أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سناء الشعلان - الحياة والكتابة















المزيد.....

الحياة والكتابة


سناء الشعلان

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 06:25
المحور: الادب والفن
    


كانت ليلة صيفية دافئة تلك التي وُلدتْ فيها في حي قديم،وفي بيت يكاد يكون تحت الأرض تحيط به أشجار بلوط عتيقة ودارس بيوت قديمة، كان يسكنها الشيشان المهاجرون في مدينة صويلح القديمة في الأردن. تلقفتني أيدي الجارات الشيشانيات اللواتي أشفقن على جارتهنّ العربية الشابة الحيية التي صممتْ على الولادة في البيت خوفاً من المستشفى الذي تعتقد أنّه يأسر كلّ من يدخله ،ويقدّمه للموت كما حدث مع أمّها الشابة منذ زمن قريب، فتحمّلت أيام مخاض سبعة، كادتْ تزهق روحها،وأتعبتْ قابلة الحي التي ما اعتادتْ ولادات متعسّرة كهذا،وانزلقتُ إلى الدنيا كبزّاقة حمراء لزجة،وبرأس يشبه الكوسا لشدة ما عانى في المخاض،وجسد نحيل لا يتناسب مع حمل أمي الخرافي الحجم،ولا مع مخاضها الطويل المتعسّر،وهللّتْ الجارات الشيشانيات سعادة؛لأنّني أملك عينين زرقاوين إذا جزمن إنّني ورثتهما عنهنّ، في حين تمنّى أبي على استياء لو كنت ذكراً لا بنتاً، وسمّاني سناء على اسم حبيبة ذابت في الزمن الماضي.
لم أجد في انتظاري أخاً أو أختاً، فقد كنت بكر أبوي،لذلك كنت دائماً خلف باب غرفة مخاض أمي لإحدى عشر مرة ، أنتظر أخاً أو أختاً ، وأتعجّل ولادتهم؛كي تنجو أمي من مخاضها الصّعب،وتكفّ عن صراخها الذي تتشقّق روحها عنه،وأعجب مما يدفعها المرة تلو الأخرى إلى عذاب كهذا،لاسيما أنّني لم أقل لها ولو مرة واحدة في حياتي أننّي أريد أخوة، وإن أسعدني أن أملك ست أخوات وخمس أخوة، يكاد كلّ ثلاثة منهم يبدون توائم ثلاثة ؛لشدة تقارب السّن بينهم.

