محمد وهاب عبود
الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 18:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تسارع المؤسسات إلى رفع شعارات الأتمتة والرقمنة، حيث تهلل وسائل الإعلام لافتتاح المنصات وتدشين البوابات، كما تطفو على السطح حركة تزيين للواقع عبر لغة الأرقام. غير أن الناظر في الاعماق يدرك حجم الانفصال بين تسويق الوهم وواقع الحال، إذ يعيش المواطن يومه بين تطبيق في الهاتف ينبئ بالحداثة وشباك مراجعة في دائرة يعيد إنتاج سلوك غابر أكل الدهر عليه وشرب كما يقولون.
يرتطم مشروع التحول بصخرة الاعتماد على النفط وتخزين الأموال في المنازل. كما تطلب الحكومة من صراف أو تاجر استخدام الشاشة، في وقت يتحرك السوق عبر أكياس الورق والنقد بينما يقع الخلل في طبائع إدارة الدولة، لا في قلة الحواسيب.
يقول الفيلسوف جان بودريار إن الخديعة لا تكمن في إخفاء الحقيقة إنما في إخفاء عدم وجود شيء خلف الستار. وتتجلى مقولة بودريار في واقع شاشات المراقبة وعدادات المعاملات حيث يجري تصوير التكنولوجيا كأنها مخلص بذاته، بينما هي أدوات يديرها العقل ذاته الذي أدار الإخفاق عقوداً. فنقل الفساد أو البيروقراطية من سجلات الورق إلى سحابة التكنولوجيا لا ينتج اقتصاداً، إنما يمنح آليات الهدر والضياع.
وتتحول الأتمتة في بيئة الاقتصاد الريعي إلى قشرة فوق السطح تغطي واقع الهشاشة، فيما ينشغل الرأي العام بمتابعة تطبيقات المصارف وأسعار الصرف عبر المنصات، مستهلكاً وقته في تتبع أعراض المرض، كما تعجز التقنية عن خلق التنمية إذا بقيت مقدرات الإنتاج رهن حالة التعطيل، وإنفاق الدولة حصراً على توزيع الرواتب واستحصال المكاسب.
كما تتراكم الأزمات تحت غطاء دعائي، فلن تغير تطبيقات الهواتف من واقع شح المياه أو ضعف الصناعة أو غياب التخطيط، في حين تتأجل المواجهة مع أمهات الأسئلة عبر إغراق الشارع في تفاصيل التقنية وجزئيات الأجهزة.
وبانتظار انقضاء الضجيج سيكتشف الجميع أن التكنولوجيا بلا بنية سليمة مجرد زينة ومسحوق تجميل، وأن الرقمنة في ظل اقتصاد الريع والنهب والمحاصصة ليست إلا وسيلة لتكدس ثروة الأغلبية في إياد القلة.
دكتور محمد وهاب عبود/ باحث وأكاديمي
#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