أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - الناصر خشيني - جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة















المزيد.....

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 11:49
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت زلزالاً جيو-سياسياً أعاد تشكيل خارطة الشرق الأوسط والعالم الثالث. إن قراءة مسيرة القائد الخالد جمال عبد الناصر (1918 - 1970) من منظور قومي تقدمي تفرض علينا تفكيك هذه الظاهرة الاستثنائية، ليس كحدث عابر، بل كمنهج وفكر زاوج بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والوحدة القومية.
1. من حصار الفلوجة إلى القاهرة: ولادة الوعي الثوري
لم تبدأ ثورة يوليو في ثكنات القوات المسلحة، بل ولدت من رحم المأساة القومية في فلسطين عام 1948. فخلال حصار الفلوجة الشهير، وتحت دوي المدافع، صاغ جمال عبد الناصر ورفاقه أولى لبنات وعيهم السياسي والطبقي. هناك، وسط الخيانة الرسمية ونقص الذخيرة الفاسدة، أطلق عبد الناصر مقولته الاستراتيجية التي غيرت مجرى التاريخ: "إن المعركة الحقيقية ليست هنا، بل هناك في القاهرة" [1]. كان هذا الإدراك يمثل قفزة فكرية تقدمية؛ فالتحرر من الصهيونية يمر حتماً عبر تصفية عروش الفساد وإسقاط النظم الرجعية العميلة للاستعمار داخل العواصم العربية.
2. تنظيم الضباط الأحرار وصياغة المبادئ الستة
عقب العودة من فلسطين، شرع عبد الناصر في مأسسة هذا الوعي عبر تنظيم سري دقيق وهو "الضباط الأحرار". وفي ليلة 23 يوليو 1952، تحركت الطليعة الثورية لتسقط الملكية والوجود الإنجليزي وتعلن الجمهورية. ولم تكن الثورة عشوائية، بل تبلورت استراتيجيتها في المبادئ الستة الخالدة التي شكلت العقد الاجتماعي والسياسي للنظام الجديد، وهي:
القضاء على الاستعمار وأعوانه.
القضاء على الإقطاع.
القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم.
إقامة عدالة اجتماعية.
إقامة جيش وطني قوي.
إقامة حياة ديمقراطية سليمة [2].
3. الصدام مع الثورة المضادة: محاولة اغتيال المنشية 1954
أمام التوجهات التقدمية للثورة، كان الصدام حتمياً مع القوى المحافظة والرجعية. وفي أكتوبر 1954 في ميدان المنشية بالإسكندرية، تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال فاشلة برصاص تنظيم الإخوان المسلمين [1، 3]. لم تكن تلك الرصاصات استهدافاً لشخصه، بل كانت محاولة لإجهاض المشروع التقدمي برمته وإعادة مصر إلى مربع التبعية، غير أن رد فعل عبد الناصر الشجاع ثبّت أركان الثورة وفكك شبكات الثورة المضادة، ممهداً الطريق لبناء الدولة الوطنية الخالصة.
4. معارك السيادة: كسر احتكار السلاح وتأميم القناة 1956
انطلقت الثورة نحو انتزاع السيادة المطلقة عبر محطات تاريخية متتالية:
اتفاقية الجلاء (1954): التي أنهت 74 عاماً من الاحتلال البريطاني ليدخل آخر جندي إنجليزي في يونيو 1956 [2، 3].
كسر احتكار السلاح (1955): في خطوة هزت العواصم الغربية، عقد عبد الناصر صفقة الأسلحة التشيكية-السوفيتية، محطماً الفيتو الاستعماري الذي كان يمنع تسليح الجيوش العربية [1].
تأميم قناة السويس (26 يوليو 1956): جاء الرد الناصري ممتشقاً الكرامة الوطنية إثر سحب البنك الدولي تمويل السد العالي، ليعلن إعادة القناة إلى مالكها الشرعي الشعب المصري [1، 2].
الانتصار على العدوان الثلاثي (1956): تكالبت قوى الإمبريالية (بريطانيا، فرنسا، والكيان الصهيوني) لإسقاط النظام التحرري، غير أن صمود المقاومة الشعبية في بورسعيد والالتفاف القومي حول القيادة حول الهزيمة العسكرية إلى نصر سياسي مؤزر أنهى العصر الامبراطوري لبريطانيا وفرنسا [1].
5. المد القومي والوحدة العربية 1958: إدارة الأزمات بحكمة
بلغت الناصرية ذروتها القومية بإعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 دمجاً بين مصر وسوريا، لتتحول الوحدة من حلم رومانسي إلى حقيقة دستورية وجغرافية [2]. وعندما وقعت مؤامرة الانفصال عام 1961 بتواطؤ رجعي وإقليمي، تجلت حكمة عبد الناصر التقدمية؛ حيث رفض توجيه الجيش المصري لضرب السوريين، معلناً أن "الوحدة لا يمكن أن تحمى بقوة السلاح، وأن الدم العربي على الأرض العربية محرم"، مفضلاً صون الفكرة القومية في الوجدان على خوض حرب أهلية تخدم الأعداء.
6. القلعة الاقتصادية: 1200 مصنع والاشتراكية العلمية
لم تكن الاشتراكية عند عبد الناصر ترفاً فكرياً، بل كانت أداة لتمكين الطبقات المسحوقة من العمال والفلاحين. عبر "القرارات الاشتراكية الموجهة"، تم بناء أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث بتأسيس 1200 مصنع شملت الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب في حلوان، ومصانع الألومنيوم في نجع حمادي، وصناعات الغزل والنسيج [3]. وتوجت هذه الملحمة ببناء السد العالي وتأسيس برج القاهرة الذي بُني بأموال الرشوة التي قدمتها المخابرات الأمريكية (CIA) عبر رجلها "كوبلاند" للتأثير على مواقف مصر، فحولها ناصر إلى صرح إسمنتي يخلد سخرية الثورة من الدبلوماسية الدولارية الأمريكية [2].
7. البعد الأممي وثورة اليمن واللااءات الثلاث
تجاوزت الناصرية الأفق المحلي لتصبح قبلةً لكل حركات التحرر في العالم. فدعمت مصر بالمال والسلاح ثورة المليون ونصف المليون شهيد في الجزائر، وثورات إفريقيا (لومومبا في الكونغو، ونكروما في غانا)، وصولاً إلى قيادة تأسيس حركة عدم الانحياز (مؤتمر باندونج 1955) رفقة تيتو ونهرو [1]. ولم تتوانَ الثورة عن خوض معركتها ضد الرجعية العربية، فدفعت بالجيش المصري إلى اليمن عام 1962 لحماية الثورة اليمنية الوليدة وتثبيت كرامة الإنسان العربي هناك.
وعندما وقعت نكسة يونيو 1967 كطعنة إمبريالية غادرة لإيقاف هذا المد التحرري، رفض عبد الناصر الاستسلام والتوقيع على صك الهزيمة. تنحى عن الحكم فخرجت الجماهير تهتف "لا تنحى"، ليعود واضعاً مبادئ الصمود في مؤتمر الخرطوم باللاءات الثلاث: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل" [1، 4]، ويبدأ فوراً في التأسيس لـ حرب الاستنزاف البطولية وبناء حائط الصواريخ، مؤكداً أن "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".
هوامش ومراجع المقال:
هيكل، محمد حسنين (1983). ملفات السويس: خفايا وأسرار الثورة والعدوان، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، ص 89-102.
عبد الناصر، جمال (1954). فلسفة الثورة، القاهرة: دار المعارف، ص 34-40.
أنيس، محمد (1975). دراسات في تاريخ ثورة 23 يوليو، القاهرة: مكتبة مدبولي، ص 142-150.
شرف، عبد العزيز (1988). الفكر السياسي والاجتماعي في عهد جمال عبد الناصر، بيروت: دار الطليعة، ص 210-218.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صالح بن يوسف : معركة الهوية وثمن الإرادة القومية في تونس
- عز الدين القسام.. طليعة الكفاح القومي المسلح ومنارة المقاومة ...
-   فرحات حشاد.. عبقرية الممارسة النقابية والشهادة في سبيل الس ...
- العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية ...
- الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة
- إبراهيم الحمدي: شهيد المشروع التحديثي ورائد الدولة القومية ا ...
- جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة الجزائرية ومنارة التحرر القومي ا ...
- ليلى خالد: السنديانة التحررية وأيقونة الكفاح المسلح العابر ل ...
- ​فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى ا ...
- تشاد والمنظومة العربية: قراءة تقدمية في أدوار الجوار الإفريق ...
- تركيا والأمن القومي العربي: أطماع التمدد، التعطيش الممنهج، و ...
- سلسلة أعلام الامة : ​أحمد عرابي: من ريف الشرقية إلى حا ...
- ​إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي: قراءة قومية تقدمية ...
- السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت
- من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسي ...
- ساطع الحصري.. مهندس الفكر القومي العربي الحديث ​
- إفريقيا: ثروة الأرض ولعنة الإدارة
- المشروع العروبي في تونس: مسار من الثعالبي إلى اليوم
- حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لمواز ...
- الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة ا ...


المزيد.....




- بريجيت ماكرون..أناقة فرنسية لا تتبع الصيحات العابرة
- شيف يوضح كيفية تقطيع شريحة -ريب آي- كما تُقدَّم في أفخم مطاع ...
- -مستر بيست- يعلن زواجه من ثيا بويزن
- جبل الفأس.. ماذا نعلم عن المنشأة السرية لإيران بعد توعد ترام ...
- ترامب يفاجئ الشرق الأوسط.. صفقة نووية تاريخية تمنح السعودية ...
- فرق نسائية تتصدّى لفقدان الوظائف في مجال الذكاء الاصطناعي
- واشنطن ـ ارتفاع تكلفة حرب إيران لأكثر من 37 مليار دولار
- RT تطلق دورة جديدة من جائزة خالد الخطيب الدولية
- لافروف يعقد لقاءات مكثفة على هامش اجتماعات -آسيان-
- ناسا ترصد 2.1 مليار دولار لإرسال مركبة نووية إلى المريخ عام ...


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - الناصر خشيني - جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة