أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خلف علي الخلف - تاريخ اسم سوريا وتحولات النسبة: من سوري جغرافيًّا إلى سرياني لاهوتيًا















المزيد.....



تاريخ اسم سوريا وتحولات النسبة: من سوري جغرافيًّا إلى سرياني لاهوتيًا


خلف علي الخلف

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 22:18
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مقدمة عن تشكّل المشرق

نشأ المشرق، في مهد تدوينه الأول، على هويات غير عرقية بالمفهوم القومي الحديث؛ فمنذ عصر سومر، ظهرت حواضر الاستقرار والتمدّن، وتسمّت الكيانات السياسية بأسماء تلك الحواضر والمدن، دون أن تسعفنا المكتشفات الآثارية أو النصوص القديمة بأي إشارة إلى وعي عِرقي بيولوجي، أو قومي هوياتي، لدى سكانها. مع صعود دولة أكد، حدثت الانعطافة الكبرى في تاريخ التنظيم السياسي في المشرق، حيث تبلور نمط من الكيانات يمكن وصفه بـ«الممالك الجامعة»، أي كيانات تتجاوز المدينة الواحدة نحو إدارة فضاء واسع من الحواضر والمناطق. وامتد هذا النمط لاحقًا في تطوراته التاريخية مع بابل وآشور، بوصفهما منظومتين جامعَتين لحواضر متجاورة حافظتا على منطق الدولة-الفضاء الذي تبلور في التجربة الأكدية. ويُطلق على هذا النمط في الأدبيات الحديثة مصطلح «الإمبراطورية»، وهو توصيف إسقاطي مستمد من التجربة السياسية الأوروبية اللاحقة، ولا ينسجم، في تصوري التحليلي، مع البنية السياسية التي تشكلت في فضاءات بلاد ما بين النهرين والجزيرة العربية ووادي النيل. لذلك نحَتُّ مصطلح «الممالك الجامعة» بوصفه توصيفًا تحليليًا أقرب إلى البنية التنظيمية لهذه الكيانات وطبيعة اشتغالها السياسي، بدل مصطلح «الإمبراطورية» كما استقر في الأدبيات الحديثة.

وإذا كان هذا النشوء السيادي قد تمركز، في غالبه، بين النهرين، فإن نهر الفرات ظلّ فاصلاً مرنًا لبلاد شاسعة تقع في غربه؛ حيث برزت ممالك المدن والتحالفات في بلاد الشام والجزيرة العربية: من حواضر أرض كنعان على الواجهة البحرية، إلى مملكة ماري الغارقة في تقاليدها الفراتية، مرورًا بإيبلا ويمحاض وعربايا، وصولًا إلى الممالك الآرامية وإمارة تدمر التجارية المتأخرة. أما في الفضاء الجغرافي للجزيرة العربية، فقد تبلورت كيانات سياسية واقتصادية نابعة من بيئتها الأصيلة؛ قيدار وديدان ولحيان ودلمون والأنباط، وفي شرقها الجنوبي مجان ومزون وعُمانا، وصولًا إلى منظومات الجنوب الحضرية في اليمن؛ معين وسبأ وقتبان وحضرموت وحمير.

إن هذا التراكم والتداخل الحضاري الطويل يثبت أن «النسبة» في المشرق القديم كانت تُعزى إلى المدينة-المملكة، أو المملكة الجامعة، أو التحالف القبلي؛ والقبيلة هنا لم تكن بطاقة فحص جيني، بل «مؤسسة حكم وتضامن وظيفي». وبناءً على ذلك، فإن محاولة فرض «عرق خالص» يسود مملكة ما لا تخالف منطق الأنثروبولوجيا السياسية وحسب، بل تصطدم صراحةً مع حقائق علم الجينوم الأثري الحديث. إن الجناية الكبرى لم تكن في تمزيق الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر الاستعمار الحديث فحسب، بل في قسرها على استيعاب المفهوم الغربي للقوميات؛ وهو خطأ إبستمولوجي فادح يشبه تمامًا تطبيق مقياس الصوت على الوزن.

أولًا: نشوء تسمية سوريا جغرافيًا

تُعدّ المقدمة السابقة ضرورية لفهم التراكم المشرقي، في تعاقب وتجاور الممالك والدول والأقوام والنسبة إليها، كما تمثل مدخلًا لتفكيك التسميات التي جاءت من الغرب خلال اتصاله بمنطقة الشرق. وتُمثّل الهوية الجغرافية والسياسية لاسم «سوريا» واحدة من أبرز المعضلات البحثية في تتبع أثر النشوء واستقراره. إذ أنها تبرز واحدة من أهم حالات الانزياح الجغرافي ثم النسبة له في التاريخ القديم.

