هيفاء أحمد الجندي
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 13:52
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
الجزء الأول......
لم يكن لدى الماركسيين الللبنانيين قبل مهدي عامل ،القدرة على إنتاج ثقافة نظرية معمقة حول البنية الطائفية ، وكان الوصف يطغى على التحليل واستحق مهدي عامل موقع الريادة في التنظير المعمق لإنتاج الجديد المفهومي في هذا المجال، ولم تكن لدى الماركسيين الجرأة الكافية لابتكار المقولات النظرية بشأن الطائفية ،انطلاقا من التجديد النظري في الماركسية نفسها لفهم هذه الظاهرة ، وكان الجدل يدور حول مواقع الطائفية في البناء الفوقي أو التحتي، وحول طائفية الدولة اللبنانية وطبقيتها وعلاقتها بنمط الإنتاج الرأسمالي أو الأنماط السابقة ،وبجرأة الثوري الأصيل نقد مهدي رفاقا له، من موقع الخندق النضالي الواحد، اللذين انزلقوا بوعي أو بدون وعي الى مواقع الفكر البورجوازي ، فساهم في تصليب فكرهم المادي وفي تقويم ما أعوج منه .
وكان على مهدي أن يصيغ منهجا متكاملا نقيضا لهذا المنهج الطائفي البورجوازي ،وذلك من موقعه المميز في إنتاج الفكر المادي على الساحة اللبنانية ، وقد نجح فعلا في إقامة الاختلاف الواضح بين الفكر المادي والفكر البورجوازي في النظر إلى الطائفية والدولة الطائفية ،وانطلق هذا المجدد في رسمه للمنهج النقيض من موقع مقولات الفكر المادي ،ليوظفها في إنتاج معرفة علمية تقيم الاختلاف مع الفكر البورجوازي في جميع المجالات.
ويرى مهدي عامل أن التحليل المادي للطائفية كظاهرة اجتماعية تقتضي القول، بأن جذورها هي جذور مادية بمعنى أنها تمتد في القاعدة المادية للبنية الاجتماعية القائمة في حاضرها الراهن، لا في القاعدة المادية لبنية اجتماعية سابقة ،ولا وجود لأي ظاهرة من الظاهرات الاجتماعية الا في البنية القائمة، لذلك رفض تاريخية الطائفية بارجاعها الى أنماط الانتاج السابقة .ورأى أن منهج التحليل المادي يقتضي معالجة المسألة الطائفية بردها الى جذورها المادية التي تكمن في القاعدة المادية للبنية الاجتماعية القائمة، أي في بنية علاقات الإنتاج الكولونيالية الخاصة بالبنية الاجتماعية اللبنانية، ولا يجد المفكر الشهيد صعوبة في اثبات علمية هذه المقولة ، لأن الفكر المادي ينطلق دوما في بحثه التاريخي من بنية الحاضر، أي من حاضر البنية الاجتماعية وليس من ماضيها، بحيث يجعل من نظام الملل الذي كان قائما في العهد العثماني مبدأ تفسيره للطائفية أو اعتماده على المفاهيم الخلدونية كالعصبية أو علاقات القرابة والملة .
اعتمد مهدي على الضرورة المنهجية في معالجة الطائفية ،انطلاقا من النظر في البنية الاجتماعية الرأسمالية اللبنانية في تميزها الكولونيالي، واعتمد على منهج التحليل الماركسي لسبب بسيط ،هو أن البنية اللبنانية هي بنية طبقية رأسمالية كولونيالية مرتبطة ارتباطا بنيويا بالامبريالية ، وهذا النمط الكولونيالي التبعي يسيطر على الأشكال السابقة على الرأسمالية التي يتعايش معها ، وهو الذي يسمح في قانونه الميلي العام بتجدد الأنماط السابقة أي اعادة انتاج علاقات الانتاج الماقبل رأسمالية بدلا من القضاء عليها، بسبب التبعية البنيوية للامبريالية وبناء عليه استخلص مهدي من هذه القراءة ما يلي:
ان حركة تجدد علاقات انتاج ما قبل الرأسمالية، ليست محكومة بآلية داخلية خاصة بأنماط هذا الانتاج مستقلة عن آلية نمط الانتاج الرأسمالي المسيطر في البنية الاجتماعية الكولونيالية اللبنانية ،بل هي بالعكس نتيجة ضرورية لآلية هذا النمط المسيطر، وللشكل الذي يسيطر فيه على تلك الأنماط في إطار علاقة تبعية بنيوية بالامبريالية .
