أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة الصحراء















المزيد.....

الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة الصحراء


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 09:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ أكثر من عقد من الزمان، كتبتُ محذراً من خطورة الموقف العربي والمغربي المهادن تجاه أقدم استعمار أوروبي مباشر ما زال جاثماً على الأراضي الإفريقية والعربية. واليوم، ونحن في عام 2026، أجد نفسي مضطراً لإعادة قراءة هذا الملف الشائك على ضوء تطورات دراماتيكية غيّرت وجه الدبلوماسية في المنطقة. إن المشهد الراهن لم يعد مجرد قصة احتلال مستمر منذ قرون لمدينتي سبتة ومليلية، بل تحول إلى معادلة سياسية معقدة تُقايَض فيها الجغرافيا، وتتأجل فيها معارك التحرير السيادي في الشمال مقابل تثبيت المكاسب في الصحراء بالجنوب (1).
جغرافيا أسيرة في طي النسيان
عندما نتحدث عن الاحتلال الإسباني، فإن الذاكرة الرسمية والإعلامية غالباً ما تختزل القضية في سبتة ومليلية، مغفلةً أرخبيلاً كاملاً من الجزر الصخرية المغربية الاستراتيجية التي تطوقها البوارج الإسبانية (2). إنها الجزر الجعفرية (شفاريناس) الثلاث القابعة قبالة سواحل الناظور، وجزر الحسيمة (النكور والبرهان ونوبيس)، وشبه جزيرة باديس (صخرة قميرة) التي تحولت بفعل الطبيعة إلى أرض متصلة باليابس المغربي ويفصلها عن السيادة المغربية سياج حدودي واهن، وصولاً إلى جزيرة ليلى (تورا) التي شهدت آخر استعراض عسكري لفرض الأمر الواقع عام 2002.
هذه الأراضي ليست مجرد صخور في البحر، بل هي ثغور مستعمرة تمثل خرقاً صارخاً لسيادة الأمة العربية، ومع ذلك، يلفها اليوم صمت رسمي مغربي مطبق يعكس تحولاً جذرياً في أولويات الرباط.
معيار "النظارة السوداء": رهن الشمال من أجل الجنوب
لقد حدد المغرب بوضوح قاعدته الدبلوماسية الجديدة حين أعلن أن "ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها إلى العالم". هذا التوجه جعل الدبلوماسية المغربية تضع كل بيضها في سلة ملف الصحراء الغربية، جاعلةً منه المعيار الوحيد لتقييم الشراكات والصداقات الدولية (3).
هذا التركيز المكثف أنتج "العصر الذهبي" الراهن في العلاقات بين الرباط ومدريد، خاصة بعد اعتراف حكومة "بيدرو سانشيز" الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء (4). ولكن، ما هو الثمن الذي دُفع في المقابل؟ الثمن كان واشياً وصادماً: إدخال ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة في "ثلاجة" التجميد الدبلوماسي (5). لقد اختفت المطالبة السيادية المغربية بهذه الثغور من منابر الأمم المتحدة والاتفاقيات الثنائية، وحلّ مكانها صمت رسمي مريب يُفسَّر على أنه مقايضة ضمنية: "اعتراف إسباني بمغربية الصحراء مقابل سكوت مغربي عن إسبانية سبتة ومليلية" (1).
ملف الصحراء وتأثيره السلبي على المنطقة: شلل مغاربي وسباق تسلح
إن هذا التمسك الحاد والتمحور الكامل للمغرب حول ملف الصحراء الغربية لم يقتصر أثره على تجميد ملف الثغور الشمالية المحتلة فحسب، بل امتد ليعصف بالاستقرار الإقليمي لمنطقة المغرب العربي برمتها. لقد تحولت قضية الصحراء إلى حجر عثرة حقيقي أفسد العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر بشكل غير مسبوق، ووصل بالبلدين الجارين إلى قطيعة دبلوماسية تامة (6).
هذا التوتر المزمن أدى مباشرة إلى عواقب وخيمة على المستويين السياسي والعسكري:
توقف عجلة الاتحاد المغاربي: أُصيب مشروع "الاتحاد المغرب العربي" بشلل تام وموت سريري، وضاعت على شعوب المنطقة فرص التكامل الاقتصادي والوحدة بسبب تباين المواقف الحاد حول الصحراء.
سباق محموم نحو التسلح: اندفع الجاران الشقيقان نحو استنزاف ثرواتهما في سباق تسلح غير مسبوق؛ حيث تخصص ميزانيات ضخمة لشراء أحدث المنظومات الدفاعية والطائرات والأسلحة الهجومية، وهو ما كان أولى أن يُوجّه نحو التنمية والتعليم والصحة. هذا التسلح حوّل المنطقة إلى برميل بارود يهدد السلم الأهلي الإقليمي بدلاً من توجيه القوة دفاعاً عن قضايا الأمة المشتركة.
تحويل التحرير إلى ملف "تقني" واستخدام الهجرة
في ظل هذا الواقع، تراجعت لغة التحرير والسيادة الوطنية تجاه الاحتلال الإسباني، وتحول الصراع التاريخي إلى مجرد تفاوض حول ملفات "تقنية" وإجراءات حدودية، مثل فتح الجمارك التجارية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والربط البحري (7).
ومع ذلك، يمارس المغرب ضغطاً ناعماً بطرق غير مباشرة؛ فبدلاً من المواجهة الدبلوماسية العلنية، أصبحت "أوراق الضغط" بديلة. نرى ذلك بوضوح في موجات الهجرة غير النظامية المتلاحقة التي تشهدها حدود المدينتين المحتلتين، والتي تُستخدم كرسائل سياسية مبطنة لمدريد لتذكيرها بأن استقرار أمنها الجنوبي مرهون باستمرار موقفها الإيجابي من قضية الصحراء (8). يضاف إلى ذلك سياسة "الخنق الاقتصادي" عبر إنهاء التهريب المعيشي، بهدف تحويل هذه الثغور إلى عبء مالي على الخزينة الإسبانية دون الحاجة لصدام عسكري مباشر.
خاتمة: السيادة كلّ لا يتجزأ
إن رهن السيادة الوطنية في الشمال لانتزاع اعترافات بملف الجنوب هو مناورة سياسية محفوفة بالمخاطر؛ فالأوراق الدولية متقلبة، والحكومات في إسبانيا وأوروبا تتبدل، وما يمنحه اليمين اليوم قد يتراجع عنه اليسار غداً.
إن موقفنا كأصحاب فكر قومي ومبدئي يظل ثابتاً لا يتزحزح: السيادة لا تتجزأ، والاستعمار لا يمكن تصنيفه إلى مقاطعات مقبولة وأخرى مرفوضة. إن التفريط أو السكوت عن احتلال سبتة ومليلية والجزر المغربية هو طعنة في خاصرة التحرر العربي، وإن الاستقرار الحقيقي في حوض المتوسط لن يتحقق عبر سياسات المقايضة وتأجيل الأزمات، بل بالإنهاء الكامل وغير المشروط لآخر المعاقل الاستعمارية الأوروبية في قارتنا الإفريقية.
الهوامش والمراجع:
(1) د. عبد الحكيم أبو اللوز، المقايضات السياسية في العلاقات المغربية الإسبانية، مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) الناصر خشيني، الثغور المغربية المحتلة وجذور الاستعمار الحديث، مقالات الفكر القومي العربي.
(3) مقتطف من الخطاب الملكي الرسمي للعاهل المغربي محمد السادس بمناسبة ثورة الملك والشعب.
(4) تقرير السياسة الخارجية الإسبانية، التحول في موقف مدريد من ملف الصحراء وتداعياته الجيوسياسية، معهد إل كانو الملكي.
(5) د. حسن طارق، المغرب وإسبانيا: من صراع السيادة إلى الشراكة الأمنية والتقنية، المجلة العربية للعلوم السياسية.
(6) تقارير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العلاقات الجزائرية المغربية: أزمة الصحراء والانسداد المغاربي.
(7) يوسف جلال، سباق التسلح في شمال إفريقيا وتأثيره على التنمية المستدامة، مجلة الدفاع الإستراتيجي.
(8) تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ملف الهجرة غير النظامية عبر ثغور سبتة ومليلية



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من -طوفان الأقصى- إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصرا ...
- آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن و ...
- كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية ...
- التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن ال ...
- الثروات المنهوبة: قطاع النقل بتونس بين تفريط الدولة وتغوّل ا ...
- غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة
- الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في س ...
- مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى ه ...
- خرافة -السلام العادل- وحتمية التحرير
- منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور
- مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى -حاكمي ...
- تفسير القرطبي بين الجلالة العلمية ومآخذ المنهج
- الشافعي والرسالة وتجميد الفقه الإسلامي نحو قراءة نقدية في تأ ...
- الفقه على المذاهب الأربعة والحجر على تطور التفكير عند المسلم ...
- كتب السحر العربية ودورها في تخريب العقل الجمعي وتعميق التخلف
- ابن إسحاق وسيرته: رواية مفتقرة إلى السند لا علاقة لها بالتوث ...
- ابن تيمية في قفص الاتهام المعاصر: هل شرعنت فتاوى الغزو التتا ...
- الغزالي في زمن الحروب الصليبية: الموسوعية الدينية والتحوّل ا ...
- التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط
- توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلط ...


المزيد.....




- 10 من أفضل المدن الأمريكية التي تستحق الزيارة
- لغز امتدّ لـ40 عامًا.. الكشف عن أصول أحفورة ديناصور في ألاسك ...
- إيران تحذر فرنسا وبريطانيا من أي تحرك عسكري في مضيق هرمز
- -داعش- يصوب على مجلس الشعب السوري ويواصل هجومه على الشرع
- أول أصيص في العالم يتمدد مع حجم النبتة!
- ألمانيا - ما علاقة الصين بـ-فضيحة أكبر بيت دعارة في أوروبا-؟ ...
- السجن 30 عاماً لأحد أبرز المتورطين بشبكات مخدرات مرتبطة بالن ...
- لماذا أنشأت مصر مقر -الأوكتاغون-؟
- سوريا.. مطار حلب يستقبل أولى رحلات -العربية للطيران- قادمة م ...
- وزير الخارجية الألماني الأسبق يرفض بالمطلق امتلاك بلاده -مظل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة الصحراء