أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - راقي نجم الدين - قل لي كم متابعاً لديك، أقل لك من تظن نفسك!














المزيد.....

قل لي كم متابعاً لديك، أقل لك من تظن نفسك!


راقي نجم الدين
(Raqee S. Najmuldeen)


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 02:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قديماً، كان الميزان الإنساني بسيطاً وعميقاً تلخصه مقولة العرب الحكيمة: "قل لي من تعاشر، أقل لك من أنت". كانت الصحبة مرآة السريرة تكشف معدن المرء بلا زيف. أما اليوم وفي زمن السيولة الرقمية فقد هجر هذا الميزان لصالح نسخة مشوهة أكثر قسوة وسطحية: "قل لي كم متابعاً لديك، أقل لك من أنت!".
أعمتهم الشهرة وحب الظهور والمال وسباق المتابعين، فما عاد أحد يريد أن "يكون" بل أن "يبدو". وهذا انقلاب خطير في سلم الأولويات الإنسانية: ذلك أن الكينونة تحتاج إلى وقت وصبر وعمق لا تراه عين، بينما "الظهور" يكتفي بلحظة ولقطة وزاوية تصوير محسوبة. فحين تتقدم الصورة على الجوهر يتحول الظهور إلى غاية في ذاته، ويصبح الوجود الحقيقي - بكل صمته وتعقيده وكدحه اليومي الذي لا يراه أحد - عبئاً ينبغي إخفاؤه أو تجميله في أفضل الأحوال.
كل واحد يريد صفحة يزينها بمئات الألوف ممن لا يعرف منهم أحداً حق المعرفة، وكل واحد يريد أن يشعر - ولو للحظة - أنه نجم من النجوم.
فهذا يصور نفسه جالساً والمائدة أمامه مثقلة بما يليق (في ظنه) بمقامه المزعوم، لا يراه كعشاء عادي بل حفل توزيع جوائز. وتلك توثق كأس عصيرها كما لو كان حدثاً عالمياً يستحق التغطية والتعليق. وثالث يمشي أمام الكاميرا بخطوات مدروسة كأنه خارج للتو من حفل توزيع الأوسكار. ورابع يستعير مظاهر ترف مؤقت من سيارة فارهة أو مطعم باهظ، ليمنح "قصته اليومية" على انستغرام بريقاً زائفاً يفتقده واقعه الحقيقي.
لقد ابتذلت الحياة اليومية حين حولت كل تفصيلة عادية إلى إنجاز تاريخي. وحتى الحزن والألم لم يسلما من هذا العبث إذ يعرضان الآن بإضاءة سينمائية وزوايا منتقاة، فالوجع لا يصدق الآن إلا إذا نال استحسان الجمهور!
خلق "انستغرام" أنموذجاً صار على الجميع أن يحاكيه، إذ يشعر البعض ان الحياة لا تعاش إلا إن وثقت، ولا تصدق إلا إن أعجب بها الغرباء. فتخيلوا أنفسهم نجوماً ومنحوا أنفسهم ألقاباً لم يمنحها لهم أحد وساورهم وهم لذيذ بأنهم من "طبقة النخبة" أو من سكان "دوائر الضوء" الصاخبة... مع أن ذلك الضوء لم يكن سوى وهج شاشة ينطفئ بمجرد أن يقفل الهاتف. امتلأوا غروراً وكبرياء كرداء يخفي عريهم الحقيقي.
ولعل في هذا ما يفسره جزئياً ما يسميه الباحثون اليوم "اقتصاد الانتباه": منظومة رقمية لا تكافئ الصدق بل الإبهار ولا تمنح صدارة "الاستكشاف" لمن "يكون" بل لمن يحسن الظهور. فالخوارزميات لا تفرق بين نجاح حقيقي وآخر مصطنع ما دام كلاهما يبقي المستخدم أمام الشاشة لحظة أطول.
والغريب أن ديننا، قبل أربعة عشر قرناً من "انستغرام" وضع دواء هذا الداء بالذات: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم". أما منطق "انستغرام" فيقلب هذه الحكمة رأساً على عقب: انظر دائماً إلى من هو أعلى، إلى من يملك متابعين أكثر وحياة أجمل وصورة أبهى حتى تزدري نعمتك ويذوب رضاك عن نفسك في مقارنة لا تنتهي.
لكن الحياة في نهايتها، لا تحابي أحداً ولا تجامل الأوهام. في لحظة خاطفة، قد تنطفئ هذه الشاشات وتتوقف العدادات ويتبخر هذا المجد الرقمي كله كأنه لم يكن. عندها لن يسأل المرء عن عدد متابعيه ولا عن حجم التفاعل ولا عن المرات التي تصدر فيها صفحات الدعم والانتشار.
هناك، تبطل موازين العالم الافتراضي وتختفي الألقاب المستعارة فلا يحسب للمرء إلا ما قدمت يداه وما انطوى عليه قلبه وما خفي من صالح العمل حين غاب عنه كل متفرج.
صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر: 1-2].
وقبل أن نضيع تماماً في متاهة الأرقام الجوفاء ونفقد صلتنا بأنفسنا، يجدر بنا أن نعيد صياغة السؤال الوجودي: ليس "كم متابعاً لديك؟".. بل: من أنت حقاً حين تطفأ الشاشات، وتبقى وحدك في العتمة؟



#راقي_نجم_الدين (هاشتاغ)       Raqee_S._Najmuldeen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نافقاء المؤسسات
- فلسفة -شلح واعبر-
- إقطاعيات الأكاديميا
- اللوحة والبوستر.. بين النخبة والجمهور
- ماكنتوش كواليتي ستريت: الحلوى التي اجتمعت فيها الذكرى والتصم ...
- توم وجيري حين تصبح العداوة لعبة والخصومة حاجة
- لماذا يبقى التصميم خارج إطار النقد التشكيلي؟
- الألقاب الأكاديمية بين الزينة والجوهر
- سياحة المؤتمرات: وهمٌ أكاديمي أم فرصة للظهور؟
- بلاغة الاختصار
- سباق الضفادع: عندما يصبح الجشع رياضة وطنية
- التطور المفاهيمي لتعليم التصميم
- أصداء الابتكار: صراع وجهات النظر
- التسلسل الهرمي للمهن: تأملات في شذوذ الإدراك البشري
- دور ركوب الدراجات في الاقتصاد والبيئة ونظريات المؤامرة وسط ا ...
- فضح النفاق: سيكولوجية انتقاد الآخرين وتجاهل عيوبنا
- إعلانات التوظيف الأكاديمي: هل تفتقر الجامعات العربية إلى الش ...
- سباق التسلح الأكاديمي: مستوعب سكوباس وتصنيف الجامعات
- التصميم الجرافيكي ليس اتصالاً بصرياً
- سحر المؤثرات البصرية


المزيد.....




- سيول تطلب من بيونغ يانغ المساعدة في البحث عن عنصر مفقود من ا ...
- رئيس وزراء بولندي أسبق: أوكرانيا ستستمر في تكريم أنصار باندي ...
- ترامب ينشر صورة لقاذفة نووية بالتزامن مع غارات جديدة على إير ...
- تحالف أوروبي لتعزيز الاستقلال الدفاعي
- -نوفوستي-: إسقاط 4830 طائرة مسيرة أوكرانية فوق روسيا خلال ال ...
- اجتماع في سرت بين حفتر والنمروش
- بعد مسؤولتين من الأرجنتين وباراغواي، تصريح -عنصري- من رئيس و ...
- مخطط إسرائيلي لبناء أكبر مشروع استيطاني في القدس
- صحف أمريكية وبريطانية: مؤسس قطر الحديثة وإرث من الدبلوماسية ...
- إيران ترسل تحذيرًا لدول الجوار بعد الضربات الأمريكية


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - راقي نجم الدين - قل لي كم متابعاً لديك، أقل لك من تظن نفسك!