أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - الناصر خشيني - آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن والاقتصاد















المزيد.....

آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن والاقتصاد


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 20:36
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


مقدمة
لم تعد ظاهرة المخدرات في تونس مجرد قضية أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة مجتمعية شاملة تنخر في جسد الدولة والمجتمع معًا. فمن بلد كان يُعتبر تقليديًا محطة عبور للمواد المخدرة نحو أوروبا، أصبحت تونس اليوم، بحسب تحذيرات أممية حديثة، سوقًا استهلاكية متنامية بذاتها، يطال خطرها الشباب في المدارس والجامعات والأحياء الشعبية على حد سواء.
الظاهرة بالأرقام: تصاعد مقلق
تكشف بيانات وزارة الداخلية التونسية، التي عُرضت خلال جلسة استماع بلجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في جوان 2026، عن حجم الظاهرة وتفاقمها:
سُجّلت خلال سنة 2025 وحدها نحو 15,253 قضية مخدرات، تورّط فيها ما يقارب 27,338 شخصًا، من بينهم أكثر من 10 آلاف مروّج.
الفئة العمرية بين 19 و40 سنة تمثل حوالي 89% من مجموع المتورطين، وهو ما يعني أن الظاهرة تستهدف بامتياز شريحة الشباب والقوى المنتجة في المجتمع.
على مدى العشرية الأخيرة، بلغ عدد قضايا المخدرات في تونس نحو 86,599 قضية، شملت أكثر من 156 ألف متورط و104 آلاف مستهلك.
في مجال الحجوزات، تم ضبط أكثر من 2.5 مليون قرص مخدر خلال سنة 2025 وحدها، إضافة إلى نحو 132 كيلوغرامًا من الكوكايين، و408 أطنان من القنب الهندي، وكميات من الهيروين.
جغرافيًا، تتركز الظاهرة في تونس الكبرى والشريط الساحلي وبعض مناطق الشمال الغربي، فيما يبقى الشريط الحدودي الغربي بؤرة رئيسية لعمليات التهريب.
هذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع رقعة الاستهلاك، بل تشير أيضًا إلى تحوّل نوعي خطير: فتونس التي كانت "بلد عبور" أصبحت، وفق تصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين، "مركزًا للاستهلاك" بحد ذاته. كما يحذّر التقرير العالمي للمخدرات لسنة 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة من اختراق الكوكايين لأسواق البيع بالتجزئة في شمال إفريقيا بما فيها تونس، وظهور مؤشرات على تصنيع مادة الكبتاغون إقليميًا بعد تفكيك مختبراته في سوريا أواخر 2024.
الانعكاسات على مستقبل الشباب
استهداف الفئة العمرية الشابة ليس صدفة، بل نتيجة استراتيجية ممنهجة تعتمدها شبكات الترويج التي تستغل:
الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: البطالة، خاصة بين حاملي الشهادات، والفقر في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية، يخلقان بيئة خصبة للانجذاب نحو الترويج كمصدر رزق أو نحو الاستهلاك كهروب من الواقع.
التفكك الأسري والانقطاع المبكر عن الدراسة: يشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن غياب الرقابة الأسرية والمدرسية يزيد من قابلية الوقوع في دائرة الإدمان.
وسائل التواصل الاجتماعي: أصبحت منصة رئيسية للاستقطاب وإبرام صفقات البيع بعيدًا عن الرقابة التقليدية.
الفضاءات الترفيهية الصيفية: تتحول الشواطئ والمنتجعات خلال الموسم السياحي إلى فضاءات تستغلها الشبكات نظرًا لكثافة الحضور وصعوبة المراقبة.
النتيجة هي جيل كامل مهدد في صحته النفسية والجسدية، وطاقاته العلمية والمهنية، ما ينذر بخسارة استراتيجية على المدى البعيد لرأس المال البشري الذي تحتاجه تونس لنهوضها الاقتصادي.
الدور التخريبي على المجتمع والاقتصاد
لا تقتصر أضرار المخدرات على الأفراد المتعاطين، بل تمتد لتشمل:
تصاعد الجريمة المصاحبة: من سرقات وعنف وجرائم مالية مرتبطة بتمويل شبكات الترويج.
تآكل النسيج الاجتماعي: انتشار ثقافة "الزطلة" كـ"منشط" مقبول اجتماعيًا لدى بعض فئات الشباب، ما يصعّب جهود التوعية.
الكلفة الاقتصادية غير المباشرة: تكاليف العلاج والإدماج الاجتماعي، وتراجع الإنتاجية، وأعباء إضافية على المنظومة الأمنية والقضائية والصحية.
تسييل الاقتصاد الموازي: ارتباط تجارة المخدرات بشبكات تهريب أوسع تشمل السلاح والعملة، ما يغذي اقتصادًا غير رسمي يوازي الاقتصاد الوطني ويستنزف موارده.
كما تحذر تقارير دولية، منها مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، من أن التقاء "ثلاثية المال والمخدرات والإرهاب" يشكل خطرًا مركّبًا يهدد استقرار الدول ويفكك مجتمعاتها من الداخل.
جهود الدولة: أمنية، قضائية، وتشريعية
على الجبهة الأمنية، تسجل وحدات الحرس الوطني والأمن الوطني والديوانة إنجازات ملموسة تتمثل في تفكيك شبكات ترويج وحجز كميات كبيرة من المواد المخدرة سنويًا، إلى جانب حملات أمنية واسعة تستهدف محيط المؤسسات التربوية والجامعية ومحطات النقل العمومي.
أما على الصعيد التشريعي، فتشهد تونس حاليًا نقاشًا جوهريًا حول مراجعة شاملة للقانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة المخدرات، وقد أحدثت لجنة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات لإعداد نص قانوني جديد يواكب التحولات التي تشهدها الظاهرة، خاصة أن القانون الحالي طالما وُصف بالصرامة المفرطة تجاه المستهلك دون تمييز كافٍ بينه وبين المروّج، وهو ما أثار جدلاً مجتمعيًا وحقوقيًا واسعًا على مدى سنوات.
كما تنظم السلطات الصحية حملات توعية موسمية، خاصة خلال فصل الصيف، تستهدف الشباب عبر أنشطة تثقيفية وورشات تعبيرية، لكن مختصين يرون أن هذه الجهود تبقى غير كافية في غياب خطة وطنية شاملة ومندمجة لمكافحة الظاهرة تجمع بين البعد الأمني والوقائي والعلاجي والتربوي.
دور اللوبيات والعصابات في تقزيم دور الدولة
رغم الجهود الأمنية، تواجه الدولة تحديات بنيوية تحد من فعالية تدخلها:
الطابع العابر للحدود للجريمة المنظمة: الموقع الاستراتيجي لتونس يجعلها معبرًا مفضلاً لشبكات دولية، ما يصعّب المراقبة الكاملة للحدود البرية والبحرية.
تطور أساليب الشبكات: تحوّلت العصابات إلى بنى تنظيمية معقدة تعتمد وسائل تشفير واتصال متطورة، ما يفرض على أجهزة الدولة مواكبة تقنية مستمرة.
إغراق السوق بمواد مستوردة: كشفت مصادر أمنية عن تدفق أقراص مخدرة (مثل مادة البريغابالين) مصنّعة خصيصًا لشبكات التهريب، حتى أن أسعارها تُطبع بالدينار التونسي أو الجزائري مباشرة من بلد المنشأ، وهو مؤشر على درجة التنظيم التي بلغتها هذه الشبكات.
الفساد وتقاطع المصالح: يربط عدد من المحللين بين اقتصاد المخدرات وشبكات فساد أوسع، حيث تشكل الأرباح الطائلة أداة نفوذ يمكن أن تخترق مفاصل إدارية أو تُستخدم للضغط والإفلات من العقاب، ما "يقزّم" أحيانًا قدرة الدولة على المواجهة الحاسمة.
هذا التشابك بين المال والجريمة المنظمة يجعل من معركة مكافحة المخدرات معركة مركبة، تتجاوز الجانب الأمني الصرف لتشمل الحوكمة، والشفافية، والتعاون الدولي.
خاتمة: نحو مقاربة شاملة
إن مواجهة آفة المخدرات في تونس تستدعي مقاربة متكاملة لا تكتفي بالحل الأمني والزجري، بل تشمل:
تسريع مراجعة الإطار التشريعي (القانون عدد 52) بما يوازن بين الردع والحماية الاجتماعية للمستهلك.
تعزيز برامج الوقاية والتوعية في المؤسسات التربوية بشكل دائم لا موسمي.
توفير فرص اقتصادية واجتماعية حقيقية للشباب في المناطق الأكثر هشاشة.
تكثيف التعاون الدولي والإقليمي لمواجهة الطابع العابر للحدود لهذه الجريمة.
الحزم في مواجهة أي تقاطع بين شبكات المخدرات ومنظومات الفساد.
فالمعركة ضد المخدرات ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة وجود تتعلق بمستقبل جيل كامل وباستقرار الدولة والمجتمع في آن واحد.
المصادر: بيانات وزارة الداخلية التونسية المعروضة أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب (جوان 2026)، التقرير العالمي للمخدرات 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، وتصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين تونسيين.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية ...
- التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن ال ...
- الثروات المنهوبة: قطاع النقل بتونس بين تفريط الدولة وتغوّل ا ...
- غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة
- الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في س ...
- مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى ه ...
- خرافة -السلام العادل- وحتمية التحرير
- منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور
- مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى -حاكمي ...
- تفسير القرطبي بين الجلالة العلمية ومآخذ المنهج
- الشافعي والرسالة وتجميد الفقه الإسلامي نحو قراءة نقدية في تأ ...
- الفقه على المذاهب الأربعة والحجر على تطور التفكير عند المسلم ...
- كتب السحر العربية ودورها في تخريب العقل الجمعي وتعميق التخلف
- ابن إسحاق وسيرته: رواية مفتقرة إلى السند لا علاقة لها بالتوث ...
- ابن تيمية في قفص الاتهام المعاصر: هل شرعنت فتاوى الغزو التتا ...
- الغزالي في زمن الحروب الصليبية: الموسوعية الدينية والتحوّل ا ...
- التصعيد الأمريكي-الإيراني ومعضلة الشرق الأوسط
- توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلط ...
- جدل الإنسان: منهج لثورة الوعي وتغيير الواقع
- درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن ال ...


المزيد.....




- وفاة فيكتور ويليس.. صوت أغنية -YMCA- الشهيرة عن 74 عاماً
- شاهد.. شخصان يتسلقان قمة مبنى إمباير ستيت في نيويورك ويرفعان ...
- نائب ترامب يوضح لـCNN آخر مستجدات محادثات الدوحة مع إيران
- البحرية الأمريكية: هبوط اضطراري لمروحية في بحر العرب -ولا مؤ ...
- Tecno تطلق واحدا من أنحف الهواتف وأكثرها تميزا
- سفير واشنطن في إسرائيل: لا تغيير في موقف ترامب من إيران.. وا ...
- تحت ذريعة -تمويل الإرهاب-: إسرائيل تغلق جمعية -التضامن- الخي ...
- بعد 120 يومًا على قصف مدرسة ميناب.. تقرير يسلط الضوء على تحق ...
- نجوم بين هويتين… جدل لا ينتهي حول الانتماء
- سفير أمريكا لدى إسرائيل: علاقة واشنطن وتل أبيب أشبه بزواج مث ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - الناصر خشيني - آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن والاقتصاد