أنا من أسرة تحفل بالأفكار والخلافات والتناقضات والتناحرات والعتاب ،ولكنّها كذلك تملك ذاكرة تضجّ بالحبّ والذكريات المشتركة،وبمواقف المؤازرة والتفاني والتضحية، أسرتي عالم صغير، وأجمل ما فيه أن تعيش جزئياته ولحظاته ،وتستقي من تجاربه وخبراته العملية والشعورية.
وقد كنتُ شريكة متعاونة لأمي في تربية معظمهم، لذلك فقد عجّتْ ذاكرتي برائحة آلاف حفاضات الأطفال المتسخة،وحفظت عن ظهر قلب أوقات طعام الأطفال، وأزيز بكائهم ،ووهج حماهم ومرضهم،وطقوس أكلهم وشربهم ونومهم ومرضهم،وامتلكت بذلك ذاكرة أم طفلة تعرف عن الأطفال أكثر مما تعرف عن نفسها. ولعلّ هذه الطّفولة التي حاصرتني في كلّ مكان حتى في بيوت الأقارب كثيري الأولاد في الغالب جعلتني أسيرة الطفولة حتى سنّ السادسة عشرة ،إذا بقيتُ حتى ذلك الوقت ألعب بالدمى،وأشارك الصّغار بكلّ طقوس لهوهم،وما كان التوقّف عن الّلعب معهم إلاّ قراراً مني ألزمت نفسي به وحمّلتها به ما هو فوق طاقتها؛ إذ بتّ أخجل من ترقيص الدّمى وأنا أملك جسد امرأة تتسّللّ إليه عيون الرجال بفضول.
وبعدها انتقلت إلى الجامعة، فوجدت نفسي شابة ناضجة على مقعد جامعي، لكن أعماقي بقيت خليطاً من طفولة شقية ومراهقة تنتظر لحظة مجنونة ؛ لتتجلّى بكلّ جنونها وعنادها وجموحها.
أمي المرأة العظيمة في حياتي لم تزعم يوماً أنّها قد قرأت عملاً أدبياً واحداً،فطفولتها البائسة لم تنعم عليها بالكثير خلا تلك القصص الخرافية التي كان لي ولع شديد بها، التي كنتُ أعدّها معيناً لا ينضب تغرف أمّي منه في كلّ ليلة، وتهبني منه بسخاء، وترسلني بقصصها وقبلها إلى عالمه السّحريّ الرائع، ولطالما ظننتُ أنّ هذا الكنـز لي وحدي، أليست أمّي هي القيّمة عليه؟! وكنت أتميّز غيظاً إذا علمتُ أنّ طفلاً أو طفلة يحفظان ما أحفظ من القصص ظنًّا منّي أنّها تعود لي وحدي؛ فسندريلاّ صديقتي المسكينة، وعقلة الأصبع صديقي القزم المشاكس، وعروس البحر تبوح لي بأسرارها، والأمير الوسيم سيخطبني عندما أكبر، والسّاحرة الشرّيرة كم أتمنّى أن أعضّها، وشهرزاد تملك مثل أمّي الكثير من القصص، وعنترة ليس أقوى من أبي. وما كنت لأتسامح مع أيّ رواية تغيّر كلمة ممّا أحفظ لاعتقادي الطّفولي الراسخ بأنّ حكاياتي مقدّسة لا تحتمل أيّ تحريف.
فيما بعد سلّمت بأنّ شركائي في هذا الكنز كثر، ولا طاقة لي بالاستئثار به دونهم، وقبلتُ بالعشق الشديد لقصصي غنيمة في هذه القسمة.
الكتاب الأوّل الوحيد الذي ملكته في حياتي كان قصة أهدتها أمي لي،لم أكن حينها أعرف القراءة ،فما كنت قد تجاوزت الثالثة بعد،ولكني سعدتُ بها،وظننتُ أنّها المطبوعة الوحيدة من نوعها في العالم،لكنّ القصص والكتب توالتْ بعدها،وانهالتْ علي من والديّ اللذين لاحظا غرامي العجيب بكتبي، إلى أن تعلّمت القراءة،وقد تعلّمتها في الصف الأوّل بسرعة عجيبة،وطفقتُ حينها اكتشف عوالم قصصي،وما ظننتُ أبداً أنّّها بهذا الجمال،وكانت قصة أجهل مؤلفها اسمها " دراجة عماد" هي القصة الأولى التي قرأت، ووجدتُ نفسي دون قصد أحفظ كلّ كلمة من كلمات القصة،وأتفكّر بها طويلاً.
ولكن ملامح خالي الذي يكبرني بقليل ،ويردّد شعارات وطنية أجهل معناها،وذلك الحزن الذي لفّ الأسرة منذ جاء نعش من الجولان يحمل عمي الفدائي الشّاب الذي قتله اليهود بوحشية في عملية فدائية له أحزنتْ طفولتي الزاخرة بفرح براءتها ،وجعلتني أقرأ أوّل كتاب سياسي عن هوية الشّعب الفلسطيني،لم أفهم منه الكثير،لكننّي أدركتُ بحدسي الطّفولي أنّ ما أقرأ أخطر مما أعتقد،وتوالتْ الكتب السّياسة التي قرأت بعد أن استعرتها من خالي الشاب إلى إن انقطع ذلك بسبب سفره للدراسة إلى بغداد لمواصلة دراسته الجامعية،فعدتُ من جديد إلى قراءة القصص والروايات باحثة فيها عن أشلاء القتلى الفلسطينيين، واليتامى المهجّرين منهم، فقد سكنوا جميعاً في عقلي ،وكدتُ أصاب بجنون الخوف إذا داهمتني صور مذابح صبرا وشاتيلا التي نقلها التلفاز حينها، فنشأتُ خائفة من الجنازات والقتلى والدمار والأكفان البيضاء، وأكره اليهود الذين سرقوا أحلام طفولتي،وزرعوا في ذاكرتي صور الدّماء والموت،فكنتُ طفلة تخشى الظلام بصورة عجيبة،وتداهمها الكوابيس بشكل دائم،ولا تطيق الأبيض الذي يذكرها بالأكفان.
زوجة خالي وبناته اللواتي كن أترابي كن القارئات الأوائل لي،ثم كانتْ الصديقات في المدرسة هنّ القارئات الدائمات لي، وزاد جمهوري عندما انضمّت إليه بعض معلماتي على مضض منهنّ بسبب إلحاحي عليهن ليقرأن ما أكتب لاسيما أنّني كنتُ ٍالمتفوّقة دائماً في اللغة العربية وفي الإنشاء ،وصاحبة الحظوة في قراءة موضوع الإنشاء على جمهور الصّف بسبب تميّزه، فنشأتُ ألقّب بالأديبة الصغيرة،وأزهو بإمكانياتي المتواضعة حينها في الكتابة،ولا أتردّد في أن أعرض ما أكتب من قصص وروايات على الأقارب والجارات والمعارف، أأشادوا بما أكتب أم سخروا. فقد كنت مسكونة بهاجس الكتابة،وأملك جرأة طفولية عجيبة تجعلني أتحّدى السّاخرين مني،وأدعوهم إلى المبارزة الكتابية،وأسعد عندما ينسحبون من هذه المبارزة قبل حتى الخوض فيها، وأردّد على مسامعهم ما قيل لي من جمل الإطراء لي على ما أكتب،وأحتفظ بأيّ قصاصة ورق كُتب عليها ولو كلمة تشجيع واحدة من قريب أو معلّمة.
لم أكن طفلة خجولة أو متوارية، وكنتُ أطمح في أن أعرض ما أكتب على كلّ من أعرف، لذلك كنتُ أنسخ صوراً مما أكتب،وأوزّعه بالمجان على الصّديقات في المدرسة،وكم كان يؤلمني أن أكتشف أنّ الكثير منهنّ لم يكنّ يقرأن ما أكتب،ويعلّلن ذلك بعدم حبّ القصص،فأعجب أنّى لبشر له قلب وروح أن يكره الكلمة والحكاية!!!
وفكّرت في مراسلة مجلة الأطفال الوحيدة التي أعرفها في طفولتي ،وهي مجلة "وسام" الأردنية للأطفال،وراسلتهم بمساعدتي أمي،لكن مجلة "وسام" لم تنشر لي شيئاً،فحزنتْ بشدة،وشعرتْ بخيبة أمل كبيرة،وانتقمتْ من تلك المجلة بأن توّقفت عن شرائها.وطبتُ نفساً بانتقامي العظيم!!
كلّ من حولي شجعوني،ودفعوني بكلماتهم الطيبة إلى المزيد،ولكن مالي والكلمات؟ فهي هباء وهواجس، أمّا أمي فكانت نورًا ويداً في طريق الحياة، آمنتْ بي دائماً ،ودعمتني دون ملل أو كلل، طوّفت بي على الكثير من الملتقيات الأدبية والأمسيات القصصية،وأرسلت مشاركاتي إلى الكثير من المسابقات والمجلات.
كان الرّسم هو صديقي الأوّل في مرحلة طفولتي الأمّية،ولطالما أعدتُ رسم صور قصصي،فقد كنتُ أملك ثروة من الألوان الجيدة ودفاتر الرسم ذات الورق الثمين،ومئات الأقلام والمساطر وعدة قصّ ولصق كاملة، وشركاء من الأخوة وفائض من الوقت يسمح لي بأن أرسم لساعات طويلة. وكان الرهان بين أمي وزوجة خالي الأثيرة، فأمي كانت ترى فيّ رسامة موهوبة أمّا زوجة خالي التي كان القارىء الأوّل لي فقد كانت تراهن على الأديب الذي في داخلي، ومرت السنون،وكسبت زوجة خالي الرّهان،وبقيت أمي مصمّمة على أنّ في داخلي رسّام متواري خلف كلماتي وقصصي.
أمسكتُ بالقلم منذ كان عمري ثلاث سنوات كي أرسم لا كي أكتب، فقد كنت أحبّ الرسم بالرّصاص، ففيه من الحزن والخجل الكثير، لكن أوّل كلمات قصصية كتبتها كانت في سنّ السّادسة، كانت قصة قصيرة عن طفل يتيم.



#سناء_الشعلان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العشق بصوت مزهري خالقي... - جزء من رسالة شخصية-(1)
- الإنترنت والكتابة الإبداعيّة
- الرّواية والاستشراف
- الذين لا ينامون
- البطل الهامشيّ في -هذيان ميّت-
- التّجريب في الرّواية الأردنية
- الأسطورة والأجناس الشّفاهيّة الجمعيّة
- الذين لايموتون -في رحيل محيي الدين زنكنة-
- الإصدارات الأدبيّة المشتركة بين الأدباء
- الزّمن والكتابة والإبداع
- التّعلّم وفق القرائن والمجموعات
- الإعلام والإبداع والمجتمع
- الإبداع والحضارة
- الإبداع والانتحار
- الجائزة والمبدع
- الإبداع على الإبداع
- أكذوبة قصيدة النّثر
- مبدعون دون صداقاتمدن بلا سكّان: النّظرة التشاؤميّة في الرّوا ...
- صوت الشّباب في الرّواية العربيّة
- الفنتازيا في الرواية العربية في مواجهة الواقع


المزيد.....




- -كأنه فيلم رعب-: الأميبا الآكلة للدماغ التي قد تنتشر حول الع ...
- مهرجان مولانا في السليمانية.. الثقافة والفنون رافعة للسياحة ...
- كريستيانو رونالدو يخوض تجربة التمثيل ويكشف أسرار -الميركاتو- ...
- قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي ...
- توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th ...
- رايان غوسلينغ ينضم لعالم مارفل السينمائي بشخصية -غوست رايدر- ...
- عالم السينما.. ظهور مفاجئ لرايان رينولدز يشعل تكهنات عن مشار ...
- الجرح والتعديل في عصر البودكاست.. باحث يدعو إلى تدقيق الرواي ...
- -ما وراء الإطار-.. انطلاق الدورة الـ 7 من مهرجان -عمّان السي ...
- -أبو سوريا-.. ملحمة درامية تعيد فوزي القاوقجي إلى الواجهة وت ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سناء الشعلان - الحياة والكتابة