أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - محمد ياوز حسن نجم - لماذا لا يشبع الفاسد العراقي؟ أسباب تفشي الفساد وغياب الحياء السياسي والجماعي، ورؤية للحد منه مستقبلاً.














المزيد.....

لماذا لا يشبع الفاسد العراقي؟ أسباب تفشي الفساد وغياب الحياء السياسي والجماعي، ورؤية للحد منه مستقبلاً.


محمد ياوز حسن نجم
باحث ومحلل سياسي عراقي

(Mohammed Y. H. Omar)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 12:58
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


يطرح العراقيون سؤالاً يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في داخله أحد أكثر الأسئلة تعقيداً في علم الاجتماع والاقتصاد السياسي: لماذا لا يشبع الفاسد العراقي؟ لماذا يستمر في نهب المال العام وهو يعلم أنه لن يستطيع إنفاقه طوال حياته، وربما لن يستطيع حتى عدّه؟
الإجابة ليست أن الفاسد يحتاج إلى المال، بل لأنه أصبح أسيراً لمنظومة تجعل المال رمزاً للقوة، والحصانة، والسيطرة، أكثر من كونه وسيلة للعيش. فحين يغيب القانون، يتحول المال إلى أداة لشراء الولاءات، والإعلام، والانتخابات، وحتى الحماية القضائية. لذلك فإن السرقة لا تتوقف عندما تُشبع الحاجة، بل عندما تنتهي القدرة على الإفلات من العقاب.
الفساد ليس انحرافاً فردياً... بل نظام اجتماعي
تُظهر الدراسات في علم الاجتماع أن الفساد يصبح ثقافة عندما تتحول الرشوة والمحسوبية واستغلال المنصب إلى سلوك "طبيعي" داخل المؤسسات. عندها لا يشعر الفرد بأنه يرتكب جريمة، بل يرى نفسه يفعل ما يفعله الجميع.
في هذه البيئة، يصبح الشخص النزيه هو الاستثناء، بينما يصبح الفاسد جزءاً من النظام نفسه.
لماذا لا يشعر الفاسد بالخجل؟
في المجتمعات السليمة، يوجد ما يسمى بـ"الحياء الاجتماعي"، أي خوف الإنسان من نظرة المجتمع إليه. أما عندما يختفي هذا الشعور، فإن الفاسد قد يظهر في الإعلام، ويشارك في المناسبات، ويخوض الانتخابات، بل ويتحدث عن الوطنية والإصلاح دون شعور بالتناقض.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:
غياب العقوبة القانونية.
ضعف الإدانة المجتمعية.
حماية الأحزاب والجماعات لمصالح أعضائها.
تطبيع الفساد حتى أصبح جزءاً من الحياة اليومية.
لماذا يستمر في السرقة رغم امتلاكه المليارات؟
علم النفس يفسر ذلك بعدة دوافع:
المال يتحول إلى وسيلة للسيطرة وليس للاستهلاك.
الجشع لا يعرف نقطة اكتفاء.
الخوف من فقدان النفوذ يدفع إلى جمع المزيد.
المنافسة بين شبكات الفساد تجعل كل طرف يسعى لامتلاك أكثر من الآخر.
غياب العقوبة يزيل أي رادع أخلاقي أو قانوني.
لذلك، فإن المشكلة ليست في حجم المال، بل في غياب الحدود النفسية والقانونية.
لماذا انتشر الفساد في العراق؟
لا يمكن تفسير الفساد بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل عوامل متعددة، منها:
ضعف مؤسسات الدولة بعد 2003.
المحاصصة السياسية التي جعلت الولاء للحزب يسبق الولاء للدولة.
الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، حيث تصبح السيطرة على الدولة طريقاً للثروة.
ضعف القضاء وأجهزة الرقابة في مواجهة النفوذ السياسي.
تراجع جودة التعليم والتربية المدنية.
هجرة الكفاءات وتراجع دور النخب المستقلة.
ضعف حماية المبلغين والصحافة الاستقصائية.
غياب الحياء السياسي
في الديمقراطيات الراسخة، قد يستقيل مسؤول بسبب خطأ إداري بسيط حفاظاً على سمعته.
أما عندما يغيب الحياء السياسي، فإن بعض المسؤولين قد يبقون في مناصبهم رغم اتهامات خطيرة أو فشل واضح، لأن معيار البقاء يصبح القوة السياسية لا ثقة المواطنين.
هل الفساد وراثي؟
الإجابة العلمية: لا.
لا يوجد جين للفساد.
لكن الفساد ينتقل ثقافياً عندما يرى الأطفال أن النجاح يأتي عبر الواسطة، وأن القانون لا يطبق على الجميع، وأن المال أهم من الكفاءة.
وهكذا يعيد كل جيل إنتاج السلوك نفسه.
كيف يمكن كسر الحلقة؟
مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات، بل بإعادة تصميم النظام نفسه:
استقلال القضاء بشكل كامل.
رقمنة جميع الخدمات الحكومية وتقليل الاحتكاك المباشر.
شفافية العقود والإنفاق العام.
إعلان الذمة المالية ومراجعتها دورياً.
حماية المبلغين عن الفساد.
تعزيز الإعلام الاستقصائي الحر.
إصلاح النظام الانتخابي للحد من شراء الأصوات.
ترسيخ التربية على النزاهة منذ المدرسة.
تمكين المجتمع المدني من الرقابة.
استرداد الأموال المنهوبة وملاحقة الفاسدين دولياً.
الخلاصة
الفاسد العراقي لا يسرق لأنه جائع، بل لأنه يعمل داخل منظومة جعلت المال مرادفاً للسلطة، وجعلت الإفلات من العقاب أكثر احتمالاً من المحاسبة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يشبع الفاسد؟ بل: لماذا ما زالت البيئة تسمح له بأن لا يشبع؟
إن بناء عراق قوي لا يبدأ من زيادة الإيرادات، بل من بناء مؤسسات تجعل النزاهة هي الطريق الأسهل، وتجعل الفساد أعلى كلفة من أي مكسب يمكن أن يحققه. وعندما يصبح القانون أقوى من النفوذ، والعار الاجتماعي أقوى من المكاسب الشخصية، سيكتشف الجميع أن الفساد ليس قدراً، بل خياراً يمكن للمجتمع والدولة أن يمنعاه.