فمن الناحية التاريخية الصرفة، كانت مملكة آشور الجامعة، والممالك الكنعانية، والممالك الآرامية والعربية، ثم تدمر لاحقًا، كيانات جيوسياسية متمايزة لكنها متداخلة بشريًا وثقافيًا. فآشور ضمّت جماعات وأقوامًا متعددة، ولم يكن هناك «عرق آشوري» لا بالمعنى الحديث ولا القديم، بل كانت التسمية في أصلها اسم مدينة توسعت إلى مملكة جامعة جمعت أخلاطًا من السكان والألسن والثقافات. وكذلك الممالك الكنعانية، التي أطلق عليها اليونان لاحقًا تسمية «الفينيقيين» نسبةً إلى تجارة الأقمشة المصبوغة بالأرجوان، فيما يُعتقد أنه ترجمةً لصفة اشتهر بها الكنعاني، فقد كانت بدورها جزءًا من هذا التداخل المشرقي الواسع عبر ممالك المدن التي أسسها الكنعانيون على الساحل وانتسبوا لها دون أي تسمية جامعة لهم. أما الممالك الآرامية فقد انتسبت إلى اللغة فصار كل من يتحدثها آراميًا.

ولفهم هذا التداخل، يصلح المثال التدمري قياسًا على مرحلة متأخرة؛ فقد كانت هوية تدمر عربية، ودُوّنت مراسيمها بلغة آرامية تدمرية تداخلها مفردات عربية صرفه، ثم أضيفت إلى جانبها اليونانية لاحقًا، لكنها جمعت في داخلها شعوب المنطقة من عرب وآراميين وأنباط ويونان، وكذلك روم وفرس. وحين نشير إلى هؤلاء الأقوام، فنحن لا نعني «عرقًا» بالمعنى البيولوجي، بل نسبةً جغرافية أو لسانية.

1. شهادة هيرودوت: التميز الجغرافي والخلط اللغوي اليوناني

يعود الفضل الأول في تدوين هذا الانزياح التسمياتي والخلط اللفظي بين آشور وسوريا إلى «أبي التاريخ»؛ المؤرخ اليوناني هيرودوت (القرن الخامس قبل الميلاد). ففي كتابه الشهير «التاريخ»، وعند وصفه لأقوام وجيوش الإمبراطورية الأخمينية، ترك لنا نصًا بقدر ما يشير إلى هذا الترابط بقدر ما جعله لغزًا وأحجية طال وقوف الباحثين عندها، حيث يقول حرفيًا: «هؤلاء الذين كان اليونان يطلقون عليهم اسم سوريين (Συρίους)، كانوا يُسمَّون آشوريين (Ἀσσυρίους) من قِبل البرابرة». والمقصود بـ«البرابرة» هنا الأخمينيون؛ إذ كانت هذه التسمية، في سياقها التاريخي، تُطلق من اليونان على الشعوب الأخرى خارج الفضاء اليوناني، واستمر استخدامها لاحقًا في العصر الروماني.

يشير هذا النص التاريخي المبكر، بصورة جلية، إلى أن لفظ «سوريا» اليوناني وُلد أساسًا ضمن «ارتباط لغوي» مع لفظ «آشور» الأصلي باليونانية، ضمن أحد المسارات التفسيرية في فقه اللغة التاريخي، دون أن يقدم دلالة لغوية حاسمة. لكن من الواضح أن الفضاء الجغرافي لبلاد الشام بدا في الوعي اليوناني المعاصر لهيرودوت، امتدادًا طبيعيًا لاسم آشور الجغرافي والسياسي. فمن خلال النص نفسه، نجد أن هيرودوت لا يخترع التسمية، بل يشير إلى أنها كانت شائعة عند اليونان لسكان بلاد الشام، وهو هنا يصحح هذا الاستعمال بذكر الاسم الذي وجده متداولًا لدى الأخمينيين. ونستخدم هنا تسمية بلاد الشام التي ولدت لاحقًا في الترتيب الزمني لأنها الأكثر دقة جغرافية عن المنطقة المقصودة.

2. نقش تشينكوي: البرهان الأثري لحذف «الهمزة»

ظلّت ملحوظة هيرودوت التصحيحية مجرد فرضية لغوية يتداولها المؤرخون عبر العصور، حتى عام 2000م، حين اكتُشف نقش تشينكوي (Çineköy in--script--ion) في جنوب تركيا المعاصرة ضمن إقليم كيليكية القديم. ويكتسب هذا النقش أهمية خاصة في النقاش حول أصل تسمية «سوريا»، لأنه نقش ثنائي اللغة (لوفي–كنعاني «فينيقي») يعود إلى أواخر القرن الثامن قبل الميلاد (نحو 800–730 ق.م)، أي قبل هيرودوت بقرون، ويعرض نصًا متوازيًا بين الصياغتين اللغويتين.

في هذا النقش، يظهر في النص اللوفي شكل يُقرأ في الدراسات الحديثة بصيغة SU-RA/i للإشارة إلى كيان سياسي يُفهم على أنه «آشور» (Assur)، بينما يقابله في النص الفينيقي الشكل 𐤀𐤔𐤓 (ʾŠR)، أي «آشور». ويعكس هذا التوازي حالة من الترجمة المفهومية بين نظامين لغويين مختلفين، حيث يُعاد تمثيل الاسم السياسي نفسه بصيغتين كتابيتين متوازيتين. وتشير القراءة اللغوية الحديثة إلى أن الأشكال (مثل Sūr / Sura / Assur) هي تمثيلات صوتية لاحقة في الدراسات الحديثة، وليست صيغًا مكتوبة في النص الأصلي. إذ أن نصوص اللغات الشرقية القديمة، ومنها الكنعانية (الفينيقية) واللوفية، لا تُثبت الحركات أو المدود (مثل ū)، بل تُكتب بصوامت فقط، مما يجعل أي ضبط صوتي لاحق مسألة استنباط لغوي لا كتابة أصلية.

