أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد ياوز حسن نجم - من اقتصاد الطوابير إلى اقتصاد الكرامة - لماذا يجب أن يتحول العراق من توزيع الغذاء إلى توزيع الفرص، ومن البطاقة التموينية إلى الدخل الأساسي الشامل؟















المزيد.....

من اقتصاد الطوابير إلى اقتصاد الكرامة - لماذا يجب أن يتحول العراق من توزيع الغذاء إلى توزيع الفرص، ومن البطاقة التموينية إلى الدخل الأساسي الشامل؟


محمد ياوز حسن نجم
باحث ومحلل سياسي عراقي

(Mohammed Y. H. Omar)


الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 13:39
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


"كل نظام اقتصادي عظيم يولد من رحم أزمة... لكنه يموت عندما يحاول أن يحل مشاكل عصر جديد بأدوات عصر قديم."
هناك صورة لا تغادر ذاكرة العراقيين مهما مرت السنوات.
رجل يحمل البطاقة التموينية في جيبه.
يقف منذ الفجر في طابور طويل.
ينتظر أن يفتح الوكيل بابه.
ثم يعود إلى منزله بكيس من الطحين، وبعض الأرز، والسكر، والزيت.
في تلك اللحظة لم يكن أحد يفكر في الكرامة.
كان الجميع يفكر في البقاء على قيد الحياة.
ولهذا يجب أن نقول الحقيقة كاملة.
البطاقة التموينية لم تكن خطأً.
بل كانت واحدة من أهم أدوات إنقاذ المجتمع العراقي في أصعب مرحلة من تاريخه الحديث.
لقد أنقذت ملايين العائلات من الجوع خلال سنوات الحصار، ثم استمرت بعد عام 2003 لأنها أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، ولأن البديل لم يكن جاهزاً.
ومن الظلم أن نحاكمها خارج سياقها التاريخي.
لكن من الظلم أيضاً أن نحاول إدارة عراق عام 2026 بالأداة نفسها التي صُممت لعراق عام 1990.
وهنا تبدأ المشكلة.
عندما يتحول الحل إلى قيد
كل سياسة اقتصادية تولد لحل مشكلة محددة.
لكن السياسة التي لا تتطور...
تتحول مع الزمن إلى جزء من المشكلة.
البطاقة التموينية صُممت عندما كانت الدولة عاجزة عن توفير الغذاء عبر السوق.
أما اليوم...
فالمشكلة لم تعد نقص الغذاء.
بل نقص الفرص.
لم يعد العراقي يخشى فقط أن يجوع.
بل يخشى ألا يجد عملاً.
وأن يبقى معتمداً على الدولة طوال حياته.
وأن يرث أبناؤه الاعتماد نفسه.
وهكذا يتحول المجتمع من مجتمع ينتج...
إلى مجتمع ينتظر.
الطابور ليس مجرد مكان...
الطابور ثقافة.
حين يقف الإنسان ساعات للحصول على حقه...
فإن المشكلة ليست في الوقت الضائع فقط.
بل في الرسالة التي يتلقاها.
الدولة تقول له بطريقة غير مباشرة:
انتظر... وسنقرر نحن متى وكيف تحصل على ما تحتاجه.
ومع مرور السنوات...
لا يصبح الانتظار سلوكاً مؤقتاً.
بل يتحول إلى عقلية.
ننتظر الوظيفة.
وننتظر التعيين.
وننتظر المعاملة.
وننتظر الراتب.
وننتظر الدعم.
ثم نستغرب لماذا لا يبادر الشباب إلى تأسيس الشركات، ولماذا يخاف من المخاطرة.
الاقتصاد لا يصنعه المنتظرون.
الاقتصاد يصنعه المبادرون.

اقتصاد الطوابير
ليس هو الاقتصاد الذي توجد فيه طوابير فقط.
بل الاقتصاد الذي تجعل فيه الدولة نفسها بوابة لكل شيء.
إذا أردت أن تأكل...
انتظر.
إذا أردت وظيفة...
انتظر.
إذا أردت معاملة...
انتظر.
إذا أردت استثماراً...
انتظر.
ومع كل طابور...
تولد فرصة جديدة للبيروقراطية.
وأحياناً...
للفساد.

اقتصاد الكرامة
أما اقتصاد الكرامة...
فيبدأ من سؤال مختلف.
بدلاً من أن تسأل الدولة:
كيف أوزع أكياس الطعام؟
تسأل:
كيف أمنح المواطن حرية الاختيار؟
بدلاً من أن تحدد له نوع الزيت...
يعطيه النظام القدرة على شراء ما يناسب أسرته.
بدلاً من أن يفرض عليه مكاناً واحداً للاستلام...
يجعل السوق كلها مفتوحة أمامه.
وبدلاً من أن يكون المواطن تابعاً لسلسلة توزيع حكومية...
يصبح عميلاً حراً في اقتصاد حر.
وهذا هو الفرق بين الإعانة...
والتمكين.
لماذا الدخل الأساسي الشامل؟
لأن الدخل الأساسي الشامل لا يقول للمواطن:
هذا ما يجب أن تأكله.
بل يقول:
هذه حصتك من ثروة وطنك... وأنت أدرى باحتياجاتك.
الدولة لا تختار نيابة عنك.
ولا تعاملك كقاصر.
بل تثق بك.
وهذه الثقة...
هي بداية الكرامة.
البطاقة التموينية تعالج النتيجة...
أما الدخل الأساسي فيعالج الإنسان
البطاقة التموينية تسأل:
هل لديك طعام؟
أما الدخل الأساسي فيسأل:
هل لديك حرية الاختيار؟
الفرق بين السؤالين...
هو الفرق بين دولة تمنع المجاعة...
ودولة تبني المستقبل.
لكن... هل يعني ذلك إلغاء البطاقة التموينية غداً؟
قطعاً لا.
وهنا يقع كثيرون في الخطأ.
الإصلاح ليس زر تشغيل وإيقاف.
لا أحد عاقل يقترح أن يستيقظ العراقي غداً ليجد البطاقة التموينية قد اختفت.
هذا سيكون خطأً اقتصادياً واجتماعياً.
الانتقال يجب أن يكون تدريجياً، ومدروساً، ومبنياً على بيانات دقيقة.
يمكن البدء بالمحافظات الأكثر جاهزية.
ثم الفئات التي تمتلك هوية رقمية ومحافظ إلكترونية.
ثم التوسع تدريجياً.
كل خطوة تُقيّم قبل الانتقال إلى الخطوة التالية.
الإصلاح الذكي لا يصدم المجتمع.
بل يقوده.
ماذا سيحدث للاقتصاد؟
عندما يحصل ملايين العراقيين على دخل نقدي منظم بدلاً من سلة غذائية موحدة، ستتحرك الأسواق المحلية بصورة مختلفة.
سيرتفع الطلب على المنتجات ذات الجودة الأفضل.
وسيتنافس التجار على رضا المستهلك.
وسيتحول جزء أكبر من الإنفاق إلى الأسواق المحلية.
وهذا يخلق دورة اقتصادية أكثر حيوية من نظام يعتمد على توزيع سلع محددة.
لكن هذا لا يعني أن النجاح مضمون.
فإذا نُفذ البرنامج دون تمويل مستدام، أو دون سياسات للحد من التضخم، فقد تظهر آثار سلبية.
ولهذا فإن الدخل الأساسي ليس قراراً مالياً فقط، بل مشروع إصلاح اقتصادي متكامل.
ماذا تربح الدولة؟
قد يظن البعض أن الدولة ستخسر.
لكنها قد تربح أكثر مما تتوقع.
تقل تكاليف التخزين.
وتقل خسائر النقل.
وتنخفض نسبة الهدر.
وتصبح إدارة الدعم أكثر شفافية إذا ارتبطت بهوية رقمية ومحافظ إلكترونية.
وتتفرغ وزارة التجارة لتطوير الأسواق، بدلاً من إدارة واحدة من أعقد شبكات توزيع السلع في المنطقة.
ماذا يربح المواطن؟
يربح شيئاً لا يمكن وضعه في كيس.
الاختيار.
والاختيار هو جوهر الكرامة.
الأب الذي يعرف احتياجات أطفاله...
أقدر من أي موظف حكومي على تحديد ما يجب أن يشتريه.
والأم التي تدير ميزانية بيتها...
تعرف كيف توزع الموارد أكثر من أي نظام مركزي.
الثقة بالمواطن ليست مخاطرة.
إنها أساس الدولة الحديثة.
النفط ليس المشكلة... طريقة توزيعه هي المشكلة
كل العراقيين يتحدثون عن النفط.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
كم ننتج؟
بل:
كيف نحول هذه الثروة إلى أمن اقتصادي طويل الأجل؟
إذا بقي النفط يتحول إلى رواتب فقط...
فسنبقى ندور في الحلقة نفسها.
أما إذا تحول جزء منه إلى استثمار في الإنسان، والتعليم، والاقتصاد الرقمي، مع شبكة أمان اجتماعي ذكية مثل الدخل الأساسي، فإن النفط يصبح وسيلة لبناء المستقبل، لا مجرد مصدر لتمويل الحاضر.
العراق أمام مفترق طرق
لدينا خياران.
الخيار الأول:
أن نستمر في تحسين نظام صُمم قبل أكثر من ثلاثة عقود.
فننفق مزيداً من المال...
لنحافظ على الماضي.
أما الخيار الثاني:
أن نبني نظاماً جديداً...
يحترم الماضي...
لكنه لا يعيش فيه.
أنا لا أطلب من العراق أن ينسى البطاقة التموينية.
بل أطلب منه أن يشكرها.
ثم يسمح لها أن تتقاعد بشرف.
كما يتقاعد الجندي الذي أدى واجبه.
لا لأننا لم نعد نحترمه.
بل لأن المعركة تغيرت.
خاتمة
العراق لا يحتاج إلى الانتقال من البطاقة التموينية إلى الدخل الأساسي الشامل فقط.
بل يحتاج إلى الانتقال من فلسفة إدارة الأزمات...
إلى فلسفة بناء المستقبل.
فالبطاقة التموينية كانت ابنة زمن الحصار.
أما الدخل الأساسي الشامل، إذا صُمم بعناية، ومُوِّل باستدامة، ونُفذ تدريجياً ضمن منظومة هوية رقمية ومحفظة إلكترونية وإصلاح اقتصادي أوسع، فيمكن أن يكون أحد أعمدة عراق جديد.
عراق لا يقيس نجاحه بعدد الأكياس التي يوزعها...
بل بعدد الفرص التي يصنعها.
ولا بعدد الطوابير أمام الوكلاء...
بل بعدد الشركات التي يفتتحها الشباب.
ولا بعدد المواطنين الذين ينتظرون دورهم...
بل بعدد المواطنين الذين يصنعون مستقبلهم بأيديهم.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل نجحت البطاقة التموينية؟
لقد نجحت في زمنها.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو:
هل نملك الشجاعة لنصنع النظام الذي يحتاجه العراق في العقود القادمة، أم سنبقى أسرى النظام الذي أنقذنا بالأمس؟
لأن الأمم لا تُقاس بقدرتها على الحفاظ على حلول الماضي...
بل بقدرتها على ابتكار حلول المستقبل.



