجمع خلقيدونية، وما ترتب عليه بعد عقود، من انقسام كنيسة أنطاكية إلى كنيسة خلقيدونية وأخرى لا خلقيدونية، ثم ترسخ تدريجيًا خلال العصرين الأموي والعباسي حتى اكتمل في القرون اللاحقة.
1- الفضاء الجغرافي القديم وغياب التمايز الإثني والمذهبي
منذ العصرين اليوناني والروماني وحتى بدايات العصر العربي، شكّلت بلاد الشام، التي عُرفت في المصادر اليونانية والرومانية باسم «سوريا»، مع الجزيرة الفراتية فضاءً جيوسياسيًا متداخلًا تعايشت فيه شعوب متعددة دون عوازل قومية أو إثنية صلبة. سكن هذه الجغرافيا الآراميون والعرب، والأنباط والتدمريون، والفرس، والروم، والأرمن، واليونان، والرومان، وبقايا الشعوب المحلية القديمة، ثم انضمت إليها جماعات أخرى في مراحل لاحقة.
كان التمايز في المقام الأول تمايزًا جغرافيًا، ثم لغويًا، وليس تمايزًا قائمًا على أساس عرقي أو مذهبي بين هذه الجماعات والاقوام. إذ أن النسبة إلى «سوري» لم تكن تدل على أصل عرقي، شأنها شأن النسبة إلى المدن، مثل «أنطاكي» و«نصيبيني». وكذلك أسماء اللغات؛ فالكنعانية والآرامية والتدمرية والعربية لم تكن تعني بذاتها انتسابًا عرقيًا لمتحدثيها، إنما أوصافًا لمتحدثي تلك اللغات يتداولها أبناء أعراق مختلفة.
بعد العصر السلوقي، واستمرارًا في العصر الروماني، استقرت في المنطقة ثنائية لغوية واضحة. فقد أصبحت اليونانية لغة الإدارة والحكم والثقافة الرسمية واللاهوت، بينما ظلت الآرامية بلهجاتها لغة الحياة اليومية والتجارة والتواصل بين السكان [Lingua Franca]. في الجزيرة الفراتية عُرفت لهجتها الشرقية محليًا باسم اللسان الرهاوي [Urhāyā] نسبة إلى مدينة الرها، في حين انتشرت الآرامية الغربية في بلاد الشام، وشكلت التدمرية لهجة خاصة فيها خليط عربي، وكانت اللهجات متقاربة إلى حد كبير، مما أتاح سهولة التواصل بين متحدثيها
تجمع المصادر اليونانية والرومانية والآرامية على إطلاق صفة «اللسان السوري» على الآرامية، دون أن يحمل هذا الوصف أي دلالة مذهبية أو قومية. في العهدين اليوناني والروماني وبدايات العربي لم يكن لمصطلح «السرياني» وجود بوصفه اسمًا لهوية أو كنيسة أو جماعة دينية، فقد كان المستعمل هو «السوري» في الفضاء البيزنطي، والإشارة إلى الأقاليم واللغات تقوم على أسس جغرافية وإدارية ولغوية بحتة.
2- البداية من ترجمة الكتاب المقدس
بدأت قصة «اللسان السوري» قبل ظهور أي مصطلح آخر بقرون، مع ترجمة الكتاب المقدس إلى الآرامية الشرقية في مملكة الرها. يرجح عدد من مؤرخي اللغات، وفي مقدمتهم ثيودور نولدكه ومايكل ويتزمان، أن العهد القديم من البشيطا، وهو الوصف المستقر لترجمة العهد القديم إلى آرامية الرها، تُرجم على يد جماعات يهودية، أو يهودية–مسيحية، في مملكة الرها، التي حكمتها السلالة الأبجرية العربية. تلك المملكة التي تمتعت باستقلال سياسي نسبي ونفوذ ثقافي واسع، مما أوجد حاجة إلى ترجمة الأسفار المقدسة إلى اللغة المحلية، الآرامية الشرقية، التي عُرفت أحيانًا بـ«اللسان الرهاوي»، لتيسير العبادة وتعليم المؤمنين بالدين الجديد في الجزيرة الفراتية.
أما العهد الجديد، فينسب عدد من الباحثين إلى رابولا، أسقف الرها (ت 435م)، الدور الأبرز في مراجعة النص وإخراج النسخة النهائية المعتمدة من البشيطا، ثم فرضها رسميًا في كنيسة الرها، بهدف توحيد القراءات وإقصاء «الدياطسرون»، وهو الإنجيل الذي ألّفه اللاهوتي والفيلسوف السوري تاتيانوس نحو عامي 160–170م، جامعًا الأناجيل الأربعة في رواية واحدة متسلسلة. وكلمة دياطسرون [Διὰ τεσσάρων] يونانية تعني «عبر الأربعة»، في إشارة إلى اعتماده على أناجيل متّى ومرقس ولوقا ويوحنا. تكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة في سياق هذا المقال؛ إذ إن جميع المصادر التي تؤرخ لنشأة البشيطا وتداولها تتحدث عن الرها، والآرامية، و«اللسان السوري»، ولا تعرف أي استعمال لمصطلح «السريان». هذا يعني أن التراث المسيحي الآرامي الأقدم في الشرق نشأ وتطور قبل أن يُعرف هذا المصطلح ويكتسب دلالته الكنسية والطائفية التي ظهرت في قرون لاحقة.
