أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في سيكولوجيا الانحياز من المقهى السياسي إلى المنصة الرقمية















المزيد.....

مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في سيكولوجيا الانحياز من المقهى السياسي إلى المنصة الرقمية


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 04:50
المحور: قضايا ثقافية
    


“حين يصبح الانتماء بديلاً عن البرهان، يبدأ العقل في بناء أسواره، ويغدو الحوار حديثاً بين جدران مغلقة.”

لا تتشكل الانقسامات الكبرى في المجتمعات داخل مؤسسات السياسة وحدها، بل تنشأ، في كثير من الأحيان، في فضاءات تبدو عادية ومحايدة؛ كالمقاهي والمنتديات والصالونات الثقافية، ثم في عصرنا الراهن على منصات التواصل الاجتماعي. ففي تلك الفضاءات تتكون الميول الجماعية، وتتبلور الهويات الفكرية، ويعاد إنتاج الانحيازات. ومن ثم فهي ليست مجرد أماكن لتبادل الآراء، بل مختبرات اجتماعية يتفاعل فيها العقل مع العاطفة، ويتنازع فيها البرهان مع الولاء، والحقيقة مع الهوية.

عادت بي الذاكرة إلى مشاهد الانقسام المجتمعي التي دشنتها المقاهي السياسية في بلادنا بعد عام 1958. فلم تكن تلك المقاهي مجرد فضاءات للقاء أو تبادل الآراء، بل تحولت إلى مسارح تتجسد فيها أنماط الانحياز الجمعي، حيث أصبح الانتصار للموقف أو للفريق أهم من البحث عن الحقيقة. وكان الصراع آنذاك يتخذ صوراً متعددة ،بين الجمهورية والملكية، وبين اليسار واليمين، وبين التيارات القومية والإسلامية، وبين دعاة العلمانية وخصومها، حتى غدا الانتماء، في كثير من الأحيان، بديلاً عن التفكير، والولاء مقدماً على البرهان.

لقد كانت تلك المقاهي، بما احتضنته من سجالات ومناظرات، مختبراً اجتماعياً مبكراً لفهم آليات الاستقطاب السياسي والنفسي. فالمجادلات لم تكن تنتهي عادة إلى مراجعة المواقف أو تصحيحها، بل كانت تعيد إنتاج القناعات نفسها وتزيدها رسوخاً، حتى أصبح كل فريق يرى في الآخر خصماً ينبغي دحضه، لا شريكاً في البحث عن الحقيقة.

سيكولوجيا الجماعة والعقل القبلي

ولعل هذه الظاهرة تحاكي، في أحد تجلياتها، ما وصفه غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» إذ يذوب الفرد داخل الجماعة، فتتراجع استقلالية حكمه العقلي، ويصبح أكثر استجابة للعاطفة والرموز والشعارات والقيادات الكاريزمية. فالجماعة، وفق منظور لوبون، لا تضاعف دائماً قدرة الفرد العقلية، بل قد تدفعه إلى حالة من الانفعال الجمعي تقل فيها مساحة النقد والمراجعة.

وفي هذا السياق يلتقي تحليل لوبون مع مفهوم العقل القبلي عند محمد عابد الجابري، وإن انطلق كل منهما من زاوية مختلفة. فإذا كانت القبيلة، في تحليل الجابري، بنية اجتماعية وسياسية تؤسس للعصبية والولاء، فإن لوبون يفسر الآلية النفسية التي تجعل الفرد، داخل الجماعة، أكثر ميلاً إلى الامتثال والانفعال، وأقل استعداداً للنقد المستقل.

وهكذا يمكن النظر إلى ديناميات الجماعة بوصفها البعد النفسي للعقل القبلي ، فهي تفسر كيف تتحول العصبية من رابطة اجتماعية إلى نمط في الإدراك والحكم والسلوك، يمنح الولاء أسبقية على البرهان، والانتماء أولوية على التفكير الحر. فالرأي لا يعود اجتهاداً قابلاً للتعديل، بل يتحول إلى جزء من الهوية، ويصبح الاختلاف تهديداً للانتماء أكثر منه فرصة لاكتشاف الحقيقة.