#محمد_ياوز_حسن_نجم (هاشتاغ)       Mohammed_Y._H._Omar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من البيت الأبيض إلى بغداد: هل تبدأ نهضة العراق بعقلية رجل أع ...
- العراق لا يحتاج حكومة إلكترونية فقط... بل يحتاج عقدًا اجتماع ...
- العراق ليس مركبة بإطار واحد... بل دولة تحتاج إلى ثمانية إطار ...
- الحصانة... سلاحٌ ذو حدين: أيُّ الحدَّين استغله السياسيون الع ...
- نهضة العراق الاقتصادية: عشرة إصلاحات للاندماج الكامل في الاق ...
- بغداد... مدينة ألف ليلة وليلة، هل تحتاج إلى ألف صولة وصولة ل ...
- لماذا لا يشبع الفاسد العراقي؟ أسباب تفشي الفساد وغياب الحياء ...
- ما بعد صناديق الاقتراع هل حان الوقت لبناء ديمقراطية عراقية ج ...
- العراق بين الاقتصاد الريعي واقتصاد المستقبل: هل حان وقت التح ...
- خطة التحول الاقتصادي الطارئ للعراق (2026 – 2030) من الاقتصاد ...
- إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر
- -إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها- هل الحَ ...
- السلاح والعقيدة والدولة: هل يمكن بناء عراق قوي دون إلغاء اله ...
- بناء السيناريوهات المستقبلية: كيف يتوقع المحلل اتجاه الأحداث ...
- الرأسمالية الاجتماعية: هل تكون الأيديولوجية التي يحتاجها الع ...
- وعي أمارجي: كيف يفكر السياسي البراغماتي في العراق الحديث؟
- استشراف المستقبل السياسي: كيف يبني المحلل السيناريوهات؟ وعي ...


المزيد.....




- أسعار النفط تواصل انخفاضها وسط آمال باستئناف المفاوضات بين أ ...
- محتجون يغلقون مجمعا صناعيا لإنتاج وإمداد الغاز الطبيعي في لي ...
- -مصدر الإماراتية- و-إي بي سي جي- تطلقان مشروعي شراكة
- تحركات احتجاجية للمودعين أمام عدد من المصارف شرق بيروت (فيدي ...
- “الزراعة” تكشف عن ابتكار علمي بمعهد بحوث القطن لإعادة تدوير ...
- ليبيا.. توقف إنتاج حقل الفيل بالكامل وتحذير من ظلام واسع
- مؤسسة النفط الليبية تعلن وقف الإنتاج في حقل الفيل بعد اقتحام ...
- للمرة الأولى في تاريخه.. مركز دبي المالي العالمي يتخطى 10 آل ...
- سعر خام -برنت- يهبط دون 83 دولارا للبرميل لأول مرة منذ 13 يو ...
- النفط الليبية تلوح بإعلان القوة القاهرة بعد إغلاق مجمع مليتة ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد ياوز حسن نجم - من اقتصاد الطوابير إلى اقتصاد الكرامة - لماذا يجب أن يتحول العراق من توزيع الغذاء إلى توزيع الفرص، ومن البطاقة التموينية إلى الدخل الأساسي الشامل؟