|
|
التأرجح بوصفه بنيةً للذات والسرد في رواية “أن يتأرجح بك” لكاميليا عبد الفتاح: دراسة سردية–نفسية–سوسيوثقافية
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:09
المحور:
الادب والفن
﷽
المقدمة تمثل رواية “أن يتأرجح بك”[1] للناقدة والروائية والشاعرة د. كاميليا عبد الفتاح تجربة سردية لافتة في المشهد الروائي العربي المعاصر؛ ليس فقط لأنها العمل الروائي الأول لكاتبة تمتلك خبرة أكاديمية طويلة في مجال النقد الأدبي، وإنما لأنها تنبثق من منطقة تماس نادرة بين الوعي النقدي والمخيلة السردية. وقد حازت الرواية جائزة أبي القاسم الشابي للرواية العربية سنة 2025، وهو تتويج يكشف عن قدرتها على تحويل تجربة ذاتية حميمة إلى رؤية إنسانية تتجاوز حدود السيرة الفردية. تنتمي الرواية إلى نمط السرد التأملي الذي ينقل مركز الثقل من الحدث الخارجي إلى حركة الوعي الداخلي. فمن خلال شخصية “ليلى” ترسم الكاتبة مسارًا طويلًا من الأسئلة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة والحب والمعرفة. غير أن خصوصية هذا المسار لا تكمن في الموضوعات التي يتناولها فحسب، بل في الطريقة التي تتولد بها من حالة دائمة من التردد والبحث وعدم الاستقرار؛ وهي الحالة التي يختزلها مفهوم “التأرجح” بوصفه الكلمة الأكثر حضورًا في البنية العميقة للنص. وتقدم الرواية منذ مراحل مبكرة من تشكل وعي بطلتها ما يبدو مفتاحًا خفيًا لفهم هذا التأرجح. ففي سنوات الدراسة الجامعية لا تنشغل ليلى بالبحث عن الحب أو المكان أو الاستقرار فحسب، بل بالبحث عن الناقد القادر على إعادة الحياة إلى النصوص الأدبية. تصف إحباطها من الشروح الجامعية الجافة قائلة إن النصوص “سكنت بين أيدي الأساتذة، همد إيقاعها، انطفأ” [2]، ثم تعلن رغبتها في أستاذ يستطيع أن يضع النص “في سحابة ممطرة، أرجوحة مبهجة”، قبل أن تنطلق في رحلة بحث عن “الناقد الذي يمكنه أن يهبني الشغف، يجيب على أسئلتي، يكشف لي أعماق النص، قابضًا على وهجه” [3]. تكشف هذه اللحظة عن بعد يتجاوز حدود التجربة التعليمية؛ إذ يظهر البحث عن الناقد بوصفه تعبيرًا مبكرًا عن وعي يتأرجح بين المعرفة والخيال، وبين التحليل والانفعال، وبين الحاجة إلى تفسير العالم والرغبة في معايشته جمالياً. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الرواية كلها بوصفها ثمرة لهذا التوتر الخلاق بين عقل الناقدة ومخيلة الروائية، بحيث لا يقتصر التأرجح على انقسام البطلة بين الأمكنة والأزمنة والعلاقات، بل يمتد إلى الكتابة نفسها بوصفها مساحة تفاوض مستمرة بين خطاب المعرفة وخطاب الحكاية. غير أن هذه الثنائية لا تنشأ في فراغ معرفي أو مؤسسي. فالرواية تكشف أيضًا عن أثر الإحباط الأكاديمي في تشكيل وعي الشخصية؛ إذ تصطدم ليلى مرتين برفض تعيينها في الجامعة رغم تفوقها العلمي، بينما تُمنح الفرصة لغيرها عبر آليات المحسوبية. وتتحول هذه الخبرة من واقعة مهنية عابرة إلى جرح وجودي يدفع الشخصية إلى إعادة النظر في أحلامها واختياراتها. والمفارقة أن ما كانت ترفضه من قبل (السفر والاغتراب) يغدو لاحقًا أحد المسارات التي تتيح لها تحقيق ذاتها واستكمال مشروعها المعرفي