ومن الخطأ ان نميز البنية الاجتماعية بالازدواجية البنيوية ،اي القول انها وحدة خارجية لبنيتين متلاصقتين مستقلتين عن علاقات الانتاج ،الاولى تقليدية سابقة على الرأسمالية والثانية رأسمالية. وحتى لو قبلنا برد ظاهرة الطائفية الى علاقات انتاج الماقبل رأسمالية ، فاننا لا نستطيع فهمها الا بفهم الآلية الداخلية لتطور نمط الانتاج الرأسمالي التبعي الكولونيالي ،لان بتلك العلاقات تجد مبدأ تفسير وجودها وبقاءها وإعادة انتاجها في هذه الآلية، وليس في آلية الانتاج السابقة بل ان هذه العلاقات السابقة، وفي حركة تجددها في البنية الاجتماعية الرأسمالية القائمة بفعل الشكل الذي يمارس فيه نمط الانتاج الكولونيالي المسيطر سيطرته عليها، في البنية السابقة التي كانت قائمة مثلا في العهد العثماني. ولذلك ميز مهدي عامل بين الايديولوجية الطائقية والدينية وربط الايديولوجية الطائفية ببنية علاقات الانتاج الكولونيالية ،يعني الأساس المادي لهذه الايديولوجية ، وحدد طابعها الطبقي البورجوازي. وهذا التحديد هو ما يميزها عن الايديولوجية الدينية ،كاشفا مكامن التضليل في الفكر البورجوازي المسيطر، ومكامن الانزلاق الذي وقع فيه بعض الماركسيين، اذ من الخطأ القول ان الايديولوجية الطائفية هي ايديولوجية الطبقة المسيطرة في علاقات الانتاج السابقة على الرأسمالية، بل الايديولوجية الدينية التي هي خاصة بالاشكال الماقبل رأسمالية.
انطلق مهدي من القول بان الطبقة المسيطرة في لبنان هي الطبقة البورجوازية والايديولوجية المسيطرة هي ايديولوجيا هذه الطبقة ، والبنية الاجتماعية تتحدد بكونها بنية رأسمالية تربطها بالامبريالية علاقة تبعية بنيوية .
لقد ورث بعض النقاد عن الفكر البورجوازي مشكلة الطائفية بالشكل الذي هو طرحها فيه، وهي خاصة بالادلوجة البورجوازية الكولونيالية اللبنانية، والاساس الايديولوجي الطبقي لهذا الطرح هو تغييب الاقتصادي، من حيث أن الاقتصادي يعني بنية علاقات الانتاج وبنية هذه العلاقات الطبقية هي بنية كولونيالية، ولا يمكن النظر فيها الا في بنية علاقات الانتاج التابعة للامبريالية . فتغييب الاقتصادي يقود بالضرورة الى تغييب علاقة التبعية ،وبهذا التغييب تحل الطوائف محل الطبقات في تحديد البنية الاجتماعية اللبنانية، التي تظهر جينئذ بمظهرمجموعة من الطوائف لا يضمها سوى اطار خارجي " الدولة"، التي تقوم بوظيفتها الطبقية على أحسن وجه في تأمين ديمومة اعادة انتاج العلاقات الكولونيالية ،القائمة بالتحديد في تغييب علاقة الضرورة الطبقية التي تربطها بالاقتصادي .فظل في آليته الداخلية حرا من قيود الصراع الطبقي ،وعلى ذلك الأساس تحددت الطائفة التي هي وليد ذلك التغييب الاقتصادي من حيث هي كيان اجتماعي مستقل وجوهر متماسك بآليته الداخلية، وقد تكون عند البعض وكما أسلفنا العصبية او الدين أو الملة .
فالفكر البورجوازي يرى في لبنان مجموعة طوائف يتشكل فيها الوطن اللبناني الفريد من نوعه، ولبنان مجموعة من الطوائف المتعايشة المتآلفة ضمن إطار سياسي واحد أي في دولة واحدة هي دولة هذه الطوائف ،ولبنان مجتمع متعدد للدولة فيه دور مؤسسي تحكيمي توازني على حد تعبير ميشيل شيحا ،مهندس الصيغة اللبنانية الذي يرى علاقة الدولة بالطوائف هي علاقة مؤسسية ، فيها توجد الطوائف وبها تقوم ، وبالتالي لا وجود للطوائف في لبنان بدون الدولة ،فالطوائف كأقليات هي كيانات مستقلة قائمة بذاتها ، وهي في وجودها الكياني بحاجة الى الدولة التي تؤمن ديمومة الطوائف كجواهر مغلقة على ذاتها في التاريخ من خارج التاريخ نفسه، هي إذن في هذا المنطق الطائفي شفيعة الطوائف وضامنة وجودها ،كما أن حاجة الطوائف الى الدولة ناتجة عن كونها أقليات قائمة بذاتها لا بالدولة والدولة بدورها بحاجة اليهم ،فلو لم تكن الطوائف لما كانت الدولة ، والدولة فوق الطوائف لأنها الطوائف جميعها . واستكمالا لهذا المنطق الطائفي البورجوازي ،يصبح تمييز لبنان عن الدول العربية تمييزا طائفيا ، وقدر لبنان أن يتكرر متماثلا بذاته، بلدا تتعايش فيه طوائفه في نظام دائم بديمومته ، فنظامه كيانه لا فرق بينهما كأنه بين بلدان العالم حميعا الأوحد الذي اذا تعثر نظامه هوى كيانه، هنا تكمن فرادته . أما التغيير في لبنان فيعني الحرب الأهلية ، لان الفكر الطائفي يرى ضرورة تأبيد النظام السياسي لأن تأبيده انهاء للحرب ، واذا ضعفت الدولة المركزية اختل التوازن بين الطوائف ، لذلك يرى منظرو هذا النظام ضرورة تقوية الدولة، حتى تعود الى الطوائف توازنها فيدوم النظام السياسي الطائفي القائم على التوافقية الطائفية .
كيف نقد ونقض المفكر الشهيد أطروحات الفكر الطائفي البورجوازي ؟
لقد حدد مهدي عامل سلسلة من المقولات أبرزها، ليست الطوائف كيانات اجتماعية قائمة بذاتها الا في ايديولوجية البورجوازية اللبنانية الكولونيالية المسيطرة، وليست الطوائف كيانات أو وحدات اجتماعية بل هي علاقة سياسية تحددها حركة معينة من الصراع الطبقي ،خاص بهذه البنية اللبنانية وبالشكل الذي تتحدد فيه الحركة بهذه البنية.
وبحسب المفكر الشهيد هناك فارق كبير بين أن تكون الطوائف كيانات اجتماعية قائمة بذاتها بينما هي في وجودها المؤسسي كيانات سياسية قائمة بالدولة ، وهناك فرق كبير بين أن تتحدد الجماهير اللبنانية كطوائف وبين أن تتحدد كطبقات ، فتحديدها السياسي الطائفي هو الذي يمنع وجودها السياسي الطبقي ، إن الطوائف ليست طوائفا الا بالدولة لا بذاتها كما يوهم الفكر الطائفي ، والدولة في لبنان هي التي تؤمن ديمومة الحركة في اعادة انتاج الطوائف كيانات سياسية، والطائفية كما عرفها مهدي عامل هي الشكل الذي يظهر فيه من موقع نظر البورجوازية النظام السياسي للسيطرة الطبقية لهذه الطبقة المسيطرة، فيظهر النظام السياسي لتعايش الطوائف في هذا الشكل الطائفي من النظام السياسي الطبقي، وتظهر السيطرة الطائفية من حيث ان السيطرة هذه تمثل سيطرة الطوائف عبر ممثليها السياسيين ،انها كسيطرة طائفية تعني سيطرة هؤلاء وليست سيطرة الطوائف، لهذا كان لدولة البورجوازية شكل الدولة الطائفية ولن تصبح هذه الدولة بورجوازية بحق اذا لم نفهم الشكل الكولونيالي لتحرك نمط الانتاج الرأسمالي المرتبط بنيويا بالامبريالية ،والذي حدد لهذه الدولة شكلهاالطائفي ، ولكن فئات البورجوازية المسيطرة ليست متجانسة او متساوية ،فقانون تفاوت التطور يحكم تطورها ايضا معنى هذا أن ثمة فئة منها ، هي التي ترتبط بمصالحها الطبقية المباشرة ،معنى هذا أن هيمنتها الطبقية اساسية لسيطرة الطبقة المسيطرة ولديمومة النظام الطبقي القائم ،والفئة المهيمنة هي الطغمة المالية.
#هيفاء_أحمد_الجندي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