وتشير القراءة اللغوية المقارنة إلى أن الصيغة اليونانية اللاحقة «Συρία»، موثقة مبكرًا ومستقلة داخل التقليد الجغرافي اليوناني، أكثر من كونها تطورًا صوتيًا مباشرًا من اللغات الشرقية القديمة. وكذلك فإن النقلات اللاتينية- اليونانية، يمكن اعتبارها إعادة تموضع لاحق داخل هذا التقليد أكثر من كونها انعكاسًا مباشرًا لصيغة مكتوبة ثابتة في النقوش الأقدم. رغم ذلك يعطي نقش تشينكوي، ضمن مجموعة من الشواهد الآشورية والأناضولية واليونانية المبكرة، مؤشرات لوجود صلة تاريخية بين الحقل الدلالي المرتبط بـ«آشور» وبين تطور التسمية الجغرافية لـ«سوريا»، دون أن يعني ذلك تطابقًا لغويًا مباشرًا أو اشتقاقًا خطيًا بسيطًا، بل قد يكون ذلك جرى ضمن عملية تحول طويلة.

أما تسمية بلاد بين النهرين، فهي تسمية وصفية لا اشتقاقية، وقد استخدمت في كثير من اللغات بهذا المعنى، بما في ذلك اللغة اليونانية التي أشارت إليها كتوصيف جغرافي؛ مطلقين على الأقليم تسمية «ميزوبوتاميا»؛ أي «بلاد ما بين النهرين»، وهي التسمية التي استُخدمت لاحقًا على نطاق واسع.

3. الابتلاع الإداري والسياسي لما سُمّي بلاد الشام

خلال العصر الآشوري الحديث، قاد ملوك نينوى حملات عسكرية توسعية هائلة أخضعت الممالك الآرامية في الداخل ومدن الساحل الكنعاني (الفينيقي)، مثل صور وصيدا وجبيل، وتحولت أرض كنعان وممالكها إلى مقاطعات تابعة للتاج الآشوري تدفع الجزية بانتظام. وفي الوقت نفسه، أخضعت الممالك الآرامية في الداخل، فصارت المنطقة التي ستُعرف لاحقًا باسم «بلاد الشام» خاضعة للحكم الآشوري وتحت لافتة اسمها السياسي كمملكة جامعة. إذ امتدت السيطرة الآشورية، في بعض مراحلها، على كامل بلاد الشام ووصلت حتى مصر. واستمر حكمها لها قرابة قرنين، ضمن تبعية مباشرة وتقسيمات إدارية صهرت هذه الأقاليم سياسيًا وإداريًا في قالب واحد ارتبط باسم «المملكة الآشورية الجامعة»، بوصفه توصيفًا أقرب إلى واقع تلك المرحلة من المفاهيم القومية الغربية الحديثة.

وبعد سقوط آشور النهائي على يد التحالف البابلي-الميدي، بقي أثر القرون التي قضتها تلك البلاد تحت الحكم الآشوري راسخًا في ذاكرة الشعوب المجاورة. وحين ورثت المملكة البابلية الجامعة الثانية هذا المجال السياسي، ثم جاءت القوى الإقليمية اللاحقة، كالأخمينيين واليونان، استمر النظر إلى هذه البلاد بوصفها الامتداد الغربي لأراضي التاج الآشوري. وبذلك ابتلع اسم «آشور» جغرافيًا كل تلك البلاد في الفكر الجغرافي الكلاسيكي.

ثانيًا: التسمية اللغوية اليونانية للإقليم

لم يكن تبني اليونان لاسم «سوريا» وإطلاقه على فضاء بلاد الشام مجرد مصادفة لغوية عابرة، بل كان نتاجًا مباشرًا لوراثة النظم الإدارية والتقسيمات الجيوسياسية للإمبراطورية الأخمينية (539 - 331 ق.م). فقد أعاد الأخمينيون صياغة جغرافيا المنطقة إداريًا، بينما قام اليونان بـ«ترجمة» هذه الصياغة لغويًا ومفهوميًا.

1. الساترافية الأخمينية وولاية «عبر النهر»

عندما أسقط الملك الفارسي كورش المملكة البابلية الجامعة الثانية عام 539 ق.م، ورثت الدولة الأخمينية الناشئة جميع أملاك بابل في الشرق الأدنى، بما في ذلك بلاد آشور القديمة وفضاء ما سمي لاحقًا بلاد الشام. ولإدارة هذه المساحات الشاسعة، أنشأ الفرس نظام «الساترافيات»؛ أي الولايات الكبرى. وفي البداية، دُمجت بلاد بابل والشام في ولاية واحدة عملاقة، لكن هذا التقسيم أُعيد تنظيمه في عهد الملك داريوس الأول، قرابة 516 ق.م، لينتج إقليم إداري مستقل عُرف في السجلات الآرامية الرسمية للدولة الأخمينية باسم «عبر النهر». وكان هذا الإقليم يشمل بلاد الشام الحالية، إضافة إلى قبرص التي كانت تُنسب تاريخيًا إلى الساحل الكنعاني أو تُعد جزءًا من مجاله البحري.

