أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - الناصر خشيني - سلسلة أعلام الامة : ​أحمد عرابي: من ريف الشرقية إلى حامي الديار المصرية ​















المزيد.....

سلسلة أعلام الامة : ​أحمد عرابي: من ريف الشرقية إلى حامي الديار المصرية ​


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 00:05
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


​يمثل الزعيم أحمد عرابي محطة استثنائية في تاريخ مصر الحديث؛ فهو ليس مجرد قائد عسكري قاد انتفاضة في وجه الخديوي، بل هو تجسيد حي لوعي وطني تشكل في أروقة الريف المصري، وصُقل في مؤسسات الجيش، ثم تبلور فكراً سياسياً ناضجاً يسعى لترسيخ قيم العدالة والمواطنة والدستورية في مواجهة الاستبداد والتدخل الأجنبي السافر.
𔁯. النشأة والتكوين: من ريف الشرقية إلى العسكرية المصرية
​الميلاد والبيئة الجذورية
​ولد أحمد عرابي في الحادي والثلاثين من مارس عام 1841 في قرية "هرية رزنة" التابعة لمديرية الشرقية في ريف مصر [1]. نشأ عرابي في بيئة ريفية خالصة صبغت وجدانه بالارتباط الوثيق بالأرض والفلاحين، وكان والده شيخاً للقرية يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة، مما أتاح لعرابي فرصة التنشئة الدينية المبكرة، فحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم التحق بالجامع الأزهر الشريف ليتلقى العلوم الدينية واللغوية لمدة عامين [2]. هذه الـخلفية الأزهرية منحت عرابي فصاحة في اللسان وقدرة خطابية متميزة أهّلته لاحقاً لتحريك الجماهير وصياغة البيانات الوطنية ببيان رصين.
​التحول نحو العسكرية
​شهدت مصر في عهد الوالي سعيد باشا تحولاً إستراتيجياً تمثل في السماح لأبناء مشايخ البلاد والريف بالالتحاق بالجيش كضباط، مكسراً بذلك الاحتكار التقليدي للعناصر التركية والشركسية [3]. التحق عرابي بالخدمة العسكرية عام 1854 ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره، وأبدى انضباطاً وذكاءً حاداً ساعده على الترقي السريع في الرتب العسكرية؛ فوصل إلى رتبة "ملازم أول" في غضون أربعة أعوام، وبحلول عام 1860 رُقي إلى رتبة "بكباشي" (مقدم) وهو في التاسعة عشرة من عمره، وهو صعود إستراتيجي لافت لضابط مصري في تلك الحقبة [4].
𔁰. الفلسفة الفكرية والدوافع الوطنية: من المظلمة الفئوية إلى قضية الأمة
​مواجهة التمييز المؤسسي
​مع تولي الخديوي إسماعيل ثم الخديوي توفيق سدة الحكم، تراجعت سياسة تمصير الجيش وعادت الهيمنة المطلقة للعناصر الشركسية والتركية التي مارست تمييزاً صارخاً ضد الضباط المصريين، سواء باحتجاز ترقياتهم أو تقليل نفوذهم وتسريحهم تعسفياً [5]. في هذه الأجواء تشكلت الفلسفة الفكرية لعرابي؛ إذ أدرك أن المسألة تتجاوز التظلم الفئوي العسكري لتصل إلى جوهر مفهوم المواطنة والمساواة، حيث يُظلم ابن البلد في وطنه لصالح نخب أجنبية مستبدة.
​التحول إلى حركة شعبية (الوعي القومي)
​لم يقف فكر عرابي عند المطالب العسكرية المحضة، بل تقاطع مع الحركة الفكرية والإصلاحية التنويرية التي قادها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وتأثر بالصحافة الوطنية الصاعدة [6]. تحول الوعي العرابي من الرؤية القطاعية إلى تبني قضية وطنية شاملة ترتكز على محوريين رئيسيين: دسترة الحكم عبر إنهاء الاستبداد المطلق للخديوي وإقامة مجلس نواب يمثل الأمة، والسيادة الوطنية بالحد من التدخل السافر لبريطانيا وفرنسا في الشؤون المالية والسياسية من خلال صندوق الدين [7].
𔁱. الإنجازات التنفيذية والمحطات التاريخية
​مظاهرة عابدين (9 سبتمبر 1881)
​مثلت مظاهرة عابدين الكبرى الذروة السياسية للحركة العرابية، حيث قاد عرابي وحدات الجيش متلاحماً مع آلاف المواطنين الذين تجمهروا أمام قصر عابدين لتقديم مطالب الأمة للخديوي توفيق [8]. وفي المواجهة التاريخية الشهيرة، خاطب الخديوي توفيق عرابي قائلاً: "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا"، فرد عليه عرابي برد فلسفي وتاريخي صاغ أدبيات الحرية المصرية:
​«لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، إننا لا نُورَث، ولا نُستعبَد بعد اليوم» [9].
​أجبرت هذه الوقفة الشجاعة الخديوي على عزل الوزارة المستبدة، وتشكيل حكومة وطنية فتحت الباب لصياغة دستور 1882 وإنشاء مجلس النواب المصري.
​قيادة الدفاع ووزارة الجهادية (1882)
​عُيّن عرابي وزيراً للجهادية (الدفاع) في وزارة محمود سامي البارودي، وغدا لُقب بـ "حامي الديار المصرية" بالتزامن مع تصاعد التهديدات العسكرية البريطانية [10]. نجح عرابي وقواته عسكرياً في صد الهجوم البحري والبري البريطاني في معركة كفر الدوار الشهيرة، مما اضطر القوات البريطانية للتراجع والبحث عن منفذ بديل عبر قناة السويس [11]. إلا أن الزحف البريطاني الهائل في الجبهة الشرقية أدى في النهاية إلى هزيمة الجيش المصري في معركة التل الكبير (سبتمبر 1882) نتيجة اختلال موازين القوى والتواطؤ الدولي [12].
