أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راقي نجم الدين - اللوحة والبوستر.. بين النخبة والجمهور















المزيد.....

اللوحة والبوستر.. بين النخبة والجمهور


راقي نجم الدين
(Raqee S. Najmuldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 14:30
المحور: الادب والفن
    


ثمة مفارقة صارخة يعيشها المشهد الفني العربي عموماً والعراقي خصوصاً، وهي أن الفن الذي يصل إلى الناس لا يُحتفى به، والفن الذي يُحتفى به لا يصل إلى الناس. هذه المفارقة تتجسد بوضوح حين نقارن بين المعارض الشخصية للفنانين التشكيليين ومعارض البوستر الدولية، وهو تقابل لا يعني التقليل من قيمة اللوحة، بل يعني محاولة فهم لماذا يظل البوستر غريباً في بيته، مهملاً في المؤسسات التي كان يجب أن تحتضنه.
المعرض الشخصي طقس مغلق بامتياز. الفنان يدعو أصدقاءه وطلابه ومعارفه، ويفتح باب المكان ليلة واحدة أو ليلتين، ثم يعود كل شيء إلى ما كان عليه. اللوحات تعلق، والضيوف يمشون أمامها بهواتفهم في يد وابتسامة المجاملة في الوجه، ولا أحد يسأل بصدق هل فهم ما رأى أم لا، وهل تحرك شيء في داخله أم لا. هذا ليس نقداً للفنان التشكيلي ذاته، فكثير منهم يحملون تجارب حقيقية وعميقة، لكنه نقد للمنظومة التي تحيط بهم وتحول الفن إلى حدث اجتماعي أكثر مما تجعله فعلاً ثقافياً حقيقياً. المعرض الشخصي لا يُحكَّم، لا توجد لجنة تقيس أثره أو تقترح له سياقاً، والنتيجة أن الفنان يتحدث مع نفسه إلى حد بعيد، وتظل اللوحة سجينة الجدار الأبيض وضيوف الافتتاح. وهذا ما عناه الناقد الفني جيري سالتز حين قال: "الفنانون مثل الشامان الذين يعيشون في أطراف القرية، يصنعون أدوية وأشياء غريبة ويقنعون بقية القرية بأنهم بحاجة إليها." طقس الافتتاح الشخصي لا يكذب هذه الصورة كثيراً.
في المقابل، يقف البوستر الدولي على أرض مختلفة تماماً. معارض البوستر لا تُقام في صالات مغلقة على نخبة بعينها، بل تنزل إلى حيث الناس: في المولات وفي الحدائق العامة وفي الجامعات، وأحياناً على جدران المدينة نفسها. الجمهور هنا ليس مدعواً، هو يمر ويتوقف، يسأل ويتأمل، ويحمل معه شيئاً حين يمضي. وهذا هو جوهر الفرق: البوستر يذهب إلى الإنسان، بينما اللوحة تنتظره أن يأتي إليها.
والأهم من ذلك أن معارض البوستر الدولية والبينالات الكبرى تشتغل على قضايا العصر الحقيقية. التنمية المستدامة، والذكاء البشري، والطفولة، والأمل، والحدود، والتسامح، والسلام، والماء. هذه ليست موضوعات زينة، بل هي القضايا التي تشغل البشرية وتقلقها. والمصمم الجرافيكي حين يشارك في بينالي دولي حول السلام أو البيئة، فهو لا يعرض مهارته التقنية فحسب، بل يدخل في حوار مع مئات المصممين من ثقافات مختلفة حول سؤال مشترك. هذه المعارض تُحكَّم بلجان دولية تقيس مدى نجاح العمل في إيصال رسالته البصرية إلى متلقٍ لا يعرف لغة صاحبه ولا يشاركه خلفيته الثقافية، وهذا امتحان حقيقي للتصميم كلغة إنسانية كونية.
غير أن المشكلة في بيئاتنا المحلية لا تكمن في ضعف البوستر، بل في ضعف الوعي به. فالكثير من المؤسسات الفنية وكليات الفنون الجميلة ما زالت أسيرة نظرة قديمة ترى اللوحة التشكيلية مركز الهيبة الفنية الوحيد، وتمنحها الأولوية في العرض والاحتفاء والدراسة، بينما تنظر إلى البوستر والتصميم الجرافيكي بوصفهما مجالين ثانويين، أو أقل شأناً، أو أقل استحقاقاً للقراءة النقدية والاهتمام الثقافي. وهذا ليس مجرد سوء تقدير عابر، بل خلل عميق في فهم طبيعة الفن المعاصر ووظائفه الجديدة. وربما يعود هذا الانحياز، في جانب منه، إلى أن اللوحة قابلة للاقتناء والإهداء والتبادل الشخصي، الأمر الذي يجعلها أكثر انسجاماً مع الذائقة التقليدية السائدة داخل بعض الأوساط، بينما يُهمل البوستر لأنه لا يدخل بسهولة في هذا الاقتصاد الرمزي القائم على الإهداء والمجاملة والاقتناء. لكن هذا المنطق نفسه يفضح ضيق الأفق المؤسسي، لأنه يختزل القيمة الفنية بما يمكن امتلاكه، لا بما يمكن أن يؤثر في المجتمع.
ولا يتوقف هذا الخلل عند حدود المؤسسات التعليمية والفنية، بل يمتد أيضاً إلى البرامج التلفزيونية الثقافية التي ما تزال، في كثير من الأحيان، تعيش خارج الزمن. فهي تستضيف الفنان التشكيلي بوصفه الممثل شبه الحصري للفن البصري، وتفتح له المنابر للحديث عن تجربته ولوحاته ومعارضه، بينما لا تكاد ترى في المصمم الجرافيكي قيمة ثقافية تستحق الاستضافة أو النقاش، وكأن التصميم الجرافيكي مجرد نشاط تقني تابع، لا فناً قائماً بذاته، ولا خطاباً بصرياً مؤثراً في الوعي العام. وهذا ليس جهلاً فحسب، بل تخلف واضح في قراءة المشهد الثقافي المعاصر، لأن المصمم اليوم ليس منفذاً شكلياً، بل منتج معنى، وصانع رسالة، ومشارك أساسي في تشكيل الذائقة العامة وإثارة الأسئلة وتوجيه الانتباه إلى القضايا الكبرى. وحين تستمر وسائل الإعلام في تجاهل هذا الدور، فإنها لا تهمش المصمم وحده، بل تهمش فناً كاملاً أكثر التصاقاً بحياة الناس من كثير مما يُحتفى به تحت اسم الفن الراقي.
إن أهمية معارض البوستر الدولية لا تكمن فقط في عرض الأعمال، بل في قدرتها على التأثير الثقافي والتربوي والاجتماعي. فهي تسهم في رفع الذائقة البصرية لدى الجمهور، وتدفع الناس إلى التفكير في القضايا المطروحة من خلال الصورة والرمز والعلاقة الذكية بين النص والشكل. وهي أيضاً تشجع المصممين الشباب على تطوير أدواتهم، لأنهم يرون أنفسهم ضمن مشهد عالمي تنافسي، ويتعلمون من مستويات عالية ومتنوعة من الإبداع. كما أنها تمنح الفنانين التشكيليين أنفسهم فرصة للخروج من الإطار التقليدي للعرض الفردي المغلق إلى فضاء أكثر حيوية وتفاعلاً واتصالاً بالعالم. وهي كذلك توثق اللحظة الإنسانية المعاصرة، لأن كل دورة من هذه المعارض تحمل بصمة زمنها وأسئلته الكبرى، وتحول القضايا العامة إلى ذاكرة بصرية حية قابلة للحفظ والتداول.
ولا يعني هذا التقليل من قيمة المعرض الشخصي، فهو مهم في تتبع تجربة الفنان، وفهم تطوره، والاقتراب من عالمه الخاص، لكنه يظل في الغالب حدثاً محدود الأثر من حيث الجمهور المباشر والرسالة العامة، خاصة حين يبقى محصوراً في النخبة أو في دائرة العلاقات القريبة. أما معارض البوستر الدولية فتتمتع بحيوية أكبر، وبطاقة تواصل أوسع، وبقدرة أوضح على صناعة الأثر، لأنها تربط الفن بالحياة، والجمال بالفكرة، والإبداع بالمسؤولية الإنسانية. ولهذا يمكن القول إن معارض البوستر الدولية تمثل اليوم واحداً من أهم أشكال الفن البصري المعاصر، ليس فقط لأنها تعرض أعمالاً من أنحاء العالم، بل لأنها تمنح الفن وظيفة أعمق: أن يكون وسيطاً للتوعية، ومساحة للحوار، وأداةً لتقريب الإنسان من قضايا عصره بلغة بصرية مكثفة ومؤثرة ومفتوحة على الجميع.



