أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - محمد ياوز حسن نجم - وعي أمارجي: كيف يفكر السياسي البراغماتي في العراق الحديث؟















المزيد.....

وعي أمارجي: كيف يفكر السياسي البراغماتي في العراق الحديث؟


محمد ياوز حسن نجم

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 11:42
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


البراغماتية السياسية: فن تغيير المواقف لتحقيق النتائج
في عالم السياسة، لا تتحرك الدول والأحزاب دائماً وفق المبادئ المعلنة أو الشعارات الأيديولوجية الثابتة، بل كثيراً ما تُدار السياسة بمنطق أكثر تعقيداً وواقعية، يقوم على تحقيق النتائج لا الحفاظ على المواقف الجامدة. ومن هنا ظهرت البراغماتية السياسية بوصفها واحدة من أكثر المدارس تأثيراً في فهم السلوك السياسي الحديث، سواء على مستوى الدول الكبرى أو داخل الأنظمة السياسية المعقدة مثل العراق.
فالسياسة، كما تُمارس في الواقع، ليست ساحة مثالية للصراع الأخلاقي المجرد، بل هي ميدان للمصالح والتوازنات والقدرة على التكيف مع المتغيرات. ولهذا، فإن السياسي البراغماتي لا يسأل فقط: “ما هو الموقف الصحيح نظرياً؟”، بل يسأل أيضاً: “ما هو القرار الذي يحقق أفضل نتيجة ممكنة في هذه اللحظة؟”
ما معنى البراغماتية السياسية؟
البراغماتية السياسية هي فلسفة تقوم على تقييم الأفكار والمواقف وفق نتائجها العملية، لا وفق مثاليتها النظرية فقط. وهي ترى أن نجاح القرار السياسي يُقاس بقدرته على تحقيق الاستقرار أو النفوذ أو المصلحة العامة، حتى لو تطلب ذلك تغيير المواقف أو إعادة بناء التحالفات.
في الفكر الغربي، ارتبطت البراغماتية بالتجربة الأمريكية الحديثة، وبالمدارس الواقعية في العلاقات الدولية، حيث أصبحت “المصلحة” معياراً أساسياً للحكم على السياسات.
ولهذا، فإن البراغماتي لا يعتبر تغيير المواقف ضعفاً بالضرورة، بل قد يراه شكلاً من أشكال الذكاء السياسي والقدرة على قراءة التحولات.
البراغماتية بين المبدأ والمصلحة
أحد أكثر الأسئلة إثارة للجدل في السياسة هو:
هل يمكن للسياسي أن يغير مواقفه دون أن يفقد مصداقيته؟
الإجابة البراغماتية تقول: نعم، إذا كان التغيير يخدم هدفاً أكبر أو يمنع خسارة أكبر.
في الديمقراطيات الغربية، من الطبيعي أن تغيّر الأحزاب تحالفاتها، أو أن يعيد السياسي صياغة خطابه وفق المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية. أما في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع العاطفي أو الأيديولوجي، فإن تغيير المواقف يُفسَّر غالباً على أنه خيانة أو تناقض.
وفي العراق، تظهر هذه الإشكالية بوضوح، لأن البيئة السياسية العراقية تعيش تناقضاً دائماً بين الخطاب العقائدي من جهة، والواقع البراغماتي من جهة أخرى.
البراغماتية السياسية في العراق
السياسة العراقية بعد عام 2003 تُعد واحدة من أكثر البيئات السياسية البراغماتية في المنطقة، حتى وإن كانت الخطابات العلنية توحي بعكس ذلك.
فالتحالفات السياسية في العراق كثيراً ما تتغير وفق:
موازين القوة
توزيع النفوذ
الضغوط الإقليمية
المصالح الاقتصادية
حسابات البقاء السياسي
ولهذا، فإن الخصوم قد يتحولون إلى حلفاء خلال فترة قصيرة، كما يمكن أن تنهار التحالفات بسرعة عندما تتغير المصالح.
المحلل السياسي المحترف لا يقرأ هذه التحولات بعاطفة، بل يحاول فهم السؤال الأهم:
من المستفيد من هذا التغيير؟
وهنا تصبح البراغماتية مفتاحاً لفهم كثير من القرارات السياسية العراقية التي تبدو متناقضة على السطح، لكنها منطقية إذا قُرئت من زاوية المصالح.
لماذا تنجح البراغماتية أحياناً؟
البراغماتية تنجح لأنها تمنح السياسي مرونة عالية في التعامل مع الواقع المتغير.
في عالم مليء بالأزمات الاقتصادية والتحولات الدولية والصراعات الإقليمية، يصبح التمسك الجامد بالمواقف أحياناً عبئاً يهدد الاستقرار أو النفوذ.
ولهذا تعتمد الدول الكبرى غالباً على سياسات براغماتية، حتى عندما ترفع شعارات أخلاقية أو أيديولوجية.
فالولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وحتى القوى الإقليمية، تتعامل مع السياسة بمنطق “المصلحة أولاً”، مع اختلاف الخطابات المستخدمة لتبرير ذلك أمام الرأي العام.
وفي العراق، لا يمكن لأي تيار سياسي أن يستمر دون قدرة على التكيف مع التحولات الداخلية والخارجية.
الفرق بين البراغماتية والانتهازية
لكن البراغماتية ليست دائماً قيمة إيجابية.
فهناك فرق مهم بين البراغماتية السياسية والانتهازية السياسية.
البراغماتية تعني:
المرونة
الواقعية
القدرة على التكيف
تقديم النتائج على الشعارات
أما الانتهازية فتعني:
التخلي الكامل عن المبادئ
البحث عن المكاسب الشخصية فقط
تغيير المواقف دون رؤية أو مشروع
السياسي البراغماتي قد يغير أدواته، لكنه لا يفقد بوصلته الاستراتيجية. أما الانتهازي، فهو مستعد للتحالف مع أي طرف فقط من أجل البقاء.
وهنا تكمن أزمة كثير من الأنظمة السياسية الهشة، حيث تتحول البراغماتية من أداة لإدارة الدولة إلى وسيلة لإدامة السلطة.
العقل السياسي الغربي والعقل السياسي العراقي
في الغرب، تُدار البراغماتية غالباً داخل مؤسسات مستقرة وقوانين واضحة، مما يجعل تغيير السياسات جزءاً من عملية سياسية طبيعية.
أما في العراق، فإن ضعف المؤسسات، وهيمنة الشخصنة، وتأثير الولاءات الفرعية، تجعل التحولات السياسية تبدو أحياناً فوضوية وغير مفهومة للرأي العام.
ولهذا، فإن بناء “عقل سياسي عراقي جديد” يتطلب الانتقال من التفكير العاطفي إلى التفكير التحليلي القادر على فهم المصالح والتوازنات.
السياسة ليست قصة أبطال وأشرار، بل شبكة معقدة من المصالح والضغوط والتحالفات.
حزب أمارجي الليبرالي والبراغماتية السياسية
في هذا السياق، يمكن قراءة تجربة حزب أمارجي الليبرالي بوصفها محاولة لبناء خطاب سياسي حديث يجمع بين المبادئ الليبرالية والواقعية السياسية.
فالتيارات الليبرالية في العراق تواجه تحدياً مزدوجاً:
الحفاظ على الهوية الفكرية
والقدرة على العمل داخل بيئة سياسية معقدة
إن أي مشروع إصلاحي أو ليبرالي لا يستطيع التأثير إذا بقي أسيراً للخطاب المثالي المنعزل عن الواقع. وفي المقابل، فإن الذوبان الكامل داخل لعبة المصالح يفقد المشروع معناه الأخلاقي والسياسي.
ومن هنا تظهر أهمية “البراغماتية الواعية”، أي القدرة على:
بناء التحالفات
قراءة المزاج الشعبي
التكيف مع المتغيرات
دون التخلي عن المبادئ الأساسية للدولة المدنية والحريات والإصلاح المؤسسي
وفي حال نجحت القوى الليبرالية العراقية في تحقيق هذا التوازن، فقد تصبح جزءاً مؤثراً في إعادة تشكيل الحياة السياسية العراقية خلال السنوات القادمة.
هل البراغماتية ضرورة أم خطر؟
الحقيقة أن البراغماتية يمكن أن تكون ضرورة لبناء الاستقرار، كما يمكن أن تتحول إلى خطر إذا أصبحت مجرد غطاء لتبرير الفساد أو غياب المبادئ.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
“هل يجب أن نكون براغماتيين؟”
بل:
“كيف نكون براغماتيين دون أن نفقد الاتجاه؟”
السياسة الناجحة ليست سياسة الشعارات فقط، ولا سياسة المصالح المجردة فقط، بل هي القدرة على تحقيق التوازن بين المبادئ والواقع.
خاتمة
البراغماتية السياسية ليست خيانة للمبادئ كما يصورها البعض، وليست أيضاً تبريراً مفتوحاً لكل التنازلات. إنها فن إدارة الواقع، وفهم اللحظة السياسية، والقدرة على تحقيق النتائج وسط عالم متغير ومعقد.
وفي العراق، حيث تتشابك الصراعات الداخلية بالتأثيرات الإقليمية والدولية، تصبح البراغماتية جزءاً أساسياً من فهم السياسة الحديثة.
لكن المستقبل لن يكون فقط لمن يملك القدرة على المناورة، بل لمن يستطيع الجمع بين الواقعية والرؤية، وبين المرونة والهوية، وبين المصالح وبناء الدولة.
فالدول لا تُدار بالعواطف وحدها، بل بالعقول القادرة على فهم الواقع وتغييره في الوقت نفسه.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استشراف المستقبل السياسي: كيف يبني المحلل السيناريوهات؟ وعي ...


المزيد.....




- شاهد.. تفاصيل جديدة تكشف مخططًا أوسع لهجوم مسجد سان دييغو
- كبير جواسيس أوروبا يعلق على وضع ساحات المعارك بأوكرانيا وموق ...
- مصر.. فيديو رجل ضخم وما فعله بشارع يلاقي رواجا والأمن يعلق
- ساعات حاسمة بالشرق الأوسط: جهود دبلوماسية مكثفة في طهران لمن ...
- خمس دقائق من التمارين يومياً قد تساعد ملايين الأشخاص على الع ...
- قائد الجيش الباكستاني يزور إيران ويجتمع مع عراقجي
- استعدادا لإرسال بعثات مأهولة إلى القمر... الصين تطلق مهمة -ش ...
- إيران تتهم أمريكا بوضع -مطالب مفرطة- تعطل مفاوضات إنهاء الحر ...
- الساحل الأفريقي..حين تفشل الدولة وتقوى المليشيات
- غرين: ترمب قد يستغل حرب إيران لإلغاء الانتخابات الرئاسية


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - محمد ياوز حسن نجم - وعي أمارجي: كيف يفكر السياسي البراغماتي في العراق الحديث؟