𔁲. النقد والتحليل الأكاديمي لمسيرته
​مراجعة الأداء العسكري والسياسي
​تخضع تجربة أحمد عرابي لتحليلات أكاديمية رصينة ومتباينة تبحث في أسباب إخفاق الثورة عسكرياً برغم عدالتها الشعبية؛ حيث يُؤخذ على عرابي قصور التخطيط الإستراتيجي وثقته المفرطة بوعود "فرديناند دي لسبس" بشأن حيادية قناة السويس، مما سمح لبريطانيا باختراق العمق المصري [13]. كما ساهم انقسام الجبهة الداخلية، وصدور منشور السلطان العثماني بـ "عصيان عرابي"، فضلاً عن الاختراقات والخيانات في صفوف بعض الضباط والبدو، في تحطيم الروح المعنوية قبيل معركة التل الكبير [14].
​مرحلة المنفى وإعادة القراءة
​بعد صدور حكم الإعدام وتخفيفه إلى النفي المؤبد، أمضى عرابي قرابة عشرين عاماً في جزيرة سيلان (سريلانكا)، تحول فيها إلى رمز إنساني وثقافي ساهم في تأسيس المدرسة الزاهرية التي تعد نواة التعليم العربي والحديث هناك [15]. عاد عرابي إلى مصر عام 1901 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث عاش في عزلة اختيارية يوثق أحداث الثورة حتى وفاته عام 1911، تاركاً إرثاً نضالياً ألهم ثورات مصر اللاحقة [16].
​الهوامش والمراجع:
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية: كشف الستار عن الأسرار، القاهرة: دار المعارف، ص 15.
​المرجع نفسه، ص 18.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، القاهرة: دار المعارف، ط 4، 1983، ص 42.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 25.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 68.
​محمد عبده، مذكرات الإمام محمد عبده عن الثورة العرابية، تحقيق: طاهر الطناحي، القاهرة: دار الهلال، ص 34.
​المرجع نفسه، ص 45.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 112.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 89.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 185.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 142.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 290.
​المرجع نفسه، ص 315.
​محمد عبده، مذكرات الإمام محمد عبده، مرجع سابق، ص 92.
​أحمد عرابي، مذكرات الثورة العرابية، مرجع سابق، ص 380.
​عبد الرحمن الرافعي، الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، مرجع سابق، ص 420.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ​إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي: قراءة قومية تقدمية ...
- السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت
- من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسي ...
- ساطع الحصري.. مهندس الفكر القومي العربي الحديث ​
- إفريقيا: ثروة الأرض ولعنة الإدارة
- المشروع العروبي في تونس: مسار من الثعالبي إلى اليوم
- حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لمواز ...
- الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة ا ...
- من -طوفان الأقصى- إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصرا ...
- آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن و ...
- كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية ...
- التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن ال ...
- الثروات المنهوبة: قطاع النقل بتونس بين تفريط الدولة وتغوّل ا ...
- غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة
- الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في س ...
- مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى ه ...
- خرافة -السلام العادل- وحتمية التحرير
- منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور
- مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى -حاكمي ...
- تفسير القرطبي بين الجلالة العلمية ومآخذ المنهج


المزيد.....




- How Unions Pave the Way to the American Dream
- What Makes States Go Nuclear?
- Deferring a Crisis: the Iran-U.S. Ceasefire Cracks
- “Justice Has Failed Us Here in Guatemala”: Four Decades Afte ...
- The U.S. and China are Quietly Building an AI Cold Peace
- منافس بورنهام الوحيد ينسحب من سباق رئاسة الوزراء البريطانية ...
- العدد 660 من جريدة النهج الديمقراطي
- المؤسسات الإسلامية في أوروبا بين الاندماج والتأثير الخارجي: ...
- ترامب يركز حملته الانتخابية على مناهضة الشيوعية فيما تُوجه ا ...
- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال


المزيد.....

- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - الناصر خشيني - سلسلة أعلام الامة : ​أحمد عرابي: من ريف الشرقية إلى حامي الديار المصرية ​