غير أن هذا الإقليم لم يشمل بلاد ما بين النهرين؛ إذ إن القسم الذي يقع ضمن العراق الحالي كان يمثل قلب الدولة الأخمينية بما فيه بابل. أما ما عُرف باسم «الجزيرة» في الاصطلاح الآرامي، فلم يُضم إلى ولاية «عبر النهر»، بل بقي إقليمًا مستقلًا تقاسمت فيه حواضر مثل حران والرها الدور الإداري والجيوسياسي عبر فترات زمنية مختلفة.

2. التناظر المصطلحي في الإدارة الفارسية

يكمن المفصل التاريخي الحاسم هنا في التسمية الأخمينية لهذه الولاية الغربية في نقوشهم الملكية الرسمية، مثل نقوش بيستون وبرسيبوليس. فبالرغم من أن الاسم الإداري المحلي كان «عبر النهر»، فإنهم استخدموا في لغتهم القديمة لفظ «أثورا» (Athura) ، وهو النطق الأخميني لـ«آشور»، بوصفه تسمية شمولية للأراضي التي كانت خاضعة سابقًا للمملكة الآشورية ضمت نينوى بداية ثم عزلت عنها بولاية عبر النهر، والتي ستُعرف لاحقًا ببلاد الشام. وحين جاء الإسكندر المقدوني، لم ينشئ كيانات إدارية جديدة فقد ورث البنية الأخمينية القائمة، لكن أشير إلى اسم «ميزوبوتاميا»، بشكل مستقل لتشمل حواضر الجزيرة الفراتية العليا، مثل حران والرها ونصيبين والرقة، التي شكلت مراكز إدارية وجيوسياسية أساسية، ليتطور لاحقا إلى فصل قانوني إداري في العصر الهيلينستي بين «سوريا» و«ميزوبوتاميا» ، نذكره هنا لأنه سيثير لاحقًا المفارقة الكبرى عند ولادة الهوية السريانية.

3. التلقي اليوناني وترسيخ المصطلح

عندما بدأ الجغرافيون والمؤرخون اليونان، مثل هكتيوس الملطي وهيرودوت ولاحقًا كسينوفون، بالاحتكاك بالإمبراطورية الأخمينية وتدوين جغرافيتها، وجدوا أن الأخمينيين يطلقون لفظ Athura (آشور) على فضاء يشمل كامل بلاد الشام. وسواء كان اللسان اليوناني قد التقط مسبقًا اللفظ الكنعاني المخفف «سور» (Šur)، أو قام بصياغته ضمن تقاليده اللغوية الخاصة، فقد قام اليونان بتكريس اللفظين مفهوميًا ضمن صيغة إدارية جغرافية. وهكذا، ترجم اليونان النطاق الإداري لساترافية «عبر النهر»، التي كان الأخمينيون يسمونها «آثورا»، بشكل عملي ليعني مفهوميا ودلاليا «سوريا» (Συρία). وبناءً على هذا الميراث، أسقط الفكر الجغرافي اليوناني التسمية على كامل بلاد الشام بوصفها كتلة جغرافية وإدارية كبرى ورثوها عن الأخمينيين، وأطلق عليها اللسان الكلاسيكي اليوناني اسم «سوريا».

ثالثًا: النسبة إلى «سوري» (Syrian)

بعد أن صهر الفكر الجغرافي اليوناني أقاليم بلاد الشام تحت مسمى «سوريا» سواء كان ذلك وراثةً عن التقسيم الأخميني أو ولادة ضمن تقاليدهم اللغوية، انتقل هذا المصطلح من الحقل الجغرافي النظري إلى الحقل القانوني والإداري المؤسساتي. وبلغ هذا الاستقرار ذروته خلال العصرين السلوقي والروماني، حيث وُلدت النسبة إلى «سوري» (Syrian / Syrus) بوصفها تعريف مواطنة وانتماء إلى ولاية سياسية محددة، لا تعريفًا لغويًا أو عرقيًا.

1. المأسسة السلوقية وخريطة «سوريا» السياسية

بعد وفاة الإسكندر المقدوني، تقاسم قادته تركته الواسعة عقب حروب طويلة بين ورثته؛ فتبلورت الدولة البطلمية في مصر، والدولة السلوقية في الشام والعراق وبلاد فارس، والمملكة الأنطونية في مقدونيا واليونان، ثم ظهرت لاحقًا المملكة البرغامية في آسيا الصغرى. ومع صعود المملكة السلوقية (312 - 63 ق.م) على يد سلوقس الأول نيكاتور، أصبحت المنطقة الممتدة من الفرات إلى المتوسط قلب المملكة الجديدة. أسس السلوقيون مدينة أنطاكية على نهر العاصي، وجعلوها عاصمة لدولتهم الناشئة، التي ارتبطت بتسمية «سلوقية سوريا» (Seleucid Syria). وفي هذه المرحلة، جرى الترسيم الإداري النهائي الذي ابتلع ما سيُعرف لاحقًا ببلاد الشام؛ إذ قُسمت المنطقة إلى وحدات إدارية فرعية تابعة للعرش الأنطاكي، مثل «سوريا الجوفاء» (Coele-Syria)، وعاصمتها أنطاكية وتشمل الداخل السوري، و«سوريا الفينيقية» (Syrian Phoenicia)، وعاصمتها صور وتشمل الساحل السوري اللبناني الحالي، وولاية «سوريا الفلسطينية» (Syria Palaestina)، التي شملت الساحل الفلسطيني وأجزاء من العربية تمتد حتى البتراء. وبذلك، أصبح كل قاطن في هذه الجغرافيا، سواء كان عربيًا أو آراميًا في الداخل، أو كنعانيًا (فينيقيًا)، أو يونانيًا في المدن المستحدثة، يُعرف في الوثائق السياسية الهيلينستية بوصفه «سوريًا».

2. العصر الروماني والولادة القانونية لـ«المواطن السوري»

جاء الحسم الإداري الشامل عام 64 ق.م، عندما اجتاح القائد الروماني بومبي الكبير الشرق، وأنهى الحكم السلوقي، محولًا المنطقة رسميًا إلى ولاية رومانية خاضعة لحكم قنصلي مباشر، عُرفت باسم «ولاية سوريا الرومانية». وأدى هذا التحول إلى صياغة قانونية واضحة للنسبة: وأصبحت نسبة «سوري» في الوثائق اللاتينية واليونانية تعبر عن الانتساب إلى الولاية الرومانية السورية. فعندما تصف المصادر الكلاسيكية شخصًا بأنه «سوري»، فهي تعني أنه خاضع للقانون الصادر من أنطاكية، عاصمة الولاية الرومانية السورية (Provincia Syria)، تمامًا كما يُقال «مصري» للنسبة إلى ولاية مصر الرومانية (Provincia Aegypti).

3. انفصال النسبة عن اللغة:

تكمن المفارقة الكبرى هنا في أن «السوري» بالمنظور الروماني واليوناني كان، في كثير من الأحيان، شخصًا يتحدث اليونانية، بوصفها لغة الإدارة والثقافة والنخب، بينما كانت الفئات الشعبية في الريف والداخل تتحدث باللهجات الآرامية والعربية، إلى جانب لغات محلية أخرى.

رابعًا: ولادة التسمية «سرياني» (Syriac) وارتباطها بالمسيحية

إذا كانت المرحلة الرومانية قد ثبّتت نسبة «سوري» (Syrian) كمدلول جغرافي وإداري، فإن صعود المسيحية بوصفها قوة دينية وثقافية مهيمنة في المشرق، ابتداءً من القرن الرابع الميلادي، فجّر حاجة هوياتية حادة أدت إلى ولادة مصطلح «السريانية» (Syriac). ولم يكن هذا المسمى مجرد تطور لغوي طبيعي، بل نتيجة «إعادة هندسة أيديولوجية» لغوية ولاهوتية، قادتها كنائس الشرق الناطقة بالآرامية الشرقية في الجزيرة الفراتية؛ الرها ونصيبين على وجه التحديد، بهدف التخلص من تهمة «الوثنية» والارتباط بالماضي الديني السابق.

1. الإشكالية الدينية للفظ «آرامي»

في القرون الأولى للميلاد، كان مسيحيو الرها والجزيرة الفراتية، من مختلف الأقوام، يطلقون على لغتهم وثقافتهم اسم «الآرامية» (Ārāmāyā)، وتحديدًا «اللهجة الرهاوية» (Urhāyā). إلا أن هذا اللفظ واجه معضلة لاهوتية حادة مع انتشار ترجمات الكتاب المقدس وتفاسير الآباء باللغة اليونانية.
ففي الترجمة السبعينية (Septuagint) وبعض أدبيات العهد الجديد، استُخدمت أوصاف مثل «الأمم» و«الوثنيين» في سياقات مقابلة لليهودية والمسيحية الناشئة، وأصبح لفظ «آرامي» في القاموس اللاهوتي اليوناني يشير إلى «الوثني» أو «العابد للأوثان» (Pagan / Gentile). وبالنسبة للمسيحيين الجدد في حوض الفرات والجزيرة، من مختلف الأقوام، أصبحت تسمية لغتهم «الآرامية» والنسبة إليها عبئًا دينيًا يوحي بالارتباط بالديانات القديمة؛ كعبادة حدد وأتارغاتيس وسين، إله القمر في حران وغيرها من الديانات القديمة. وكان من الصعب قبول هذا الارتباط في عصر شهد تدمير المعابد والتحول الواسع نحو المسيحية، خصوصًا بعد المراسيم الإمبراطورية التي أصدرها ثيوديسيوس الأول والثاني، والتي منعت العبادات القديمة وأغلقت معابدها. إذ إن المنع القانوني لم يؤد إلى اختفاء هذه الديانات بالكامل؛ فقد استمرت في بعض الأرياف البعيدة عن سلطة الدولة المباشرة. وهكذا انقسم سكان الجغرافية السورية والجزيرة إلى مسيحيين و«وثنيين»، وهي تسمية ذات أصل يهودي تبنتها المسيحية لاحقًا لوصف الديانات القديمة. ولم يكن هذا الانقسام قوميًا أو عرقيًا، بل دينيًا؛ فقد تضم العائلة الواحدة أخًا مسيحيًا وآخر بقي على دينه القديم.

2. «السرينة» (Syriacization) كطوق نجاة هوياتي

لحل هذه المعضلة اللاهوتية، قام لاهوتيو وكتّاب الجزيرة الفراتية بعملية استعارة لغوية ذكية؛ إذ التقطوا اللفظ اليوناني الكلاسيكي (Syriakos / Συριακός)، الذي أطلقوه بصورة شمولية على سكان ما عرف لاحقًا ببلاد الشام، ثم قاموا بـ«سرينته» وإدخاله إلى لغتهم المحلية ليتحوّر إلى «سوريّايا» (Suryāyā) أو «سرياني» (Syriac)، وتسمية لغتهم الآرامية الشرقية بـ «السريانية». وبموجب هذا الإحلال المصطلحي، الذي تكرّس في القرن الخامس الميلادي، أُهمل اسم «الآرامية» تدريجيًا، ودُفع إلى الهامش بوصفه مرتبطًا بالماضي «الوثني». والمفارقة هنا تستحق التوقف؛ إذ إن لاهوتيي الرها ونصيبين، الواقعتين ضمن ولاية ميزوبوتاميا التابعة إداريًا لأبرشية الشرق الرومانية، استعاروا اللفظ اليوناني «السوري»، الذي لم يكن يشمل مناطقهم جغرافيًا بالمعنى الإداري، ليصوغوا منه هوية لسان وعقيدة تتجاوز الحدود الإدارية الصارمة بين «سوريا» و«ميزوبوتاميا». ومما يجدر التنبيه له أن الأبرشية هي تقسيم إداري روماني بلفظ يوناني ضمن التنظيم الإمبراطوري الروماني، استُخدم لاحقًا في الاستعمال الكنسي بصيغته المفهومية.

ومنذ ذلك الحين، استقرت النسبة «السرياني» (Syriac) بصورة حصرية تقريبًا لتعني: «المسيحي الناطق بالآرامية الشرقية». ويؤكد شيخ الفيلولوجيين المحدثين، سيباستيان بروك (Sebastian Brock)، أن هذا التحول كان بمثابة إعلان ولادة لهوية دينية ولغوية جديدة، تبرأت من ماضيها الوثني عبر تغيير اسمها، فصارت «السريانية» لغة لاهوتية مقدسة قائمة بذاتها.

3. التميّز اللاهوتي والكنائسي في المصادر الكلاسيكية

وعلى الرغم من أن ولاية ميزوبوتاميا كانت مستقلة إداريًا عن ولاية سوريا، وتتبع بشكل منفصل لأبرشية الشرق، إلا أن كنائس الجزيرة و كيليكا وعلى رأسها الرها كانت تتبع الكرسي الأنطاكي. وعقب الانقسامات الكريستولوجية الكبرى، خصوصًا بعد مجمع أفسس سنة 431م، ثم مجمع خلقيدونية سنة 451م، لم يعد لاهوتيو الغرب ينظرون إلى كنائس الرها ونصيبين والجزيرة الفراتية بوصفها جزءًا من الفضاء الروحي للكرسي الأنطاكي السوري، وهنا نصل إلى الانفصال الحاسم بين (Syrian) الجغرافي و(Syriac) اللاهوتي في المصادر اليونانية واللاتينية الغربية.
فبعد هذه الانقسامات، بقيت أنطاكية؛ عاصمة ولاية سوريا الكبرى والعاصمة الكنسية لأبرشية الشرق الإدارية كلها، ناطقة باليونانية وتدين بالعقيدة الخلقيدونية، ولذلك استمرت النسبة إليها تحمل اسم (Syrian) في التدوين الرسمي واللاهوتي. أما كنائس الجزيرة وحوض الفرات وبعض كنائس الداخل، الناطقة بالآرامية الشرقية، فقد اتجهت نحو مسارات لاهوتية مستقلة؛ بدأ أولها مع انقسام مجمع أفسس، الذي انشقت على أساسه كنيسة المشرق وتحوّلت إلى التقليد النسطوري، ثم جاء مجمع خلقيدونية ليضيف انقسامًا آخر تمثل في الكنائس الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقدونية.

في هذه الفترة، وُلدت الصفة اللاتينية (Syriacus) واليونانية (Συριακός) في مدونات القسطنطينية وروما لتشير صراحة إلى «اللاهوت والليتورجيا والخط الكنسي السرياني الشرق-فراتي»، المتميز بعمق لغته الآرامية الشرقية، والمنفصل عن أي مدلول جغرافي مباشر مرتبط بولاية سوريا الرومانية. وقد تلقف أتباع هذه الكنائس هذا المصطلح بوصفه زورق نجاة هوياتيًا وتحمسوا له، فهو أولًا يبعدهم عن الآرامية وثانيًا يبعدهم عن الخلقدونية الأنطاكية الرومانية.

وهكذا أصبحت نسبة «السرياني» في الأدبيات اليونانية واللاتينية الأصلية تُطلق على كنيستين متضادتين لا تعترف كل منهما بصحة إيمان الأخرى؛ الأولى هي كنيسة المشرق النسطورية في نصيبين، التي اعتُبرت تعاليمها هرطقة لدى الكنائس الكبرى بعد مجمع أفسس، والثانية هي الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقدونية «اليعقوبية»، التي أعادت تسمية نفسها لاحقًا بالكنيسة السريانية الأرثوذكسية لتمييز نفسها عن الخلقدونيين.