#راقي_نجم_الدين (هاشتاغ)       Raqee_S._Najmuldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماكنتوش كواليتي ستريت: الحلوى التي اجتمعت فيها الذكرى والتصم ...
- توم وجيري حين تصبح العداوة لعبة والخصومة حاجة
- لماذا يبقى التصميم خارج إطار النقد التشكيلي؟
- الألقاب الأكاديمية بين الزينة والجوهر
- سياحة المؤتمرات: وهمٌ أكاديمي أم فرصة للظهور؟
- بلاغة الاختصار
- سباق الضفادع: عندما يصبح الجشع رياضة وطنية
- التطور المفاهيمي لتعليم التصميم
- أصداء الابتكار: صراع وجهات النظر
- التسلسل الهرمي للمهن: تأملات في شذوذ الإدراك البشري
- دور ركوب الدراجات في الاقتصاد والبيئة ونظريات المؤامرة وسط ا ...
- فضح النفاق: سيكولوجية انتقاد الآخرين وتجاهل عيوبنا
- إعلانات التوظيف الأكاديمي: هل تفتقر الجامعات العربية إلى الش ...
- سباق التسلح الأكاديمي: مستوعب سكوباس وتصنيف الجامعات
- التصميم الجرافيكي ليس اتصالاً بصرياً
- سحر المؤثرات البصرية
- البلاغة البصرية والتصميم الجرافيكي
- صُنع في التصميم: تبادل الادوار بين الوظيفية والجمالية
- نتائج البحوث في حياتنا
- غلاف الكتاب يتحدث


المزيد.....




- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راقي نجم الدين - اللوحة والبوستر.. بين النخبة والجمهور