أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - محمد ياوز حسن نجم - العراق لا يحتاج حكومة إلكترونية فقط... بل يحتاج عقدًا اجتماعيًا رقميًا جديدًا















المزيد.....

العراق لا يحتاج حكومة إلكترونية فقط... بل يحتاج عقدًا اجتماعيًا رقميًا جديدًا


محمد ياوز حسن نجم
باحث ومحلل سياسي عراقي

(Mohammed Y. H. Omar)


الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 15:06
المحور: تقنية المعلمومات و الكومبيوتر
    


الهوية الرقمية الموحدة، والدخل الأساسي الشامل، والعملة الرقمية الوطنية... هل يمكن أن تكون السلاح الذي يهزم الفساد الذي عجزت عنه كل الحكومات؟
بعد أكثر من عشرين عامًا على تغيير النظام السياسي، ما زال العراقي يقف في الطابور نفسه، يحمل الملف نفسه، ويختم الورقة نفسها، ويبحث عن الموظف نفسه، ويدفع الرشوة نفسها، ثم يعود إلى منزله مقتنعًا بأن "النظام" هو المشكلة.
لكن الحقيقة أكثر قسوة.
المشكلة ليست الموظف وحده، ولا الوزير وحده، ولا حتى الفاسد وحده.
المشكلة أن النظام نفسه صُمم بطريقة تجعل الفساد هو المسار الأسهل، بينما تصبح النزاهة هي الاستثناء.
ولذلك، فإن تغيير الأشخاص لن يغيّر النتائج، ما دام النظام نفسه ينتج الفساد كل صباح.
عندما يصبح الفساد جزءًا من تصميم الدولة
الفساد لا يولد من فراغ.
إنه يولد عندما توجد:
قواعد بيانات منفصلة.
سجلات ورقية.
هويات متعددة.
نقد ورقي يصعب تتبعه.
مؤسسات لا تتبادل المعلومات.
مواطن يراجع عشر دوائر للحصول على خدمة واحدة.
كل خطوة إضافية بين المواطن والدولة تعني فرصة إضافية للرشوة أو الابتزاز أو المحسوبية.
ولهذا فإن الدول المتقدمة لم تبدأ بمحاربة الفاسدين فقط، بل بدأت بمحاربة البيئة التي تسمح للفساد بالنمو.
ما هي الهوية الرقمية الموحدة؟
الهوية الرقمية ليست مجرد بطاقة إلكترونية.
إنها نسخة رقمية موثوقة من شخصية المواطن.
تتضمن بياناته الأساسية، وتستخدم للدخول إلى جميع الخدمات الحكومية والخاصة بأمان، دون الحاجة إلى عشرات الوثائق المختلفة.
بمعنى آخر...
بدلاً من أن تمتلك:
هوية أحوال
بطاقة سكن
بطاقة تموينية
بطاقة ضريبية
رقمًا مصرفيًا
ملفات متفرقة
يصبح لديك معرّف رقمي واحد يربط كل هذه الخدمات.
وهذا ما فعلته دول مثل إستونيا.
إستونيا... الدولة التي اختفت منها الطوابير
بعد استقلالها، لم تكن إستونيا دولة غنية.
لكنها اتخذت قرارًا جريئًا:
لن نبني دولة ورقية...
بل سنبني دولة رقمية.
اليوم يستطيع المواطن هناك تأسيس شركة خلال دقائق، والتصويت إلكترونيًا، ودفع الضرائب عبر الإنترنت، والوصول إلى سجله الصحي دون مراجعة الدوائر الحكومية.
النتيجة؟
انخفاض كبير في البيروقراطية، وتحسن في كفاءة الخدمات، وتوفير وقت وتكاليف على المواطنين والدولة.
الدرس ليس أن إستونيا بلا مشكلات، بل أن رقمنة الإجراءات قللت الاحتكاك المباشر الذي يغذي كثيرًا من أشكال الفساد الإداري.
ما هي العملة الرقمية الوطنية؟
عندما يسمع البعض عبارة "عملة رقمية"، يتخيل بيتكوين.
وهذا خطأ.
البيتكوين عملة مشفرة لا تصدرها الحكومات.
أما العملة الرقمية الوطنية (Central Bank Digital Currency - CBDC) فهي نسخة رقمية من العملة الرسمية، يصدرها البنك المركزي نفسه.
أي أنها ليست عملة جديدة، وإنما شكل جديد للدينار.
دينار ورقي...
ودينار رقمي.
القيمة واحدة.
لكن طريقة التداول مختلفة.
لماذا تفكر الدول في العملات الرقمية؟
لأنها تستطيع:
تسريع المدفوعات.
تخفيض تكاليف التحويل.
مكافحة غسل الأموال.
تحسين الشمول المالي.
تقليل الاعتماد على النقد الورقي.
رفع كفاءة السياسة النقدية.
وقد بدأت عشرات البنوك المركزية حول العالم تجارب أو مراحل تطبيق لعملاتها الرقمية، بينما أطلقت دول مثل جزر البهاما ونيجيريا مشاريع وطنية، وتجري دول أخرى تجارب واسعة قبل التعميم.
