|
|
آليات التأويل وإنتاج الدلالة : الشريف المرتضى أنموذجا
د كريم الوائلي
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 15:12
المحور:
قضايا ثقافية
1 أسهم المناخ الثقافي والمعرفي في القرون الثلاثة الهجرية الأولى في تحديد مسارات متعارضة في التفكير، على مستويات عدة، في استخدام الأدوات المعرفية، ومناهج التفكير، وآليات التحليل، وكان للمعتزلة دور كبير في هذا السياق، إذ تفردت بخصوصية شديدة التميز، وعبرت عن فكر متماسك، فهي تصدر أساسا عن العقل وتجعله أداتها في التفكير، واستخدمته في الجدل والحوار، وأقامت على أساسه تصوراتها عن العالم والمجتمع والانسان . واعتمدت المعتزلة العقل أداتها المعرفية التي تكشف بها عن كل شيء، وتتحكم في النقل ــــ الكتاب والسنة ــــ إذ تجعل النقل تابعًا له، وسائرًا على هديه، ويحتل العقل مكان الصدارة، ويعوَّل عليه بوصفه غاية ومعيارًا، ومن ثم يتراجع النقل ليتحول الى مجرد أداة، تخضع للعقل ولحدوده ، بمعنى أنَّ معرفة السمع ــــ النقل ــــ لا تصح إلّا بالعقل، وأنَّ معرفة الرسول ومعرفة القرآن الكريم لا تتم إلّا بوجود العقل، وعلى حد تعبير أبي القاسم الرسي، أنَّ الرسول والقرآن عرفا بالعقل، ولم يعرف بهما وفي ضوء هذا فإنَّ المعرفة التي يتلقاها الإنسان عن طريق الوحي ليست متقدمة على المعرفة الإنسانية، غاية ما في الأمر أنّ الأولى ــ أي الوحي ــ تزيد الثانية تخصيصًا، ليخلص المعتزلة من هذا إلى أنّ بعدي المعرفة متطابقان، وأنْ لا تناقض بين المعقول والمنقول، لأنّ الإنسان قادر بعقله على أنْ يميز بين الحسن والقبح، والشر والخير، وأنّ النص ــ القرآن الكريم والسنة النبوية ـــ يؤكد ما توصل اليه العقل، ويزيـده تخصيصًا، أو أنه يعـرّفنا " بتفصيل الجملة المستقرة في العقل" " ولذلك أكد المعتزلة أنّ الإنسان مكلَّف نـزل الوحي أو لم ينـزل، ما دام الإنسان كائنًا عاقلًا قادرًا بعقله على الكشف والتمييز بين الحسن والقبح. " وفي ضوء هذا المنهج العقلي تأسست أصول الأيديولوجية الاعتزالية، وكان أحد أبرز أركانها، بل أولها في الكشف هو: المنزلة بين المنزلتين الذي كان نتيجة إجابة مباغته في مجلس الحسن البصري، حين رد واصل بن عطاء عن سؤال : ما حكم مرتكب الكبيرة ؟، فبادر واصل بن عطاء فقال : إنَّه ليس بكافر، وليس بمؤمن، وإنَّما في منزلة بين المنزلتين. وعلى الرغم من ذلك فإنَّ أصول المعتزلة الخمسة بحسب أهميتها بالترتيب، هي : التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبالتوحيد يحدد موقف المعتزلة من الله والعالم، ويتجلى فيه تنزيه الله عن التجسيد والمشابهة والمماثلة، إذ ان الله هو القديم، فهو كما يقول القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي " لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفياً وإثباتاً على الحد الذي يستحقه". وبالعدل تتحدد عدالة الله من ناحية، وحرية الانسان من ناحية أخري، بمعنى ان الانسان حر في ارادته، وحر في خلق افعاله، ومن ثم يكون مسؤولا عنهما، ويحاسب عليهما، وبالوعد والوعيد يتحدد مصير الانسان في العالم الآخر، وتتحدد في المنزلة بين المنزلتين حكم مرتكب الكبيرة ـــ القتل والزنا ــ إذ نفت المعتزلة عن مرتكب الكبيرة صفتي الايمان والكفر، وجعلته في منزلة الفسق التي هي منزلة بين منزلتي الايمان والكفر، اما الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهما يمثلان الأداة التغييرية في الواقع الاجتماعي، وتشتملان على أبعاد أخلاقية وسياسية في آن واحدة . 2
تعد قراءة النصوص احد ابرز المحاور الفكرية التي اضطلع بها الفكر الاعتزالي، وتتداخل فيها مكونات الفلسفة بعلم الكلام، من ناحية، والأصول بالعقل من ناحية اخري، ويمكننا القول ابتداء، انه لا تأويل بدون قراءة، لأي نص، وليس المقصود بالقراءة مجرد التلفظ بالوحدات الصوتية للغة، او انها مجرد تلق سلبي للنص ،وإنما يقصد بالقراءة الفهم أساسا، ومع الفهم يبدأ التأويل اذا اقتضت الضرورة الى ذلك. يؤكد المعتزلة ان القران الكريم محدث ومخلوق، وان الفاظه وتراكيبه من جنس الكلام العربي، شانه شان الكلام بوصفه " الحروف المنظومة والاصوات المقطعة " او هو ما انتظم من حرفين فصاعدا او ماله نظام من الحروف مخصوص" ، وهذا يعني ان الآيات المحكمة تتوافق مع ادله العقول في كونها تستقل بنفسها في الانباء عن المراد” وخاليه من المجاز والاستعارات شانها شان ادله العقول، بمعنى ان الآيات المحكمة تمثل اصلا في حين تمثل الآيات المتشابهة فرعا ولقد الفكر الاسلامي والاعتزالي بخاصه بقضيه القياس التي تؤكد بعدي الاصل والفرع حتى في المستويات اللغوية لان الفرع حين يتحكم فيه الاصل يعني ان هناك مشابهه او مماثله تقتضي مقايضه الفرع لأصله" ولذلك تمثلت الأدلة العقلية مع المحكم لان الأدلة العقلية لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات" وفي ضوء هذا عمد المعتزلة في تحليلهم للآيات المتشابهة الى التأويل لأن الآيات المتشابهة تعارض الآيات المحكمة وتعارض ادله العقول اصلا ولذلك فإنَّ الآيات المتشابهة اضحى لها ظاهر وباطن فظاهر الآية هنا يعارض الآية المحكمة وادله العقول، ولذلك فإنَّ الشريف المرتضى يقول " فإذا ورد عن الله كلام ظاهره يخالف ما دلت عليه أدلة العقول وجب صرفه عن ظاهره ــ إنْ كان له ظاهر ــ وحمله على ما يوافق الأدلة العقلية ويطابقها، ولهذا رجعنا في ظواهر كثيرة من كتاب الله تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار والتشبيه أو ما لا يجوز عليه تعالى". ان الآيات المتشابهة لا تستقل في الانباء على المراد في نفسها بل تحتاج الى غيرها كما اشرنا وتسهم القرينه في ازاله الغموض واللف، وهذا يعني ان "الآيات المتشابهة تنطوي على دلالتين، إحداهما ظاهرة، ليست هي المقصودة، والثانية : باطنة وهي المراد التعبير عنها، ويميز القاضي عبد الجبار في هذا السياق بين نمطين أحدهما : "يعرف المراد به وبذلك الغير بمجموعهما، والثاني يعرف المراد به بذلك الغير بانفراده، ويكون هذا الخطاب لطفاً وتأكيداً" إن آلية التأويل التي اعتمدها المعتزلة تهدف للوفاء بالأفكار العقائدية التي تصدر عنها المعتزلة ولذلك ابعد الآيات التي يدل ظاهرها على التجسيم والتشبيه او التي لا تليق بمقام الالوهية الى تأويلات ابعد ما تكون عن ذلك.