والإبداعي. وهكذا تتكشف دائرة التأرجح الكبرى بين الحلم والواقع، وبين الانتماء والرحيل، وبين الخسارة وإعادة التكوين. وانطلاقًا من ذلك، تفترض هذه الدراسة أن التأرجح يشكل البنية المنظمة للرواية على مستويين متداخلين: مستوى الموضوع، حيث تتشكل الذات في فضاء من الانقسام المكاني والعاطفي والزمني؛ ومستوى الكتابة، حيث تتجلى حركة مستمرة بين وعي الناقدة وغواية الروائية، بحيث يصبح التأرجح مبدأً يحكم الشخصيات والأمكنة والعلاقات واللغة والبناء السردي معًا. وتستند الدراسة إلى منهج تحليلي–تأويلي متعدد المداخل، يجمع بين التحليل السردي والمقاربة النفسية والرؤية السوسيوثقافية، مع الحفاظ على مركزية النص بوصفه المرجع الأساسي للأحكام النقدية. كما تستفيد من بعض مفاهيم النقد السردي الحديث وعلم نفس الهوية وسوسيولوجيا الثقافة، دون الارتهان لإطار نظري واحد أو إسقاط مقولات جاهزة على النص. أما أهمية هذه الدراسة فتنبع من سعيها إلى تجاوز القراءات التي تناولت الرواية من زوايا جزئية نحو قراءة تركيبية ترى في التأرجح البنية العميقة التي تنتظم حولها مختلف مستويات العمل. فالرواية، في تقدير هذه الدراسة، لا تحكي قصة امرأة تتنقل بين أمكنة وذكريات وعلاقات متباعدة فحسب، وإنما تقدم تصورًا فنيًا للذات المعاصرة وهي تحاول أن تعثر على نقطة توازن بين الانتماء والحرية، وبين الذاكرة والرغبة، وبين غواية السرد وسلطة النقد. وتسير الدراسة وفق المحاور الآتية: الفصل الأول: التأرجح بوصفه بنية تأسيسية: العتبات والطفولة وبدايات الوعي الفصل الثاني: المكان بوصفه مدرسة للذات (جغرافيا التأرجح) الفصل الثالث: الحب والذاكرة والرموز الثقافية (تأرجح الذات بين التجربة وتأويلها) الفصل الرابع: التأرجح بين غواية السرد وسلطة النقد (حين تتحول تجربة الحياة إلى مشروع كتابة) وفي ضوء هذه المحاور تسعى الدراسة إلى الكشف عن الكيفية التي تحول بها التأرجح من تجربة معيشة إلى رؤية للعالم، ومن موضوع حكائي إلى مبدأ جمالي ينتظم بنية الرواية بأكملها. الفصل الأول - التأرجح بوصفه بنية تأسيسية: العتبات والطفولة وبدايات الوعي تمهيد تبدو رواية “أن يتأرجح بك” منذ صفحاتها الأولى منشغلة بتصوير حالة من عدم الاستقرار النفسي والوجودي، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن التأرجح لا يظهر بوصفه عرضًا نفسيًا عابرًا، ولا مجرد نتيجة مباشرة لانقسام أسري أو عاطفي، بل بوصفه البنية المؤسسة التي تتشكل داخلها الشخصية والرؤية والكتابة معًا. ومن ثم فإن البحث في جذور التأرجح لا يقتصر على تتبع طفولة ليلى أو ظروفها الأسرية، بل يقتضي العودة إلى العتبات النصية وإلى البدايات الأولى لتشكل الوعي؛ إذ تكشف الرواية تدريجيًا أن أزمة البطلة ليست أزمة انتماء مكاني أو عاطفي فحسب، بل أزمة بحث دائم عن مركز للمعنى، وعن صيغة قادرة على التوفيق بين الشغف بالحياة والرغبة في فهمها. ومن هذه الزاوية يغدو التأرجح أصلًا بنائيًا سابقًا على الأحداث نفسها، ومحركًا خفيًا ينتظم التجربة السردية بأكملها. أولًا: العتبات النصية واستباق فلسفة التأرجح تؤدي العتبات النصية في الرواية وظيفة تتجاوز التعريف بالنص أو تهيئة القارئ له، إذ تقدم منذ البداية صورة مكثفة للبنية الدلالية التي ستتطور لاحقًا داخل السرد. يحمل العنوان “أن يتأرجح بك” دلالة لافتة؛ فهو لا يقول "أن تتأرجح" بل "أن يتأرجح بك". والفرق بين الصيغتين جوهري. ففي الأولى تكون الذات فاعلة للحركة، أما في الثانية فتغدو موضوعًا لها. إن الذات هنا لا تصنع حركتها بالكامل، بل تُدفع إليها بفعل قوى أكبر منها: الأسرة، والمكان، والذاكرة، والزمن. أما الإهداء: “إلى أبنائي: أنتم أوتادي في أرض الله”[4] فيقيم منذ البداية مقابلة دقيقة بين عالمين: عالم الأوتاد والثبات من جهة، وعالم التأرجح الذي يوحي به العنوان من جهة أخرى. وكأن الكاتبة تهدي أبناءها ما افتقدته شخصيتها الساردة طوال الرواية: مركزًا ثابتًا يمكن الاتكاء عليه. ويأتي تصدير لوركا:”وُلدت النوارس من المناديل الملوّحة بالتوديع في الموانئ”[5] ليضيف بعدًا آخر يتعلق بالرحيل والفقد والاقتلاع، بينما يرسخ التصدير الآخر: “هناك أماكن، حين أمر بها، أمرُّ بي” العلاقة العضوية بين المكان والهوية، معلنًا منذ البداية أن المكان لن يكون خلفية للأحداث، بل أحد صناع الذات نفسها. وهكذا تتكامل العتبات لتعلن أن الرواية لا تتجه نحو حكاية استقرار أو اكتمال، بل نحو تجربة وجودية تقوم على الحركة الدائمة بين الأقطاب المتعارضة. ثانيًا: الطفولة والانقسام الأول: حين يصبح القطار استعارة للحياة إذا كانت العتبات تقدم التأرجح في صورته الرمزية، فإن الطفولة تكشف جذوره الواقعية الأولى. تنمو ليلى داخل فضاء أسري منقسم، حيث تجد نفسها موزعة بين قطبين متعارضين: الأب والأم. ولا تصوغ الرواية هذا الانقسام في إطار الميلودراما الأسرية المعتادة، بل تقدمه باعتباره خبرة تأسيسية ستطبع علاقتها بالعالم كله. ويكتسب مشهد الرحلة بالقطار[6] أهمية مركزية في هذا السياق. فالطفلة التي تنتقل بين مقعد الأب ومقعد الأم لا تقوم بحركة جسدية بسيطة، بل تعيش بصورة مبكرة ما سيصبح قدرها الوجودي لاحقًا: العجز عن الاستقرار الكامل في أحد الجانبين. هنا يتحول القطار إلى استعارة كبرى للرواية كلها، فهو فضاء انتقالي لا ينتمي إلى نقطة البداية ولا إلى نقطة الوصول، تمامًا كما ستظل ليلى لاحقًا معلقة بين أمكنة متعددة وذكريات متعددة وعلاقات متعددة. وتكمن قوة الرواية في أنها لا تفسر هذا الجرح تفسيرًا نفسيًا مباشرًا، بل تتركه يتسرب تدريجيًا إلى بنية الشخصية وسلوكها واختياراتها، بحيث يبدو التأرجح نتيجة طبيعية لمسار طويل من التشكل لا مجرد أثر ميكانيكي لصدمة طفولية. ثالثًا: من الانقسام الأسري إلى قلق الانتماء لا يبقى الانقسام حبيس الأسرة، فمع تطور السرد يتحول إلى نمط إدراك للعالم. تتعلم ليلى منذ سنواتها الأولى أن الانتماء الكامل أمر عسير، وأن كل اختيار ينطوي على خسارة موازية. ولهذا لا تظهر لاحقًا بوصفها شخصية مترددة بالمعنى التقليدي، بل بوصفها شخصية تعي تعقيد العالم أكثر مما تعي يقيناته. إنها لا تغادر الأقصر نهائيًا، ولا تستقر في الإسكندرية نهائيًا. لا تنفصل عن الماضي، ولا تستطيع الإقامة الكاملة في الحاضر. ولا تحسم علاقتها بالآخرين بقدر ما تظل تفاوض تلك العلاقة باستمرار. ومن ثم يتحول التأرجح من