أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - راقي نجم الدين - عصر ال -كوبي بيست- كيف تحولنا جميعاً إلى نسخ مكررة














المزيد.....

عصر ال -كوبي بيست- كيف تحولنا جميعاً إلى نسخ مكررة


راقي نجم الدين
(Raqee S. Najmuldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 15:22
المحور: كتابات ساخرة
    


في أيام الدكتوراه في ماليزيا، كنت التقي كل يوم بوجوه لا اكاد اميز بعضها من بعض: في الحافلة، والمكتبة، والمطعم، وأروقة الجامعة. كنت أظنهم جميعاً كوريين أو يابانيين أو صينيين، بل لم أكن استطيع التمييز حتى بين الماليزي والكوري؛ إذ كانت الملامح في نظري تبدو كأنها خرجت من قالب واحد.

كان يشاركني السكن طالبان كوريان، وفي إحدى الأمسيات قالا لي إنهما الكوريان الوحيدان في الجامعة. ضحكت تلقائياً وقلت: "مستحيل! أنا أرى عشرات الكوريين يومياً." لكنهما ابتسما بإصرار الواثق ولم يغيرا كلامهما. وبعد أشهر، اكتشفت أن الحقيقة كانت معهما، وكل أولئك الذين ظننتهم كوريين لم يكن يجمعهم سوى عجزي أنا عن قراءة الفروق الدقيقة بين الوجوه.

بلغت دهشتي ذروتها عندما ذهبت مع أحدهما لشراء حاسوب من متجر صيني في كوالالمبور. تصفحت الأجهزة وغادرت دون شراء، وفي اليوم التالي عدت وحدي، فاستقبلني صاحب المتجر قائلاً: "أين صديقك الكوري؟"

سألته بدهشة: "وكيف عرفت أنه كوري؟"

ابتسم وقال ببساطة: "من وجهه!"

جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لتكشف لي حقيقة كبيرة؛ فالصيني كان يرى في الوجه تفاصيل لم تكن عيني قد تعلمت قراءتها بعد. ومنذ تلك اللحظة، بدأت ألاحظ الفروق التي كانت غائبة عني بين الكوري والياباني والصيني والماليزي. لم تتغير وجوههم، بل تغيرت عيناي.

ثم جاءني الدرس الأجمل من الجهة المقابلة، حين قال لي زميلي الكوري يوماً: "أنتم العراقيون متشابهون جداً!"

استغربت وضحكت، لكنني أدركت في تلك اللحظة أنه ينظر إلي بالطريقة نفسها التي كنت أنظر بها إليه؛ فبالنسبة له، نحن أيضاً وجوه متشابهة يصعب التمييز بينها.

عندها فهمت أن التشابه لا يسكن الوجوه، بل يسكن العين التي لم تتدرب بعد على رؤية الاختلاف.

كان ذلك عذراً مقبولاً، فالغريب يحتاج إلى وقت ليتعلم قراءة وجوه الآخرين. أما اليوم، فأخشى أن العذر لم يعد صالحاً؛ فلم نعد متشابهين في عيون الغرباء فحسب، بل أصبحنا متشابهين في عيون بعضنا، بل وحتى أمام المرآة!

لقد تكفلنا نحن بهذه المهمة؛ ففي السنوات الأخيرة، تحولت معايير الجمال إلى خط إنتاج يعتمد آلية الـ "كوبي / بيست". خرجت مئات الوجوه من العيادات ذاتها وكأنها صنعت بالقالب نفسه: التحديد ذاته للحاجبين والشفاه والأنف والخدود وحتى تعابير التصوير! حتى يخيل إليك أنه يصعب التمييز بين صورة وأخرى لولا الاسم المكتوب أسفلها.

ونحن الرجال لسنا بعيدين عن هذه العدوى؛ اللحية نفسها، وقصة الشعر ذاتها، والملابس والنظارات والمحابس، وحتى طريقة الوقوف أمام الكاميرا أصبحت وصفة جاهزة يعاد إنتاجها بلا نهاية.

وتكفي جولة سريعة في إنستغرام لتدرك حجم الظاهرة: صور متطابقة تجعلك تظن أنها التقطت للشخص نفسه! فتاة تجلس في مطعم فاخر لا لتأكل، بل لتؤدي دورها في فيلم جماعي عنوانه أنا هنا ، دون أن تتذوق طعم أي شيء سوى طعم الإعجابات!. وأخرى توثق حضورها على جهاز المشي في النادي الرياضي أكثر مما تمارس الرياضة. وثالثة تقصد مقهى رضا علوان لا من أجل القهوة، بل من أجل المرآة الشهيرة؛ تقف أمامها ممسكة هاتفها، تميل رأسها بالزاوية نفسها، وتكرر تعابير الوجوه التي استنسخت آلاف المرات قبلها. أما الشباب فمنحوا القالب نسختهم الخاصة: سيلفي المرآة، نصف الوجه مختف خلف الهاتف، ونظرة جانبية مدروسة، نظرة صممتها خوارزميات التواصل، لا عيونهم ولا روحهم.

يبدو أن أوسكار وايلد كان يتجسس علينا من المستقبل حين قال:

"معظم الناس أناس آخرون؛ أفكارهم آراء غيرهم، وحياتهم محض تقليد، وعواطفهم مجرد اقتباس."

ولو عاش وايلد في زمن إنستغرام، لربما أضاف: "ولم تعد الوجوه أيضاً ملكاً لأصحابها!"

بل إن الأمر امتد ليطال بعض الفنانين التشكيليين؛ ففي سعيهم لصناعة هوية بصرية خاصة، انتهى كثير منهم إلى استنساخ هوية جماعية مكررة: الشعر الأشعث، ذيل الحصان، الأساور الجلدية، المحابس ذات الأحجار الكريمة، والقميص الملطخ بالألوان، والسكارف الملون في الشتاء، ثم الصورة التقليدية بجانب لوحته مع نظرة التأمل الذاتي! "كيف تبدو فناناً في عشر خطوات!" والمفارقة أن الفن، الذي ولد أصلاً ليقاوم النمطية، وقع في فخ الاستنساخ.

حتى التواقيع الشخصية — آخر معاقل الفردية في عصر الاستنساخ — لم تعد أكثر من خطوط متشابهة؛ يوقع الإنسان على هويته وهو فاقد لها، ثم يصر على أن توقيعه الأجمل.

شيئاً فشيئاً، لم يعد التقليد سلوكاً عابراً، بل صار ثقافة كاملة... وأصبح السؤال المقلق: هل نحن من نرتدي الموضة، أم أن الموضة ترتدينا نحن وتلبسنا شخصيات جاهزة؟ فالقطيع لا يفرض علينا التشابه بالقوة، بل يغرينا به عبر القبول الاجتماعي... ولذلك أصبحنا – جميعنا - نرتدي جميعاً الزي الموحد للاختلاف.

يتذكر المرء هنا عبارة كيرت كوبين الشهيرة:

"أنتم تضحكون علي لأنني مختلف، وأنا أضحك عليكم لأنكم متشابهون."

لكن هذه العبارة تحتاج اليوم إلى تعديل بسيط؛ فنحن لم نعد متشابهين لأن الطبيعة شاءت ذلك أو لأن عيون الآخرين عجزت عن قراءتنا — كما كنت أظن في ماليزيا — بل لأننا اخترنا، بكامل إرادتنا، أن نضغط على زر الـ "كوبي بيست" لنصنع نسخاً مكررة من بعضنا البعض.



#راقي_نجم_الدين (هاشتاغ)       Raqee_S._Najmuldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قل لي كم متابعاً لديك، أقل لك من تظن نفسك!
- نافقاء المؤسسات
- فلسفة -شلح واعبر-
- إقطاعيات الأكاديميا
- اللوحة والبوستر.. بين النخبة والجمهور
- ماكنتوش كواليتي ستريت: الحلوى التي اجتمعت فيها الذكرى والتصم ...
- توم وجيري حين تصبح العداوة لعبة والخصومة حاجة
- لماذا يبقى التصميم خارج إطار النقد التشكيلي؟
- الألقاب الأكاديمية بين الزينة والجوهر
- سياحة المؤتمرات: وهمٌ أكاديمي أم فرصة للظهور؟
- بلاغة الاختصار
- سباق الضفادع: عندما يصبح الجشع رياضة وطنية
- التطور المفاهيمي لتعليم التصميم
- أصداء الابتكار: صراع وجهات النظر
- التسلسل الهرمي للمهن: تأملات في شذوذ الإدراك البشري
- دور ركوب الدراجات في الاقتصاد والبيئة ونظريات المؤامرة وسط ا ...
- فضح النفاق: سيكولوجية انتقاد الآخرين وتجاهل عيوبنا
- إعلانات التوظيف الأكاديمي: هل تفتقر الجامعات العربية إلى الش ...
- سباق التسلح الأكاديمي: مستوعب سكوباس وتصنيف الجامعات
- التصميم الجرافيكي ليس اتصالاً بصرياً


المزيد.....




- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - راقي نجم الدين - عصر ال -كوبي بيست- كيف تحولنا جميعاً إلى نسخ مكررة