#محمد_ياوز_حسن_نجم (هاشتاغ)       Mohammed_Y._H._Omar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد صناديق الاقتراع هل حان الوقت لبناء ديمقراطية عراقية ج ...
- العراق بين الاقتصاد الريعي واقتصاد المستقبل: هل حان وقت التح ...
- خطة التحول الاقتصادي الطارئ للعراق (2026 – 2030) من الاقتصاد ...
- إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر
- -إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها- هل الحَ ...
- السلاح والعقيدة والدولة: هل يمكن بناء عراق قوي دون إلغاء اله ...
- بناء السيناريوهات المستقبلية: كيف يتوقع المحلل اتجاه الأحداث ...
- الرأسمالية الاجتماعية: هل تكون الأيديولوجية التي يحتاجها الع ...
- وعي أمارجي: كيف يفكر السياسي البراغماتي في العراق الحديث؟
- استشراف المستقبل السياسي: كيف يبني المحلل السيناريوهات؟ وعي ...


المزيد.....




- خطط منتجعات مدعومة من كوشنر في ألبانيا.. ماذا يقول الألبان؟ ...
- مسؤول إيراني: التفتيش الأممي على مواقعنا النووية يُحسم في إط ...
- سنتكوم: القضاء على قيادي بارز في داعش بعد غارة جوية في سوريا ...
- مقترح ترامب بشأن سوريا ولبنان: هل تسند مهمة مواجهة حزب الله ...
- أنفاق كفرتبنيت تحت الحصار.. إسرائيل تخيّر حزب الله بين الاست ...
- إدانة مساعد سابق لسياسي من حزب البديل لألمانيا بالتجسس للصين ...
- الاستخبارات الألمانية تقف بالمرصاد للأنشطة التجسسية الروسية ...
- لافروف: نتوقع انضمام دول الخليج إلى مبادرة موسكو حول المفهوم ...
- نتنياهو ينهي 98 جلسة شهادة في محاكمته ويصف السنوات العشر الم ...
- فيديو يهز مصر.. محاولة استدراج طفلة لفعل فاضح


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - محمد ياوز حسن نجم - لماذا لا يشبع الفاسد العراقي؟ أسباب تفشي الفساد وغياب الحياء السياسي والجماعي، ورؤية للحد منه مستقبلاً.