3
يعد الشريف المرتضى ( 355ــــ 436هــ ) من أبرز علماء العربية والإسلام في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وأسهم بشكل فاعل في الإبداع الفكري والثقافي في مختلف المعارف والفنون، وقد شغلته قضية المعنى بوصفها واحدة من القضايا التي شكلت محور اهتمام المفكرين الذين حاولوا الكشف عن أبعادها، متخذين من القران الكريم طريقا لتحديد المعنى والكشف عن تجلياته، ولقد تفاوتت المرجعيات المعرفية في تحديد المنهج وفي توظيف آليات التحليل وفي كيفية الوصول الى المعاني التي يتضمنها القرآن ، وحاولت المرجعية المعرفية النقلية الاحتماء بالمنقول والأثر لتحديد منهجها، ولذلك اكثرت من الاستشهاد بالنصوص جاعلة الأثر متقدما على العقل، وتتبنى المرجعية المعرفية العقلية المنهج العقلي الذي كان الشريف المرتضى أحد أبرز فرسانه، وتجعل العقل متقدما على النص، " ويستخدمه الإنسان ليكشف به عن الحقيقة وعن الحكم الشرعي على نحو إجمالي، ويكون النقل لاحقاً للعقل وخاضعاً له، وقابلاً للتفسير في ضوء معطياته" وتتمايز وظائف الأداء اللغوي ، وتتمايز في ضوئها أساليب التعبير عنها ، فإنَّ الوظيفة التوصيلة تهدف الى تحقيق اللفظ على المعنى وتأدية الدلالة لذاتها ، وهذا هو أداء الانسان العادي ، الذي يهيمن عليه وجوب الافهام والتوصيل، دون ان يكون لهذه الوظيفة من تأثير فني وجمالي، ويصدق هذا المعنى على الفيلسوف أيضا ، وان كان بطريقة مختلفة ، لان غاية الفيلسوف الافهام وتأدية الدلالة الفلسفية المقصودة ، غير ان هناك وظيفة أخرى تتجاوز التوصيل الى ابعاد فنية وجمالية يضطلع بأدائها الشعراء والادباء ، إذ لا يسعى الشاعر الى تحقيق اللفظ على المعنى لأنه يختلف عن الانسان العادي ويختلف عن الفيلسوف أيضا " ولا يجب ان تؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد لان ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه "، ويبرر الشريف المرتضى للشعراء، وهو منهم، الكيفية التي يؤدون فيها المعاني والدلالات عبر المبالغة في التوصيف والتشبيهات كونها " صنعة وتأنقا لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا". ويميز الشريف المرتضى بين اسلوبي الخطابة والشعر ، لان الخطابة تهدف الى الاقناع ، ومن ثم يدفع ذلك الى استخدام الخطيب أدوات عقلية ، الامر الذي يقود الى تغاير في كيفية صياغة النص سواء اكان خطابة ام شعرا ، ولان الأصل في الخطابة " " أن تستخدم الألفاظ الحقيقية والألفاظ المشهورة، لأنّ ذلك أقرب إلى تحقيق الإقناع وأكثر ملاءمة لطبيعته التصديقية التي تجعله أقرب إلى التصديق البرهاني منه إلى التخيل الشعري " ان العلاقة بين الأداء العادي والأداء الفني هي علاقة مجاورة وانتزاع ، بمعنى ان الأداء العادي يمثل الأصل ، ويمثل الفني الفرع ، والفرع فيه الأصل وزيادة ، بمعنى انهما يتجاوران ولا يتطابقان ، وينتزع الثاني من الأول ، فالمجاز ــ وهو أحد أوجه الأداء الفني ــ لا يصح وجوده في اللغة ــ فيما يرى القاضي عبد الجبار ــ دون أن تكون له حقيقة تسبقه، وبذلك يكون أداء الانسان الاعتيادي وأداء الفلاسفة يمثل " الخلفية التي ينعكس عليها التحريف الجمالي المتعمد للمكونات اللغوية للعمل ". ولما كان القرآن الكريم من جنس الكلام العربي بحسب المواضعة، وليس على اساس التوقيف، فإنه "لا يستخدم لغة مباشرة أو غفلا ولا هو يقرر الامور بطريقة استدلالية أو برهانية وإنما خطاب قوامه المجاز، والمجاز أبلغ من الحقيقة كما يؤكد الجرجاني"، ولذا فإنه يشتمل على آيات محكمة وآيات متشابهة، والآيات المحكمة تدل بذاتها على الانباء على المراد من المعاني، أما المتشابهة فإنها تدل بطريقة اخرى على المراد، فهي ليست كالآيات المحكمة، إذ لا تستقل في الانباء عن المعاني، بل تحتاج الى الإبانة عنها الى غيرها، وهذا يعني ان الشريف المرتضى يميط اللثام عن الآيات القرآنية الكريمة التي يدل ظاهرها على غموض، أو محملة بالمجاز والاستعارة، أو تتعارض مع الأدلة العقلية، ولهذا السبب تبنى المنهج العقلي بوصفه معيارأ لتأويل الآيات المتشابهة وتوجيهها بما يجعلها متوائمة معه، وقد استخدم القرائن والشواهد الشعرية أداةً للتأويل، مما أتاح له إنتاج دلالات جديدة للنصوص . ان الآيات المحكمة خالية من المجاز ، لأنها مثل الأدلة العقلية " لا يجوز فيها مجاز، ولاما يخالف الحقيقة، وهي القاضية على الكلام، والتي يجب بناؤه عليها، والفروع أبدا تبنى على الأصول "، ويضعنا هذا أمام مقارنة بين الدليلين العقلي والنقلي، فالأدلة العقلية » لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات « في حين يكون الدليل النقلي ــ الكتاب والسنة ــ مشتملاً على المجاز، ويحتمل التأويلات، لأنّ فصاحة القرآن ــ وهي أعلى درجات الفصاحة ــ »لا تتم بالحقائق المجردة، وانه لابد من سلوك طريق التجوز والاستعارة «. ومن أجل هذا عمد الشريف المرتضى إلى تأويل الآيات التي تعارض الدليل العقلي، أو تعارض المحكم الذي كشف الدليل العقلي عن إحكامه، وافترض للآيات التي تقتضي تأويلاً ظاهراً وباطناً، فظاهر الآيات يعارض الدليل العقلي ويعارض الآيات المحكمة سواء بسواء، ولذا فلابد من حمل ظاهر هذه الآيات لتتوافق مع الدليل العقلي، ولذلك يقول الشريف المرتضى » فإذا ورد عن الله كلام ظاهره يخالف ما دلت عليه أدلة العقول وجب صرفه عن ظاهره ــ إنْ كان له ظاهر ــ وحمله على ما يوافق الأدلة العقلية ويطابقها، ولهذا رجعنا في ظواهر كثيرة من كتاب الله تعالى اقتضى ظاهرها الإجبار والتشبيه أو ما لا يجوز عليه تعالى«. ويقود هذا الى اتساع الدلالة وتنوعها ووفرتها بسبب احتمالات التأويل المختلفة لآية قرانية واحدة لأن " اكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة والمطابقة للحق الموافقة لأدلة العقول فيذكر المتاول جميعها ولا يقطع على مراد الله منها بعينه "، واذا كان تأويل المتشابه في الحذف خصوصا يقود الى اتساع الدلالة فانه يؤدي وظيفة الكشف عن المعاني التي يشوبها الغموض لأنها تتيح للمتلقي استكمال دلالة الصور المتعددة التي توحي بها السياقات المختلفة، مما نطلق عليه ظلال المعاني. وفي ضوء هذا يتضح ان قضية التأويل التي يعتمدها الشريف المرتضى تأسست للوفاء بحاجات عقائدية للكشف عن الآيات التي يدل ظاهرها على التشبيه والتجسيم ولذلك فإنَّ الشريف المرتضى والمعتزلة والشيعة عموما " يحملون العبارات الدالة على التشبيه أو التي لا تليق بمقام الألوهية على تأويلات اليق وأبعد ما تكون عن التشبيه مذاهب التفسير". فالمحكم يدل على ظاهر لا خلاف في ظاهريته أو هو ما كانت دلالته واضحة ولا يحتمل تركيبه الا معنى واحدا بيناً اما المتشابه فيدل ظاهره على التعارض أو التناقض مع الآيات المحكمة أو الأدلة العقلية، ويلازمه الغموض، ويحتمل أكثر من معنى، وانه في هذه الحالة به حاجه الى فك غموضه وتجلية فهمه، ويتحقق ذلك بالرجوع الى المحكم من ناحية وتأويل المتشابه من ناحية أخرى ، ويسهم التأويل في فك الغموض واللبس ويتم ذلك عبر قرينة لغوية على مذهب العربي من غير تكلف ولا تعسف أو قرينة عقلية أو مجموعة من القرائن ، ويؤكد الشريف المرتضى أنَّ اكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق والموافقة لأدلة العقول واحد ، وكان الشريف المرتضى يوجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر انْ يذكر كل ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني. ليس امام المتلقي سوى نص له وجوده المادي المعرفي، وهو دون شك تشكيل لغوي يسير على مذاهب اللغة العربية ومناهجها، فإنَّ كانت دلالته واضحة كالمحكم، فإننا لسنا الا ازاء نص واحد موجود اما في المتشابه ولكونه يشتمل على غموض فإنَّ القارئ كالشريف المرتضى ينتزع أو يشكل من النص الموجود نصوصا متخيلة وتراكيب متعددة ويشتمل كل تركيب متخيل على دلالة تختلف عن دلالة النص الظاهرة ، ولذ فإنَّ تركيب الآية القرآنية الكريمة " واسأل القرية التي كنا فيها هذا تركيب دلالة ظاهره له ان السؤال يتوجه الى القرية، وبما ان القرية مجرد حجارة ولا يمكن ان نخلع عليها صفات انسانية فإنَّ المتاول يتخيل نصا موازيا للنص الاصلي ويشتمل على دلاله جديدة لا يدل عليها ظاهر النص الاصلي وبذلك يكون النص المتخيل واسال اهل القرية . ويمكن التوقف عند مثال اخر للشريف المرتضى في قوله تعالي " وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا" إذ يتكئ على التقدير في تأويل الآية الكريمة ،" ويكون تقدير الكلام : وإذا أردنا أن نُهلك قريةً من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" ويمثل الشريف الرضي تقديرا اخر للآية نفسها يقوم على اساس التقديم والتأخير فيكون التقدير" إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا واستحقوا العقاب أردنا إهلاكهم ، والتقديم والتأخير في الشعر و كلام العرب كثير". ويعتمد الشريف المرتضى على كلام العرب الذي يشتمل على المجازات والاستعارات إذ يقول وكلام العرب وحي واشارات واستعارات ولهذا الحال كان كلامهم في المرتبة العليا في الفصاحة فإنَّ الكلام متى خلا من الاستعارة وجرى كله على الحقيقة كان بعيدا عن الفصاحة بريا من البلاغة وكلام الله تعالى افصح الكلام. وجدير بالذكر ان الشريف المرتضى يعنى بتراكيب الجمل ، وخصوصا في المجاز، إذ يعد النصوص التي يدل ظاهرها على التشبيه والتجسيم مبنية على الحذف والاختصار، بمعنى أنَّ هناك تراكيب متعددة يتضمنها النص الموجود، لأنَّ الشريف المرتضى لا يقرن المجاز وحده بالبلاغة، بسبب الابعاد الكميه، بل يجعل تقليل الفاظ الكلام لا تخل بالمعنى إذ يحذف بعضه " ومعانيه بحالها" . ويسهم الحذف في هذه الحالة في عرض طرائق مختلفة من التراكيب في ايصال المعنى الى المتلقي، ولكنه توصيل ليس بتحقيق اللفظ على المعنى لا يزيد عليه ولا ينقص وانما التوصيل ـــ هنا ـــ يقترن بالإيحاء والايماء والإشارة . ويتأول الشريف المرتضى قوله تعالى " وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ كون النظر ينقسم الى اقسام كثيرة منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال المرئي طلبا للرؤية، ومنها النظر الذي هو الانتظار، ومنها النظر الذي هو التعطف والرحمة، ومنها النظر الذي هو الفكر والتأمل . ومهما يكن من النظر المذكور سواء كان في الآية هو الانتظار بالقلب أو الرؤية بالعين وهو ان يحمل قوله تعالى الى ربها ناظرة على انه اراد نعمة ربها. وهذا كله يعني ان طرائق القول التي يفترضها أو يتخيلها المتأول انما تسهم في تبدل المعنى وتغير دلالته. ونخلص من هذا كله الى ان انتاج الدلالة في الآيات المحكمة منحصرة ببعد واحد ،بحيث يمكن القول انها دلالة بنيوية مغلقة ، اما الآيات المتشابهة فإنَّ لها دلالة بنيوية مفتوحة ، وقابلة للاتساع والتنوع ، واذا كان المحكم ظاهرا لا باطن له ، فإنَّ المتشابه له ظاهر ، وله اكثر من باطن بشكل مفتوح ، إذ يمكن المتلقي ان ينتج تراكيب لا حصر لها ، ومن الضرورة ان تكون لهذه التراكيب دلالات مختلفة ومتنوعة .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حرائق غابات هائلة في أنحاء فرنسا تُجبر السكان على إخلاء مناز
...
-
فيديو منسوب لـ-هجوم إيراني على منفذ العبدلي في الكويت-.. ما
...
-
تحذيرات سعودية من -خطر- على البحر الأحمر بسبب تصاعد التوتر م
...
-
غوتيريش يصل إلى دمشق في أول زيارة لأمين عام أممي لسوريا منذ
...
-
منظومة دفاع جوي تشغلها اليونان تعترض صاروخين فوق السعودية
-
الألواح الشمسية القديمة .. كنز من المواد الخام
-
الجيش الإسرائيلي يوسع توغله شرقي دير البلح والصحة في غزة تعل
...
-
مقتل 8 أشخاص بينهم طفلان وإصابة 14 آخرين جراء هجوم أوكراني ع
...
-
مصادر لـRT: حشود عسكرية متقابلة في شمال دارفور وسط تصعيد ميد
...
-
الشرع يستقبل غوتيريش في قصر الشعب بدمشق
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|