أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - على رصيف الزمن














المزيد.....

على رصيف الزمن


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن يوما جملة "في البدء كان الطين"، استعارة شعرية في بلاد الرافدين، بقدر ما هي شهادة ميلاد وأصل الحكاية وربما لعنتها الأبدية، إذ تمر الأيام وتدور عقارب الساعة ليجد العراقي نفسه واقفا عند المفارقة العظمى: شعب اخترع الكتابة ليسجل قوانينه، ويبني الزقورات ليلمس السماء، ثم يعود اليوم ليجلس على رصيف الزمن يتأمل نهر دجلة وقد اختلط ماؤه برماد الذكريات.

إنها ليست أزمة كهرباء كما قد يظن البعض، وليست مجرد لعبة أمم تتصارع على خريطة، ما يحدث أعمق من ذلك بكثير، إنه صراع بين قداسة الماضي ووحشة الحاضر. يقول جان جاك روسو في هذا الصدد إن الإنسان يولد حراً لكننا نراه في كل مكان مقيداً بالأغلال. ففي العراق لا تصنع الأغلال من الحديد فقط، بل تصنع من التاريخ ومن ثقل إرث ومن شعور جمعي بأن الذروة قد تحققت هنا منذ آلاف السنين، وأن ما تبقى هو مجرد هامش في كتاب لم يعد أحد يقرأه.

في شارع المتنبي حيث الكتب المصفوفة على الأرض تشبه قبوراً مفتوحة للأفكار. فالوجوه ليست وجوه يائسة بالمعنى الكلاسيكي، إنها وجوه مشغولة بحساب الفرق بين ما كانته بغداد وما آلت إليه. هناك فجوة زمنية في العقل الجمعي، فالفرد العراقي المعاصر يحيا ممزقاً بين لوح سومري وفضائي رقمي، هو يعيش في منطقة رمادية حيث لا هو قادر على استعادة أمجاد نبوخذ نصر، ولا هو قادر على الاندماج الكامل في عالم يركض بسرعة الضوء. لقد وصف نيتشه هذا النوع من الوجود بقوله : من يقاتل الوحوش عليه أن يحذر من ألا يتحول هو نفسه إلى وحش. لم يصبح العراقيون وحوشاً، إنما صاروا أشباحا تطار مدنها الخاصة وتتفاوض يومياً مع العدم.

أسمع يوميا حديثاً متقطعا عن “الدولة العميقة” و”الاستعمار الجديد” لكن أرى ان الدولة العميقة الحقيقية تسكن في اللاوعي ومتخفية في أغنية بغدادية حزينة وفي عادة الاعتذار عن الفرح خوفاً من الحسد. وهذا بالضبط ما قاله طه عبد الرحمن إن الاستعمار الحقيقي هو استعمار العقل والقيم، لكن ما يحدث هنا هو استعمار من نوع أخطر إنه استعمار الذاكرة. فنحن مسكونون بماضينا لدرجة الشلل.

أخطر ما في المشهد أن العراقي تحول إلى كائن استعاري/ملقن، فعندما يتحدث السياسي عن “السيادة”، لا يتحدث عن الحدود بل عن جرح لا يلتئم، وعندما يتظاهر الناس من أجل الماء، فهم لا يتظاهرون ضد العطش فقط، انما ضد فكرة التحول إلى صحراء بعد أن كانوا حضارة ري. ف المسافة بين النهرين وشح المياه ليست أزمة بيئية مفاجئة، هي نتيجة حتمية لعقود من التفكير السحري، ذاك التفكير الذي يظن أن الأرض المعطاء يمكن أن تغفر دون أن تُعمر.

أقرأ خبراً عن شبه انهيار لمنظومة الكهرباء التي لم تنهار بفعل القنابل، بل بفعل الإهمال والفساد لعقود، وهذه هي الكلمات الأدق، الإهمال والفساد أشد فتكاً من الحرب. الحرب واضحة، فجة ودموية، لكن الإهمال هادئ ومدمر يعمل بصمت مثل النمل في قطعة خشب. لقد خسر العراقيون المعركة ليس لأنهم ضعفاء بل كونهم نسوا لماذا كانوا أقوياء يوماً. وثمة مثل أفريقي يقول "حتى الأسد ملك الغابة يحمي نفسه من الذباب”، أما العراقيون فقد اعتادوا لدغات الذباب حتى ظنوها وخزة جلدية طبيعية.

ما أكتبه ليس تأبيناً لوطن حي يرزق تحت الركام، هي محاولة لقراءة وجه دجلة مرة أخرى. ففي أعماق ذلك النهر ما زال هناك تيار يرفض أن يسكن وكما تهمس الريح بين سعفات النخيل قد يغفو العراق لكنه لا يموت.

دكتور محمد وهاب عبود/ باحث وأكاديمي



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثرثرة التحول الرقمي
- ترامب يفسد كأس العالم
- استعصاء محو الفساد في العراق
- الزبائنية وشيطنة الاشتراكية
- العيد وعقدة البرمودا
- المشهد من قمة بكين
- صلاة الرئيس
- من السلام بالقوة إلى الغموض الاستراتيجي
- إعلام ساخن وجمهور بارد
- أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟
- التنفس عبر فوهات المدافع
- عودة -أبو خليل-
- مواقع تتربح وطفولة تُستباح
- المنطقة الرمادية بين النصر والهزيمة
- الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد


المزيد.....




- وزير الدفاع السعودي يلتقي نائب ترامب عقب الضربة المشتركة على ...
- إدانة مراهق نرويجي بالتورط في جريمة قتل مأجور على صلة بإيران ...
- 3 شهداء إثر غارات إسرائيلية على غزة
- إيران مباشر.. ترمب يجدد تهديده بالضرب بقوة والجيش الإيراني ي ...
- لماذا تتصدر قطر وعمان جهود الوساطة مع إيران؟
- أية مساعي للعبث بأمان المجتمع مدانة جملة وتفصيلاً! ...
- إيران تعلن مقتل عناصر من -الحرس الثوري- في الغارات الأمريكية ...
- بعد ساعات من ضربات سعودية أمريكية على الحشد الشعبي في العراق ...
- حريق يهز ميناء دمياط في مصر.. وتقارير تتحدث عن هجوم بمسيّرة ...
- رئيس -فورمولا 1-: سباقا قطر وأبوظبي مستمران رغم خطط طوارئ ال ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - على رصيف الزمن