|
|
نظام الإنتاج الكولونيالي كمحاولة تاريخية لفهم التخلف في صيرورته التاريخية
هيفاء أحمد الجندي
الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 16:11
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
نظام الإنتاج الكولونيالي كمحاولة لفهم التخلف في صيرورته التاريخية الجزء الثالث والأخير .... إذا كان الاستعمار قد حرر القوى المنتجة التي أخضعها لسيطرته بضمه لها إلى حركة تطور إنتاجه التوسعي، فإن الشكل التاريخي لهذا التحرير كان تشويها فعليا لهذه القوى المنتجة وهو في الحقيقة حد بنيوي لتطورها، والسبب في ذلك أن تحرير القوى المنتجة في البلدان المستعمرة لم يكن بخلق علاقات إنتاج رأسمالية جديدة كما حدث في أوربا ، بل بخلق علاقات إنتاج جديدة هي علاقات كولونيالية ، ولا يمكن لهذه القوى أن تتجاوز في تطورها إطار هذه العلاقات الإنتاجية ، و من الطبيعي أن يكون تطور القوى المنتجة التي حررها الاستعمار في البلدان المتخلفة محدودا بشكل بنيوي بعلاقات الإنتاج الكولونيالية ، والفارق كبير بين هذه العلاقات وعلاقات الانتاج الرأسمالية ، إن من حيث التكون التاريخي أم من حيث الوجود البنيوي ، ولم يكن تطور علاقات الانتاج الكولونيالية تحقيقا لضرورة تطور القوى المنتجة داخل إطار الانتاج السابق للاستعمار، بل كان تكونها تحت تأثير العنف الاستعماري الهدام ، ليسد أفاق تطور هذه القوى المنتجة بتوجيهه لها في أفق التبعية الاستعمارية ، من هنا كان تحرير الاستعمار للقوى المنتجة في البلدان المتخلفة تشويها لها واجهاضا لامكانات تطورها في أفق رأسمالي مستقل ،ولا ننسى بأن الهم الرئيسي للاستعمار كان متوجها نحو منع كل صناعة في هذه البلدان، حتى لو كانت صناعة خفيفة استهلاكية، فنتج عن ذلك أن القوى المنتجة التي ولدها الاستعمار في بلداننا كانت تخدم لمصالحه ويستثمر بشكل استعبادي مقدراتنا ، ولم تصل هذه البلدان الى مستوى الاستقلال في تطور قواها المنتجة لمستوى تطور القوى في البلدان الاستعمارية . ان الديالكتيكية الماركسية هي وحدها التي تستطيع أن تكشف لنا بنية العلاقة الكولونيالية كوحدة تفارقية لبنيتين تتفارقان في إطار وحدتهما البنيوية، وحركة التفارق هذه ليست لكل بنية في علاقتها مع الأخرى بل هي أيضا حركة تفارق داخل كل بنية في إطار حركة تفارق الاثنتين ونحن إذ نقول هذا عن الديالكتيك الماركسي ، فلانها في أساسها حركة الواقع نفسه ولأن هذه الحركة حركة تفارق وتفاوت في اطار وحدة التناقضات. ان نظرتنا هذه للعلاقة الكولونيالية كعلاقة بين بنيتين تضمهما وحدة تفارق ، ترتكز في أساسها وفي امكانها بالذات الى قانون ماركسي لينيني تاريخي علمي هوقانون تفاوت تطور التناقضات في اطار وحدتهما البنيوية، ونحن نستخدم قانون تفاوت التطور في فهم العلاقة الكولونيالية بين بنيتين اجتماعيتين مختلفتين متفارقتين ، بحيث ان حركة تفاوت كل بنية تتجقق في اطار حركة تفارقهما ، هذا يعني ان حركة التفارق في كلتا البنيتين حركة معقدة ،لأنها في الحقيقة حركة تفارق أي وجود بنية مسيطرة في وحدة البنيتين، ووجود تناقض مسيطر هو التناقض الرئيسي في وحدة التناقضات في كل بنية ، ووجود بنية مسيطرة في وحدة البنيتين هو أساس التفاوت في تطورهما ، كما وأن وجود تناقض مسيطر في وحدة البنية أساس لتفاوت التطور في التناقضات . هذه الطبيعة المعقدة لتناقض الواقع التاريخي، لا