أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية















المزيد.....

من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 21:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 مجرد انكسار عسكري عابر على جبهات القتال، بل كانت زلزالاً استراتيجياً وبنيوياً أعاد تشكيل الوعي العربي وصاغ مسارات الصراع في الشرق الأوسط لعقود طويلة [1]. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى النكسة في ظل مشهد إقليمي شديد المعاصرة والخطورة، ندرك أن قراءة تلك المرحلة لا تجوز أن تقتصر على البكاء فوق أطلال الهزيمة، بل يجب أن تتحول إلى مختبر فكري لقراءة الحاضر واستشراف لاءات المستقبل العروبي.
من الانهيار إلى الالتفاف: الوعي الجماهيري كحائط صد
كشفت النكسة بمرارة عن فجوة هائلة في أساليب التخطيط، والتفوق التقني والاستخباراتي للعدو، والخلل البنيوي في الإدارة العسكرية العربية آنذاك [2]. لكن العبقرية الحقيقية للمشروع القومي برزت في كيفية امتصاص الصدمة؛ فخطاب التنحي التاريخي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 9 يونيو لم ينته بانسحاب القائد، بل بتفجير طاقة الرفض الشعبي الكامنة. خرجت الجماهير العربية لترفض الهزيمة، معلنةً أن سقوط الجيوش لا يعني سقوط إرادة الأمة.
هذا الالتفاف الجماهيري العفوي والمنظم مـثّل حجر الأساس لـ "مرحلة الصمود"، والتي تُرجمت سياسياً في قمة الخرطوم (أغسطس 1967)، حيث صاغ العرب جداراً صلباً تمثل في اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض [3]. كانت هذه اللاءات إعلاناً صريحاً بأن التنازل عن الحقوق التاريخية تحت وطأة السلاح أمر غير قابل للنقاش.
حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973: كسر أسطورة التفوق
لم تقف القيادة العسكرية مكتوفة الأيدي، بل تحولت اللاءات سريعاً إلى عقيدة قتالية تجسدت في حرب الاستنزاف (1967 - 1970). نجحت هذه الحرب في تدمير مفهوم "الأمن المستدام" للاحتلال، وفرضت عليه استنزافاً بشرياً واقتصادياً متواصلاً، وتُوّجت ببناء حائط الصواريخ المعقد الذي حرم العدو من تفوقه الجوي المطلق [4].
أدت هذه المقدمات العلمية والجادة إلى ملحمة أكتوبر 1973، حيث تحطمت تحصينات خط بارليف والجولان في أكبر انهيار وجودي وعسكري شهدته إسرائيل منذ نشأتها [5]. ولم يوقف هذا الانهيار الشامل سوى التدخل الأمريكي المباشر والفوري عبر الجسر الجوي العسكري الشامل (عملية عشب النيكل)، لإنقاذ حليفتها الاستراتيجية في اللحظات الأخيرة.
مقارنة الأرقام: بين "عشب النيكل" والمدد المعاصر
إن التدخل الغربي لحماية الكيان الصهيوني ليس حدثاً طارئاً، بل هو عقيدة إمبراطورية ثابتة تطورت لغتها الإحصائية عبر الزمن بكثافة مرعبة:
عام 1973 (عملية عشب النيكل): شحنت واشنطن حوالي 22,325 طناً من الدبابات والمدفعية والذخائر عبر طائرات "سي-5 غالاكسي" و"سي-141"، بالإضافة إلى 560 ألف طن شُحنت بحراً، بكلفة ناهزت 2.2 مليار دولار آنذاك لإنقاذ جيش الاحتلال من الانهيار الكلي [6].
الدعم العسكري المعاصر (المعركة الحالية): تجاوز الدعم الأمريكي كل الخطوط القياسية السابقة؛ حيث رصدت واشنطن حزم مساعدات عسكرية تجاوزت 17.9 مليار دولار في عام واحد من الحرب، تضمنت تشغيل جسور جوية ممتدة نقلت عشرات الآلاف من القنابل الموجهة بدقة (مثل GBU-39 وMK-84) وقذائف المدفعية، فضلاً عن النشر المباشر لحاملات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل ثاد تلو الآخر) باعتراف البنتاغون لحماية العمق الإسرائيلي من الهجمات الإقليمية ومسيرات المقاومة الصامدة [7].
يكشف هذا التطور الرقمي أن واشنطن لم تعد تكتفي بدور "المموِّل العسكري الحليف" كما في 1973، بل تحولت إلى شريك عملياتي مباشر في إدارة الميدان وخوض الحرب الإقليمية بالوكالة لحماية منظومة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
القواعد الأمريكية: وهم الحماية واستنزاف الثروات
عند إسقاط دروس الماضي على واقعنا الراهن، نجد أن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة ما زالت محكومة بنفس الثوابت الاستعمارية. إن الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في المنطقة، والذي تم تبريره لسنوات طويلة تحت لافتة "حماية العروش وأنظمة الحكم"، لم يكن يوماً لصالح الاستقرار العربي.
لقد أثبتت المحطات التاريخية الصعبة، وصولاً إلى موجات التصعيد الراهنة والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة مع إيران، أن هذه الترسانات الممتدة والمدفوعة بـ "ترليونات الدولارات" من ثروات الأمة، صُممت بالأساس لخدمة هدفين لا ثالث لهما:
حماية الأمن الوجودي لإسرائيل: وضمان تفوقها العسكري النوعي على محيطها، واعتراض أي تهديد يطال عمقها الاستراتيجي عبر شبكات الرادارات والقواعد المنتشرة.
استنزاف ورهن الموارد العربية: وإبقاء القرار السياسي الإقليمي تابعاً للمظلة الغربية، وتجريد الدول من مقومات الدفاع الذاتي المستقل [7].
الدرس المستفاد: المقاومة كبديل تاريخي
إن الدرس الأبرز المستوحى من روح حزيران، والذي تعيد المقاومة الباسلة في غزة وفلسطين كتابته بدمائها اليوم، هو أن توازن القوى لا تصنعه الترسانات التكنولوجية وحدها، بل تصنعه "عدالة القضية وعقيدة الصمود".
تماماً كما تحولت نكسة الجيوش عام 1967 إلى طاقة استنزاف ومواجهة شاملة، يثبت الواقع المعاصر أن الرهان على التحالفات الغربية والمظلات الأمريكية لحماية العروش ما هو إلا وهم مكلف. إن المظلة الوحيدة الحقيقية هي التلاحم الشعبي، وبناء القوة الذاتية المستقلة، والتمسك بخيار المقاومة الشاملة لكسر أوهام الهيمنة وتغيير الموازين المفروضة على الأمة منذ عقود.
الهامش والمراجع :
[1] الناصر خشيني: قراءات في فكر حزيران وتداعيات النكسة، أرشيف دراسات دنيا الرأي.
[2] محمد حسنين هيكل: الانفجار 1967 - حرب الثلاثين سنة، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
[3] وثائق جامعة الدول العربية: قرارات ومخرجات قمة الخرطوم (مؤتمر اللاءات الثلاث)، أغسطس 1967.
[4] الفريق أول محمد فوزي: حرب الاستنزاف 1967 - 1970، مذكرات وزير الحربية المصري الأسبق.
[5] المشير أحمد إسماعيل: التوجيه الاستراتيجي وحرب أكتوبر (وثائق عسكرية ومذكرات رسمية).
[6] تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون): سجلات عملية الجسر الجوي "عشب النيكل" (Operation Nickel Grass 1973)، الأرشيف العسكري.
[7] نوام تشومسكي: الهيمنة أم البقاء - السعي الأمريكي نحو السيطرة العالمية، دراسات في الجيوسياسية الشرق أوسطية (محدث ببيانات تمويل



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​ ...
- البنوك الاسلامية وارتباطها بالراسمالية
- هندسة الخنق الاقتصادي والتطبيع بالوكالة: كيف سحقت -دليس- منا ...
- الحدود والتجزئة: جذور التخلف العربي ومسالك الخلاص
- البُعد العروبي في القرآن الكريم ونشأة الأمة العربية
- النفط العربي: نعمة تحوّلت نقمة كيف سرقت الثروة الشعبَ وموّلت ...
- أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً وم ...
- الأراضي العربية المحتلة: فلسطين ليست وحدها
- الدور الصيني في مواجهة الهيمنة الأمريكية من التنافس الاقتصاد ...
- الحج والتقويم الإسلامي: إشكالية الزمان بين النص والاجتهاد
- قناة السويس التاريخ والجغرافيا وبلطجة ترامب
- تزامن استهداف المقاومة في كل من اليمن وغزة
- سوريا في موكب الدمار الشامل
- كيف نفهم السلام العادل في الشرق الاوسط
- الاسلام و الدولة المدنية
- هل يقرا عشاق البخاري كتابه الصحيح بشكل عقلاني
- قراءة في كتاب إعلان النكير على المفتونين بالتصويرتأليف حمود ...
- التفاسير عمل بشري يطغى عليه كل عوامل التاثير البشري الاية 24 ...
- صالح الفوزان وفضائح الفقه المعاصر من خلال كتابه الملخص الفقه ...
- صحيح البخاري ودين بديل 5 بقلم الناصر خشيني


المزيد.....




- مصر.. فيديو فتاة تتعرض للركل والضرب من شاب في الشارع والداخل ...
- بلا ذكور منذ 100 ألف عام: السمكة التي أربكت نظرية التطوّر
- مئة يوم على حرب إيران وتحوّل مسار المستشار فريدريش ميرتس
- -قُتلوا بالخطأ-.. لماذا لا يمكن للاحتلال تبرير قتل 3 عسكريين ...
- قبل أن يرتدي بدلته بساعات.. مهند يزف إلى قبره بدل عروسه
- من سيضحك أخيرا؟ حرب باردة بين فرنسا وروسيا على ثروات مدغشقر ...
- شاهد.. قذائف إسرائيلية تباغت مراسلة الجزيرة على الهواء
- التجسس الإسرائيلي في أمريكا.. تاريخ طويل من الشكوك بين الحلي ...
- عاجل | نيويورك تايمز: إسرائيل كثفت محاولات التنصت على مسؤولي ...
- إيران تضع ترامب في مأزق وهدنة لبنان تتهاوى


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية