الناصر خشيني
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 15:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أولاً: الموقف من القضية الفلسطينية (بين الوجدان التاريخي والتحول الدبلوماسي)
تميزت السياسة الخارجية الإسبانية تاريخياً بنوع من "الخصوصية الاستثنائية" تجاه الصراع العربي الصهيوني؛ وتجلى ذلك في تأخر مدريد الطويل في الاعتراف بالكيان الصهيوني حتى عام 1986 [1]. ويعود هذا التمايز جزئياً إلى محاولة إسبانيا – لا سيما في عهد نظام فرانكو – كسر العزلة الدولية المفروضة عليها عبر البوابة الدبلوماسية العربية، مستغلةً "الإرث الأندلسي المشترك" كجسر عاطفي وثقافي لتسويق نفسها كصديق تاريخي للعرب.
وفي السنوات الأخيرة، وتتويجاً لهذا المسار الاستقلالي النسبي داخل الاتحاد الأوروبي، اتخذت مدريد مواقف متقدمة تمثلت في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في ماي 2024 [2]، مدفوعةً بضغط حثيث من القوى التقدمية في الحكومة والشارع الإسباني الذي شهد مسيرات تضامنية غير مسبوقة. ومع ذلك، يرى التحليل التقدمي والنقدي أن هذا الموقف، رغم أبعاده الرمزية الإيجابية ودعمه للحق الفلسطيني في المحافل الدولية، يصطدم بسقف الموقف الأوروبي العام الملتزم بالخطوط الحمر الأمريكية، ولا يصل إلى حد اتخاذ إجراءات عقابية صارمة كقطع العلاقات البنيوية أو إلغاء الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع القوة القائمة بالاحتلال، مما يجعله خطوة أخلاقية منقوصة الفعالية على أرض الواقع.
ثانياً: ملف الصحراء الغربية والتأرجح بين الجزائر والرباط
يمثل ملف الصحراء الغربية النموذج الأبرز للبراغماتية الإسبانية المحكومة بـ "ابتزاز الجغرافيا" وضغوط المصالح الآنية. فباعتبارها القوة المديرة قانونياً للإقليم قبل انسحابها المفاجئ والملتبس عام 1975 [3], ظلت مدريد لعقود تتبنى موقفاً يتماشى ظاهرياً مع قرارات الشرعية الدولية الداعمة لحق تقرير المصير عبر الاستفتاء.
إلا أن التحول الجذري والدراماتيكي حدث في مارس 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي [4]. وكان هذا الانعطاف نتيجة مباشرة لضغوط الرباط المستمرة وتوظيفها لملفات حيوية وحساسة مثل الهجرة غير النظامية والتنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب. وقد ترتبت على هذا الانحياز تداعيات فورية قوضت التوازن الإسباني في المغرب العربي:
الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر: علقت الجزائر معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا بشكل فوري، وسحبت سفيرها، كما فرضت قيوداً تجارية صارمة شلت الصادرات الإسبانية، باستثناء إمدادات الغاز الطبيعي التي استمرت تدفقاتها التزاماً بعقود دولية صارمة تجنباً لتبعات قانونية مالية ضخمة [5].
القراءة التقدمية: يكشف هذا التأرجح تنصل مدريد من مسؤوليتها التاريخية والقانونية والأخلاقية كقوة استعمارية سابقة، وتفضيلها للمصالح الأمنية الجيوسياسية المؤقتة على حساب مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
ثالثاً: استدامة الاحتلال في سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما
في مفارقة سياسية صارخة، وفي الوقت الذي تطالب فيه إسبانيا بحقها في استعادة "صخرة جبل طارق" من التاج البريطاني، تُصر في المقابل على استمرار احتلالها لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، بالإضافة إلى الجزر الجعفرية وصخور الحسيمة، قميرة، والبران [6].