يمكن أن تتكشف الا للفكر الماركسي ، لأن التناقض الماركسي وعلى عكس التناقض الهيغلي، في طبيعته معقد فالنظر من خلاله الى العلاقة الكولونيالية ، ليس عن اختبار ذاتي بقدر ما هو عن ضرورة في الوقع التاريخي، والتي تفرض نفسها على الفكر العلمي ، واذا نظر الى العلاقة الكولونيالية على ضوء التناقض الماركسي ،تكشفت لنا العلاقة كوحدة بين بنيتين أساس وحدتهما السيطرة ، فالوحدة هنا ليست قائمة بين بنيتين متساويتين على صعيد بنيوي واحد، بل بين بنية هي البنية الرأسمالية المسيطرة ،على بنية أخرى هي البنية الكولونيالية ، وهذه السيطرة لا تكمن في وجود القواعد العسكرية في البلدان المستعمرة المتخلفة وان كانت هذه القواعد من أخطر أشكال السيطرة الاستعمارية، لأن السيطرة الفعلية تكمن في وجود البنية الكولونيالية بالذات، كبنية اجتماعية متميزة لا وجود ولا بقاء لها الا في وحدتها البنيوية والتطورية مع البنية الرأسمالية . والوجود المسيطر للبنية الرأسمالية في وحدتها التفاوتية مع البنية الكولونيالية ،هي وجود الاطار البنيوي لتطور قوى الانتاج في نظام الانتاج الكولونيالي، أي في علاقات الانتاج الكولونيالية نفسها كعلاقات طبقية متميزة ، وان سيطرة الاستعمار على البلدان المتخلفة قائمة في وجود علاقات الانتاج نفسها في هذه البلدان كعلاقات انتاج كولونيالية ، فالسيطرة الاستعمارية الحقيقية ، أي تبعية هذه البلدان للاستعمار ،متمثلة في الاطار الاجتماعي نفسه للانتاج الكولونيالي اي في العلاقات الطبقية الخاصة بالبنية الاجتماعية الكولونيالية، وليست في الوجود المباشر للاستعمار في هذه البلدان كوجود عسكري أو اقتصادي، لذلك يخطأ من يتكلم عن انتهاء الاستعمار بانتهاء وجوده المباشر ، ومفهوم الاستعمار الجديد المتداول يخلو من كل دقة علمية لأنه يرتكز الى تحديد نظري ضمني خاطىء للاستعمار اي للعلاقة الكولونيالية ، هذه العلاقة لا تتقدم بالضرورة بانعدام الوجود المباشر للاستعمار، كشكل عنيف من أشكال وجوده والاستغلال مرتبط بزوال علاقات الانتاج الكولونيالية ، اي الانتقال من الانتاج الكولونيالي الى الانتاج الاشتراكي عن طريق الثورة التحررية ، ووجود الاستعمار الدائم هو في وجود علاقات الانتاج الكولونيالية كاطار اجتماعي للتطور التاريخي للقوى المنتجة، في نظام الانتاج الكولونيالي أي انه في شكل وجود الطبقات الخاصة بالبنية الاجتماعية الكولونيالية. والميزة الأساسية لهذه البنية الاجتماعية هي عدم تفارق الطبقات الاجتماعية فيها ،وأساس اللاتفارق الطبقي في البنية الكولونيالية يكمن في هذا الشكل التاريخي المميز للمواجهة الطبقية للطبقة العاملة ، إن في وجودها الطبقي أم في صيرورتها الطبقية، وتحدد البورجوازية الكولونيالية كبورجوازية تجارية مالية تمثل في وجودها الطبقي البورجوازية الاستعمارية ، وهذا الوضع أوجد في البنية الكولونيالية وضعا طبقيا خاصا ، ان لم نقل شاذا تواجه فيه الطبقة العاملة القسم المنتج من البورجوازية الصغيرة، وليس كما في الغرب البورجوازية الرأسمالية لاستحالة وجود هذه الطبقة في المجتمع الكولونيالي ، وان العلاقة الكولونيالية كعلاقة سيطرة للانتاج الرأسمالي كانتاج بالضرورة استعماري على الانتاج الكولونيالي، حددت بنية هذا الانتاج كاطار يلجم حركة التفارق الطبقي ،ويميل الى شلها بدلا من أن يحررها بمعنى آخر ان الاطار الكولونيالي لحركة التفارق