الناصر خشيني
الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 18:39
المحور:
الفساد الإداري والمالي
مقدمة
يُعدّ قطاع النقل، بكل تفرعاته البرية والجوية والبحرية والسككية، الشريان الذي تتنفّس من خلاله الدولة الحديثة، فهو المرفق الذي يصل التلميذ بمدرسته والعامل بمصنعه والمريض بمستشفاه والمنتج بسوقه. ومن هذا الموقع الحسّاس بالذات اختار رأس المال الخاص أن ينصب خيامه، مستغلا تقادم أسطول المؤسسات العمومية وتفاقم ديونها وعجزها عن الاستجابة لحاجيات المواطنين. وما كان لهذا التغوّل أن يتحقق لولا سياسات ممنهجة أفقرت الشركات الوطنية عمدا، تمهيدا لتسليم مرفق استراتيجي لمن لا يحكمه إلا منطق الربح. ولا يخفى أن من سنن الكون أن المال العام إذا غاب عنه الحارس أصابه الفساد، يقول تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (البقرة: 188)، وهي آية تختصر مأساة المرفق العمومي التونسي في عمومه، وقطاع النقل في خصوصه.
أولا: النقل الجوي.. من "تونيسار" المفخرة إلى عبء يتجاوز ملياري دينار
كانت الخطوط التونسية "تونيسار" تحقق أرباحا صافية في العقد الأول من القرن الحالي، بلغت نحو 60 مليون دينار سنة 2009 وحدها[1]. غير أن السنوات التالية كشفت تدهورا متفاقما، حتى أصبحت الشركة، بحسب تقرير محكمة المحاسبات المُحال إلى رئاسة الجمهورية في جانفي 2026، صاحبة أكبر خسائر في القطاع العام بمبلغ 316 مليون دينار في سنة واحدة[1]، بعد أن كانت ديونها المتراكمة تجاه الدولة والبنوك المحلية والأجنبية قد تجاوزت 2.2 مليار دينار سنة 2020 قبل إعادة جدولتها[1]. وأكد الرئيس المدير العام للشركة مؤخرا أن العجز المالي يفوق اليوم ملياري دينار، في وقت تراجعت فيه حصتها السوقية من 22% سنة 2024 إلى 20% سنة 2025[2].
والسبب الأول لهذا الانهيار هو تقادم الأسطول وتهالكه؛ فقد كانت "تونيسار" تملك 28 طائرة سنة 2010، لتنحدر اليوم إلى نحو 18 طائرة لا يتجاوز عدد القابل منها للاستغلال 14، وقد يقل العدد عن العشرة عند تزامن أعطال عدة وحدات أو خضوعها للفحص الفني[1]. وقد بلغ العبث حدا جعل الشركة تكتري محركاتها لشركة دلتا الأمريكية في إطار نزاع قضائي مع شركة كندية، بينما تكتري في الوقت نفسه طائرات أجنبية كاملة لتعويض النقص الداخلي، بكلفة تشغيلية مرتفعة[3]. وتعد الحكومة بترفيع الأسطول إلى 21 طائرة أواخر سنة 2026، مع تسوية الديون الخارجية[4][5]، لكن هذه الوعود تتكرر منذ سنوات دون أن يتغير جوهر الأزمة.
في المقابل، نشأ النموذج الخاص متمثلا في شركة "سيفاكس إيرلاينز" التي أسسها رجل الأعمال محمد الفريخة، المدير العام لمجمع تلنات، إثر الثورة، وأقلعت أول رحلاتها في أفريل 2012[6]. وقد حصلت الشركة على رخصة استغلال جوي جديدة سنة 2019 رغم شبهات تضارب مصالح وديون غير مستخلصة من قبل الدولة، وارتباطها بصفقات مع شركتين نيجيريتين إحداهما لا تملك حتى رخصة استغلال، في ظل ما وصفه خبراء بالتعتيم من وزارة النقل[6]. وقد أثمرت سنوات التتبع القضائي عن إيقاف الفريخة في سبتمبر 2023 إلى جانب وزير النقل الأسبق عبد الكريم الهاروني، على ذمة قضية فساد مالي وإداري وغسيل أموال تتعلق بمعاملات بين شركته الخاصة ومؤسسة بترولية عمومية[7][8]. وانتهت القضية في فيفري 2026 بحكم نهائي يقضي بسجن الفريخة سبع سنوات، وسجن الهاروني سنتين، وسجن إطارين سابقين في المؤسسة البترولية العمومية ست سنوات[9][10]. وهذا الحكم يكشف بجلاء كيف تحول المرفق العمومي إلى وسيلة لتمويل توسع الخواص وإثرائهم، بينما تُركت الشركة الوطنية تنزف ديونا وتتقادم طائراتها.
ثانيا: النقل البري.. اللواج والباصات الخاصة يتقاسمان الخطوط بتعريفة أعلى
لا يختلف وضع النقل البري عن النقل الجوي إلا في التفاصيل. فشركات النقل العمومي، الوطنية والجهوية، تشكو اهتراء الأسطول ونقص قطع الغيار والصيانة وعجزا ماليا يعيق الاستثمار، وفق ما أكده وزير النقل نفسه في أفريل 2026[11]. وبلغ الأمر بشركة نقل تونس حد استيراد 122 حافلة فرنسية مستعملة في أوت 2023، في صفقة وُصفت بأنها تعويل على "خردة فرنسا" بدل تجديد الأسطول[12]. وتعود جذور هذا العجز إلى سياسة تسعير لا تغطي التكاليف، وما يُعرف محليا بـ"الترسكية" في تسيير المستودعات، إلى جانب ديون متراكمة منذ سنوات[12].
وفي ظل هذا التردي، لا تتجاوز نسبة رضا المواطنين عن أداء النقل العمومي في تونس الكبرى 14% بحسب بحث ميداني للمعهد الوطني للاستهلاك[13]، فيلجأ كثيرون إلى وسائل النقل الخاصة التي تتقاسم نفس الخطوط مع الشركة العمومية لكن بتعريفات أعلى[12]. وهذا هو جوهر "التغوّل" الذي يشكو منه المواطن: مرفق عمومي مُفرَّط فيه عمدا، يفسح الطريق لخواص يقدمون نفس الخدمة بسعر أعلى. وتتكرر الإضرابات احتجاجا على التأخر في صرف الأجور وتردي شروط العمل، وكان آخرها إضراب شامل شل حركة النقل البري بالكامل سنوات متتالية، وسط ديون عمومية تجاوزت نسبتها 100% من الناتج المحلي الإجمالي[14][15].
ثالثا: السكك الحديدية.. قطارات على قضبان متهالكة
لم يكن قطاع السكك الحديدية بمنأى عن هذا التردي، فقد سُجّلت حوادث متكررة لخروج القطارات عن القضبان، كما حدث في باجة وقفصة في فبراير 2025، إلى جانب حوادث اصطدام بالشاحنات[16]. كما انقطعت رحلات نقل الفسفاط عبر السكة الحديدية منذ أكتوبر 2017 دون استئناف[16]، وهو مؤشر على تراجع الوظيفة الاقتصادية للشركة الوطنية للسكك الحديدية، فضلا عن تكرار تأجيل إضرابات أعوانها بسبب أوضاعهم المهنية المتدهورة[16].
رابعا: النقل البحري.. سيادة بحرية تتقلص بصمت
تدير الشركة التونسية للملاحة أسطولا من العبّارات يربط الموانئ التونسية بأوروبا منذ أكثر من أربعة عقود[17]، لكنها، على غرار بقية مؤسسات النقل العمومي، تواجه إشكاليات تجديد الأسطول والتمويل في صمت إعلامي يقلّ عن صخب أزمتي الطيران والنقل البري، رغم أن السيادة على الممرات البحرية لا تقل أهمية عن السيادة على الأجواء والطرقات في زمن تتنافس فيه الشركات الأجنبية على حصص السوق المتوسطية.
خامسا: الانعكاسات على القطاعات الحيوية
إن أزمة النقل ليست أزمة قطاعية معزولة، بل هي أزمة تتسرب إلى كل مفاصل الحياة العامة. فتعطل الحافلات والقطارات يعني تأخر التلاميذ عن مدارسهم والعمال عن مصانعهم، ويكلف الاكتظاظ المروري وحده ما بين 1% و2% من الناتج المحلي الإجمالي[13]، فضلا عن ارتفاع معدلات الحوادث المرورية. كما أن غياب نقل عمومي منتظم وبأسعار معقولة يدفع الأسر إلى تحمل أعباء إضافية في التنقل نحو المرافق الصحية والتربوية، وهو عبء يضرب الطبقات الأكثر فقرا أولا، فيما يستفيد الخواص من اتساع هذا الفراغ ليقدموا الخدمة نفسها بأسعار أعلى، في حلقة مفرغة تكرّس التفاوت الاجتماعي وتنهك الاقتصاد الوطني ككل.
خاتمة
إن قطاع النقل التونسي يقدم نموذجا صارخا لما يمكن تسميته "التفريط المنظم" في المرفق العمومي: إفقار متعمد للمؤسسات الوطنية عبر تقادم الأسطول وتراكم الديون وضعف الاستثمار، يليه تسليم الفضاء الذي تنسحب منه الدولة لرأس مال خاص لا يحكمه إلا الربح، كما تجسد بوضوح في قضية محمد الفريخة وشركته "سيفاكس إيرلاينز". وما دامت السياسات العمومية تكتفي بالحلول الترقيعية -شراء حافلات مستعملة، إعادة جدولة ديون، وعود متكررة بتجديد الأسطول- دون مساءلة جذرية لمن أوصل هذه المؤسسات إلى ما هي عليه، فإن المواطن التونسي سيظل أسير مرفق عمومي عاجز وخواص يتربصون بكل فراغ تتركه الدولة.
ثبت المراجع
[1] Legal Agenda، "متى يَخرج النقل الجوي في تونس من منطقة الاضطرابات؟"، 2026، https://legal-agenda.com
[2] ألترا تونس، "رئيس مدير عام الخطوط التونسية: عجز الشركة يفوق 2 مليار دينار"، https://ultratunisia.ultrasawt.com
[3] Tunisie Telegraph، "محضر جلسة يكشف عن مفارقة صادمة: الخطوط التونسية تؤجر محركاتها وتستأجر طائرات"، 2026، https://tunisie-telegraph.com
[4] Zoom Tunisia، "الخطوط التونسية تواجه صيف 2026 وسط تحديات غير مسبوقة في الأسطول والرحلات"، https://zoomtunisia.tn
[5] Tunisie Telegraph، "الخطوط التونسية تخطط لاقتناء 6 طائرات جديدة"، 2025، https://tunisie-telegraph.com
[6] الكتيبة (Alqatiba)، "شركة سيفاكس للطيران: الأجنحة المتكسّرة لرجل الأعمال محمد الفريخة"، 2022، https://alqatiba.com
[7] Kapitalis، "ايقاف رجل الأعمال محمد فريخة، النائب عن النهضة سابقا وصاحب شركة سيفاكس للطيران"، 2023، https://kapitalis.com
[8] ألترا تونس، "تمديد الإيقاف التحفظي في حق عبد الكريم الهاروني ومحمد فريخة"، 2024، https://ultratunisia.ultrasawt.com
[9] Babnet، "القضاء يصدر حكمه على رجل الأعمال محمد فريخة وآخرين"، 2026، https://www.babnet.net
[10] جريدة الشروق التونسية، "في قضية الامتيازات لشركة سيفاكس إيرلاينز.. 7 سنوات سجنا لرجل الأعمال محمد فريخة وعامان للهاروني"، 2026، https://www.alchourouk.com
[11] webmanagercenter (المصدر تونس)، "تتم معالجة الوضعيات المتدنية لشركات النقل البري من خلال تحسين العرض"، 2026، https://ar.webmanagercenter.com
[12] Nawaat، "أزمة النقل العمومي في تونس العاصمة: أسطول مهترئ وسياسات عقيمة"، 2024، https://nawaat.org
[13] ألترا تونس، "منظومة النقل في تونس: ذبحة صدرية في قلب الاقتصاد"، https://ultratunisia.ultrasawt.com
[14] صحيفة الخليج، "إضراب يشلّ حركة النقل العام في العاصمة التونسية"، 2023، https://www.alkhaleej.ae
[15] France 24 عربي، "تونس: إضراب شامل لعمال النقل يشل حركة المواصلات ويزيد الضغوط على الحكومة"، 2025، https://www.france24.com
[16] ألترا تونس، صفحة وسم "السكك الحديدية"، https://ultratunisia.ultrasawt.com
[17] --dir--ect Ferries، "CTN Ferries"، https://ar.--dir--ectferries.com
#الناصر_خشيني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