أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت















المزيد.....

السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 17:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


​بينما تتجه أنظار الإعلام العالمي والمحلي بشكل مكثف وصاخب نحو بؤر مشتعلة في الشرق الأوسط مثل غزة ولبنان، أو تتابع ارتدادات الحرب في اليمن، تقبع في الزاوية المعتمة من المشهد الدولي مأساة إنسانية وجيوسياسية تفوق في فظاعتها المادية والاجتماعية الكثير مما رصدته الكاميرات؛ إنها الحرب الأهلية في السودان. هذا الصراع المستمر لا يمثل مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل هو مخطط ممنهج لحصار السودان، تفتيت بنيته الدولة، ومصّ مقدراته وثرواته لصالح أجندات إقليمية ودولية [1].
​فظاعة الجرائم: حرب أرقام مرعبة خلف جدار الصمت
​منذ اندلاع المواجهات، ارتكبت ميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد جانب دقلو (حميدتي)، فظائع ترقى إلى جرائم الحرب والتطهير العرقي. وتشير التقديرات الدولية المحدثة لعام 2026 إلى أن الحصيلة الحقيقية للضحايا قد تجاوزت 150,000 قتيل يشملون ضحايا المعارك المباشرة، والمجاعة والأوبئة الناتجة عن الحصار [2]، في حين وثقت نقابات الأطباء والمنظمات الميدانية أكثر من 40,000 جريح سقطوا بأسلحة الحرب والمقذوفات [3]. أما المفقودين والمحتجزين قسرياً فلا توجد إحصائية رسمية دقيقة تحصيهم بسبب انهيار المنظومة الأمنية، وسط توثيق آلاف الحالات من الإخفاء القسري والاختطاف [2].
​الأمر الأكثر مأساوية يتجلى في أزمة النزوح؛ حيث بات السودان يمثل أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم اليوم، بنزوح وتهجير ما يقرب من 14 مليون إنسان (منهم حوالي 11.5 مليون نازح داخلياً وأكثر من 3 ملايين لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار) [4].
​الفاتورة التدميرية: سحق البنية التحتية والخدمية
​لم تكتفِ الميليشيات باستهداف الإنسان، بل شنت حرباً ممنهجة لتدمير مقومات الحياة، وهو ما تؤكده الأرقام والتقارير الأممية لعام 2026:
​المستشفيات والقطاع الصحي: تعرض القطاع الصحي لانهيار شبه كامل؛ حيث خرجت أكثر من 70% من مستشفيات السودان عن الخدمة نتيجة التدمير المباشر، أو القصف، أو النهب المحتوم من قبل ميليشيا الدعم السريع [5]. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تم رصد المئات من الهجمات المباشرة والمسلحة على المنشآت الطبية والعاملين فيها، مما جعل السودان يتصدر عالمياً المؤشر الجنائي لنسبة الوفيات الناتجة عن استهداف الرعاية الصحية [3].
​المدارس والتعليم: تحولت أروقة العلم إلى ساحات حرب أو ملاجئ بائسة؛ حيث تشير تقارير منظمة اليونيسف لعام 2026 إلى أن أكثر من ثلث مدارس السودان مغلقة تماماً، بينما تُستخدم 11% من المنشآت التعليمية المتبقية كمراكز إيواء مؤقتة للنازحين أو ثكنات عسكرية محتلة من قبل أطراف النزاع، مما حرم أكثر من 8 ملايين طفل سوداني من حقهم الأساسي في التعليم [6].
​المساكن والمرافق المدنية: تعرضت مدن كبرى بأكملها مثل الخرطوم، والـجنينة، والفاشر لدمار واسع جعل بعض أحيائها السكنية "غير صالحة للحياة" جراء القصف الجوي والمدفعي، واستهداف شبكات المياه ومحطات الكهرباء والأسواق المركزية كأداة لتجويع وتركيع السكان [6].
​المحور الإقليمي والدور الإماراتي: تحالف الحصار والمصّ
​لا يمكن فهم استمرارية وقوة ميليشيات الدعم السريع دون النظر إلى خطوط الإمداد والدعم اللوجستي والمالي والعسكري والسياسي المتدفقة إليها. تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق كلاعب رئيسي ومحرك أساسي خلف الكواليس؛ حيث تشير التقارير الدولية والتحقيقات الاستقصائية إلى دور أبوظبي في تزويد هذه الميليشيات بالأسلحة والعتاد المتطور (مثل المسيرات التي باتت تتسبب في 60% إلى 80% من قتلى الأطفال المدنيين مؤخراً) تحت غطاء المساعدات الإنسانية [6] [7]. الهدف من هذا الدعم يتجاوز النفوذ السياسي المباشر إلى الرغبة في السيطرة على موانئ السودان الاستراتيجية على البحر الأحمر، والاستيلاء على ثرواته الهائلة من الذهب والأراضي الزراعية الخصبة [7].
​تشاد وإثيوبيا: أدوات الاختراق الجغرافي
​لتمرير هذا المخطط، كان لا بد من وجود ممرات جغرافية وأدوات إقليمية مساعدة:
​تشاد: تحولت الأراضي التشادية، وبتواطؤ أو ضغوط على النخبة الحاكمة هناك، إلى الممر اللوجستي الأساسي والمطار الخلفي لتدفق الأسلحة الإمارتية المتجهة إلى دارفور لدعم ميليشيات حميدتي، مما جعل الحدود الغربية للسودان ثغرة برية تنزف منها سيادة الدولة [8].
​إثيوبيا: يتقاطع الموقف الإثيوبي مع أجندة إضعاف الدولة المركزية في السودان، مستغلاً الأزمة لتثبيت واقع جديد في ملفات الحدود (مثل منطقة الفشقة) وضمان تحييد السودان في ملف سد النهضة، فضلاً عن تقديم تسهيلات سياسية ودبلوماسية لقيادات الميليشيا [9].
​هذا التحالف الإقليمي يهدف بالدرجة الأولى إلى حصار السودان جغرافياً وسياسياً، ومنع قيام دولة قوية ومستقرة قادرة على حماية أمنها القومي وثرواتها، وبالتالي تسهيل عملية "مصّ" مقدرات هذا البلد العربي الأفريقي العريق [1].
​خاتمة
​إن الصمت الإعلامي والدولي المطبق تجاه ما يحدث في السودان يمثل تواطؤاً غير معلن يمنح القتلة والممولين مزيداً من الوقت لإتمام مخططهم. إن استعادة السودان لسلامته واستقراره تتطلب أولاً كسر حلقة الحصار الإقليمي، وفضح الأدوار التدميرية للقوى الخارجية التي تجعل من دماء الشعب السوداني وقوداً لأطماعها التوسعية والاقتصادية.
​الهوامش والمراجع:
​[1] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تقارير تحليلية حول الأبعاد الجيوسياسية للصراع الممتد في السودان وأثر التدخلات الإقليمية على سيادة الدولة.
[2] صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) / شبكة بي بي سي (BBC): تقارير استقصائية وأممية محدثة تتبع الحصيلة الكلية التقديرية للوفيات الناتجة عن الصراع المباشر والمجاعة والأوبئة المصاحبة للحرب في السودان.
[3] منظمة الصحة العالمية (WHO): التقرير التحليلي للوضع الصحي العام في السودان (Public Health Situation Analysis - 2026)؛ توثيق الإصابات واستهداف الكوادر والمنشآت الطبية عبر نظام (SSA).
[4] المنظمة الدولية للهجرة (IOM) / شبكة الجزيرة الإعلامية: مرصد الحريات العامة وحقوق الإنسان - تقرير أرقام الأزمة الإنسانية للسودان (تحديثات 2026).
[5] لجنة الإنقاذ الدولية (IRC): تقرير "الأزمة في السودان: ماذا يحدث وكيف نساعد"، توثيق نسب دمار وانهيار المستشفيات والقطاع الصحي بنسبة تتخطى 70%.
[6] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF): البيانات الصحفية الصادرة في (أبريل ويوليو 2026) حول أعداد الأطفال الضحايا، ونسب استخدام الطائرات المسيرة، وإحصائيات إغلاق المدارس وخروجها عن الخدمة التعليمية.
[7] صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal): تحقيقات استقصائية موسعة كشفت بالخرائط والوثائق الدعم التسليحي الإماراتي السري لحميدتي ومسارات التهريب وشبكات الذهب.
[8] صحيفة لوموند الفرنسية (Le Monde): تقارير استقصائية ميدانية حول استخدام المطارات والحدود التشادية كممرات إمداد عسكري بدعم مالي إقليمي لصالح قوات الدعم السريع.
[9] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: دراسات مستفيضة حول الموقف الإثيوبي وتقاطع المصالح الإقليمية في ملفات الحدود والمياه وأثرها على تعميق الأزمة السودانية



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسي ...
- ساطع الحصري.. مهندس الفكر القومي العربي الحديث ​
- إفريقيا: ثروة الأرض ولعنة الإدارة
- المشروع العروبي في تونس: مسار من الثعالبي إلى اليوم
- حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لمواز ...
- الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة ا ...
- من -طوفان الأقصى- إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصرا ...
- آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن و ...
- كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية ...
- التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن ال ...
- الثروات المنهوبة: قطاع النقل بتونس بين تفريط الدولة وتغوّل ا ...
- غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة
- الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في س ...
- مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى ه ...
- خرافة -السلام العادل- وحتمية التحرير
- منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور
- مأزق الفكر الإسلامي المعاصر: من النصوصية الحنبلية إلى -حاكمي ...
- تفسير القرطبي بين الجلالة العلمية ومآخذ المنهج
- الشافعي والرسالة وتجميد الفقه الإسلامي نحو قراءة نقدية في تأ ...
- الفقه على المذاهب الأربعة والحجر على تطور التفكير عند المسلم ...


المزيد.....




- غرينلاند ترد على حديث ترامب مجددًا عن السيطرة على الجزيرة: - ...
- الناتو يعتبر أن الضربات الأمريكية على إيران -ضرورية- ويعلن ع ...
- -يعرّضهنّ للخطر-.. ترامب يواجه انتقادات واسعة بعد إعادة نشر ...
- ترامب يهدد إيران بغارات جوية جديدة: -سنضرب بقوة هذه الليلة- ...
- آلاف المشاركين ينطلقون في مسيرة السلام في البوسنة لإحياء ذكر ...
- -الناتو- يجدد التزامه ببند الدفاع المشترك.. وترامب يجيز لأوك ...
- -مجلس السلام- يخطط لإنشاء -منطقة إنسانية تجريبية- في رفح جنو ...
- في ذكرى أحمد الذوادي
- قرارات التحكيم وعقلية البطل - نجوم يحللون لـDW موقعة مصر وال ...
- فضل شاكر يطوي صفحة السجن؟ .. القضاء اللبناني -يوافق- على إخل ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت