أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي















المزيد.....

بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 10:04
المحور: الادب والفن
    


بيتر شتاين: حين يصبح المسرح مختبراً للإنسان والزمن

في تاريخ المسرح الأوروبي الحديث أسماء لا يمكن أن تُقرأ بوصفها مجرد أسماء لمخرجين كبار، لأن أصحابها تركوا وراءهم أكثر من عروض ناجحة تركوا أسئلة غيّرت طريقة النظر إلى المسرح وإلى الإنسان الذي يقف فوق خشبته. ومن بين هذه الأسماء يبرز بيتر شتاين، المخرج الألماني الذي جعل المسرح فضاءً للبحث والتأمل والمواجهة، ومختبراً تتجاور فيه الكلمة مع الجسد، والنص مع التاريخ، والممثل مع الفضاء، بحيث لا يعود العرض مجرد حكاية تُروى أمام الجمهور، وإنما يصبح تجربة فكرية وجمالية يعيشها المتلقي ويتورط في أسئلتها. من ألمانيا، حيث يحمل المسرح تقاليد فكرية وجمالية عميقة، خرج شتاين ليعيد النظر في العلاقة بين المخرج والنص والممثل والجمهور، ولم يكن هدفه أن يصنع مسرحاً يلهث خلف الجديد لمجرد الجدة، بل أن يبحث عن الحداثة داخل النصوص العظيمة نفسها، وأن يكتشف كيف يمكن لشكسبير وغوته وتشيخوف وإبسن وسوفوكليس وغيرهم أن يتحدثوا إلى الإنسان المعاصر من دون أن يفقدوا تاريخهم أو تتحول أعمالهم إلى متاحف أدبية.
كان شتاين يؤمن بأن النص المسرحي العظيم لا يموت بتغير الأزمنة، وإنما ينتظر من يفتح أبوابه من جديد. ولذلك لم يتعامل مع الكلاسيكيات بوصفها نصوصاً مقدسة ينبغي حمايتها من أي قراءة جديدة، كما لم يتعامل معها بوصفها مادة قابلة للتشويه وفق نزوات المخرج. كان يقف في المنطقة الصعبة بين الوفاء للنص وحرية التأويل، وهي منطقة تحتاج إلى معرفة عميقة بالتاريخ واللغة وبنية العمل المسرحي، وإلى شجاعة تسمح للمخرج بأن يترك النص يقاومه بدلاً من أن يخضعه بسهولة لرؤيته الخاصة. ومن هنا جاءت أهمية تجربته في مسرح الشاوبونه في برلين، حيث أصبح المسرح، في مرحلة حاسمة من تاريخ أوروبا، مساحة جماعية للعمل والتجريب والنقاش، ولم يعد المخرج سيداً مطلقاً يفرض رؤيته على الجميع، بل صار جزءاً من عملية إبداعية واسعة يشترك فيها الممثلون والفنانون والمصممون والكتاب والتقنيون.
وفي قلب هذا المشروع كان الممثل. فشتاين لا ينظر إلى الممثل بوصفه جسداً يتحرك داخل ديكور، ولا بوصفه صوتاً يردد كلمات كتبها المؤلف، وإنما بوصفه الإنسان الذي يمنح النص حياته الحقيقية. ومن هنا تأتي عنايته بالتفاصيل الصغيرة في الأداء، وبالعلاقات بين الشخصيات، وبالإيقاع الداخلي للمشهد. كان يريد من الممثل أن يفهم الشخصية قبل أن يؤديها، وأن يعرف العالم الذي جاءت منه، وأن يكتشف دوافعها وتناقضاتها، لأن الشخصية عنده ليست قناعاً مسرحياً جاهزاً، وإنما كائن إنساني يحمل تاريخه ومخاوفه ورغباته وأسئلته. ولهذا كانت عملية البروفات عنده جزءاً من صناعة العرض لا مرحلة تقنية تسبق العرض؛ ففي البروفة يولد التفكير، ومن خلال النقاش والتجريب يبدأ النص في الكشف عن طبقاته المخفية.