حالة نفسية إلى رؤية للعالم. وهو ما يمنح الرواية بعدها الوجودي العميق، ويجعل تجربة ليلى تتجاوز حدودها الفردية لتلامس خبرة إنسانية أكثر اتساعًا. رابعًا: البحث عن الناقد: ولادة الوعي المتأرجح إذا كان الانقسام الأسري يمثل الجذر النفسي للتأرجح، فإن الرواية تكشف عن جذر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تشكل الوعي الثقافي للشخصية. في واحدة من أكثر لحظات الرواية دلالة، تستعيد ليلى سنواتها الجامعية الأولى، حيث اصطدمت بالفجوة بين النصوص الأدبية التي أحبتها والطريقة التي كانت تُدرَّس بها داخل القاعات الدراسية. تقول: “لا أمواج في الجامعة، ولا نوارس.”[7] وتتابع واصفةً شعورها بأن النصوص: “سكنت بين أيدي الأساتذة، همد إيقاعها، انطفأ.”[8] وتبلغ هذه الأزمة ذروتها حين تعترف برغبتها في أن يضع أحد الأساتذة النص: “في سحابة ممطرة، أرجوحة مبهجة.” [9] ثم تنطلق في رحلة بحث طويلة عن: “الناقد الذي يمكنه أن يهبني الشغف، يجيب على أسئلتي، يكشف لي أعماق النص، قابضًا على وهجه.” [10] تكشف هذه المقاطع عن بعد بالغ الأهمية في الرواية. فليلى لا تبحث عن المعرفة وحدها، ولا عن الجمال وحده، بل عن نقطة التقاء بينهما. إنها ترفض النقد الذي يقتل النص باسم التحليل، كما ترفض القراءة السطحية التي تكتفي بالانفعال دون فهم. وهنا يظهر لأول مرة التأرجح الذي سيصبح لاحقًا أحد أسرار الكتابة عند كاميليا عبد الفتاح نفسها: التأرجح بين غواية الحكاية وسلطة التأويل. ولا يبدو من المبالغة القول إن هذا المقطع يمثل البذرة الفكرية التي ستنبثق منها الرواية بأكملها. خامسًا: العثور على الأسئلة لا الإجابات تتوج الرواية هذا المسار بعبارة شديدة الدلالة تقول فيها ليلى: “علمتني المراجع أن العثور على الأسئلة الحقيقية هدف أكثر أهمية من العثور على الإجابة.” [11] وتكاد هذه العبارة أن تؤدي وظيفة بيان جمالي وفكري للنص كله. فالرواية لا تقدم إجابات نهائية حول الحب أو الهوية أو المكان أو الذاكرة. بل تجعل من السؤال ذاته قيمة وجودية. ولهذا لا تنتهي رحلة ليلى إلى يقين كامل، ولا تصل الشخصية إلى نقطة استقرار نهائية. فالكتابة هنا لا تهدف إلى حل التناقضات بقدر ما تهدف إلى فهمها والعيش داخلها. ومن ثم يصبح التأرجح ليس علامة نقص، بل طريقة خاصة في إدراك العالم. سادسًا: من الفردي إلى الجمعي: تأرجح جيل بأكمله لا تظل تجربة ليلى حبيسة حدودها الذاتية، بل تكتسب دلالة أوسع ترتبط بتحولات اجتماعية وثقافية عرفها المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة. فالتفكك التدريجي لليقينيات القديمة، واتساع الهجرة، وتغير أنماط العلاقات والانتماء، كلها عوامل تجعل التأرجح الذي تعيشه البطلة أكثر من مجرد أزمة فردية. ومن ثم لا تمثل ليلى امرأة تبحث عن مكانها في العالم فحسب، بل تجسد ذاتًا وجدت نفسها بين عالم قديم يفقد تماسكه وعالم جديد لم يكتمل بعد. وهكذا تنجح الرواية في تحويل خبرة شخصية خاصة إلى صورة رمزية لخبرة جيلية أوسع، الأمر الذي يمنحها بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود السيرة الفردية. الفصل الثاني - المكان بوصفه مدرسة للذات (جغرافيا التأرجح) تمهيد إذا كان الفصل السابق قد كشف أن التأرجح يتأسس مبكرًا في تجربة الطفولة وفي تشكل الوعي الأول للشخصية، فإن هذا التأرجح لا يظل حبيس العالم النفسي، بل يجد تجسيده الأوضح في المكان. غير أن المكان في رواية “أن يتأرجح بك” لا يُقدَّم بوصفه إطارًا للأحداث أو خلفية محايدة تتحرك فوقها الشخصيات، بل بوصفه قوة فاعلة في تشكيل الهوية وإنتاج الذاكرة وصناعة الرؤية إلى العالم. ومن هنا تبدو الأمكنة في الرواية أقرب إلى محطات للتكوين منها إلى مواقع جغرافية. فكل مكان يترك أثرًا في وعي ليلى، ويمنحها صورة مختلفة عن نفسها وعن الآخرين. وبذلك تتحول جغرافيا الرواية إلى جغرافيا للذات، ويتحول الانتقال بين الأمكنة إلى انتقال بين أنماط مختلفة من الإدراك والانتماء. أولًا: المكان والكتابة... من العيش إلى التأويل تكشف الرواية منذ صفحاتها الأولى أن العلاقة بالمكان ليست علاقة سكون أو إقامة، بل علاقة حوار دائم بين الذات والعالم. فالأماكن لا تُرى من الخارج، وإنما تُستعاد من داخل الذاكرة، ولذلك تبدو مشبعة بالعاطفة والتأمل أكثر من ارتباطها بالوصف الواقعي المباشر. ولعل عبارة الرواية: “هناك أماكن، حين أمر بها، أمرُّ بي” [12] تمثل المفتاح الأكثر دلالة لفهم هذه العلاقة. فالمكان هنا لا يُستعاد بوصفه مشهدًا بصريًا، بل بوصفه جزءًا من الهوية. إنه لا يحتفظ بآثار الإنسان فحسب، بل يحتفظ الإنسان أيضًا بآثار المكان داخله. ومن ثم فإن المرور بالمكان يصبح مرورًا بالذات، واستعادةً لمراحل مختلفة من الوعي والذاكرة. بهذا المعنى لا تكتب كاميليا عبد الفتاح جغرافيا المدن، بل تكتب جغرافيا الشعور بها. ولذلك تغدو الأمكنة في الرواية مدارس خفية شكّلت الشخصية الساردة وصاغت رؤيتها للعالم. ثانيًا: الأقصر... مستودع الحكاية الأولى تمثل الأقصر في الرواية أكثر من مكان للطفولة أو موطن للأسرة؛ إنها الخزان الأول الذي خرجت منه الحكاية ذاتها. ففيها تشكلت الصور الأولى للعالم، ومنها انطلقت الذاكرة التي ستغذي السرد لاحقًا. وتكتسب الأقصر خصوصيتها من هذا التداخل بين الفردي والجمعي. فهي ليست مجرد مدينة جنوبية في الذاكرة الشخصية، بل فضاء يحمل طبقات متعددة من التاريخ والأسطورة والطقوس والعلاقات الإنسانية. ولهذا تبدو دائمًا محملة بإحساس مزدوج: الدفء والألم، الانتماء والافتقاد. فالطفولة التي منحت ليلى جذورها الأولى هي نفسها الطفولة التي شهدت الانقسام الأسري المؤسس للتأرجح. لذلك لا تتحول الأقصر إلى فردوس مفقود بالمعنى الرومانسي، ولا إلى جرح خالص، وإنما تبقى منطقة رمادية تتجاور فيها السكينة مع الخسارة. ومن اللافت أن حضور الأقصر في الرواية يأتي غالبًا عبر الذاكرة والاستدعاء لا عبر الحضور المباشر. وكأن المدينة لا تعيش في الجغرافيا بقدر ما تعيش داخل الوعي. ولهذا يمكن القول إن الأقصر تمثل في الرواية مستودع السرد؛ أي المصدر الذي تنبع منه الحكايات والصور الأولى التي تعود إليها الذات كلما حاولت فهم نفسها. ثالثًا: الإسكندرية... المدينة التي صنعت القارئة والناقدة إذا كانت الأقصر تمثل الجذور، فإن الإسكندرية تمثل لحظة تشكل الوعي النقدي. في هذه المدينة تتجاوز ليلى حدود الأسرة والطفولة لتدخل عالم القراءة والمعرفة والجامعة والعلاقات الجديدة. وهنا تبدأ مرحلة مختلفة من علاقتها بالعالم؛ إذ لا تكتفي بمعايشة التجربة، بل تبدأ في تأملها وتحليلها. وليس من المصادفة أن يرتبط مشهد البحث عن الناقد (الذي ناقشناه في الفصل السابق) بالإسكندرية تحديدًا. ففي هذه المدينة تكتشف البطلة أن المعرفة لا تعني حفظ الشروح الجاهزة، وأن الأدب لا يُختزل في الملخصات الأكاديمية. تقول: “بحثت عندهم عن الناقد الذي يمكنه أن يهبني الشغف، يجيب على أسئلتي، يكشف لي أعماق النص، قابضًا على وهجه.” [13] ولا يكشف هذا البحث عن أزمة تعليمية فحسب، بل يكشف عن ميلاد وعي جديد يحاول الجمع بين المعرفة والجمال، وبين التحليل والانفعال. ومن هنا يمكن النظر إلى الإسكندرية بوصفها المدينة التي صنعت القارئة والناقدة معًا. فإذا كانت الأقصر قد منحت البطلة مادة الحياة، فإن الإسكندرية منحتها أدوات فهم تلك الحياة وتأويلها. رابعًا: البيت... انهيار مركز الطمأنينة في التصور التقليدي يمثل البيت رمزًا للحماية والاستقرار، غير أن الرواية تعيد النظر في هذه الدلالة. فالبيت عند ليلى هو المكان الذي شهد الانقسام الأول، ولذلك لا يعود قادرًا على أداء وظيفته بوصفه مركزًا يقينيًا للانتماء. ومن ثم يتجاور داخله الإحساس بالألفة مع الإحساس بالفقد، ليغدو نقطة البداية لأزمة المكان في الرواية؛ تلك الأزمة التي ستتسع لاحقًا لتشمل العالم كله. خامسًا: القطار... استعارة التأرجح الكبرى إذا كان لكل رواية رمز مكثف يختزل رؤيتها للعالم، فإن القطار يؤدي هذا الدور في “أن يتأرجح بك”. فالقطار ليس مجرد وسيلة انتقال بين الأقصر والإسكندرية، بل فضاء وجودي معلق بين نقطتين. إنه لا ينتمي إلى البداية ولا إلى النهاية، بل يعيش في المسافة الفاصلة بينهما. ويكتسب مشهد انتقال الطفلة بين مقعد الأب ومقعد الأم داخل القطار أهمية استثنائية، لأنه يحول الحركة المكانية إلى صورة مكثفة لمسار الحياة كله. فكما تتنقل الطفلة بين المقعدين، ستتنقل المرأة لاحقًا بين مدن متعددة، وذكريات متعددة، وخيارات متعددة، دون أن تستقر استقرارًا نهائيًا في أي منها. ولذلك يبدو القطار التجسيد المادي الأكثر اكتمالًا لفكرة التأرجح التي تمنح الرواية عنوانها وبنيتها العميقة. سادسًا: البحر... مرآة الذات المفتوحة يحضر البحر في الرواية بوصفه أكثر من عنصر طبيعي أو مشهد جمالي؛ إنه مرآة رمزية للذات. فكلما اقتربت ليلى منه بدا وكأنه يوسع أفق الأسئلة بدل أن يقدم إجابات حاسمة. ولهذا يلتقي عنده الحنين بالقلق، والرغبة في الرحيل بالرغبة في العودة. ويغدو البحر، بحركته الدائمة واتساعه المفتوح، الصورة الطبيعية الأقرب إلى تجربة التأرجح التي تحكم وعي الشخصية ومسارها. سابعًا: المكان بوصفه هوية مؤجلة تكشف الرواية أن أزمة المكان ليست جغرافية في جوهرها، بل هي أزمة هوية. فالأقصر لا تمنح ليلى استقرارًا نهائيًا، كما لا تفعل الإسكندرية أو غيرها من الأمكنة. وكل مكان يهبها جزءًا من ذاتها ويترك جزءًا آخر معلقًا. ومن ثم يغدو الانتماء مشروعًا مفتوحًا لا حالة مكتملة، وتصبح الهوية عملية مستمرة من البحث وإعادة التكوين أكثر من كونها معطى