سيكولوجيا الانحياز للجدل

ومن أجمل ما كتبه الأستاذ الدكتور ليث السامرائي، في مقاله الفكري «سيكولوجيا الانحياز للجدل»، قوله:
“إن مصير الشعوب التي تنشغل بالجدل والتكتلات هو التراجع والضعف، وإضاعة الوقت في غير فائدة. فهي تتعرض إلى مخاطر أساسية، في مقدمتها التفكك الاجتماعي وانقسام الأفراد إلى جماعات متعادية، الأمر الذي يفضي إلى تعطيل العمل والإنتاج، والانشغال بالأقوال بدلاً من الأفعال، وصولاً إلى التخلف الحضاري نتيجة استنزاف الطاقات في الخلافات. كما يؤدي الاستقطاب الحاد إلى تعزيز التكتلات والتحزبات، فتزداد الآراء تطرفاً داخل كل جماعة، ويختفي الاعتدال، وتتحول النقاشات إلى منافسة لإثبات الولاء للمجموعة أكثر من كونها سعياً إلى الحقيقة.”

ويتوافق هذا الوصف مع ما توصلت إليه بحوث علم النفس الاجتماعي الحديثة. فهناك ما يعرف بـ التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)، وهو ميل الإنسان إلى البحث عن الأدلة التي تؤيد قناعاته المسبقة، مع إهمال أو التقليل من شأن الأدلة المخالفة. وبذلك لا يصبح الحوار وسيلة لاختبار الأفكار، بل أداة لتعزيزها.

كما تشير الدراسات إلى ظاهرة الاستقطاب الجماعي (Group Polarization)، حيث تنتهي المناقشات داخل الجماعة المتجانسة إلى مواقف أكثر تشدداً مما كانت عليه قبل النقاش. فكل عضو يسعى، بصورة واعية أو غير واعية، إلى إثبات إخلاصه للجماعة، فتزداد حدة الخطاب، ويضيق هامش الاعتدال، ويصبح التراجع عن الموقف أو مراجعته علامة ضعف بدلاً من أن يكون فضيلة فكرية.

التفكير الجمعي وإلغاء النقد الداخلي

ويكتمل هذا التحليل بما قدمه عالم النفس الاجتماعي الأمريكي إرفنغ جانيس (Irving Janis) في نظريته عن التفكير الجمعي (Groupthink) التي نشرها عام 1972. فقد أوضح جانيس أن الجماعات شديدة التماسك قد تقع في أخطاء جسيمة ليس بسبب نقص المعلومات أو ضعف القدرات، وإنما بسبب رغبة أعضائها في الحفاظ على الانسجام الداخلي وتجنب الخلاف.

فعندما يصبح الحفاظ على وحدة الجماعة أهم من اختبار صحة الأفكار، تُهمَّش الأصوات الناقدة، ويُنظر إلى الاعتراض باعتباره تهديداً للانتماء. وفي هذه الحالة تتحول القرارات إلى انعكاس للإجماع الظاهري، لا إلى نتيجة لفحص عقلاني للبدائل. وهنا يصبح التفكير الجمعي أحد أكثر أشكال الانغلاق الأيديولوجي خطورة، لأنه لا يمنع النقد القادم من الخارج فحسب، بل يعطل قدرة الجماعة على نقد ذاتها من الداخل.

من المقهى التقليدي إلى المنصة الرقمية

أما في عصر الاتصال الرقمي، فقد برزت ظاهرة أخرى تعرف بـ غرف الصدى (Echo Chambers)، وهي بيئات معلوماتية لا يسمع فيها الفرد إلا الأصوات التي تشبه صوته، ولا يقرأ إلا ما يوافق معتقداته. فتتحول وسائل التواصل، التي كان يفترض أن توسع أفق الحوار، إلى أدوات لإعادة تدوير الأفكار ذاتها، وتعميق الانقسام، وإضعاف فرص المراجعة والنقد الذاتي.

وهكذا انتقلت مقاهي الأمس من المكان إلى الفضاء الإلكتروني، لكن بقيت الآليات النفسية ذاتها تعمل بأدوات أكثر سرعة وانتشاراً. فإذا كان المقهى التقليدي يجمع المختلفين في مكان واحد، ويتيح فرصة المواجهة المباشرة رغم الاحتدام، فإن المقهى الرقمي يمنح كل جماعة فضاءها الخاص، تصنع فيه يقينها وتعيد إنتاجه عبر الخوارزميات التي تغذي التشابه أكثر مما تشجع الاختلاف.

ومن المفارقات أن اتساع مصادر المعرفة لم يؤدِّ بالضرورة إلى اتساع العقل، بل ربما زاد من الانغلاق، حين أصبح الإنسان يختار من المعرفة ما يوافق هويته، لا ما يختبرها. فالمشكلة لم تعد ندرة المعلومات، بل طريقة استقبالها وانتقائها وتفسيرها في ضوء الولاءات المسبقة.

خاتمة: نحو عقل نقدي متحرر

إن الحضارات لا تتراجع بسبب كثرة الاختلاف، وإنما بسبب عجزها عن إدارة الاختلاف إدارة عقلانية. فالاختلاف هو شرط الإبداع، أما الانغلاق فهو نقيض المعرفة. ومن هنا فإن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على إجماع قسري، ولا على انتصار أيديولوجية على أخرى، بل على ترسيخ ثقافة الحوار، واحترام التعددية، وسيادة العقل النقدي الذي يجعل البرهان فوق الولاء، والحقيقة فوق الانتماء.
ولعل أخطر أشكال الانغلاق ليس أن يرفض الإنسان الرأي الآخر، بل أن يفقد القدرة على تصور احتمال أن يكون الآخر مصيباً في بعض ما يقول. فحين يتحول اليقين إلى عقيدة مغلقة، يغدو الحوار مستحيلاً، ويتحول المجتمع إلى جزر نفسية متباعدة، لكل منها حقيقتها الخاصة.
لقد انتقل الانغلاق الأيديولوجي من المقهى إلى المنصة الرقمية، ومن الجدل الشفهي إلى الخوارزمية، غير أن بنيته النفسية بقيت واحدة. ولذلك فإن الرهان الحضاري في القرن الحادي والعشرين لم يعد في امتلاك المعرفة، فالمعرفة أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، بل في امتلاك العقل النقدي القادر على مراجعة مسلّماته، والتمييز بين المعلومة والدعاية، وبين البرهان والانحياز، وبين الحقيقة والهوية.
إن مستقبل المجتمعات لن يتحدد بعدد منصاتها الرقمية أو حجم تدفق المعلومات فيها، وإنما بقدرتها على تنشئة مواطنيها على فضيلة التفكير النقدي، واحترام الدليل، والإيمان بأن الحقيقة ليست ملكاً لجماعة، ولا حكراً على أيديولوجية، وإنما ثمرة حوار حر بين عقول حرة.

مراجع للاستئناس

1. غوستاف لوبون، سيكولوجية الجماهير.
2. محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته.
3. Irving L. Janis, Victims of Groupthink, 1972.
4. Irving L. Janis, Groupthink: Psychological Studies of Policy Decisions and Fiascoes, 1982.
5. Daniel Kahneman, Thinking, Fast and Slow, 2011.
6. Cass R. Sunstein, #Republic: Divided Democracy in the Age of Social Media, 2017.
7. Jonathan Haidt, The Righteous Mind: Why Good People Are Divided by Politics and Religion, 2012
8. ليث السامرائي ، سيكولوجيا الانحياز للجدل، 2026



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز
- السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية ...
- كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب ...
- الكنيسة البروتستانتية في عصر الذكاء الاصطناعي: ماكس فيبر الث ...
- العشُّ الأول للحرية
- الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام ...
- وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام


المزيد.....




- تركيا تستعد لتهديد روسيا من الشمال الغربي
- من إيران إلى أوكرانيا.. حروب إقليمية توشك أن تتحول لمواجهة ع ...
- الحوثيون ينفون التخطيط لفرض رسوم على عبور مضيق باب المندب
- قتلى وجرحى بقصف روسي على كييف وزيلينسكي يبحث الدفاع الجوي مع ...
- -أحدهم سيلقى حتفه-.. -التحريض- ضد الصحفيين يثير القلق في إسر ...
- هل اقتربت نهاية إنفانتينو؟ ومن المرشح لخلافته؟
- -مسيرة الحماقة- التي تهدد مكانة واشنطن ومصالحها
- كوريا الشمالية: تحديث بنية الناتو اللوجستية يؤكد استعداده لح ...
- -بلومبرغ-: البنتاغون يطلب 18.2 مليار دولار من أموال الحرب لل ...
- توتر في منين على خلفية أعمال حفر.. والأمن يتدخل لاحتواء المو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في سيكولوجيا الانحياز من المقهى السياسي إلى المنصة الرقمية