تتعامل مدريد مع هذا الملف بإنكار سياسي تام، وترفض رفضاً قاطعاً مجرد طرحه للنقاش أو التفاوض، معتبرة هذه الأراضي ثغوراً سيادية إسبانية لا تنازل عنها، بل وامتداداً للحدود الأوروبية. وتستغل إسبانيا بذكاء الخلافات البينية العربية-العربية، وضعف الموقف التفاوضي المغاربي المشترك، لتكريس هذا الاحتلال الواقعي عبر عسكرة وتسييج المدينتين وتحويلهما إلى حدود خارجية صلبة للاتحاد الأوروبي أو ما يُعرف بـ (Fortress Europe) [7]، مما يمثل طعنة مباشرة لمفهوم السيادة الوطنية العربية ومبادئ تصفية الاستعمار في القرن الحادي والعشرين.
رابعاً: التوترات البحرية مع موريتانيا (أزمة الصيد والثروات المنهوبة)
تتخذ العلاقات الإسبانية مع موريتانيا طابعاً تصادمياً صامتاً، تدور رحاه حول استغلال الثروات البحرية الهائلة. وتشكل المياه الإقليمية الموريتانية ساحة حيوية وأساسية لأساطيل الصيد الإسبانية والأوروبية بموجب اتفاقيات شراكة يراها الكثير من المراقبين مجحفة وغير متكافئة [8].
وتتجدد التوترات بشكل دوري نتيجة عاملين أساسيين:
انتهاك المياه الإقليمية: توقيف خفر السواحل الموريتاني المتكرر لسفن صيد إسبانية تتجاوز الحصص الصيدية المسموحة أو تعمد إلى الصيد في مناطق محمية ومحظورة بيئياً [9].
الصيد الجائر والاستنزاف: استنزاف الثروة السمكية الموريتانية وتجريف البيئة البحرية دون تقديم مردود تنموي أو صناعي حقيقي للشعب الموريتاني. هذا النمط يكرس علاقة التبعية الكلاسيكية بين "الشمال والجنوب" القائمة على الاستغلال الاقتصادي الممنهج [10]، بغطاء من الاتفاقيات التي تفرضها بروكسل ومدريد مستغلة حاجة نواكشوط للدعم المالي والمساعدات الأمنية لمكافحة شبكات الهجرة غير الشرعية.
ختاماً: أفق العلاقات العربية الإسبانية واستراتيجية التحرر
تتأرجح العلاقات العربية الإسبانية بين ثنائية الجذب الوجداني القائم على الإرث الأندلسي المشترك والمواقف الدبلوماسية المتقدمة نسبياً (كالملف الفلسطيني)، وبين الصدمة البراغماتية الناعمة والخشنة التي تمارسها مدريد لحفظ مصالحها الحيوية والاستعمارية (كملفات الصحراء الغربية، سبتة ومليلية، واستنزاف الثروات البحرية). إن هذه العلاقة تكشف أن إسبانيا، رغم تمايزها النسبي، تظل محكومة ببنود العقيدة الجيوسياسية الغربية والأوروبية.
ما العمل لتطوير العلاقات إيجابياً لصالح الأمة؟
لتغيير قواعد اللعبة والانتقال بالعلاقات من التبعية والتأرجح إلى الندية المصيرية، تبرز الحاجة إلى تبني الاستراتيجيات التالية:
بناء كتلة تفاوضية موحدة: لا يمكن للعالم العربي، والمغرب العربي تحديداً، انتزاع تنازلات حقيقية من مدريد دون تجاوز الخلافات البينية (الجزائرية-المغربية خاصة). تشكيل جبهة اقتصادية وسياسية مغاربية موحدة سيجعل إسبانيا هي الطرف الأضعف والمحتاج للتنسيق.
تسييس الأوراق الاقتصادية الحيوية: يمتلك العرب أوراقاً استراتيجية خارقة (إمدادات الغاز والنفط، معابر الملاحة الدولية، والأسواق الاستهلاكية الكبرى). يجب ربط الشراكات الاقتصادية الكبرى بمدى احترام مدريد لسيادة الدول العربية وقضاياها العادلة، وليس العكس.
تطوير التعاون الثقافي والشعبي: استثمار الدبلوماسية الثقافية وتفعيل "الإرث الأندلسي" من خلال حركات التضامن المدني والقوى التقدمية الإسبانية، لتشكيل أدوات ضغط داخلية على صانع القرار في مدريد.
كيف الفكاك من الاحتلال الإسباني للجزر والمدن المغربية؟
إن استمرار احتلال سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما يُعد إهانة للسيادة العربية، والتحرر منها يتطلب خطة متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد الاحتجاج الدبلوماسي الموسمي:
المقاربة القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية: تدويل الملف بذكاء عبر الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، بوصفها "جيوباً استعمارية" متبقية يجب تصفيتها وفقاً للقرار الدولي 1514، مع إحراج إسبانيا دولياً بمقارنة موقفها الرافض للتفاوض بموقفها المطالب باسترداد جبل طارق من بريطانيا.
استراتيجية "الضغط الاقتصادي والتنموي الناعم": من خلال خنق الثغرين اقتصادياً عبر وقف التهريب المعيشي بشكل نهائي، وفي المقابل بناء وتطوير أقطاب اقتصادية وموانئ عملاقة منافسة في محيطهما (مثل ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء طنجة المتوسط)، مما يحول وجودهما الاحتلالي إلى عبء مالي وأمني ثقيل على الخزينة الإسبانية بدلاً من كونهما مصدر ربح.
تفكيك السردية الإسبانية للأمن الأوروبي: ترفض إسبانيا التفاوض بذريعة أن المدينتين هما حدود "أوروبا" الجنوبية؛ وهنا تبرز أهمية المقايضة الأمنية. على الجانب العربي ربط التعاون الصارم في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب بمدى استعداد إسبانيا لفتح جدول زمني للتفاوض حول مستقبل السيادة على المدينتين والجزر، فالأمن المشترك لا يسير في اتجاه واحد يحمي المحتل ويهمش أصحاب الأرض.
خامساً: المصادر والمراجع (الهوامش)
[1] الخطيب، أحمد. السياسة الخارجية الإسبانية تجاه العالم العربي: من فرانكو إلى الديمقراطية. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص. 94-96.
[2] الجزيرة نت. (28 ماي 2024). إسبانيا وإيرلندا والنرويج تعلن رسمياً الاعتراف بدولة فلسطين. تاريخ الاطلاع: يوليو 2026.
[3] الجمعية العامة للأمم المتحدة. القرار رقم 3458 بشأن مسألة الصحراء الغربية، ديسمبر 1975.
[4] جريدة الشرق الأوسط. (19 مارس 2022). رسالة سانشيز إلى العاهل المغربي: تحول استراتيجي في موقف مدريد من الصحراء. العدد 15817.
[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (8 يونيو 2022). الجزائر تقرر التعليق الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا.
[6] بن عبد الله، عبد العزيز. الثغور المغربية المحتلة: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. دار المعرفة، الرباط، ص. 45-50.
[7] أبو طالب، حسن. الصراعات الحدودية العربية-الأوروبية: دراسة حالة الجيوب الإسبانية في المغرب. مجلة السياسة الدولية، الأهرام، العدد 201، ص. 112.
[8] الأمانة العامة للمجلس الأوروبي. اتفاقية الشراكة في مجال الصيد المستدام بين الاتحاد الأوروبي والجمهورية الإسلامية الموريتانية. بروكسل.
[9] الوكالة الموريتانية للأنباء. (أرشيف متقاطع). تقارير خفر السواحل الموريتاني حول توقيف السفن الأجنبية المخالفة للنظم البيئية.
[10] أمين، سمير. التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (تم إسقاط المفهوم نظرياً على العلاقات الاقتصادية الإسبانية الموريتانية).
#الناصر_خشيني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