3- الشهادة اليونانية: «اللسان السوري» عند مؤرخي القرن الخامس
تكشف العودة إلى النصوص اليونانية الأصلية لمؤرخي الكنيسة في القرن الخامس الميلادي، وفي مقدمتهم ثيودوريت القورشي، اللاهوتي والمؤرخ والأسقف، وسوزومين الغزاوي ويوحنا الآمدي أو الأسيوي غياب أي استعمال لمصطلح «السرياني» في أي من كتبهم وهم إلى كونهم من أهم مؤرخي تلك الحقبة، من أبناء المنطقة، وجميعهم كتبوا باليونانية لكن المصادر تشير إلى معرفتهم أو كتابتهم بـ «اللسان السوري». فالمصطلحات المستخدمة عند الحديث عن اللغة أو السكان أو الكنائس بقيت تدور حول الوصف الجغرافي «السوري»، وهو ما يعكس الواقع السائد قبل تشكل الهويات الكنسية اللاحقة. في كتاب «التاريخ الكنسي» لسوزومين (الكتاب الثالث، الفصل السادس عشر)، وعند حديثه عن النتاج الأدبي واللاهوتي لأفرام النصيبيني (ت 373م)، يستخدم النص اليوناني عبارتين بالغتي الدلالة [Τῇ Σύρων γλώττῃ] وتعني حرفيًا «باللسان السوري» أو «بلغة السوريين» في التعبير الحديث، حيث ينسب اللغة إلى سكان الإقليم السوري دون أي دلالة مذهبية أو كنسية. ويرد فيه أيضًا [Τὰς Σύρων ἐκκλησίας] وتعني «كنائس السوريين»، أي الكنائس المنتشرة في الإقليم السوري، دون أن يكون للمصطلح أي مدلول طائفي مستقل.
4- التحدي الوثائقي: تفكيك حالة «أفرام النصيبيني»
لا تعرف المصادر المعاصرة لأفرام أي وثيقة تنعته بلقب «السرياني»، فقد عُرف في حياته باسم «أفرام النصيبيني» نسبة إلى موطنه، ثم ارتبط اسمه بالرها بعد انتقاله إليها إثر معاهدة عام 363م بين الروم والفرس. أما في كتاباته، فقد سمّى لغته «الآرامية»، ولم يستعمل قط مصطلح «السريانية» الذي اشتهر في العصور اللاحقة. عاش أفرام وتوفي قبل مجمع خلقيدونية بما يقارب ثمانية عقود، أي قبل الانقسام الذي أفضى إلى تشكل الكنائس المتنافسة على تراثه. لذلك فإن تقديمه اليوم بوصفه «أبًا روحيًا للسريان» لا يعكس كيفية تعريفه لنفسه أو الطريقة التي عرّفه بها معاصروه، وإنما يمثل قراءة لاحقة نشأت بعد قرون، عندما أعادت الكنائس الناطقة بالآرامية، وفي مقدمتها كنيسة المشرق «النسطورية» ثم لاحقًا الكنيسة اليعقوبية، قراءة تراثه وإلحاقه بهوياتها الكنسية الناشئة.
هكذا، فإن أقدم الشهادات اليونانية عن أفرام تنسبه إلى مدينته دون أي حديث عن أصله الإثني، والمصادر اليونانية تتحدث عن «السوري» وإن لم تحدد لغته بالأرامية فهي «اللسان السوري» ولم تعرفه بـ «السرياني» قط. هذا هو الفارق الدلالي الذي يقوم عليه هذا المقال؛ إذ إن «السوري» في المصادر المعاصرة لأفرام لم يكن يعني «السرياني» بالمعنى الكنسي الذي استقر في القرون اللاحقة.
5- الانقسام السوري الأول: من مغامرات «بطرس القصار» إلى لاهوت «سويريوس»
لم يُحدث مجمع خلقيدونية (451م) انقسامًا داخل كنيسة أنطاكية، التي كانت أحد أبرز صُنّاع قراراته والمدافعين عنها، وخرجت من المجمع موحدةً ومؤيدةً لصياغاته العقائدية، بعد سنوات من الصراع مع كنيسة الإسكندرية. غير أن الاضطرابات السياسية التي أعقبت المجمع داخل البلاط الروماني هيأت، بعد سنوات، لظهور أول أسقف لاخلقدوني على كرسي أنطاكية، وهو بطرس القصار. المفارقة أن الرجل الذي منح مشروعه دوافع لاهوتية كان سياسيًا بارعًا أحسن توظيف الجدل العقائدي للوصول إلى الكرسي الأنطاكي. ولم يكن في الأصل لاهوتيًا.
خرج من مجمع خلقيدونية تيار لا خلقيدوني تمثل بكنيسة الإسكندرية وحدها بداية، بسبب نفي أسقفها الذي عقد قبل ذلك مجمع اللصوص الذي أدين في خلقيدونية. بعد مقاومة كنيسة الإسكندرية لإجماع الكنائس في خلقيدونية حاولت أن تجد لها أنصارًا من الكنائس الأخرى. وبعد عقود أثمرت محاولاتها بإيصال الانقسام إلى كنيسة أنطاكية. غير أن هذا الانقسام ارتبط في سنواته الأولى بالصراع على كرسي أنطاكية أكثر مما ارتبط بأسس لاهوتية.
أ. مرحلة الانتهازية السياسية: بطرس القصار
يُعد بطرس القصار (Peter the Fuller) أول أسقف لاخلقيدوني يسيطر على كرسي أنطاكية، إذ جلس عليه في ثلاث فترات متقطعة بين عامي 465 و488م بدعم سياسي من زينون، صهر الإمبراطور ليون الأول وحاكم الشرق آنذاك، الذي أصبح لاحقًا إمبراطورًا. تكاد المصادر لا تذكر شيئًا عن حياته، سوى أنه كان يعمل صبّاغ أقمشة، ظهر في دير الرهبان اللانواميين (Akoimetoi) قرب القسطنطينية، وهو دير اشتهر بعلاقاته الوثيقة بالبلاط وبالنخبة الأرستقراطية المسيحية. تذكر بعض المصادر الخلقيدونية أنه طُرد منه بسبب سلوكه الماجن. ولا يستبعد أن يكون اختياره لهذا الدير قد ارتبط بما يوفره من صلات مباشرة مع دوائر الحكم، إذ سرعان ما توثقت علاقته بزينون عبر الشبكة التي كونها في الدير الذي طرده، واصطحبه معه إلى أنطاكية عندما تولى حكم أبرشية الشرق، لتبدأ منذ ذلك الحين رحلته نحو كرسي أنطاكية.
لم يكن بطرس القصار رجل لاهوت أو صاحب مشروع فكري، كان رجل سياسة أحسن استغلال الاضطرابات التي حصلت في كنيسة الإسكندرية عقب خلقيدونية. صوّرته المصادر الخلقيدونية مغتصبًا لكرسي أنطاكية، بعد أن أطاح بالأسقف الشرعي مستفيدًا من دعم زينون حاكم الشرق في أنطاكية، واعتمد خطابًا شعبويًا اتهم فيه الأسقف الشرعي بالنسطورية، وهي تهمة كانت كافية لإقصاء أي أسقف بعد أن أصبحت محظورة بقرارات الدولة والمجامع.
تكشف مسيرة القصار عن تحالف سياسي وثيق مع الكنيسة اللاخلقيدونية في الإسكندرية، التي وجدت في أنطاكية ساحة جديدة لمواجهة قرارات خلقيدونية. لم يكن ذلك حدثًا عابرًا؛ فكنيسة أنطاكية كانت صاحبة الدور الأبرز في بلورة الصياغة اللاهوتية التي أقرها المجمع، ولذلك بدا وصول أول بطريرك لاخلقيدوني إلى كرسيها تحولًا غير مسبوق في تاريخها.
لم يقتصر أثر بطرس القصار على الاستيلاء على الكرسي، فقد امتد إلى إعادة تشكيل البنية الأسقفية في سوريا التابعة لأنطاكية، فعزل عددًا كبيرًا من الأساقفة الخلقيدونيين وعيّن مكانهم أساقفة لاخلقيدونيين، أو استمال بعضهم إلى معسكره فغيروا لاهوتهم. من أبرز قراراته رسامة فيلوكسينوس أسقفًا على منبج، وهو الرجل الذي سيصبح لاحقًا المؤسس الحقيقي للاهوت اللاخلقيدوني في الفضاء السوري، وبذلك انتقل الانقسام من صراع على السلطة إلى مشروع لاهوتي متكامل.
أما إضافته الشهيرة لعبارة «يا من صُلبت لأجلنا» إلى الترساجيون، فقد كانت، في بدايتها، أداة تعبئة سياسية وشعبية أكثر منها تطويرًا ليتورجيًا أو تأسيسًا لاهوتيًا، وأسهمت في تأجيج الصراع داخل الكنيسة الأنطاكية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى إحدى السمات المميزة للطقس اللاخلقيدوني.
ب- مرحلة التأصيل اللاهوتي: فيلوكسينوس المنبجي (نحو 440–523م)
إذا كان بطرس القصار منح التيار اللاخلقيدوني حضوره السياسي الأول في أنطاكية، فإن فيلوكسينوس المنبجي هو الذي منحه بنيته اللاهوتية والفكرية. يُعد فيلوكسينوس، المعروف أيضًا باسم «أخسنايا» (ܐܟܣܢܝܐ)، أي «الغريب»، أول منظّر متكامل للاهوت اللاخلقيدوني في الفضاء السوري. الأنطاكي وُلد في إقليم شرق نهر دجلة داخل الدولة الساسانية، ونشأ في أسرة تدين بالمذهب النسطوريي، قبل أن ينتقل إلى الأراضي البيزنطية ويتلقى علومه في مدرسة الرها، التي كانت آنذاك أحد أهم معاقل التقليد الأنطاكي، وتُدرّس تعاليم وتفاسير ثيودور المصيصي وديودور الطرسوسي. ترهب في دير مار باسوس قرب أفاميا، حيث أتقن التراثين اليوناني والآرامي، وصقل شخصيته كأحد أبرز الخطباء والكتّاب في عصره.
