أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم الوائلي - المرأة المتمردة في رواية موسم الهجرة الى الشمال















المزيد.....


المرأة المتمردة في رواية موسم الهجرة الى الشمال


كريم الوائلي
كاتب وناقد ادبي وتربوي .

(Karim Alwaili)


الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 21:57
المحور: الادب والفن
    


لا يمكن النظر إلى صورة المرأة المتمردة في رواية موسم الهجرة إلى الشمال إلا عبر ثلاثة أبعاد رئيسة، الأول: يُعنى بتحديد مفهوم التمرد ، والثاني : يتصل بالصراع الحضاري بين الشرق والغرب ، والثالث : يتحدد في استكشاف صورة المرأة داخل النص الروائي وما تشمله من أحداث وتحولات، إذ يُعبر التمرد عن أحد أشكال التحدي والرفض للأطر السلطوية أو الأنظمة السياسية والاجتماعية أو الفكرية القائمة، وهو فعل يستمد قوته من موقف احتجاجي قد يكون موجهًا ضد الظلم أو التهميش أو العبثية في النظام القائم. والانسان المتمرد بحسب البير كامو هو الذي يقول ( لا )، ويأخذ لديه منحى فلسفيا ، لان حركة التمرد " تستند الى رفض قاطع لتعدٍ لا يطاق والى تعبين مبهم بوجود حق صالح ". والتمرد رد فعل طبيعي على اللامعنى والعبث في الوجود ، او هو " رفض لكل ما يوجه له من فعل او مقاومة، اذ يجد ان تلك الافعال ، او الاقوال لا تتفق مع ما يحمله من افكار واتجاهات ومبادئ خاصة "
ويعبر الصراع الحضاري بين الشرق والغرب عن حالة من التفاعل المعقد والتوتر الناتج عن الفروق الجذرية بين نظامين ثقافيين متباينين، فالشرق يجسد القيم المرتبطة بالروحانية والتقاليد والتلاحم الاجتماعي والمبادئ المستمدة من الدين والأخلاق، ويعكس الغرب تركيزًا على الفردية، والعلمانية والتقدم التكنولوجي والعلمي، مع ميل نحو الهيمنة والسيطرة، وهذا الصراع لا يقتصر على التضارب في القيم الحضارية، بل يتعدى ذلك ليبرز اختلافات عميقة في النظرة الشاملة للعالم بين الجانبين، وهذا الموضوع ليس جديدًا، إذ يمتد عبر العصور التاريخية، بدءًا من الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية إلى مراحل النفوذ الغربي في البلدان العربية والإسلامية .
وتحكي رواية موسم الهجرة الى الشمال قصة مصطفى سعيد، وهو شاب عربي سوداني يذهب إلى لندن لإتمام دراسته، وهناك يدخل في علاقات مع نساء أوروبيات، معتقدًا أن تلك العلاقات تمثل انتقامًا للشرق الذي غزته أوروبا، ومن ضمنها بلده السودان، ويرى أن الانتقام يتجسد في العلاقة الجسدية مع المرأة الغربية، غير أن تلك العلاقات لم تكن بعيدة عن تعقيدات الصراع الحضاري. هذا الصراع بلغ ذروته عندما يُقدم مصطفى سعيد على قتل زوجته الأوروبية "جين مورس"، التي تجسد رمزية الحضارة الغربية، مما أدى إلى محاكمته وسجنه لمدة سبع سنوات وبعد انقضاء مدة سجنه، يعود مصطفى سعيد إلى قرية سودانية نائية ويعيش حياة تبدو عادية، إذ يتزوج من حسنة بنت محمود، وهي فتاة سودانية. لكن سرعان ما تتمرد حسنة على الأعراف والتقاليد الاجتماعية القديمة، بعد اختفاء زوجها المفاجئ أو وفاته، لتصبح رمزًا للرفض والبحث عن التحرر من القيود البالية.