أما كنيسة المشرق «النسطورية»، التي تبلورت لاهوتيًا في نصيبين ومؤسسيًا في فضاء المدائن (قطيسفون)، فقد شهدت انقسامًا داخليًا بسبب خلافات ذات طابع كنسي-سياسي-إداري، تمحورت حول السلطة البطريركية والتنظيم المؤسسي والعلاقة مع روما، دون أن تمس جوهر عقيدتها الأساسية. وتوجهت الجماعة المنشقة إلى روما واعترفت بهم الكنيسة الكاثوليكية سنة 1553م، واعطتهم اسم الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. ثم انشقت عن كنيسة المشرق جماعة أخرى، لأسباب إدارية، وأعلنت نفسها باسم «كنيسة المشرق القديمة» سنة 1964م. وفي المقابل، أعادت بقية كنيسة المشرق تنظيم هويتها الحديثة واعتمدت اسم «كنيسة المشرق الآشورية» رسميًا سنة 1976م.

وحين نصف هذه الانقسامات بأنها ذات طابع سياسي-إداري، فنحن نشير إلى أنها بقيت ضمن الجذع الطقسي والليتورجي نفسه في التقليد السرياني الشرقي، رغم اختلاف الانتماء الكنسي والعقائدي، إذ تحتفظ هذه الكنائس بدرجات متفاوتة من الإرث الطقسي واللغوي المشترك.
لكن من المهم إعادة التأكيد بوضوح أن هذا المصطلح أُطلق بدءًا على جماعتين مسيحيتين ضمّتا عربًا وآراميين ويونانًا وأرمنًا وفرسًا وأتراكًأ، ثم لاحقًا صينيين وهنودًا وأقوامَا أخرى. ونقصد هنا جماعات لغوية ثقافية، لا تحديدًا عرقيًا؛ أي إن مصطلح «السريان» كان، في أصله، مصطلحًا لاهوتيًا كنسيًا أُطلق على جماعات مسيحية متعددة الأقوام، ولا يعني إطلاقًا قومية موحدة أو عرقًا بيولوجيًا واحدًا.

• خاتمة
إن رحلة اسم «سوريا»، ونسبتي «السوري» و«السرياني»، عبر التاريخ، تُثبت أن المصطلحات ليست هياكل جامدة، بل كيانات حية تتحرك بالسياسة والدين والتحولات الثقافية. فقد بدأ كتسمية جغرافية تشير الى الفضاء الجغرافي الذي شغلته المملكة الآشورية الجامعة، وتم تكريسه لغويًا وإداريًا بشكل فضفاض من الإدارة الأخمينية، ثم صاغه اليونان والرومان بوصفه اسمًا لولاية سياسية وقانونية يُنسب إليها سكانها بلقب «سوري» (Syrian). لكن مع صعود المسيحية، أحدث لاهوتيو الجزيرة الفراتية قطيعة تاريخية مع اسم «الآرامية» الذي كانت تُنسب إليه لغتهم، هربًا من دلالاته الوثنية، ثم بعد الخلافات العقائدية مع الكنيسة الأنطاكية وكنيسة روما، صهروا اللفظ اليوناني في بوتقتهم المحلية لتولد «السريانية» (Syriac) بوصفها هوية لاهوتية ولغوية كنسية مستقلة، غير مرتبطة مع جغرافيا الإقليم (Syria) وشعوب هذا الإقليم (Syrian)الذين ظلوا يحملون هذه النسبة القانونية بمختلف عقائدهم وانتماءاتهم العرقية.

إن الاستقرار الإداري لنسبة «سوري» (Syrian) هو الذي تسبب لاحقًا في الخلط التاريخي لدى عدد من المؤرخين المحدثين. فمع تشابه الجرس الصوتي للنسبة الجغرافية القانونية الإدارية باللاتينية واليونانية مع التسمية اللاهوتية المستحدثة ظن بعضهم أن نسبة لاهوتي أو عالم أو فيلسوف أو إمبراطور إلى «السوري» تعني بالضرورة انتماءه إلى الكنيسة السريانية، أو ينتمي بالضرورة إلى اللغة السريانية، في حين أن المصادر اليونانية واللاتينية، مثل كتابات جيروم وسوزومين، كانت تستخدم اللفظ في سياقه الإداري الروماني الواسع ليشمل كل من يقع موطنه ضمن أقاليم ولاية سوريا التابعة لأبرشية الشرق، بغض النظر عن هويته اللغوية أو الكنسية بل إن من حملوه كتسمية لاهوتية لا ينتمون جغرافيا وإداريًا إلى هذه الولاية.

وقد سار هذا الخلط في دربٍ متعمد مع الكتابات السريانية التي أرخت لكنيستهم وخالطها بعد لاهوتي في البداية لإعطاء أهمية تاريخية لرجالها وانتشارها. ففي باب ترجمات الأعلام تُرجمت كل نسبة «سوري» في المؤلفات اللاهوتية والتاريخية اليونانية والرومانية المبكرة إلى «سرياني»، مما أدى إلى إسقاط زمني جعل السريانية تبدو أقدم تاريخيًا من زمن تشكلها الفعلي في النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي. وأحد أبرز الأمثلة التأسيسية على تنسيب الأفراد والجماعات بأثر رجعي إلى لسريانية المستحدثة هو المفكر والفيلسوف الحرّاني «بن ديصان»، الذي كان ضمن التقاليد الحرانية الحنيفية وتنصر، لكنه كتب بالآرامية الشرقية ويعتبر مؤسس الآداب والتراتيل بهذه اللغة، تم اعتباره سريانيا رغم أنه توفي 222م أي قبل ولادة المفهوم السرياني بقرنين على الأقل، والمفارقة الكبرى أن هذا الرجل الذي يعتبرونه مؤسس الآداب والتراتيل السريانية، قبل ولادة مفهوم السريانية كدلالة لاهوتية؛ تهرطقه الكنيسة السريانية!

وفي هذا السياق وكي نبقى في التعابير الأكاديمية المنضبطة؛ فقد قام المؤرخون واللاهوتيون السريان، وضمن مسار الاستيلاء على نسبة «سوري» بالاستيلاء على لاهوت أنطاكية وهي مدرسة لاهوتية عظيمة الأثر قدمت للبشرية آباء المسيحية الأوائل والأواخر. ومن المفيد التنبيه أن لاهوت أنطاكية هو الذي أسس العقيدة الخلقدونية التي اتفقت عليها مع روما، وانشقت عنها كنيسة الإسكندرية وما صار يعرف لاحقا بالكنيسة الأرثوذوكسية السريانية. أي أن المؤرخين واللاهوتين السريان وضعوا يدهم على التراث اللاهوتي السوري الأنطاكي، الذي تراكم قبل ولادة تسميتهم وعقيدتهم بقرون.
أما في الكتابات السريانية الحديثة ذات الطابع الإيديولوجي، وفي سياق حمّى الهويات التي اجتاحت المشرق تحت تأثير التصورات القومية الحديثة ذات المنشأ الغربي المفارقة لتراكم هويات المنطقة، فقد اتجهت بعض القراءات السريانية إلى إعادة تأويل هوية ذات طابع لاهوتي كنسي بوصفها هوية قومية، بل وصل بعضها إلى تقديمها في إطار ذي بعدٍ عرقي.



#خلف_علي_الخلف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلاّط الهويات القومية: كيف نخلط آشورياً وآرامياً وكلدانياً و ...
- قصة نجاح ببلاغة وزير الإعلام السوري
- معركة الويسكي في سوريا: صراع إجتماعي أم صراع على السلطة وداخ ...
- بعد الذكاء الاصطناعي: وداعًا للمدقق اللغوي والمحرر الصحفي وا ...
- رجاءاً لا تأخذوا معلوماتكم من وزير الإعلام السوري
- قرار منع المكياج: دعونا نواجه الحقائق المرة بشجاعة
- الكتاب الأبيض: في الفصل بين حقوق الأكراد و«قسد»
- نظام الرثاثة: سلطة صنعت من القبح وعاشت فيه
- الرُّوع لزهران القاسمي: الوهم بوصفه أداة للتحكم في الوعي
- عن عراقي في باريس: الذي حول سيرة العائلة الى نشيد تسامح
- زميلي ماركس في البادية يورد الإبل
- تهمة الطائفية: حينما تصنع المخابرات التهمة ويكرّسها المثقفون
- تحالف المسعورين: حرب داخليّة ضد السلطة الانتقالية في سوريا
- حماية الدروز في سوريا: شماعة إسرائيلية جديدة لضمان الهيمنة
- عمر سليمان: صوت الجزيرة الذي احتفت به شعوب العالم وأنكره الس ...
- الإيمان والسوط: سيرة الكنيسة القبطية في مواجهة الفكر
- تفكيك الأكاذيب: العرب والمسيحية وحمّى التزييف الأيديولوجي ال ...
- تاريخ المعتزلة وتدليس اليسار العربي
- دليل الحيران إلى مذاهب الإيمان: الأريوسية المسيحية المنقرضة
- عن الدولة الأندلسية في الإسكندرية


المزيد.....




- كيف يهدد اتفاق أمريكا مع إيران إرث نتنياهو السياسي؟.. مسؤولو ...
- روبيو يلتقي نظيره الباكستاني مع قرب التوصل لاتفاق مبدئي مع إ ...
- بابكر فيصل في بلا قيود: البرهان يسعى لإعطاء الجيش الشرعية لل ...
- الغارديان: أوامر نتنياهو باحتلال 70% من غزة تطيح بخطة ترمب
- حافلة تصدم 6 مركبات وسقوط قتلى وجرحى في فرجينيا بأمريكا
- ما أول شيء ستقولينه عندما ترينه؟.. شاهد كيف ردت زوجة رجل محا ...
- ملفات إبستين.. وزيرة العدل الأمريكية السابقة تدافع عن نفسها ...
- هل اكتشف الأطباء نوعاً جديداً من السكري؟
- بين مطالب بيروت وشروط تل أبيب.. ماذا تحمل المحادثات الأمنية ...
- رهبان تيبحرين: هل يعزز تحسن العلاقات الفرنسية الجزائرية فرص ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - خلف علي الخلف - تاريخ اسم سوريا وتحولات النسبة: من سوري جغرافيًّا إلى سرياني لاهوتيًا