الطبقي في بنية لا تفارقية، يعود الى ان القوى المنتجة في الانتاج الكولونيالي تابعة بالضرورة في تطورها للقوى المنتجة في الانتاج الرأسمالي، فهي منذ البدء أي منذ تكون علاقات الانتاج الكولونيالية كاطار لتطورها تحددت بشكل يمنع فيه تطورها من تحقيق الشروط المادية لحركة تفارق طبقي ، شبيهة بما حدث في الغرب الرأسمالي . وتطور الزراعة في اطار العلاقة الكولونيالية وتطور الاستيراد والتصدير لا يسمحان اطلاقا بتحقيق تلك الشروط ، ونحن اذ نقول ذلك لا نتعدى مجرد المحاولة للنظر الى البنية الطبقية الكولونيالية من خلال قانون ماركسي عام للتطور التاريخي للبنية الاجتماعية ، هو قانون توافق علاقات الانتاج في نظام معين مع درجة تطور محدد للقوى المنتجة، لذلك واعتمادا على هذا القانون الماركسي يمكننا القول بأن القوى المنتجة في المجتمعات الكولونيالية يستحيل عليها أن تتطور في اطار علاقات الانتاج الكولونيالية، بشكل يشبه تطور القوى المنتجة في الانتاج الرأسمالي اي بشكل يحقق في هذه المجتمعات ثورة صناعية ضرورية لتحررها ،ويمعنى آخر إن تحرر القوى المنتجة لا يكون الا بكسر الاطار الكولونيالي ، وكسر هذا الاطار يكون بشكل مميز من الصراع الطبقي بين طبقات البنية الاجتماعية الكولونيالية ،ان التفارق الطبقي بين الطبقات الاجتماعية لا يتحدد على صعيد الاستهلاك بل على صعيد الانتاج الاجتماعي ، الذي هو يحدد كما يقول ماركس الاستهلاك الاجتماعي، فتحديد البنية الطبقية للمجتمع الكولونيالي يجب أن يتم اذن في اطار بنية الانتاج الكولونيالي وعلى صعيده ، وميزة هذا الانتاج انه انتاج زراعي تجاري تابع في حركة تطوره للانتاج الرأسمالي الاستعماري، وتظهر تبعيته هذه في انعدام الحلقة الصناعية لذلك كانت البورجوازية تجارية مالية استهلاكية لا انتاجية كالبورجوازية الاستعمارية، فهي بورجوازية استهلاكية تمثل البورجوازية الاستعمارية ، ولا تتحدد كطبقة متميزة الا بمقدار ما تحقق في وجودها الطبقي التمثيلي ، استحالة وجودها كطبقة فعلية مستقلة اساسه استحالة تكونها كبورجوازية انتاجية بسبب العلاقة الكولونيالية، وانعدام الحلقة الصناعية يجعل من الارض وسيلة الانتاج الاساسية ، فيترتب على ذلك سيطرة الانتاج الزراعي على الانتاج الاجتماعي ،الا ان هذه السيطرة لا تسمح لنا بالتكلم عن علاقات اقطاعية بين الفلاحين والملاكيين الزراعيين، لان الانتاج الزراعي بحكم العلاقة الكولونيالية يتوجه اساسا الى التصدير خاصة في قطاعاته المتطورة ، والعلاقة الكولونيالية تحدد الملاكين الزراعيين كفئة من البورجوازية الكولونيالية ، وهذه البنية الاجتماعية للانتاج الكولونيالي تظهر لنا بوضوح ، ان الفلاحين والعمال الزراعيين هم الطبقة الاجتماعية التي تتحمل اكثر من اي طبقة أخرى ،عبء الاستثمار الفائض في المجتمع الكولونيالي ، وتطورالانتاج الزراعي في اطار العلاقة الكولونيالية وبتوجيهه اساسا نحو التصدير يكون الاستعمار في الحقيقة هو القوة المستثمرة الاساسية في المجتمع الكولونيالي، لان علاقة الاستثمار بين الفلاحين والاستعمار، ليست مباشرة بل تمر بممثلة الاستعمار في المجتمع الكولونيالي اي بطبقة البورجوازية الكولونيالية على اختلاف فئاتها ،ان اساس الوحدة الطبقية لمختلف فئات البورجوازية الكولونيالية التجارية والمالية يكمن في كونها تمثل البورجوازية الاستعمارية، والمواجهة الطبقية بين الفلاحين وهم القوة الانتاجية الاساسية في المجتمع في اطار الانتاج الزراعي ليست ظاهر المواجهة بينهم وبين الاستعمار عبر البورجوازية الكولونيالية ، وهم يواجهون الاستعمار عندما يواجهون هذه البورجوازية الكولونيالية. ان بنية الانتاج الكولونيالي تمنع أساسا حركة تفارق طبقي، فلا سبيل للكلام عن طبقات تتكون في اطار المجتمع الكولونيالي، فالبنية الاجتماعية الكولونيالية هي بنية لا تفارق طبقي لذلك يغلب على هذا التطور الركود والتكرار، وحركته ليست حركة تقدمية تصاعدية كحركة التطور الرأسمالي، بل حركة راكدة تكرارية منغلقة ، تمنع بالضرورة تكون الطبقات كطبقات متفارقة . وهذا هو المعنى الحقيقي للحلقة المفرغة للتخلف ، هذه الحلقة هي بالذات الاطار البنيوي اللاتفارقي للانتاج الكولونيالي، والذي هو نتاج مستمر للعلاقة الكولونيالية، وهذا ما يحاول الأدب الاقتصادي البورجوازي اخفاءه حين يتكلم عن الحلقة المفرغة للتخلف . ان التفاوت الطبقي يكون بتطور الانتاج في حركة تصاعدية كما حدث في الغرب الرأسمالي فاذا كان الانتاج الكولونيالي ، يتطور في علاقة التبعية التي تربطه بنيويا بالانتاج الرأسمالي اي بشكل دائري وتكراري لا تصاعدي، فمن المستحيل ان يتحقق التفارق الطبقي في علاقات الانتاج من هذا الانغلاق الذي تتميز به بنية الانتاج الكولونيالي من الانتاج الراسمالي، الذي يفرض على حركة تطور الطبقات اطارا بنيويا ، يستحيل فيه تفارقها وهذه الاستحالة هي في بنية الانتاج نفسه كانتاج كولونيالي. وانتقال الفلاحين في المجتمع الكولونيالي من القرية الى المدينة، قلما يتخذ طابع التحول الطبقي الجذري كانتقال من طبقة متفارقة الى طبقة متفارقة، أي من طبقة الفلاحين الى طبقة العمال، والسبب في ذلك هو عدم وجود صناعة فعلية بالمعنى الرأسمالي للكلمة، فاذا قدر للفلاح أن يصير عاملا ونادرا جدا ان يتم ذلك ، ففي اطار من الصناعة الحرفية الصغيرة الاستهلاكية يصعب فيه تحويله الطبقي بشكل جذري وعيا ووجودا، لذلك نجده في وجوده الطبقي الجديد يحافظ على ارتباطاته الطبقية السابقة، فيحمل معه وعيه السابق الذي من خلاله يرى وجوده الجديد ، هذه السهولة في الحركة المتنقلة من وجود طبقي الى وجود طبقي اخر، مع فقدان القاطع الطبقي الجذري في الانتقال الطبقي، نجد اساسها في البنية الطبقية نفسها اي في هذا النوع في الطبقة العاملة ، التي هي نتاج للصناعة الاستهلاكية الصغيرة ،ولا ضير من القول أن العامل هو فلاح، فشل في عملية تحويله الاجتماعي الى عامل ،لان البنية الاجتماعية كبنية كولونيالية لا تسمح اطلاقا بتحقيق عملية هذا التحويل الاجتماعي، لاستحالة وجود الحلقة الصناعية فيها . ان الانتاج الرأسمالي استطاع أن يقطع على العامل خط الرجوع الى وجوده السابق والذي تحول فيه الى عامل ،ولذا نادرا ما نرى في المجتمع الرأسمالي الغربي ظاهرات اجتماعية كالتي نجدها في المجتمع الكولونيالي ، من حنين العامل الدائم الى قريته وأرضه ، ان الانتقال الطبقي للفلاحين من طبقة متفارقة الى طبقة متفارقة من القرية الى المدينة من الأرض الى المصنع، لا يمكن ان يكون في المجتمع الرأسمالي تنقلا كما هو الأمر في المجتمع الكولونيالي بل هو اساسا تحويل طبقي . ان حرية التنقل الطبقي هي ميزة أساسية في علاقات الانتاج الكولونيالية، و ربما وجدنا العامل في نفس الوقت فلاحا وبائعا لبعض السلع الاستهلاكية، ليس