لكن نجاح هذه المشاريع يعتمد على التصميم، وحماية الخصوصية، وثقة المواطنين.
ما هو نظام الدخل الأساسي الشامل؟
ربما يكون أكثر المصطلحات إثارة للجدل.
الدخل الأساسي الشامل (Universal Basic Income) هو نظام تمنح فيه الدولة مبلغًا ماليًا دوريًا للأفراد وفق نموذج محدد، بهدف توفير حد أدنى من الأمان الاقتصادي.
تختلف النماذج من دولة إلى أخرى:
بعضها يمنحه لجميع المواطنين.
وبعضها يقتصر على فئات معينة.
وبعضها يُختبر في مناطق محددة قبل تعميمه.
الفكرة ليست أن يعيش الناس بلا عمل.
بل أن لا يسقط أحد تحت خط الفقر المدقع بسبب ظروف خارجة عن إرادته.
هل نجح هذا النظام؟
أجريت تجارب في دول ومناطق متعددة، منها فنلندا، وبعض المدن في كندا والولايات المتحدة، وبرامج مشابهة في دول أخرى.
وأظهرت كثير من الدراسات نتائج متباينة، لكنها أشارت في بعض الحالات إلى تحسن في الصحة النفسية، والاستقرار المالي، والشعور بالأمان، دون أن تثبت بصورة قاطعة انخفاضًا عامًا في الرغبة بالعمل كما كان يخشى بعض المنتقدين.
وهذا يعني أن تصميم البرنامج أهم من مجرد وجوده.
ماذا لو اجتمعت هذه العناصر الثلاثة؟
تخيل العراق بعد عشر سنوات.
كل مواطن يمتلك هوية رقمية.
ولديه محفظة رقمية رسمية.
وجميع المدفوعات الحكومية تتم مباشرة.
لا موظف يستلم الأموال.
ولا وسيط.
ولا قائمة أسماء مكتوبة بخط اليد.
ولا "فضائيون".
ولا راتب يذهب إلى شخص متوفى.
كل دينار يخرج من خزينة الدولة يصبح قابلاً للتتبع والمراجعة.
ليس لأن الموظف أصبح ملاكًا...
بل لأن النظام لم يعد يسمح له بأن يكون شيطانًا.
أين يختفي الفساد؟
لن يختفي بالكامل.
لكن فرصه ستتقلص.
فعندما تصبح الرواتب، والإعانات، والعقود، والمدفوعات، والضرائب، والجمارك، والمشتريات الحكومية رقمية ومترابطة، يصبح إخفاء الفساد أكثر صعوبة، وتزداد قدرة أجهزة الرقابة على اكتشافه.
ولكن...
هنا تبدأ المشكلة العراقية.
لدينا سياسيون يريدون حكومة إلكترونية...
لكنهم لا يريدون شفافية إلكترونية.
يريدون قواعد بيانات...
لكن ليس قواعد بيانات تكشف المحسوبيات.
يريدون تطبيقات هاتف...
لكن ليس نظامًا يمنع سرقة المال العام.
وكأنهم يريدون تحويل الفساد من الورق إلى الشاشة...
لا القضاء عليه.
العراق لا يحتاج تطبيقًا جديدًا...
بل يحتاج فلسفة دولة جديدة.
دولة يكون فيها المواطن هو مركز النظام.
لا الحزب.
ولا الطائفة.
ولا الميليشيا.
ولا العشيرة.
العقد الاجتماعي الرقمي
العراق يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على عشرة أعمدة:
هوية رقمية وطنية موحدة.
محفظة رقمية لكل مواطن.
عملة رقمية يصدرها البنك المركزي.
حكومة رقمية مترابطة بالكامل.
سجل عقاري رقمي.
سجل تجاري موحد.
نظام صحي وتعليمي رقمي.
منصة وطنية للشكاوى والمساءلة.
حماية صارمة للخصوصية والبيانات.
تشريعات حديثة تضمن الشفافية والمساءلة.
الخاتمة
العراق ليس دولة فقيرة...
بل دولة تُهدر ثرواتها داخل منظومة صُممت بحيث يضيع فيها المال قبل أن يصل إلى المواطن.
ولو أردنا فعلًا محاربة الفساد، فعلينا أن نتوقف عن مطاردة الفاسدين فقط، وأن نبدأ بإعادة تصميم النظام الذي يصنعهم.
فالفساد ليس مرضًا في الأشخاص فقط...
بل خلل في هندسة الدولة.
وعندما تصبح الدولة رقمية، والهوية رقمية، والمال رقميًا، والخدمات مترابطة، والمساءلة قائمة على البيانات، فإن الفاسد لن يختفي لأنه تاب...
بل لأنه لم يعد يجد بابًا يدخل منه.
وربما تكون هذه هي المرة الأولى في تاريخ العراق التي لا نحارب الفساد بالشعارات، ولا باللجان، ولا بالوعود الانتخابية...
بل بالهندسة، والبيانات، والتكنولوجيا، ودولة تعرف مواطنيها أكثر مما يعرف الفاسد ثغراتها.