عام 485م، سامه بطرس القصار أسقفًا على منبج، ومنها اكتسب لقبه الأشهر «المنبجي». وسرعان ما حوّل المدينة إلى المركز الفكري للاهوت اللاخلقيدوني في سوريا، منحازًا بشكل تام إلى اللاهوت الإسكندري المناهض لخلقيدونية متحالفًا ومنظرًا لبطرس القصار. قاد منها حملات كنسية وسياسية واسعة ضد الأساقفة الخلقيدونيين، وكان صاحب الدور الأبرز في عزل البطريرك فلافيان الثاني، وتمهيد الطريق أمام وصول سويريوس إلى كرسي أنطاكية.
لم يقتصر أثره على الجدل اللاهوتي، فقد امتد إلى النصوص المقدسة نفسها؛ إذ أشرف على ترجمة للكتاب المقدس عام 508م، سميت باسمه الترجمة الفيلوكسينية، وهي أول مراجعة كبرى للنص المقدس بالآرامية في البيئة اللاخلقيدونية، بما انسجم مع قراءته اللاهوتية، وأسهم في ترسيخ استقلال هذا التيار فكريًا ونصيًا عن الكنيسة الخلقيدونية. ترك فيلوكسينوس عشرات الميامر والرسائل التي أصبحت من أهم نصوص الأدب الآرامي الكلاسيكي، ورسّخ لأول مرة لاهوتًا لاخلقيدونيا متكاملًا في الفضاء السوري الذي يتبع كنيسة أنطاكية. غير أن اللافت في هذا التراث كله أنه يتحدث عن «السوري» و«اللسان السوري» ولا يذكر مصطلح «السرياني» كهوية كنسية أو حتى لغوية. هنا تكمن المفارقة؛ إذ إن البناء اللاهوتي الذي أصبح لاحقًا أحد أعمدة الكنيسة السريانية قد نضج قبل أن يكتسب هذا المصطلح دلالته المذهبية التي استقرت في القرون التالية.
ت- مرحلة التأصيل الكنسي: سويريوس الأنطاكي (ت 538م)
إذا كان بطرس القصار قد فتح الطريق سياسيًا، وفيلوكسينوس المنبجي قد صاغ الأساس اللاهوتي، فإن سويريوس الأنطاكي هو الذي منح التيار اللاخلقيدوني بنيته الكنسية ومؤسساته الفكرية، حتى أصبح أبرز منظّريه في القرن السادس. لايبدو ذلك مستغربًا؛ فقد وُلد سويريوس في آسيا الصغرى، وتلقى علومه في الإسكندرية اللاخلقيدونية، ثم في مدرسة الحقوق في بيروت، لكنه كتب جميع مؤلفاته اللاهوتية والجدلية باليونانية، لغة الثقافة واللاهوت في الشرق آنذاك وكنيسة أنطاكية. كان يرى نفسه أسقفًا لكنيسة أنطاكية السورية، ولم يستخدم قط مصطلح «السرياني» كهوية كنسية، استعمل على الدوام مصطلح «السوري» وفق دلالته الجغرافية السائدة.
مع تقلب السياسات الإمبراطورية وتشدد السلطة البيزنطية تجاه اللاخلقيدونيين بسبب الاضطرابات التي يشكلونها، صدر أمر بنفي هذا الأسقف، ثم فُقد معظم الأصل اليوناني لمؤلفات سويريوس، ولم يبق منها إلا ما حفظته الترجمات إلى «اللسان السوري»، أي الآرامية، في أديرة سوريا والجزيرة الفراتية. هنا تكمن مفارقة تاريخية لافتة؛ فأهم منظّر لاهوتي سيعرف لاحقًا بـ«تاج السريان» لم يكتب بالسريانية، ولم يعرّف نفسه بها، وإنما وصل تراثه إلى الأجيال اللاحقة عبر الترجمة إلى «اللسان السوري».
مع اشتداد التضييق البيزنطي، تقلص الحضور المؤسسي للاخلقيدونيين في سوريا، وأصبحت كنيستهم المنسوبة لأنطاكية منازعة على الشرعية تعتمد بدرجة متزايدة على الدعم الكنسي القادم من الإسكندرية، وقد عُين أساقفة مصريين لها وكذلك أقام أساقفتها في الإسكندرية معقل اللاخلقيدونية. تضاءل التيار اللاخلقيدوني في مصر وسوريا نتيجة السياسات الإمبراطورية حتى كاد أن ينقرض وهو واقع مهد لاحقًا لإعادة تشكيل هويتها التاريخية واللغوية في القرون التالية.
ث- يعقوب البرادعي وإحياء الكنيسة اللاخلقيدونية
في هذه المرحلة برز الحارث بن جبلة، ملك العربية الرومانية، وهي الولاية التي كانت عاصمتها بصرى، وامتدت؛ وفق التقسيمات الحالية، من الغوطة شمالًا حتى تبوك جنوبًا. وما تزال آثار بصرى الرومانية، بما تضمه من مسارح وكنائس ومبانٍ إدارية، شاهدة على مكانتها عاصمةً لإحدى أهم ولايات الإمبراطورية، خلافًا لما توحي به بعض الأدبيات السريانية المتأخرة التي تصوره مجرد «ملك للعرب البدو»، في محاولة للتقليل من شأنه ودوره في تاريخ المسيحية المشرقية. بينما تكشف المصادر المعاصرة أنه كان أحد أبرز حلفاء الإمبراطورية الرومانية وحامي حدودها الجنوبية في مواجهة الساسانيين، وأن نفوذه امتد في بعض الفترات إلى الرقة وحمص وحلب.