في البنية الاجتماعية الكولونيالية ما يمكن تسميته بقوة الجذب الطبقي، التي تفرز الأفراد طبقيا وتثبتهم في حدودهم الطبقية نهائيا وبشكل مستمر، وهذا يعود الى كون الانتاج انتاجا كولونياليا أي تابعا للانتاج الرأسمالي، لذلك نرى الوعي الطبقي في هذه البنية اللاتفارقية يتحدد كوهم طبقي، اكثر منه وعيا طبقيا، وفقدان ما نسميه بالجذب الطبقي اي عدم تحدد الطبقات بشكل تفارقي، يجعل الفرد يأمل بأن يرتق درجة في السلم الاجتماعي ، اي يخرق اطار البنية الطبقية للمجتمع، ومحاولة الارتقاء الى الطبقة العليا ، الذي هو معها في تناقض و صراع جود ، وهذا الأمل في الوعي دليل على الايمان بامكان تحقيقه، حتى وان كان هذا الامكان وهما خياليا ، فمجرد ظهوره للوعي الذي نعيشه كامكان في الواقع لا في الخيال ، يضفي على الوعي الطبقي شكلا ايديولوجيا اي وهما يحدد بالضرورة الممارسة السياسية كممارسة غير ثورية، في هذه الحالة لا يستلزم الوعي الطبقي صراعا طبقيا بل ما يمكن تسميته بالاستبدال الطبقي . والفارق كبير بين الصراع الطبقي والاستبدال الطبقي، وان كان الاول يتضمن استبدال طبقة بطبقة في السلطة السياسية كهدف له ، الا ان انتزاع السلطة من يد الطبقة الحاكمة البورجوازية واخضاعها للبروليتاريا ، يتم في صراع طبقي يؤدي بالضرورة الى كسر اطار العلاقات الرأسمالية والانتقال الى نظام الانتاج الاشتراكي، بمعنى اخر ان الصراع الطبقي الذي يتطور في اطار بنية اجتماعية محددة، يبلغ ذروة عنفه في كسر هذا الاطار، والانتقال الى بنية أخرى. اما الاستبدال الطبقي ، فيتم في اطار البنية نفسها من غير ان يحدث تغيرا بنيويا في نظام الانتاج الاجتماعي ،مثال ذلك ما نراه في البلدان المستعمرة التي لم تحقق ثورتها التحررية، بالرغم من استقلالها السياسي من استبدال طبقة بورجوازية ببورجوازية كولونيالية، وهذا لا يغير من بنية الانتاج الاجتماعي نفسه كانتاج كولونيالي فهو تغيير داخل اطار البنية الاجتماعية مع بقاءها وليس تغييرلها . هذا الاستبدال الطبقي هو في أحسن حالاته انتقال من اللاستقلال في التبعية الى الاستقلال التبعي ، اي انه ليس انتقالا من بنية اجتماعية الى اخرى، أو من نظام انتاج الى نظام انتاج اخر. ان ظاهرة الاستبدال الطبقي تكاد تكون خاصة بالمجتمعات الكولونيالية ، والتي لم تعرفها المجتمعات الرأسمالية الغربية، ففي هذه المجتمعات كان الاستبدال الطبقي يتم في صراع طبقي حاد، يؤدي دوما الى تغيير جذري بنيوي في نظام الانتاج نفسه، فاستبدال الطبقة الاقطاعية بالطبقة البورجوازية أدى في الغرب الى تحويل اجتماعي ثوري هو انتقال من نظام انتاج اقطاعي الى نظام الانتاج الرأسمالي، اما في المجتمعات الكولونيالية ، فنادرا ما يظهر الاستبدال الطبقي كصراع طبقي حاد ، وواضح بسبب البنية الاجتماعية التي هي بنية لا تفارق طبقي ،اي بسبب العلاقة الكولونيالية نفسها، وان وجود الاستبدال الطبقي كشكل من اشكال الصراع الطبقي في البنية الاجتماعية اللاتفارقية، دليل على تميز هذه البنية عن البنية الرأسمالية. والشكل التكراري لهذا التطور ،هو في الحقيقة دليل على الضرورة التاريخية لكسر هذا الاطار، والشكل التكراري للتطور الذي يظهر في الحلقة المفرغة للتخلف ،هو السبب في وجود هذا الوهم اي في الظن بوجود امكانيات تطور غنية داخل البنية الكولونيالية ، ان قوة الاستمرار ملازمة دوما لحركة التطور التكراري ،وهي منعدمة في حركة التطور التصاعدي كما تبرهن لنا ازمات التطور الرأسمالي ،ان الصعوبة في تخطي البنية الكولونيالية هي في ضرب قوة الاستمرار الكامنة في حركة تطورها التكراري، ولن يكون ذلك الا بقطع العلاقة الكولونيالية لان في هذا القطع تحريرا لحركة التطور التاريخي . لا شك أن هذا الاستبدال الطبقي كشكل من أشكال الصراع الطبقي في بنية اللاتفارق الطبقي، بامكانه أن يخلق في شروط محددة توترا بين الطبقات ،نادرا ما يولد هذا التوتر صراعا سياسيا ونقصد بالصراع السياسي حركة النضال الطبقي التي تستهدف اساسا التحويل الجذري الثوري للبنية الاجتماعية ، وليس الابقاء على هذه البنية ، والتوتر في حركة الاستبدال الطبقي ينتج شعورا بالمرارة ، اي ينتج صراعا نفسيا لا يمكن ان يكون له معنى سياسي حتى وإن انفجر بعنف في حركة تمرد، وهذا ما يفسر لنا عجز الممارسة السياسية في أغلب بلدان العالم الثالث عن تحقيق أي تغيير فعلي في البنية الاجتماعية ، اي عن تحقيق ما يمكن تسميته بالقفزة البنيوية بالرغم من طابع العنف الظاهري لهذه الممارسة والانفجارات الاجتماعية، لانها لم تسطع كسر اطارها لتحرر قوى التطور فيها ، والحقيقة أن عدم الاستقرار السياسي الذي تتميز فيه هذه البلدان بالنسبة لبلدان الاستقرار السياسي في الغرب الرأسمالي ،يتوافق مع استقرار دائم في البنية الاجتماعية الاساسية . هذا البقاء المستقر هو شرط لعدم الاستقرار السياسي وبمعنى أدق يمكننا القول بأن عدم الاستقرار السياسي ، هو شكل ظهور الاستبدال الطبقي في بنية اللاتفارق الطبقي ،أي انه الشكل التاريخي للممارسة السياسية لطبقات البنية الاجتماعية اللاتفارقية، والانقلابات العسكرية التي صارت جزءا لا يتجزأ من الفلكلور السياسي في العالم الثالث ، ليست سوى فورات سرعان ما تخمد وتزول رغوتها التضليلية ، فيظهر وجه البنية الاجتماعية في بقائه . بينما استقرار البنية في الغرب هو نتاج لديالكتيكية اجتماعية خاصة بالطبقات المتفارقة ، وعدم استقرار البنية الكولونيالية هو نتاج شلل الديالكتيك الاجتماعي الخاص بالطبقات الغير المتفارقة ، بمعنى أخر، ان لا تفارق الطبقات الاجتماعية في المجتمعات الكولونيالية هو السبب في شلل العملية الثورية ،التي تساهم بتأبيد القائم ، و يضفي على الصيرورة التاريخية لهذه المجتمعات طابعا التباسيا ، وكأن اللاتفارق الطبقي يعلق صيرورة هذه المجتمعات ،أي ينزع عنها طابع الالتزام بمنطق الحركة الضرورية، ويفتح لها في الظاهر امكانية الاختيار المتعدد هذا الفهم الخاطىء للحركة التاريخية كحركة معلقة فاقدة لضرورتها ، هو الذي يسمح لبعض الكتبة أن يقرروا بأن لهذه المجتمعات الاختيار بين الاشتراكية والرأسمالية بين الطريق الرأسمالي واللارسمالي ،وكأن التاريخ حين يتصل بهذه المجتمعات يفقد كل عقلانية ويصبح مجرد نتاج لتقرير ذاتي، وكأن الصيرورة في هذه المجتمعات وعلى خلاف المجتمعات العقلانية هي نتاج لقرار حر يتخذه الانسان ، وربما الفرد الحاكم بمعزل عن أي ضرورة تاريخية وعن قوانين موضوعية لفقدان هذه الضرورة وهذه القوانين في مجتمعات لا يخضع تطورها لعقل موضوعي. هذه النظرة الغريبة الى تاريخ المجتمعات الكولونيالية بوجه خاص، تنفي التاريخ حيث تجعل منه مجرد اختبار ذاتي ، وهذا الفهم الخاطىء لحركة التطور التاريخي ،الذي يرى من عبد الناصر او كاسترو القوة المحركة للتاريخ، فيكتفي