أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - ​فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى الاستعمار الجديد وأدوات التبعية الفرنكوفونية















المزيد.....

​فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى الاستعمار الجديد وأدوات التبعية الفرنكوفونية


الناصر خشيني

الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 16:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة
​في إطار قراءتنا القومية التقدمية الشاملة لمفهوم الأمن القومي العربي، ندرك أن التهديدات لا تقتصر على حدود الإقليم الجغرافية المباشرة، بل تتقاطع بشكل عضوي مع القوى الإمبريالية التاريخية التي ما زالت ترى في جغرافيا الأمة وفضاءاتها الحيوية مجالات نفوذ تابعة لها. وتبرز فرنسا كنموذج صارخ لهذه القوى؛ إذ لم يكن احتلالها العسكري لشمال إفريقيا (تونس، الجزائر، والمغرب) مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل أسس لمنظومة استعمارية جديدة (Neo-colonialism) تواصل عبرها باريس، حتى يومنا هذا، استنزاف ثروات المنطقة والهيمنة على مقدراتها السياسية والاقتصادية عبر شبكات نفوذ معقدة وأدوات ثقافية "فرنكوفونية" تعمل كطابور خامس لرهن الإرادة الوطنية العربية.
​أولاً: الإرث الاستعماري الأسود.. عقيدة التدمير البنيوي وطمس الهوية
​إن تاريخ فرنسا في المغرب العربي هو تاريخ من الدم، ومحاولات المسخ الهوياتي الممنهج. فمنذ احتلال الجزائر عام 1830 وما تلاه من فرض "الحماية" على تونس والمغرب، لم تكتفِ الإمبريالية الفرنسية بنهب الأرض، بل خاضت حرباً وجودية لطمس الهوية العربية والإسلامية لشعوب المنطقة [1].
​لقد قامت هذه العقيدة الاستعمارية على مصادرة الأراضي الحصبة، وتدمير البنى الاقتصادية التقليدية لصالح ربط الاقتصاد المغاربي بالمركّب الرأسمالي الفرنسي، فضلاً عن سياسات "الفرنسة" التعليمية والإدارية العنيفة التي استهدفت عزل هذه الأقطار عن عمقها القومي المشرقي، وهي العقلية الاستعلائية التي ما زالت تحكم نظرة باريس إلى هذه الدول كـ"حديقة خلفية" تابعة لها.
​ثانياً: الاستعمار الجديد (Françafrique) والاستغلال الاقتصادي المتواصل
​رغم نيل دول شمال إفريقيا استقلالها السياسي بفضل تضحيات حركات التحرر الوطني، إلا أن فرنسا حرصت على صياغة "اتفاقيات استقلال" منقوصة تضمن لها استمرار الهيمنة الاقتصادية. تتجلى هذه الهيمنة اليوم في استمرار الشركات الفرنسية الكبرى (مثل توتال، وأورانو، والمجموعات المصرفية والصناعية) في السيطرة على قطاعات حيوية كاستخراج النفط والغاز، الفوسفات، والملح، فضلاً عن التحكم في قطاعات الاتصالات والخدمات والمال [2].
​وعلى الرغم من التراجعات الميدانية الكبيرة والصفعات المتتالية التي تلقتها فرنسا في منطقة الساحل الإفريقي (مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو) ورفض شعوبها لاستعباد "فرنك غرب إفريقيا" (CFA franc) واحتكارات اليورانيوم [3]، إلا أن باريس ما تزال تكافح بشراسة للحفاظ على نفوذها الاقتصادي الاستنزافي في شمال إفريقيا عبر عقود امتياز واحتكارات تجارية غير متكافئة تضمن بقاء المواد الخام وثروات الشعوب العربية متدفقة نحو الشمال، بينما تعاني الدول الوطنية من أزمات هيكلية وتنموية خانقة.
​ثالثاً: النفوذ الفرنكوفوني.. الاختراق الثقافي والطبقة الوظيفية
​لا يمكن فهم ديمومة الهيمنة الفرنسية دون تفكيك سلاحها الأكثر خطورة: الفرنكوفونية. إن الفكر التقدمي يرى في الفرنكوفونية أداة جيوسياسية ومؤسساتية صممتها باريس لإعادة إنتاج التبعية بعد الاستقلال المباشر [4]. ومن خلال التغلغل الثقافي، والتعليمي، والإعلامي، نجحت فرنسا في رعاية وتشجيع نخب وتيارات "فرنكوفونية" داخل المجتمعات المغاربية.
​هذه النخب الوظيفية، التي ترتبط مصالحها الطبقية والثقافية بباريس، تعمل كجدار صد يدافع عن المصالح الاستراتيجية الفرنسية، وتعطل أي مشروع حقيقي للتعريب الشامل أو التحرر الاقتصادي والسياسي. إنها تمارس نوعاً من "الاستلاب الحضاري" الذي يبقي مراكز صنع القرار الإداري والاقتصادي في المغرب العربي مقيدة بالنمط والمعايير الفرنسية، مما يمنح باريس قدرة عالية على التدخل والتوجيه من خلف الستار.
​رابعاً: التخادم الإمبريالي الصهيوني وتطويق الطموح القومي
​في المشهد الاستراتيجي الأوسع، تلتقي السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا دائماً مع أهداف المشروع الصهيوني والإمبريالية الأمريكية في المنطقة. تسعى فرنسا، عبر الحفاظ على حالة التبعية والتجزئة في المغرب العربي، إلى منع قيام أي كتلة قومية عربية متكاملة وقوية اقتصادياً وسياسياً على جنوب المتوسط [5].
​إن إبقاء هذه الدول مستنزفة الثروات وتابعة للمركز الأوروبي يضمن تحييد قدراتها البشرية والجغرافية الهائلة عن معركة الأمة المركزية في فلسطين، بل إن السياسات الفرنسية طالما وظفت ملفات الدعم المالي والديون للضغط على الحكومات المغاربية لضبط مواقفها السياسية بما يتوافق مع التوجهات الغربية والأطلسية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن الحالة الفرنسية في شمال إفريقيا تثبت حقيقة مبدئية في الفكر القومي التقدمي: وهي أن معركة التحرر الوطني لم تنتهِ برحيل الجندي الأخير للاستعمار التقليدي. إن مجابهة هذا التعدي السافر على الأمن القومي العربي تتطلب خوض معركة تحرر ثانٍ؛ تتمثل في تصفية كافة أشكال التبعية الاقتصادية، وإلغاء الاحتكارات الأجنبية لثروات شعوبنا، وتطهير الفضاء الثقافي والتعليمي من الهيمنة الفرنكوفونية الاستلابية، وبناء اقتصاد وطني ومغاربي مستقل يضع مقدرات الأرض في خدمة أصحابها، كخطوة أساسية نحو تحقيق السيادة الكاملة والوحدة القومية الشاملة.
​المراجع والمصادر:
​[1] مركز دراسات الوحدة العربية: دراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر وسياسات الاستعمار الفرنسي الثقافية والاقتصادية.
[2] تقارير اللجنة الاقتصادية لإفريقيا (الأمم المتحدة) حول هيكلية التبادل التجاري والاحتكارات الأجنبية في منطقة شمال إفريقيا.
[3] معهد الدراسات الإقليمية والدولية: تحولات المشهد الإفريقي والساحل، وسقوط منظومة "فرانس-أفريك" التقليدية وأثره الجيوسياسي (2025-2026).
[4] المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو): الفرنكوفونية وأثر التغلغل اللغوي والثقافي على الهوية والسيادة الوطنية في المغرب العربي.
[5] العلاقات الأورو-متوسطية والسياسات الاستعمارية الجديدة، منشورات معهد الإنماء العربي.



#الناصر_خشيني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشاد والمنظومة العربية: قراءة تقدمية في أدوار الجوار الإفريق ...
- تركيا والأمن القومي العربي: أطماع التمدد، التعطيش الممنهج، و ...
- سلسلة أعلام الامة : ​أحمد عرابي: من ريف الشرقية إلى حا ...
- ​إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي: قراءة قومية تقدمية ...
- السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت
- من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسي ...
- ساطع الحصري.. مهندس الفكر القومي العربي الحديث ​
- إفريقيا: ثروة الأرض ولعنة الإدارة
- المشروع العروبي في تونس: مسار من الثعالبي إلى اليوم
- حادثة صنعاء وجنازة خامنئي: مؤشرات تصعيد أم إعادة ترتيب لمواز ...
- الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة ا ...
- من -طوفان الأقصى- إلى الحرب على إيران: قراءة في تحولات الصرا ...
- آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن و ...
- كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية ...
- التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن ال ...
- الثروات المنهوبة: قطاع النقل بتونس بين تفريط الدولة وتغوّل ا ...
- غزة.. عامان من الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج لسبل الحياة
- الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في س ...
- مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى ه ...
- خرافة -السلام العادل- وحتمية التحرير


المزيد.....




- أمريكا تواصل ضرباتها على إيران.. وتصعيد جديد بين الحوثيين وا ...
- -كيف جنّدت إسرائيل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد؟- - نيو ...
- لفوفا بيلوفا: استمرار طلبات إعادة أطفال روس يعتقد وجودهم في ...
- الدفاع الروسية: نواصل استهداف الموانئ والسفن المرتبطة بالجيش ...
- مسؤول إيراني: رد -مدمر- ينتظر ترامب إذا نفذ تهديداته بقصف -ج ...
- السيسي يوجه رسائل هامة من البحرين عن دول الخليج
- صبري نخنوخ يدلي باعترافات مثيرة أمام القضاء المصري
- لافروف: الضربات الأمريكية الأخيرة على إيران تنتهك مذكرة التف ...
- تركيا.. العدالة والتنمية ينفي أنباء نقل -إس-400- للإمارات مق ...
- العراق يفتح تحقيقا في شبهات اختفاء 140 مليار دولار من الإيرا ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الناصر خشيني - ​فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى الاستعمار الجديد وأدوات التبعية الفرنكوفونية