اعتنق الحارث وقومه المذهب اللاخلقيدوني، فتوجه إلى القسطنطينية طالبًا سيامة يعقوب البرادعي أسقفًا غير مقيم للرها، وثيودور أسقفًا على بصرى وأسقفياتها، ومنها الرصافة، المدينة التي حملت اسم القديس سرجيوس، شفيع العرب. تحققت هذه السيامات بدعم الإمبراطورة ثيودورا، وبوضع اليد من ثيودوسيوس، البطريرك اللاخلقيدوني للإسكندرية، الذي كان خاضعًا للإقامة الجبرية لكنه تحت حمايتها.
جاءت سيامة يعقوب البرادعي في وقت كانت فيه اللاخلقيدونية في سوريا ومصر تمر بأشد مراحل ضعفها حتى كادت أن تنتهي، فانطلق، بمعاونة ثيودور أسقف بصرى، في إعادة بناء الكنيسة اللاخلقيدونية، وسيامة الأساقفة والكهنة، وإحياء بنيتها الكنسية التي كادت تتلاشى. منذ ذلك الحين أصبح للتيار اللاخلقيدوني في سوريا، تنظيم كنسي مستقل فعليًا عن بطريركية أنطاكية الخلقيدونية، تحت حماية ملك العرب الحارث بن جبلة والغساسنة، الذين ظل ولاؤهم السياسي للإمبراطورية الرومانية قائمًا رغم اختلافهم المذهبي معها.
في خضم هذا الصراع ظهرت التسميات المتبادلة بين الخصوم؛ فأطلق الخلقيدونيون على أتباع هذا التيار اسم «المنوفيزيين» أو «أصحاب الطبيعة الواحدة»، بينما أطلق اللاخلقيدونيون على خصومهم اسم «الملكانيين»، أي أتباع الإمبراطور. بعد يعقوب البرادعي شاع اسم «اليعاقبة» للدلالة على الكنيسة اللاخلقيدونية في سوريا، نسبة إلى الرجل الذي أعاد بناء مؤسساتها وأحيا وجودها.
هنا تبرز حقيقة ذات دلالة خاصة في سياق هذا المقال؛ فحتى منتصف القرن السادس لم يكن مصطلح «السريان» قد ظهر اسمًا لهذه الكنيسة، ولا وصفًا لهويتها، ولا اسمًا للغتها. فالاسم الذي عرفت به آنذاك، عند أنصارها وخصومها على السواء، كان «اليعاقبة»، بينما ظلت اللغة توصف في المصادر المعاصرة بـ«اللسان السوري»، وهو ما يؤكد أن التسمية السريانية بالمعنى الكنسي لم تكن قد وُلدت بعد.
6- الصدمات السياسية: من تعريب عبد الملك إلى مأزق اليعاقبة
شهد العصران الأموي والعباسي محطتين سياسيتين كان لهما الأثر الأكبر في دفع الكنيسة اليعقوبية إلى إعادة صياغة هويتها الكنسية، وتحويل «السوري» الجغرافي تدريجيًا إلى «السرياني» بوصفه هوية دينية جامعة.
أولًا: حركة تعريب الدواوين (81هـ/700م)
أطلق الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مشروع تعريب الدواوين، فأنهى هيمنة اللغة اليونانية على الإدارة والمالية في بلاد الشام. وأمام هذا التحول الكبير، وما حمله من تراجع لمكانة اليونانية داخل المجتمع المسيحي، قاد اللغوي والمترجم اليعقوبي يعقوب الرهاوي (ت 708م) مشروعًا مضادًا يمكن وصفه بـ«مأسسة اللسان السوري». فوضع أول مؤلف متكامل في قواعد اللغة، واستحدث نظام الحركات الصوتية المستوحى من اليونانية لضبط قراءة النصوص الكنسية والمحافظة على سلامة تداولها.
في أثناء ترجمته للمؤلفات اليونانية، استعمل يعقوب الرهاوي لفظ ܣܘܪܝܝܐ (سوريويو/سرياني) مقابل اللفظ اليوناني Σύρος (السوري)، وهو هنا لم يخترع لفظًا من العدم ولكنه حول دلالته من دلالة على الانتماء الجغرافي واللغوي، إلى دلالة على الجماعة اللاخلقيدونية «اليعقوبية» المتمسكة بإيمانها، في مقابل «الملكانيين» السوريين الذين يمثلون تراث سوريا المسيحي الأنطاكي. هنا بدأت أولى مراحل «تأميم» التراث السوري، بتحويل وصف جغرافي ولغوي مشترك إلى هوية كنسية خاصة.
ثانيًا: مرسوم المأمون العباسي ومأزق اليعاقبة
تكرس هذا التحول في العصر العباسي، ومن أبرز شواهده اللقاء الذي جمع الخليفة المأمون بديونيسيوس التلمحري (ت 845م)، أسقف اليعاقبة الذي ستطلق عليه الأدبيات اللاحقة لقب البطريرك. أصدر المأمون مرسومًا يقضي بأن من حق كل جماعة من أهل الذمة يبلغ عدد أفرادها عشرة فأكثر أن تختار رئيسها الديني، وتعترف الدولة به، من غير أن تتدخل في النزاعات الكنسية الداخلية. جاء القرار نتيجة الشكاوى المتكررة التي رفعها اليعاقبة أنفسهم إلى البلاط العباسي بسبب انقساماتهم المتواصلة، فأراد المأمون أن يحسم الأمر بإعلان أن علاقة الدولة بالمسيحيين تقتصر على إدارة شؤونهم العامة واستيفاء الجزية، ولا تمتد إلى الفصل في خلافاتهم المذهبية.
رأى ديونيسيوس التلمحري في هذا القرار تهديدًا مباشرًا لوحدة الكنيسة اللاخلقيدونية، ولا سيما في ظل النزاع مع الأسقف إبراهيم حول الشرعية الكنسية. هنا جاء احتجاجه اللافت، إذ استعمل أمام الخليفة تعابير مثل «شعبنا السرياني» و«الكنيسة السريانية»، مقدمًا لأول مرة هوية كنسية جامعة تتجاوز تسمية «اليعاقبة» التي أطلقها الخصوم عليهم. لم يكن ديونيسيوس يقصد جماعة إثنية أو قومية، فقد شمل جميع المؤمنين باللاخلقيدونية، على اختلاف أصولهم الجغرافية والعرقية وفيهم العرب بكل تأكيد. عند تلك اللحظة ولد مصطلح «السريان» وصفًا لجماعة محددة من المؤمنين هم اليعاقبة، وهي اللحظة التي اكتسب فيها المصطلح دلالته المؤسسية التي ستترسخ في القرون اللاحقة.
7- التكريس والاعتراف: من التلمحري إلى ميخائيل الكبير
في الأدبيات الكنسية اليعقوبية نفسها، يُعد ديونيسيوس التلمحري (ت 845م) أول من استخدم لفظ «السريان» استخدامًا رسميًا ومنهجيًا في تدوين التاريخ الكنسي، ليجعله اسمًا لكنيسته تمييزًا لها عن «الروم الملكانيين»، التابعين إداريًا لكنيسة الدولة البيزنطية. تجلى ذلك بوضوح في رسالته العقائدية المشتركة إلى يوساب الأول، بطريرك الكنيسة القبطية، سنة 819م، حيث عرّف كنيسته باسم «كنيسة السريان الأرثوذكسية الأنطاكية». من المهم التأكيد هنا أن تعبير «الروم الملكانيين» أو «الروم» في الأدبيات اليعقوبية لم يكن يعني جماعة وافدة إلى سوريا أو أنهم من أصولٍ رومية، فهو يطلق على السوريين الخلقيدونيين أصل المسيحية الأنطاكية السورية، غير أن هذا الوصف أسهم تدريجيًا في إخراجهم ذهنيًا من الفضاء السوري، وحصر الانتساب إلى «السريان» داخل الكنيسة اللاخلقيدونية وحدها، وهو ما أحدث لبسا مستمرًا حتى اليوم في أذهان غير المختصين، إذ يصور أتباع هذه الكنائس بأنهم من الروم.
في القرن الثاني عشر، جاء البطريرك والمؤرخ ميخائيل الكبير (ت 1199م) ليمنح هذا التحول تأصيلًا تاريخيًا ولاهوتيًا متكاملًا. ففي موسوعته التاريخية الكبرى، دافع عن فكرة أن الكنائس الأخرى هجرت لغتها المحلية وتبنت اليونانية، بينما بقيت كنيستهم اليعقوبية وحدها محافظة على تراثها اللغوي، ولذلك أصبحت، في تصوره، الوريث الشرعي الوحيد لاسم «السوريين» الذي حوله إلى «السريان». غير أن هذا التفسير يصعب التوفيق بينه وبين تاريخ الكنائس الرسولية الكبرى؛ فكنائس أنطاكية، والإسكندرية، والقسطنطينية، وأورشليم وحتى روما في قرونها الأولى، نشأت داخل التقليد اللاهوتي اليوناني، ولم تنتقل إليه بعد هجر لغة كنسية أقدم. من ثم فإن ربط اسم «السريان» بادعاء المحافظة على لغة تخلت عنها الكنائس الأخرى لا تؤيده الشواهد التاريخية المبكرة إذ أن كنيسته كانت في نفس الإطار.
بذلك أكمل، من داخل الكنيسة نفسها، عملية إحلال «السريانية» عوضًا عن «اليعقوبية» كهوية كنسية. لم يقتصر الأمر على تبني اسم جديد، إنما أطلق عملية «تأميم» التراث السوري المسيحي السابق كله في ضوء هذه الهوية الكنسية لجماعة إيمانية محددة مختلفة الإثنيات والأقوام، حتى بدا في الأدبيات اللاحقة وكأن «السريان» كانوا الاسم الطبيعي لهذه الكنيسة منذ نشأتها الأولى، بينما تكشف المصادر المعاصرة لمسار الأحداث أن هذا الاستعمال لم يترسخ إلا بعد قرون من قيامها.
8- الرصد الخارجي: المصطلح في المصادر الإسلامية المبكرة
انعكس هذا التحول الكنسي الداخلي بوضوح في كتابات المؤرخين والجغرافيين العرب في القرنين الثالث والرابع الهجريين، الذين تلقوا استعمال مصطلح «السريان» من الواقع الكنسي القائم، واستعملوه مرادفًا لليعاقبة تمييزًا لهم عن الملكانيين والنساطرة. والمقصود هنا مذاهب كنسية، لا جماعات عرقية؛ إذ كان أتباع هذه الكنائس جميعًا ينتمون إلى أصول قومية وجغرافية متعددة ومتشابهة. يظهر ذلك في عدد من المصادر الإسلامية المبكرة:
• أبو يوسف (ت 182هـ/798م): استعمل في «كتاب الخراج» لفظ «السريان» بوصفه مرادفًا تشريعيًا لليعاقبة عند حديثه عن أحكام أهل الذمة في الشام والعراق. • اليعقوبي (ت 284هـ/897م): يقول في «تاريخه»: «والنصارى ثلاث فرق: الملكية، واليعقوبية، والنسطورية... واليعقوبية هم السريان، وهم أصحاب يعقوب». • المسعودي (ت 346هـ/956م): يذكر في «مروج الذهب»: «والفرقة الثانية هم اليعاقبة، والغالب عليهم أنهم السريانيون...»، ثم يصف انتشارهم وطقوسهم.
تكشف هذه الشهادات أن المؤرخين العرب لم يستخدموا «السريان» كتسمية جغرافية لسكان سوريا ولا لجماعة عرقية أو ذات خصائص قومية بالتعبيرات الحالية والقديمة، إذ من الواضح أنهم استخدموه اسمًا كنسيًا متداولًا داخل البيئة المسيحية نفسها، قبل أن ينتقل إلى الأدبيات العربية.
9- التثبيت الرسمي للهوية الجديدة
قد يستغرب القارئ أن المأسسة الرسمية للهوية الكنسية لم تكتمل إلا في العصر الحديث. فقد شهدت القرون الأخيرة محطات حاسمة في تثبيت اسم «الكنيسة السريانية الأرثوذكسية» واعتماده قانونيًا ورسميًا. فخلال العهد العثماني، سُجلت الكنيسة في «نظام الملل» باسم «ملة السريان الأرثوذكس» تمييزًا إداريًا وقانونيًا لها عن سائر الطوائف المسيحية. بعد قيام الجمهورية التركية، نُقل الكرسي البطريركي عام 1933م من دير الزعفران في طور عبدين في تركيا، الذي ظل مقر البطريركية قرابة ثمانية قرون، بدأ في عصر هولاكو الذي رعاهم بعد إسقاطه الخلافة العباسية وتدمير بغداد، إلى مدينة حمص، إيذانًا بمرحلة جديدة في تاريخ الكنيسة داخل الشرق العربي، قبل انتقاله لاحقًا إلى دمشق عام 1959م. في عام 1952م، أصدر البطريرك مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم، بالاشتراك مع المجمع المقدس، قرارًا باعتماد اسم «الكنيسة السريانية الأرثوذكسية» اسمًا عربيًا رسميًا، ليحل محل لقب «اليعاقبة» الشائع في الاستعمال الشعبي ويحظر استخدامه، وليقطع الطريق على التجاذبات القومية الصاعدة التي اتجهت إلى تحويل أتباع الكنائس النسطورية؛ التي اكتسبت أسماءًا جديدة كالكلدنية والآشورية المنافسة إلى قوميات، وكذلك القومية الآرامية الناشئة في كنيسته، وليثبت شخصية قانونية موحدة للكنيسة أمام دساتير دول الاستقلال الناشئة في سوريا والعراق ولبنان.
في عام 2000م، استكمل المجمع المقدس، برئاسة البطريرك مار إغناطيوس زكا الأول عيواص، هذا المسار، فاعتمد في الإنجليزية اسم [Syriac Orthodox Church] بدلًا من [Syrian Orthodox Church]، لفك الارتباط اللفظي بالدولة السورية الحديثة في بلدان الاغتراب، وتأكيد هوية عابرة لحدود الدول المعاصرة.
تكشف هذه المحطات أن الاسم الذي بدأ استعماله داخل الأدبيات الكنسية في العصور الوسطى لم يكتسب صورته القانونية والرسمية النهائية إلا في العصر الحديث، بعد سلسلة طويلة من التحولات التاريخية والإدارية، وهو ما ينسجم مع المسار الذي يتبعه هذا المقال البحثي في نشأة المصطلح وتطوره.
الخلاصة: تأميم التاريخ السوري بأثر رجعي
تثبت المراجع الأصلية؛ اليونانية، واللاتينية، والآرامية، والعربية، أن صفة «السرياني» لم تكن معروفة في القرون المسيحية الأولى بوصفها اسمًا لكنيسة أو هوية مذهبية، وإنما ظهر هذا الاستعمال تدريجيًا ابتداءً من القرن الثامن الميلادي، ثم استقر في القرن التاسع ليشير إلى أتباع كنيسة بعينها. أما قبل ذلك، فقد كانت المصادر تستخدم «السوري» وصفًا جغرافيًا عامًا لسكان الإقليم، بينما كان اسم الآرامية في الأدبيات اليونانية هو «اللسان السوري»، وهو اللسان الذي تكلمت به جماعات متعددة، من آراميين وعرب وأنباط وتدمريون وغيرهم من سكان سوريا والجزيرة الفراتية. قام لاهوتيو الكنيسة اليعقوبية، التي لم تكتسب اسمها الرسمي «الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية» إلا في منتصف القرن العشرين، بتأميم وصف «السوري» وتحويله إلى «السرياني»، ثم انتقل هذا التحول إلى المصطلح اللغوي، فأصبح «اللسان السوري» يُقرأ في الأدبيات اللاحقة على أنه «اللغة السريانية»، وأُسقط هذا الفهم بأثر رجعي على قرون طويلة سبقت ظهور المصطلح نفسه.
لم يقتصر هذا التأميم على إعادة تسمية اللغة، إذ امتد إلى إعادة قراءة التراث المسيحي السوري كله؛ إذ أُلحق آباء ولاهوتيون، مثل أفرام النصيبيني وسويريوس الأنطاكي وثيودوريت القورشي ومئات آخرين، بهوية كنسية لم يعرفوها في عصرهم، شمل هذا التأميم تراث الكنيسة الأنطاكية السورية الخلقيدونية أيضًا، على الرغم من أن أحد أسباب اختراع التسمية هو التمايز عنهم.
من ثم، فإن ما يمكن وصفه بـ«الغزو السرياني» لتاريخ سوريا المسيحية بما فيهم العرب المسيحيين لا يتمثل في نشأة كنيسة جديدة أو ظهور تقليد لاهوتي جديد، إنما في إعادة ترجمة التراث بمصطلحات لم تكن معروفة عند أصحابه، والاستيلاء على وصف جغرافي ولغوي مشترك وتحويله إلى هوية كنسية حصرية تخص جماعة. ومن أكبر مفارقات «الغزو السرياني» للتراث والتاريخ السوري أن تيارًا دينيًا نشأ في الإسكندرية، الخصم التقليدي لكنيسة أنطاكية السورية، وتبنى لاهوتها، انتهى إلى تأميم التراث المسيحي السوري كله، ثم أعاد تفسير تاريخ السوريين السابق لظهوره، وكأنهم كانوا امتدادًا طبيعيًا له منذ البداية.
#خلف_علي_الخلف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تاريخ اسم سوريا وتحولات النسبة: من سوري جغرافيًّا إلى سرياني
...
-
خلاّط الهويات القومية: كيف نخلط آشورياً وآرامياً وكلدانياً و
...
-
قصة نجاح ببلاغة وزير الإعلام السوري
-
معركة الويسكي في سوريا: صراع إجتماعي أم صراع على السلطة وداخ
...
-
بعد الذكاء الاصطناعي: وداعًا للمدقق اللغوي والمحرر الصحفي وا
...
-
رجاءاً لا تأخذوا معلوماتكم من وزير الإعلام السوري
-
قرار منع المكياج: دعونا نواجه الحقائق المرة بشجاعة
-
الكتاب الأبيض: في الفصل بين حقوق الأكراد و«قسد»
-
نظام الرثاثة: سلطة صنعت من القبح وعاشت فيه
-
الرُّوع لزهران القاسمي: الوهم بوصفه أداة للتحكم في الوعي
-
عن عراقي في باريس: الذي حول سيرة العائلة الى نشيد تسامح
-
زميلي ماركس في البادية يورد الإبل
-
تهمة الطائفية: حينما تصنع المخابرات التهمة ويكرّسها المثقفون
-
تحالف المسعورين: حرب داخليّة ضد السلطة الانتقالية في سوريا
-
حماية الدروز في سوريا: شماعة إسرائيلية جديدة لضمان الهيمنة
-
عمر سليمان: صوت الجزيرة الذي احتفت به شعوب العالم وأنكره الس
...
-
الإيمان والسوط: سيرة الكنيسة القبطية في مواجهة الفكر
-
تفكيك الأكاذيب: العرب والمسيحية وحمّى التزييف الأيديولوجي ال
...
-
تاريخ المعتزلة وتدليس اليسار العربي
-
دليل الحيران إلى مذاهب الإيمان: الأريوسية المسيحية المنقرضة
المزيد.....
-
وزير الخارجية السعودي يبحث جهود خفض التصعيد مع نظيره الإيران
...
-
الحكومة المغربية تخرج عن صمتها بشأن أزمة سبتة، فماذا قالت؟
-
حريق هائل يندلع في مصنع كيماويات في فرنسا
-
إيران مباشر.. بزشكيان يعيد الحديث عن مذكرة التفاهم ومباحثات
...
-
-مروحية سورية تقتحم أجواء العراق قبل انسحابها بسبب نيران الح
...
-
شاهد لحظة اصطدام مروحيتي إطفاء حرائق في اليونان
-
مشاهد متداولة لأخطبوط يقبض على ظهر رجل تصيب الآلاف بالرعب
-
بعد تصاعد التكهنات.. مصر توجه رسالة حاسمة بشأن حادث استهداف
...
-
الشرع: تأثرت بالخطاب القومي العربي وفيه أشياء مشتركة مع الخط
...
-
ملادينوف: الضربات الإسرائيلية على غزة تتواصل رغم موافقة الفص
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|