حسب هذا المنطق أن يلزم الحاكم بلده في طريق التطور اللارأسمالي حتى يتطور، وهكذا يكون الشرط الاساسي لتحول المجتمع الكولونيالي الى مجتمع اشتراكي يؤمن بالاشتراكية كأفق لتطور التاريخ في بلده، فاذا اتجهت كوبا نحو الاشتراكية ، فلأن كاسترو هو الذي أراد ذلك ، وأساس هذا المنطق هي نظرة مثالية الى التاريخ تضع التاريخ في هذه المجتمعات على صعيد البناء الفوقي من البنية الاجتماعية ،فتفصل حركته عن حركة التطور الطبقي اي عن القاعدة المادية في هذه البنية ،وتجعل منه نتاجا للارادة الذاتية للفرد أو الفئة الحاكمة . لا ضير من القول ان البنية الكولونيالية المتميزة كبنية لا تفارق طبقي ،هي التي تسمح بظهور هذا المنطق الخاطىء في فهم التاريخ ، والنظرة الذاتية الى التاريخ ان دلت على شيء فانما تدل على عدم فهم صارخ للبنية الكولونيالية ولقوانين تطورها أي على جهل تام لحقيقة العلاقة الكولونيالية ، وهذه النظرة الغريبة عن الماركسية ليست نتاجا لجهد نظري وان كان لها أساس نظري ضمني، انها في الحقيقة نظرة ايديولوجية تستلزم بالضرورة الخروج المطلق لبلدان العالم الثالث من الحركة الفعلية للتاريخ
#هيفاء_أحمد_الجندي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نظام الإنتاج الكولونيالي كمحاولة لفهم التخلف في صيرورته التا
...
-
نظام الإنتاج الكولونيالي كمحاولة لفهم بنية التخلف في صيرورته
...
-
مهدي عامل ومفهوم التخلف ...الحلقة الثانية
-
مهدي عامل ومفهوم التخلف
-
نظرية الثورة كضرورة موضوعية لمواجهة التضليل الأيديولوجي البو
...
-
نظرية الثورة كضرورة موضوعية لمواجهة التضليل الأيديولوجي البو
...
-
مهدي عامل والاستبدال الطبقي كمفهوم لفهم التطور التاريخي الخا
...
-
مهدي عامل والتناقضات
-
كم مرة ينبغي أن ينتصر كارل ماركس على مفكر البورجوازية الرجعي
...
-
البورجوازية العربية البيروقراطية الهرمة والركود التاريخي
-
مهدي عامل وأسباب فشل الإصلاح الشهابي
-
هيمنة امبريالية جماعية جديدة لإدارة أزمة الرأسمالية الاحتكار
...
-
مهدي عامل -مفهوم الدولة - الجزء الثالث
-
مهدي عامل ومفهوم الدولة ....الجزء الثاني
-
مهدي عامل و -مفهوم الدولة-
-
التعيين الواقعي للطبقات والشرائح الاجتماعية المتضررة من الرأ
...
-
كيف نفهم الامبريالية اليوم
-
صندوق النقد الدولي ... مفقر للشعوب ومحفزعلى الثورات..
-
بحث في بنية التركيب الاقتصادي-الاجتماعي للمجتمعات الكولونيال
...
-
التغيير الجذري من منظور أزمنة البنية الاجتماعية الكولونيالية
...
المزيد.....
-
مؤتمر ضد التطبيع في ذكرى النكبة بالكرامة
-
صحفيو «الفجر» يصعّدون دفاعًا عن حقوقهم.. متضامنون مع المحرري
...
-
أكد تعرضه لتعذيب نفسي.. 3 يونيو الحكم على أحمد دومة
-
العدد 653 من جريدة النهج الديمقراطي
-
The Mirage of Security: The Dangerous Bukele Model
-
Ethnogenesis Mania — National Identity and Pseudoscience in
...
-
The Invisible Women’s Labor: Fuel of the Silent Economy
-
The Environmental and Social Impacts of Fish Farming and Ind
...
-
The Free Speech Recession and Cancel Culture
-
Waterboarding for Dollars in Cuba
المزيد.....
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
-
الانعطافة المفاجئة من “تحالف القوى الديمقراطية المدنية” الى
...
/ حسان عاكف
المزيد.....
|