وتتجلى صورة المرأة الغربية، زوج مصطفى سعيد في لندن ( جين مورس ) بشكل مختلف عن المرأة الشرقية زوج مصطفى سعيد في السودان ( حسنة بنت محمود )، إذ تمثل المرأة الغربية رموز الحرية الفكرية والجسدية والانفتاح الثقافي، وفي الوقت نفسه تُعتبر مصدر إغواء وجاذبية للوافدين إليها، رغم ما يحملونه من هويات ثقافية وروحية متنوعة، وفي المقابل، تجسد المرأة العربية القيم المحافظة والتقاليد الشرقية، إذ تتسم بالتدين والطاعة، وتعيش وفق ما يفرضه عليها المناخ الثقافي والاجتماعي من تقاليد دينية واجتماعية .
تُعد جين مورس واحدة من الشخصيات المحورية التي تلعب دورًا معقدًا ومتعدد الأبعاد في سرد رواية موسم الهجرة إلى الشمال، فهي تمثل الغرب بكل تناقضاته وأبعاده، إذ تقف في مواجهة الشرق الذي يتجسد في شخصية مصطفى سعيد، هذه العلاقة ليست مجرد علاقة عابرة أو ثانوية ضمن سياق الرواية، بل إنها تتجاوز ذلك لتصبح رمزًا للصراع العميق بين عالمين متغايرين: الشرق والغرب، والمستعمِر والمستعمَر، وحتى الذكر والأنثى ضمن شبكات معقدة من القوة والرغبة والسيطرة، وحين قدم مصطفى سعيد للمحاكمة اثر قتله جين مورس فانه كان يتحدث مع نفسه " انني اسمع في المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجنة وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ ارض القدس، البواخر مخرت عرض النيل اول مره تحمل المدافع لا الخبز، وسكك الحديد انشئت اصلا لنقل الجنود وقد انشئت المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم "
يبرز الكاتب عبر شخصية جين مورس صورة مُكثفة لصراعات الهويات الثقافية والنفسية التي تحاكي إرث الاستعمار وتأثيراته، وهي لا تظهر كشخصية خاضعة كما هو الحال مع نساء غربيات أخريات وقعن تحت تأثير إغواء مصطفى سعيد مثل آن همند وشيلا غرينود وازيبلا سيمور، بل تتميز بقدرتها على تحدي المعادلة التقليدية التي حاول أن يرسمها مصطفى، فهي تتحول إلى شخصية متحكمة، تعكس الأدوار لتأخذ بزمام العلاقة، وتصبح هي القوة الدافعة وراء صراع الإرادة بينهما، هذا التحول المتبادل يجعل العلاقة بينهما ميدانًا لمواجهة شرسة، إذ يسعى كل منهما لإثبات سيطرته وإخضاع الآخر بأي وسيلة كانت.
كانت الحرب بينهما مستمرة مؤكدا " كانت الحرب تنتهي بهزيمتي دائما، اصفعها فتصفعني وتنشب أظافرها في وجهي ويتفجر في كيانها بركان من العنف، فتكسر كل ما تطاله يدها من اوراق، وتمزق الكتب والاوراق، كل معركه تنتهي بتمزيق كتاب مهم او حرق بحث اضعت فيه اسابيع كامله " وتمثل هذه الديناميكية بين مصطفى سعيد وجين مورس نقطة تحول حاسمة في السرد؛ فهي تعكس بصورة واضحة تلك المواجهة الرمزية التي تلامس عمق العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، على الرغم من محاولات مصطفى المستمرة لتوظيف قوته وسحره النفسي والجسدي لإخضاع النساء الغربيات، تبدو جين استثناءً صادماً ومقلقاً له، فهي تثير فيه مشاعر غامضة مع خليط من الرغبة والتحدي الذين يضعانه أمام سيناريو مختلف تمامًا، في النهاية، تتبلور العلاقة بينهما كصراع وجودي تتحكم فيه الرغبة المستمرة لكل طرف في إثبات ذاته وفرض إرادته على الآخر، مما يجعل هذه المواجهة رمزًا للأبعاد المعقدة التي يمكن أن تأخذها صراعات القوى بين الثقافات والجنسين عبر السياقات التاريخية والاجتماعي.
كانت العلاقة بينهما قائمة على الكراهية والإقصاء شكلاً ومضموناً، كانت تنظر إلى مصطفى سعيد والى بشاعته، حتى انها لم تر في حياتها وجها بشعا كوجهه، ولم تتردد يوماً في التعبير عن كرهها له حتى الموت، كانت تصفه بالثور الهمجي أو الوحشي، بينما كان هو يتبعها بلا توقف ويلاحقها بدون كلل، حتى أرهقها في مطاردته، وفي لحظة من الإنهاك، طلبت منه أن يتزوجها، وهو ما حدث بالفعل، لكن الزواج كان شكلياً بلا أي عمق حقيقي، على الجانب الآخر، لم يكن الأمر مختلفاً كثيراً، كانت هي الأخرى تتعمد مطاردته، وتظهر في كل مناسبة اجتماعية يشارك فيها، وكأنها تستمتع بإذلاله أمام الجميع، في إحدى المرات، خلال إحدى الحفلات، طلب منها مصطفى سعيد أن ترقص معه، لكنها رفضت بسخرية لاذعة وأخبرته أنها لن ترقص معه حتى لو كان الرجل الوحيد في العالم ، تحول الموقف حينها إلى مشادة علنية، انتهت بصفعها أمام الحضور، فركلته بساقها وعضت ذراعه بأسنان كأنها اسنان لبوة ، وصفها مصطفى سعيد بأنها ماجنة في القول والفعل، ورغم ذلك، وجد نفسه في حالة متناقضة من الحب والكراهية تجاهها، وكأنه واقع تحت تأثير قوة لا يستطيع مقاومتها، كان يردد مراراً أنه يكرهها ويقسم بأنه سيقتلها يوماً ما، يقول : بينما كانت هي تبادله الكراهية بالحدة نفسها، وتؤكد أنها تكرهه حتى الموت. وفي احدى الليالي قال لها وهو يحمل السكين في يده " سأقتلك نظرت الى السكين نظرة بدت كأن فيها لهفه، وقالت ها هو صدري مكشوف أمامك أغرس السكين في صدري "
كانت تستلب كل شيء منه، وهي في غرفه نومه طلبت منه زهريه ثمينة ومخطوطا نادرا ثمينا ومصلاة من حرير اصفهان، كانت تقول تعطيني هذه وتأخذني، كان يوافق على كل شيء، وكان يهمس مع نفسه لو طلبت مني حياتي في تلك اللحظة ثمنا لقايضتها اياها ، فهشمت الزهرية وداستها بقدميها حتى تحولت الى فتات، ومزقت المخطوط القديم النادر، وملات فمها بقطع الورق ومضغتها، واخذت المصلاة ورمتها في نار المدفأة، ووقفت متلذذه الى النار، لكنه لم ينل منها شيئا، يقول وفجاه احسست بركة عنيفة بين فخذي ولما افقت من غيبوبة، وجدتها قد اختفت، ويكشف هذا عن علاقة الحضارة الغربية بالحضارات الاخرى ومنها الحضارة العربية الاسلامية ، وقد فطن الى ذلك جورج طرابيشي ؛ يقول : " ان الحضارة الغربية لا تسلم نفسها لطالبها الاتي من الشرق او الجنوب الا إذا خلعته من تاريخه ، وقطعته من ماضيه ، وجردته من تراثه ... ان الحضارة الغربية لا تقوم الا على اشلاء الحضارات الاخرى"(
وفي اللقاء الأخير بينهما، انتظرته في غرفة نومه " وهي ــ غرفة نومه ــ "2 مقبرة تطل على حديقة " المكان الذي تحول إلى ساحة للصراع والمواجهة النهائية، كانت اللحظة تحمل تناقضاً عجيباً بين تفاعل جسدي عنيف وحميمية مشحونة بالرغبة المشتركة في القتل، يقول " رفعت الخنجر ببطء فتابعت حده بعينيها ـ لبثت تنظر الى حد الخنجر بخليط من الدهشة والخوف والشبق ثم امسكت الخنجر وقبلته ... ووضعت الخنجر…. وضغطت ببطء، ببطء، ... قالت بألم يا حبيبي طننت انك لن تفعل هذا ابدا ... وضغطت الخنجر بصدري حتى غاب كله في صدرها ، في لحظة بدا فيها كأن الشوق والرغبة المتوحشة بالقتل كانا سيدَي الموقف بين القاتل والمقتول.
العلاقة بين مصطفى وجين تخرج عن الإطار التقليدي للحب، لتأخذ منحى يعكس طابعًا ساديًا/مازوشيًا، جين تجد متعة في إذلال مصطفى، مما يدفعه إلى التعلق المرضي بها، هذه العلاقة تكشف عن اضطراب عميق في شخصية مصطفى، الذي اعتاد أداء دور المسيطر، ليجد نفسه الآن عاجزًا أمام امرأة تمثل تحديًا مزدوجًا له على المستويين الاستعماري والثقافي، هذا الانقلاب في الأدوار يعمّق شعوره بالعجز ويزيد من هوسه بها، إلى أن تصل الأحداث إلى ذروتها في الليلة التي يقتلها فيها، لحظة قتل جين مورس على يد مصطفى سعيد تمثل الذروة الحاسمة للصراع النفسي والثقافي الذي يسيطر على الرواية، تبدو هذه اللحظة كمحاولة يائسة من مصطفى سعيد، ليس لتحطيم المرأة التي أفلتت من سيطرته فحسب، وإنما كل أوهامه بشأن إمكانية مواجهة الغرب والانتقام منه باستخدام أدواته ذاتها.وبهذا فان مصطفى سعيد حين قتل جين مورس يكون قد " قتل الوجدان الاوربي المعقد الذي يعلن كراهيته واحتقاره لافريقيا ".
اما حَسنة بنت محمود فهي واحدة من أكثر الشخصيات المحورية والرمزية تمثيلًا في الرواية، إذ تعكس بعمق معاناة المرأة في ظل الأطر الاجتماعية التقليدية، وتجسد صراعًا داخليًا وخارجيًا مزدوجًا يتأرجح بين القمع الذكوري السائد في المجتمع السوداني التقليدي ومحاولات التحرر من هذا التضييق عبر فعل جذري يتمثل في رفض الهيمنة ومواجهة الوضع الراهن بأقصى أشكاله.
تزوجت حسنة بنت محمود، ذلك الإنسان المثقف، مصطفى سعيد ، الذي سخر حياته لتحقيق إنجازات ذات معنى وصنع حياة مليئة بالطموح. عاش مصطفى في أوروبا لفترة طويلة، إذ استطاع الحصول على أعلى الشهادات العلمية، وتخصص في دراسة الاقتصاد ودرّسه في أرقى جامعاتها مستندًا إلى منهجيات علمية دقيقة. لم تكن تجربته الأكاديمية والمهنية هذه مجرد إنجازات شخصية فحسب، بل إنها تركت بصمتها العميقة في تشكيل وعي زوجته السودانية، إذ أثرت فيها نظرتها إلى الحياة ورفعت من مستواها في الوعي بعد زواجها من مصطفى سعيد، عاشت حسنة تحولًا هائلًا في ذهنها وشخصيتها. " لقد تغيرت حسنة بنت محمود بعد زواجها من مصطفى سعيد كل النسوان تتغير بعد الزواج لكنها هي خصوصا تغيرت تغيرا لا يوصف" كانت هذه التغيرات عميقة ومؤثرة، لأنها لم تكن مجرد تغييرات اعتيادية بل انعكاسًا مختلفة عن بيئتها القرَوية. فالحياة في القرية، التي كانت غارقة تحت وطأة قيود التخلف الاجتماعي، تحكمها تقاليد صارمة ونظام انعكس على الأدوار الثابتة بين الرجال والنساء. في هذا النظام القديم " المراه للرجل والرجل رجل حتى لو بلغ ارذل العمر ".
وإذا كان "ود الريس"، الذي يعد الزوج المنتظر لحسنة بعد وفاة زوجها، " يبدل النساء كما يبدل الحمير "، فإن تصرفاته واقواله : تؤكد استمرار سطوة المفاهيم التقليدية وإصرار المجتمع على تطبيقها بلا استثناء. كان يقول بكل عنجهية، إن طموحه في الزواج بحسنة هو حق مكتسب،
" ابوها قبل واخوتها قبلوا والكلام الفارغ الذي تتعلمونه في المدارس لا يسير عندنا هذا البلد فيه الرجال قوامون على النساء " تمثلت رؤيته للزواج بأنها فرصة لا يجب أن تضيع، قائلاً " لن اتزوج غيرها ستقبلني وانفها صاغر هل تظن انها ملكه او اميره الارامل في هذا البلد اكثر من جوع البطن تحمد الله انها وجدت رجلا مثلي "، لكن حسنة بنت محمود، على الرغم من ضغط المجتمع وأعرافه الصارمة، وقفت في مواجهة هذه التحولات بشجاعة نادرة. صرحت بصوت قاطع رفضها القاطع للزواج من "ود الريس"، مؤكدة : " بعد مصطفى سعيد لن ادخل على رجل " وأعلنت بكل حزم أنه إذا أجبرت على إقامة علاقة زواج جديدة بعد مصطفى، فهي ستلجأ إلى أقصى حدٍّ،" واذا اجبروني على الزواج فاني سأقتله واقتل نفسي " كانت بذلك تعبر عن رفضها للاستسلام لمنظومة تهدد كيانها الشخصي وتفرض عليها التبعية دون احترام إرادتها وحريتها.
يجد هذا الصراع ذروته عندما تُجبر حَسنة على الزواج من ود الريس، ذلك الرجل العجوز الذي يُفرض عليها رغم إرادتها بعد اختفاء زوجها الأول، مصطفى سعيد.. ما يزيد الأمر مأساوية هو سلوك والدها القاسي تجاهها، إذ يُظهر عنفًا جسديًا ولفظيًا واضحًا بغية إجبارها على القبول بالزواج. " ابوها شتمها وضربها، وقال لها : تتزوجينه رغم انفك "هذا الموقف يكشف عن طبيعة القمع المنهجي الذي تمارسه البُنى الأسرية والاجتماعية ضد النساء، حيث تدفع الضحية في نهاية المطاف إلى خيارين أحلاهما مر: إما الاستسلام الكامل أو التمرد المدمّر.
. وبعد أن يتم زواجها من ود الريس، تبدأ معاناتها في مستويات أخرى؛ إذ تتحول حياتها إلى سلسلة من الانتهاكات المتواصلة والمتجسدة في الاعتداءات الليلية والإذلال اليومي، لتصبح رهينة لعلاقة تقوم على القهر وإهدار الكرامة" اقامت عنده أسبوعين لا تكلمه ولا يكلمها " في غرفة ود الريس القصيرة المطلة على الشارع "وفي لحظة مفصلية من الرواية، تصل حَسنة إلى قرار مدوٍ يتجاوز كل الحدود التقليدية للصمت أو الهروب. تقدم على قتل ود الريس ثم تختار الانتحار .
كان المشهد مريعا، كلاهما شبه عار، كان ثوبها ممزقا، كانت مخدوشة في كل جزء من جسمها، وكان ود الريس مطعونا باكثر من عشر طعنات نافذة في بطنه وصدره، ، كانت حسنة مستلقية على ظهرها والسكين مغروز في قلبها، فمها مفتوح وعيناها تبحلقان كأنها حية وود الريس لسانه مدلدل بين فكيه وذراعه مرفوعة في الهواء.
هذه وسيلة للتعبير عن رفض قطعي وشامل لهذا النظام الاجتماعي الجائر الذي نزع عنها أبسط مظاهر الإنسانية. يبرز فعلها الأخير كصرخة احتجاج جارفة تتحدى التعريفات النمطية لدور المرأة وتعري الأبعاد الأكثر ظُلمًا وثقلاً للنظام الأبوي الذي أسلبها حقها الطبيعي في الحياة الكريمة.
قتل حسنة لود الريس لا يعد مجرد جريمة عادية، بل هو عمل رمزي يعيد تعريف مفهوم "القوة" في مجتمع تغلب عليه الهيمنة الذكورية. الفعل يجسد انتقامًا من نظام اجتماعي يحصر دور المرأة في جسد مستسلم، ويجعلها وسيلة لإشباع رغبات الرجل. انتحارها عقب ارتكاب الجريمة يعبر عن رفض جذري للاستمرار في حياة تنتقص من كرامتها ، وبهذا فإن حسنة بنت محمود " قتلت التقاليد التي تعودت ان تجعل من المرأة شيئا من المتاع المادي ، وليست " انسانة " ذات عاطفة خاصة مستقلة "
يمكن تحليل شخصية حَسنة ضمن الثنائية الرمزية في الرواية، حيث يعكس الرجل (ود الريس) التقاليد الراسخة والمتهالكة، بينما تمثل هي الشوق إلى الحياة الكريمة ، إلا أن هذا يتعرض للقمع تحت قوة النظام الأبوي المسيطر، نهايتها المأساوية تسلط الضوء على استحالة التغيير في إطار بنية اجتماعية مغلقة، لكنها في الوقت ذاته تترك تأثيرًا عميقًا على الراوي والمجتمع، كمحفز قوي يثير التساؤلات حول مفاهيم العدالة
ويظهر الموت عنصرا رئيسا ومؤثرا في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، عبر شخصيتي جين مورس وحسنة بنت محمود، إذ تنتهي حياتاهما بطريقة درامية وعنيفة بفعل القتل العمد ويرتبط كل من هذين الموتين بالعلاقة الجنسية والرغبة في التحرر والهرب من الذات أو الآخر عن طريق القتل، تلقى جين مورس حتفها في لحظة مشبعة برغبة جامحة نحو الانتحار وهي بين ذراعي مصطفى سعيد، وكأنها تخوض رحلة نحو عشق مطلق وتمرد على الأعراف، يبدو أنها تسعى من خلال موتها إلى دفع خصمها وعشيقها نحو هاوية الموت التي تمكن من الإفلات منه في أثناء محاكمته، ان الموت ـــ هنا ـــ ليس مجرد حدث مادي عادي أو نهاية لحياة شخصية ما؛ بل يمتد ليأخذ أبعادًا رمزية تنطوي على دلالات حضارية وثقافية عميقة. ففي حالة وفاة جين مورس، التي تمثل رمزًا للحضارة الغربية، يتم توظيف الموت وسيلة للتعبير عن أفول الحقبة الاستعمارية التي اعتمدت على فرض هيمنتها بالقوة على الشعوب والأمم الأخرى. هذه الوفاة تُشير إلى انهيار نموذج حضاري متغطرس كان يسعى بكل وسيلة إلى إثبات تفوقه.
أما حسنة بنت محمود، فقد وجدت نفسها مجبرة على الزواج من ود الريس نتيجة لضغوط عائلية قاسية، رغم رفضها القاطع لهذا الزواج الذي يعبر عن قيم بدائية وتخلف اجتماعي، واتخذت قراراً حاسماً بقتل زوجها والانتحار، إذ تعد هذا الفعل هو السبيل الوحيد لتحرير ذاتها والتمرد على الظروف القاهرة المحيطة بها. ويمثل موت حسنة بنت محمود صراعًا ثقافيًا واجتماعيًا من منظور آخر، حيث يعكس مأزق المرأة العربية التي تجد نفسها محاصرة بين قسوة التقاليد البالية والممارسات الظالمة التي تفرض الزواج بالإكراه، وبين تطلعها المشروع للتحرر من قيود قديمة لا تتماشى مع الشرائع العقلية والأخلاقية. هذا الصراع العنيف بين الثبات على موروثات اجتماعية قاسية والرغبة في التحرر منها يصور تعقيدات الواقع الذي تعيشه المرأة، ليصبح الموت هنا رمزًا لمأساة هوية اجتماعية تسعى جاهدة للخروج من عباءة الماضي.
عانت حسنة بنت محمود من العنف النفسي بسبب تسلط ثقافة ذكورية تتسم بالتخلف، حيث دفعتها الظروف الاجتماعية للزواج من ود الريس، الذي يُعد واحدًا من أبرز رموز النظام الأبوي المتحجر، يسعى هذا النظام إلى تقليص دور المرأة وتحويلها إلى مجرد عنصر هامشي داخل المجتمع، فارضًا عليها الامتثال لقوانينه الصارمة والقاسية.
وعلى عكس جريمة قتل جين مورس التي جرت بتنسيق مشترك مع مصطفى سعيد، نجد أن حسنة بنت محمود تحدّت التقاليد البالية بقرار فردي، حيث كان رفضها للزواج نابعا من إرادتها الشخصية وليس باتفاق مسبق، من جانب آخر، خضعت جريمة قتل جين مورس لمحاكمة قادت إلى إدانة القاتل بالسجن لعدة سنوات، بينما تم دفن جثتي ود الريس وحسنة بنت محمود في صمت تام، مع محاولة التستر على الجريمة وإخفاء معالمها .



#كريم_الوائلي (هاشتاغ)       Karim_Alwaili#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استبداد بلا سياط، كيف يُعاد إنتاج الطغاة؟
- محنة خلق القرآن أم وأد العقل ، من حرية المعتزلة الى جبرية ال ...
- الى الصديق العزيز غالب الشابندر ، المثقف والسياسي ...ديمومة ...
- من سجون الغربة إلى فناء الذات ، تمثلات الحلاج عند جودت القزو ...
- مأساة الحلاج وصوت المثقف صلاح عبد الصبور وتمثلات القمع السيا ...
- التنوير في مواجهة البطش، المثقف العراقي وتجربة المناهج التعل ...
- البنية العميقة لقصيدة المدح عند البحتري : الفرار من الطلل إل ...
- هل للمتصوفة اليوم مكان في هذا العالم؟
- الحداثة واللاحداثة بين التبعية والقطيعة
- من الطاعة إلى الحرية: مساءلة العقل التابع
- البلاغة الفارغة من التهويم الخطابي الى التغير الاجتماعي
- كراهية الآخر الغربي
- اللفظ والمعنى في صحيفة بشر بن المعتمر
- قراءة في تحديث المناهج التعليمية في العراق
- الملامح التدميرية في معلقة امريء القيس
- الدراسات النقدية الحديثة في مجلة المجمع العلمي العراقي
- توظيف الشخصية التراثية عند مظفر النواب
- فناء في سجون الغربة قراءة نقدية في قصيدة للشاعر جودت القزوين ...
- إعداد المعلم بين تحديث المناهج وقصور التدريب
- بيان الثقافة العراقية


المزيد.....




- الاستقصائي الإيطالي بياكيسي: هذه فكرة -صلاة مدنية للمقاومة – ...
- وفاة الفنان السوري أحمد خليفة.. رحيل نجم -باب الحارة- و-أهل ...
- -جيل يقرأ.. جيل ينهض-.. معرض كتاب الطفل بدمشق يستعيد بريق ال ...
- فيلم -مايكل-.. قصة كاملة أم نسخة مفلترة من حياة ملك البوب؟
- جعفر جاكسون يحيي أسطورة عمه.. فهل أنقذ فيلم -مايكل-؟
- الرواية الهوليوودية.. كيف تروي التاريخ سينمائيا عبر عدسة الس ...
- الجامعة العربية تؤكد التزامها بتعزيز منظومة الملكية الفكرية ...
- وفاة الفنان السوري أحمد خليفة عن عمر ناهز 81 عاما
- ظلالٌ تتبدّل حين يطول الغياب
- تحولات ريف مسقط وعُمان.. -شيكاغو- تتوّج محمود الرحبي بجائزة ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم الوائلي - المرأة المتمردة في رواية موسم الهجرة الى الشمال