أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - راقي نجم الدين - نافقاء المؤسسات














المزيد.....

نافقاء المؤسسات


راقي نجم الدين
(Raqee S. Najmuldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 15:41
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هناك صناعة مزدهرة لا تدرس في كليات الإدارة ولا تسجل في الإحصاءات الاقتصادية، ومع ذلك تستهلك آلاف الساعات وآلاف الأوراق وآلاف أقداح الشاي كل عام. إنها صناعة الوهم.
الوهم الذي يبدأ بدعوة رسمية وجدول أعمال أنيق وقاعة مرتبة وعبارة مألوفة: «نود الاستماع إلى آرائكم». وما إن يجلس الجميع حتى يتبين أن الآراء ليست مطلوبة بل حضور أصحابها فقط.
تبدأ المسرحية. يتحدث أحدهم عن أهمية الشفافية ويؤكد آخر ضرورة الاستفادة من الخبرات ويقترح ثالث تشكيل لجنة فرعية لدراسة ما تمت دراسته أصلاً عشرات المرات. الجميع يؤدي دوره بإخلاص حتى يخيل إليك أن الأوسكار يجب أن يضيف فئة جديدة بعنوان: «أفضل أداء في اجتماع لا يغير شيئاً».
في نهاية المشهد يخرج الجميع كما دخلوا إلا الورق الذي يمتلئ بالأختام والتواقيع، وترفع الصور إلى فيسبوك وتكتب منشورات تشيد بروح التعاون وتبادل الآراء، بينما يواصل الواقع حياته كما لو أن الاجتماع لم يحدث أصلاً. لقد نجا الموضوع مرة أخرى من أي محاولة للإصلاح.
الأعجب من ذلك أن هذه الآلة لا تعمل لإنتاج الحلول بل لإنتاج الانطباعات. المطلوب ليس أن يكون القرار صحيحاً بل أن يبدو وكأنه مر بجميع المراحل الصحيحة.
وهذا بالضبط ما عرفته اللغة العربية منذ قرون طويلة، وإن لم تسمه يوماً بمصطلح حديث. فكلمة «النفاق» نفسها مأخوذة من «النافقاء»، أحد أبواب جحر اليربوع: باب ظاهر يرى منه ويراقب، وباب آخر خفي مموه لا يكاد يلحظ، يهرب منه الحيوان إن أُتي من الباب الأول. فالمنافق، في أصل اللغة، ليس فقط من يقول ما لا يعتقد، بل من يملك - حرفياً - بابين: باباً للعيون، وباباً للنجاة.
ومع مرور الوقت يصبح الجميع شركاء في اللعبة. بعضهم لأنه مقتنع وبعضهم لأنه مستفيد وبعضهم لأنه تعب من الاصطدام بجدار لا يتزحزح. فيتعلم الإنسان أن يقول ما لا يؤمن به وأن يناقش ما لا يملك تغييره وأن يصوت على ما حسم قبل أن يعرف بوجوده.
هكذا تتحول الخبرة إلى ديكور والكفاءة إلى قطعة أثاث تجمل القاعة والعقل إلى شاهد زور يوقع في أسفل الصفحة. فلا أحد يريد منك أن تفكر بل أن تمنح التفكير شهادة حضور.
إن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال بل سرقة المعنى. أن تسرق قيمة النقاش وأن يختطف دور الخبير وأن يتحول الاجتماع من وسيلة لاتخاذ القرار إلى وسيلة لتبرير قرار سبق اتخاذه. عندها لا يعود الكذب بحاجة إلى أن ينطق بل يكفيه أن يطبع شعار المؤسسة أعلى الصفحة ويترك بقية المهمة لمحضر الاجتماع.
وحين تتكرر هذه الطقوس سنوات طويلة، لا تموت المؤسسات لأنها اتخذت قرارات سيئة بل لأنها توقفت عن اتخاذ القرارات أصلاً. كل ما تفعله أنها تعيد إخراج المشهد نفسه بممثلين جدد وطاولة جديدة ومحضر جديد... وكذبة قديمة لا يجرؤ أحد على تسميتها باسمها.
اسمها: النفاق التنظيمي.



#راقي_نجم_الدين (هاشتاغ)       Raqee_S._Najmuldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة -شلح واعبر-
- إقطاعيات الأكاديميا
- اللوحة والبوستر.. بين النخبة والجمهور
- ماكنتوش كواليتي ستريت: الحلوى التي اجتمعت فيها الذكرى والتصم ...
- توم وجيري حين تصبح العداوة لعبة والخصومة حاجة
- لماذا يبقى التصميم خارج إطار النقد التشكيلي؟
- الألقاب الأكاديمية بين الزينة والجوهر
- سياحة المؤتمرات: وهمٌ أكاديمي أم فرصة للظهور؟
- بلاغة الاختصار
- سباق الضفادع: عندما يصبح الجشع رياضة وطنية
- التطور المفاهيمي لتعليم التصميم
- أصداء الابتكار: صراع وجهات النظر
- التسلسل الهرمي للمهن: تأملات في شذوذ الإدراك البشري
- دور ركوب الدراجات في الاقتصاد والبيئة ونظريات المؤامرة وسط ا ...
- فضح النفاق: سيكولوجية انتقاد الآخرين وتجاهل عيوبنا
- إعلانات التوظيف الأكاديمي: هل تفتقر الجامعات العربية إلى الش ...
- سباق التسلح الأكاديمي: مستوعب سكوباس وتصنيف الجامعات
- التصميم الجرافيكي ليس اتصالاً بصرياً
- سحر المؤثرات البصرية
- البلاغة البصرية والتصميم الجرافيكي


المزيد.....




- بدأت السفر منفردة بعمر الـ13 عامًا..من هي الأمريكية التي تكا ...
- دراسة تكشف الخطر الخفي للسكر
- بلجيكا: حان الوقت للحوار مع روسيا وإنهاء نزاع أوكرانيا
- استمرار مراسم تشييع خامنئي في مدينتي النجف وكربلاء، مع إعلان ...
- -كما كان الحال مع هتلر، جنون الارتياب يسيطر على بوتين- - مقا ...
- تصعيد في الشرق الأوسط يهدد الهدنة بين واشنطن وطهران
- رئيس الوزراء البلغاري يدعو -الناتو- إلى حل قضايا الأمن دون ت ...
- اغتيال منفذة العملية الإرهابية في موناكو يضع نظام كييف في مأ ...
- إيران تستهدف مواقع في البحرين والكويت بعد ضربات أمريكية
- رئاسيات 2027.. لوبان تترشح رغم الإدانة وتراهن على الطعن في ا ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - راقي نجم الدين - نافقاء المؤسسات