#محمد_ياوز_حسن_نجم (هاشتاغ)       Mohammed_Y._H._Omar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق ليس مركبة بإطار واحد... بل دولة تحتاج إلى ثمانية إطار ...
- الحصانة... سلاحٌ ذو حدين: أيُّ الحدَّين استغله السياسيون الع ...
- نهضة العراق الاقتصادية: عشرة إصلاحات للاندماج الكامل في الاق ...
- بغداد... مدينة ألف ليلة وليلة، هل تحتاج إلى ألف صولة وصولة ل ...
- لماذا لا يشبع الفاسد العراقي؟ أسباب تفشي الفساد وغياب الحياء ...
- ما بعد صناديق الاقتراع هل حان الوقت لبناء ديمقراطية عراقية ج ...
- العراق بين الاقتصاد الريعي واقتصاد المستقبل: هل حان وقت التح ...
- خطة التحول الاقتصادي الطارئ للعراق (2026 – 2030) من الاقتصاد ...
- إذا الشعب أراد الموت، دائماً يستجيب القدر
- -إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها- هل الحَ ...
- السلاح والعقيدة والدولة: هل يمكن بناء عراق قوي دون إلغاء اله ...
- بناء السيناريوهات المستقبلية: كيف يتوقع المحلل اتجاه الأحداث ...
- الرأسمالية الاجتماعية: هل تكون الأيديولوجية التي يحتاجها الع ...
- وعي أمارجي: كيف يفكر السياسي البراغماتي في العراق الحديث؟
- استشراف المستقبل السياسي: كيف يبني المحلل السيناريوهات؟ وعي ...


المزيد.....




- مصادر معدن -اليود- الغذائية..ما أبرزها؟
- تفشي داء الفيالقة في نيويورك يصيب 60 شخصا والبكتيريا تظهر في ...
- أقرب إلى الموت منها للحياة.. فأر صغير يعيش أعلى -سقف العالم- ...
- عاش قبل 550 مليون عام.. أقدم حيوان برأس أظهر تفضيلًا لجانبه ...
- مجمع ناصر الطبي: استشهاد شخص متأثرا بجروح أصيب بها في قصف إس ...
- الطاقة الشمسية أصبحت أكبر مصدر للكهرباء في الاتحاد الأوروبي ...
- سرطان المبيض.. أعراض خادعة تشبه اضطرابات الجهاز الهضمي
- روسيا تحضّر لإرسال روبوتها الجديد إلى المحطة الفضائية
- دراسة روسية تحدد الطريقة الأمثل لمكافحة التدخين
- اكتشاف طريقة فعّالة لتقليل آلام الصداع النصفي


المزيد.....

- التصدي للاستبداد الرقمي / مرزوق الحلالي
- الغبار الذكي: نظرة عامة كاملة وآثاره المستقبلية / محمد عبد الكريم يوسف
- تقنية النانو والهندسة الإلكترونية / زهير الخويلدي
- تطورات الذكاء الاصطناعي / زهير الخويلدي
- تطور الذكاء الاصطناعي بين الرمزي والعرفاني والعصبي / زهير الخويلدي
- اهلا بالعالم .. من وحي البرمجة / ياسر بامطرف
- مهارات الانترنت / حسن هادي الزيادي
- أدوات وممارسات للأمان الرقمي / الاشتراكيون الثوريون
- الانترنت منظومة عصبية لكوكب الارض / هشام محمد الحرك
- ذاكرة الكمبيوتر / معتز عمر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - تقنية المعلمومات و الكومبيوتر - محمد ياوز حسن نجم - العراق لا يحتاج حكومة إلكترونية فقط... بل يحتاج عقدًا اجتماعيًا رقميًا جديدًا