ولعل هذا يفسر علاقته بالنصوص الكبرى التي لم يكن يخاف من حجمها ولا من تعقيدها. كان شتاين يرى أن بعض الأعمال لا يجوز اختزالها فقط كي تصبح أكثر سرعة وسهولة، لأن الاختزال قد يقتل العالم الذي صنعه المؤلف. ومن هنا جاءت واحدة من أكثر مغامراته المسرحية إثارة تقديم فاوست لغوته في مشروع مسرحي ضخم امتد إلى ساعات طويلة، وكأن شتاين أراد أن يقول إن المسرح يستطيع أن يحتمل النص الكبير، وأن الجمهور ليس عاجزاً عن متابعة تجربة طويلة إذا وجد فيها ما يستحق الإصغاء والتأمل. لم يكن فاوست عنده مجرد عمل أدبي شهير، بل كان عالماً كاملاً يمكن من خلاله اختبار قدرة المسرح على احتضان الفلسفة والشعر والفكر والأسطورة والتاريخ والرغبة والمعرفة.
وفي فاوست تحديداً تبدو شخصية شتاين الإخراجية أكثر وضوحاً. ففاوست، الباحث عن المعرفة والمعنى، ليس بعيداً عن جوهر المسرح الذي أراده شتاين كلاهما يتحرك داخل عالم لا تكفيه الإجابات السريعة. ففاوست يريد أن يعرف، والمسرح عند شتاين يريد أن يسأل. وفاوست يطارد المعنى، والمخرج يطارد الإمكانات الكامنة في النص. وبينهما رحلة طويلة لا تصل بسهولة إلى خاتمة نهائية. لذلك لم يكن تقديم فاوست مجرد استعراض لقدرة مخرج على التعامل مع نص ضخم، بل كان نوعاً من إعلان الثقة بالمسرح وبالجمهور معاً المسرح قادر على أن يكون طويلاً وعميقاً ومركباً، والجمهور قادر على أن يمنح العمل الوقت الذي يحتاجه كي يكشف نفسه.
وهنا يتحول الزمن إلى عنصر أساسي في مسرح شتاين. الزمن ليس مجرد خلفية تقع فيها الأحداث، بل مادة درامية وفكرية. الماضي لا يبقى في الماضي، وإنما يعود ليحاور الحاضر، والنص القديم لا يُعرض كي نتذكره، بل كي نكتشف من خلاله شيئاً عن اللحظة التي نعيشها. ولذلك تبدو أعمال شتاين وكأنها تتحرك في اتجاهين متزامنين تعود إلى التاريخ لكي تفهم الحاضر، وتعود إلى الحاضر لكي تعيد قراءة التاريخ. وهذا ما يمنح المسرح عنده بعداً إنسانياً يتجاوز حدود البلد واللغة والزمن.
كما أن الفضاء المسرحي عنده ليس مجرد خلفية للحدث. إنه جزء من اللغة المسرحية نفسها. المكان يمكن أن يصبح شخصية، والديكور يمكن أن يحمل ذاكرة، وحركة الممثلين داخل الفضاء يمكن أن تنتج معنى لا تقوله الكلمات. ولهذا كانت عروضه تتعامل مع الخشبة بوصفها عالماً ينبغي أن يُبنى بعناية، لا سطحاً تُوضع عليه الأشياء. كل تفصيل يمكن أن يدخل في صناعة الدلالة المسافة بين ممثل وآخر، اتجاه الحركة، الصمت، الإضاءة، شكل المكان، وحتى اللحظة التي لا يحدث فيها شيء ظاهرياً. فالمسرح عند شتاين ليس ازدحاماً بالأحداث، بل تنظيم دقيق للحضور والغياب.
ومع ذلك، فإن أهمية بيتر شتاين لا تأتي من ضخامة مشاريعه وحدها، ولا من أسماء المؤلفين الذين أخرج أعمالهم، وإنما من موقفه من وظيفة المسرح. لقد رفض أن يكون المسرح مجرد وسيلة للترفيه، كما رفض أن يتحول إلى منبر مباشر للشعارات. كان يريد فناً يستطيع أن يفكر من دون أن يتحول إلى محاضرة، وأن يكون سياسياً وإنسانياً من دون أن يفقد جماله، وأن يقترب من قضايا المجتمع من خلال الإنسان لا من خلال الخطابة. ولهذا ظلت عروضه تحمل توتراً بين الجمال والفكرة، بين الحكاية والسؤال، بين متعة المشاهدة ومسؤولية التفكير.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى شتاين بوصفه واحداً من المخرجين الذين أعادوا للمخرج مكانته بوصفه قارئاً ومفكراً وباحثاً، لكن من دون أن يسمح لهذه المكانة بأن تلغي المؤلف أو الممثل. وهذه نقطة مهمة في تجربته فهو لا يريد أن يكون المخرج مؤلفاً جديداً يطمس المؤلف الأصلي، وإنما يريد أن يكون وسيطاً خلاقاً يفتح النص أمام الجمهور. ولذلك فإن سلطته الإخراجية تبدو، paradoxically، في قدرته على الإصغاء؛ الإصغاء إلى النص، وإلى الممثل، وإلى المكان، وإلى التاريخ، وإلى الجمهور.
إن بيتر شتاين ينتمي إلى جيل كان يرى في المسرح مسؤولية ثقافية، لا مجرد صناعة عرض. ولهذا لم يكن المسرح عنده منفصلاً عن أسئلة أوروبا الكبرى الذاكرة، الحرب، السلطة، الفرد، الحرية، التاريخ، والهوية. لكنه لم يضع هذه الأسئلة على الخشبة بصورة مباشرة، وإنما جعلها تنمو داخل الشخصيات والمواقف والصراعات الإنسانية. فالمسرح الحقيقي، في تجربته، لا يقول للمتفرج ماذا ينبغي أن يفكر، وإنما يدفعه إلى أن يفكر بنفسه.
ومن هنا تكتسب تجربة شتاين قيمتها التي تتجاوز الزمن الذي ظهرت فيه. لقد أثبت أن المسرح يستطيع أن يكون عميقاً من دون أن يفقد الحياة، وأن يكون وفياً للتراث من دون أن يصبح أسير الماضي، وأن يكون معاصراً من دون أن يقطع جذوره، وأن يمنح الممثل مركزه من دون أن يلغي المخرج، وأن يحترم المؤلف من دون أن يتوقف عن التأويل. وفي فاوست تحديداً وصل هذا الإيمان إلى واحدة من أكثر صوره وضوحاً نص هائل، زمن مسرحي طويل، عالم فكري كثيف، وممثلون مطالبون بأن يحملوا فوق الخشبة ثقل اللغة والتاريخ والفكرة.
وهكذا يصبح بيتر شتاين أكثر من مخرج ألماني كبير يصبح شاهداً على مرحلة كان المسرح الأوروبي فيها يبحث عن نفسه من جديد. كان السؤال بالنسبة إليه دائماً ماذا يستطيع المسرح أن يفعل حين لا يكتفي بأن يعرض العالم، بل يحاول أن يفهمه؟ وربما لهذا بقيت تجربته حاضرة لأنها لم تقدم إجابة نهائية، بل أبقت المسرح مفتوحاً على السؤال. فالمسرح عند بيتر شتاين ليس مكاناً ننظر فيه إلى الآخرين فقط، وإنما مرآة طويلة للإنسان، يرى فيها ماضيه وحاضره، ضعفه ورغبته، خوفه وحلمه، وما يفعله الزمن به وما يستطيع هو أن يفعله بالزمن. وفي هذا تحديداً تكمن قيمة شتاين أنه لم يحاول أن يجعل المسرح أكثر سرعة من الحياة، بل جعله أكثر عمقاً منها لم يحاول أن يختصر الإنسان، بل منحه الوقت الكافي كي يظهر بكل تناقضاته، ولم ينظر إلى النصوص الكبرى باعتبارها عبئاً على المسرح، وإنما باعتبارها خزائن لا تنفتح إلا إذا امتلك الفنان شجاعة الدخول إليها.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
- حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
- عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا ...
- روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
- تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
- عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني ...
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً


المزيد.....




- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي