أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - علي دريوسي - فيض المعلومات... عندما تصبح المعرفة عبئاً















المزيد.....

فيض المعلومات... عندما تصبح المعرفة عبئاً


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 00:12
المحور: المجتمع المدني
    


قبل بضعة عقود فقط، كانت أكبر التحديات التي تواجه الإنسان تتمثل في الوصول إلى المعلومات. فكانت الكتب لا تتوفر إلا في المكتبات، وكان البحث عن الدراسات العلمية يتطلب جهداً ووقتاً كبيرين، كما كانت الأخبار تنتقل ببطء مقارنة بما هو عليه الحال اليوم. إلا أن الثورة الرقمية قلبت هذا الواقع رأساً على عقب. فقد أصبحت المعلومات متاحة في كل وقت ومن أي مكان، وأصبح الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، ومؤخراً أنظمة الذكاء الاصطناعي، تنتج وتنشر يومياً كميات هائلة من البيانات تفوق بكثير قدرة الإنسان على استيعابها ومعالجتها. وهكذا تحولت المشكلة من ندرة المعلومات إلى فائض هائل منها. ويُعرف هذا الواقع بمصطلح فيض المعلومات، ويُعد اليوم أحد أبرز التحديات التي تواجه مجتمع المعرفة الحديث.

ولا يعني فيض المعلومات مجرد توافر كمية كبيرة من البيانات، بل يشير إلى الحالة التي تتجاوز فيها كمية المعلومات وسرعة تدفقها وتعقيدها القدرة الإدراكية للإنسان على معالجتها بطريقة فعالة. فالدماغ البشري يمتلك قدرة محدودة على الانتباه، وذاكرة عاملة محدودة، وطاقة محدودة لتحليل المعلومات وربطها ببعضها البعض. وهذه الحدود البيولوجية لم تتغير بصورة جوهرية عبر آلاف السنين، في حين أن حجم المعلومات المتاحة نما بصورة متسارعة، بل يمكن القول إنه ينمو نمواً أُسّياً. ومن هنا تنشأ فجوة متزايدة بين سرعة إنتاج المعلومات في العصر الرقمي وبين قدرة الإنسان الطبيعية على استيعابها.

ومن المفارقات أن ازدياد كمية المعلومات لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة المعرفة، بل قد يفضي إلى النقيض تماماً. فالشخص الذي يتلقى يومياً سيلاً من رسائل البريد الإلكتروني، والأخبار، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، ومقاطع الفيديو، والبودكاست، والأبحاث العلمية، والنصوص التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي، يقضي جزءاً كبيراً من وقته في فرز هذه المعلومات وتقييمها والتمييز بين المهم وغير المهم. وفي خضم هذا التدفق المستمر، تتراجع عملية بناء المعرفة الحقيقية، أي الفهم والتحليل والنقد والربط بين الأفكار. فيتحول الإنسان إلى مستهلك للمعلومات بدلاً من أن يكون منتجاً للمعرفة، ويعيش وهم الاطلاع الواسع، بينما لا يمتلك في الواقع سوى مجموعة متناثرة من الحقائق غير المترابطة.

وتتجلى هذه المشكلة بوضوح في المؤسسات التعليمية والجامعات. فطلاب اليوم يمتلكون من المصادر العلمية ما لم يكن يحلم به أساتذتهم قبل ثلاثين عاماً، يمتلكون وصولاً شبه غير محدود إلى الكتب الإلكترونية، والمكتبات الرقمية، والمحاضرات المصورة، والمنصات التعليمية، وأدوات الذكاء الاصطناعي. وإذا كانت الأجيال السابقة تعاني من صعوبة العثور على المصادر العلمية، فإن التحدي الحالي يكمن في اختيار المصادر الأكثر موثوقية وفائدة من بين آلاف المصادر المتاحة. وكثيراً ما يخلط الطلاب بين جمع المعلومات وبين عملية التعلم نفسها؛ فيقومون بحفظ الملفات، وتنزيل الأبحاث، وإنتاج الملخصات بواسطة الذكاء الاصطناعي، دون أن يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي للتفكير العميق أو الفهم الحقيقي للمحتوى. وهكذا يتحول التعلم تدريجياً من عملية فهم إلى عملية جمع للمعلومات.

ولا يقتصر هذا التحدي على الجامعات، بل يمتد أيضاً إلى بيئات العمل. فالموظف المعاصر ينتقل باستمرار بين رسائل البريد الإلكتروني، والاجتماعات الافتراضية، وتطبيقات المحادثة، والمنصات الرقمية المختلفة. وكل انتقال من مهمة إلى أخرى يستنزف جزءاً من الطاقة الذهنية ويحتاج إلى وقت لاستعادة التركيز. وقد أثبتت العديد من الدراسات أن كثرة المقاطعات وتعدد المهام يؤديان إلى انخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات الأخطاء. ومن ثم فإن توفر معلومات أكثر لا يعني بالضرورة اتخاذ قرارات أفضل، بل قد يجعل عملية اتخاذ القرار أكثر صعوبة وتعقيداً، وهي الظاهرة التي يصفها علماء النفس بـ إرهاق اتخاذ القرار.

وقد أدى التطور المتسارع في مجال الذكاء الاصطناعي إلى تعميق هذه الإشكالية. فالنماذج اللغوية الحديثة أصبحت قادرة على إنتاج مقالات وتقارير وتحليلات وملخصات في غضون ثوانٍ معدودة، الأمر الذي يرفع سرعة إنتاج المعلومات إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ البشرية. وفي الوقت نفسه، توفر هذه التقنيات أدوات فعالة لتلخيص المعلومات والبيانات وتنظيمها وتصنيفها وفق أهميتها واستخلاص الأفكار الرئيسة منها. ومن هنا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يمثل في آن واحد جزءاً من المشكلة وجزءاً من الحل. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في قدرة الإنسان على استخدامها بطريقة نقدية وواعية.

إن التحدي الحقيقي في عصرنا لم يعد يتمثل في الوصول إلى المعلومات، وإنما في حسن اختيارها. فالمعرفة لا تُقاس بعدد الكتب التي نقرأها أو المقالات التي نطلع عليها، بل بمدى قدرتنا على فهمها وتحليلها وتوظيفها. وقد تكون دراسة مصدر واحد بعناية وعمق أكثر قيمة من قراءة مئات المقالات بصورة سطحية. ولذلك أصبحت جودة المعلومات أهم من كميتها، وأصبح الفهم أسمى من مجرد الاستهلاك السريع للمحتوى.

وقد عبّر الاقتصادي والحائز على جائزة نوبل هربرت سايمون عن هذه الحقيقة منذ عقود عندما قال إن وفرة المعلومات تؤدي حتماً إلى ندرة الانتباه. ومن هنا أصبحت الانتباه المورد الأكثر ندرة في العصر الرقمي. فلم تعد الشركات والمؤسسات تتنافس فقط على الأسواق والعملاء، بل أصبحت تتنافس قبل كل شيء على انتباه الإنسان. ولهذا تصمم منصات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإخبارية، وخدمات البث الرقمي، خوارزمياتها بطريقة تجعل المستخدم يقضي أطول وقت ممكن أمام الشاشة. فكل إشعار، وكل عنوان مثير، وكل مقطع فيديو قصير، ما هو إلا محاولة جديدة للاستحواذ على بضع ثوانٍ من انتباهنا.

ولذلك فإن مواجهة فيض المعلومات لا تكون بإنتاج مزيد من المعلومات، وإنما بتنمية القدرة على الاختيار الواعي والقراءة النقدية والتركيز على ما هو جوهري. ويتطلب ذلك تقليل التعرض للمشتتات، وتنظيم أوقات متابعة الأخبار والبريد الإلكتروني، والاعتماد على مصادر موثوقة، وتخصيص فترات للعمل العميق بعيداً عن المقاطعات المستمرة. كما يتطلب تنمية ما يمكن تسميته بـ الكفاءة المعلوماتية، أي القدرة على التمييز بين المعلومات المهمة وغير المهمة، وبين المصادر الموثوقة والمصادر المشكوك فيها، وبين المعرفة الحقيقية والضجيج المعلوماتي.

إن فيض المعلومات ليس في جوهره مشكلة تقنية، بل هو مشكلة إنسانية ومعرفية. فالمجتمع الرقمي يتيح لنا كماً غير مسبوق من البيانات، لكن الدماغ البشري ما يزال يعمل وفق حدود بيولوجية لم تتغير. ولذلك فإن أهم مهارة في القرن الحادي والعشرين ليست جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات، بل اختيار المعلومات الصحيحة، وتحليلها بعقل نقدي، وتحويلها إلى معرفة راسخة وحكمة عملية. فالمورد النادر في عصرنا لم يعد المعلومات، وإنما الانتباه؛ ومن ينجح في إدارة انتباهه بوعي، سيكون الأقدر على التعلم والإبداع واتخاذ القرارات السليمة في عالم يزداد ازدحاماً بالمعلومات يوماً بعد يوم.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حركة البديل لأجل سوريا 13 موقف حول التطورات السياسية الأخيرة ...
- انكسر الشر
- السجن الذي عاد معنا
- الذين عادوا إلى القبيلة
- المدرسة قبل 100 عام
- بلا عنوان
- كيف يحتفل الألمان بيوم الأول من أيار؟
- حركة البديل لأجل سوريا 12 موقف حول السيناريوهات الممكنة
- حركة البديل لأجل سوريا 11 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 10 موقف
- بين الثقافة والسياسة
- حركة البديل لأجل سوريا 9 موقف
- مجتمع التفرد
- حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 3 موقف


المزيد.....




- سوريا: توقيف ثلاثة متهمين بجرائم تعذيب ممنهجة داخل المشافي ا ...
- بعد عامين على قرار لاهاي بـ-عدم شرعية الاحتلال-: الأمم المتح ...
- الأمم المتحدة تحذر من انفجار عنف المستوطنين وتواطؤ أمني إسرا ...
- بينهم طبيب برتبة عميد.. 3 متهمين بتعذيب معتقلين في مشافٍ عسك ...
- منظمة العفو الدولية تطالب بتحقيق مستقل في إعدام جنود في مالي ...
- 60% من إنسان.. -الدحيح- يروي الكواليس العنصرية لتأسيس الولاي ...
- تقدم الجيش السوداني.. ينعش آمال النازحين بالعودة إلى مدنهم ب ...
- مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يحذر من تفاقم عنف المستوطني ...
- وجوه التضامن لمواجهة حرائق جيروند... منشطون ومزارعون ومتطوعو ...
- استشهاد شخص إثر إطلاق نار بمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطيني ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - علي دريوسي - فيض المعلومات... عندما تصبح المعرفة عبئاً