جاهزًا. فقرة انتقالية وإذا كانت الأمكنة قد أسهمت في تشكيل هوية البطلة ووعيها، فإنها لم تمنحها استقرارًا نهائيًا. فالتأرجح الذي بدأ بين الجنوب والشمال، وبين الذاكرة والواقع، يعاود الظهور داخل العلاقات الإنسانية والرموز الثقافية التي تحيط بالشخصية. ومن ثم ينتقل التحليل إلى دراسة الحب والذاكرة ومناطق التأرجح الثقافي بوصفها امتدادًا لهذا الانقسام التأسيسي. الفصل الثالث - الحب والذاكرة والرموز الثقافية (تأرجح الذات بين التجربة وتأويلها) إذا كان الفصل الأول قد كشف عن نشأة الذات المتأرجحة، وأوضح الفصل الثاني كيف انعكس هذا التأرجح على علاقتها بالمكان، فإن هذا الفصل ينتقل إلى المجال الأكثر حساسية في الرواية: مجال الحب والذاكرة والثقافة. غير أن الحب هنا لا يُقدَّم بوصفه قصة عاطفية تقليدية، ولا تُستدعى الذاكرة بوصفها خزاناً للماضي فحسب، بل يتحول كلاهما إلى وسيلتين لإنتاج المعنى وإعادة كتابة الذات. في هذا المستوى تحديداً تتكشف إحدى أهم خصائص الرواية: تأرجحها المستمر بين التجربة الحياتية من جهة، وبين تأمل هذه التجربة وتأويلها من جهة أخرى. أولاً: الحب بوصفه سؤالاً عن الذات لا يظهر الحب في الرواية بوصفه وعدًا بالاكتمال أو نهاية للبحث، بل بوصفه وسيلة لاكتشاف الذات ومساءلتها. فالعلاقة العاطفية لا تحل أزمة الهوية بقدر ما تكشفها، ولذلك يتداخل الحب باستمرار مع الذاكرة والغياب والحنين. ومن ثم لا تروي الرواية قصة حب بالمعنى التقليدي، بقدر ما تجعل من الحب سؤالًا وجوديًا عن معنى الذات وموقعها في العالم. ثانياً: خالد وماهر... انقسام القلب أم انقسام الرؤية؟ قد تبدو الثنائية العاطفية بين خالد وماهر للوهلة الأولى امتداداً لتقليد روائي معروف يقوم على الاختيار بين رجلين. غير أن الرواية تتجاوز هذا المستوى المباشر، فخالد ليس مجرد حبيب أول، وماهر ليس مجرد بديل متأخر. إنهما يمثلان نظامين مختلفين في النظر إلى العالم، خالد أقرب إلى الذاكرة والدفء والجذور والجنوب، أما ماهر فينتمي إلى فضاء أكثر عقلانية وحداثة واتساعاً. لهذا تعجز ليلى عن الحسم؛ لأنها لا تختار بين رجلين فقط، بل بين صورتين لذاتها. وبذلك يصبح التأرجح العاطفي امتداداً للتأرجح الهوياتي الذي تأسست عليه الرواية منذ بدايتها. ثالثاً: الذاكرة بوصفها شريكاً خفياً في السرد تؤدي الذاكرة في الرواية دوراً يتجاوز الاسترجاع التقليدي، إنها ليست مستودعاً للماضي بل قوة فاعلة تعيد تشكيل الحاضر، فكل علاقة جديدة تمر عبر مرشح الذاكرة، وكل تجربة راهنة تُقاس على خبرة سابقة. ولذلك يبدو الماضي أكثر حضوراً من كثير من الوقائع الجارية. وتكشف الرواية هنا عن وعي دقيق بآليات التذكر، إذ لا يعود الماضي كما وقع فعلاً، بل كما تعيد الذات بناءه كل مرة. ولهذا تصبح الذاكرة شكلاً من أشكال السرد المستمر أكثر منها أرشيفاً للأحداث. رابعاً: التأرجح بين شهرزاد والمتصوفة والمنشد الوطني وهنا يمكن إدماج ما اتفقنا عليه بدلاً من فصل التناصات القديم. فالرواية لا تستعير من ألف ليلة وليلة أو من الخطاب الصوفي أو من الأغنية الوطنية على سبيل الزينة الثقافية، بل تجعلها أقطاباً رمزية تتحرك بينها الذات. أ ـ التأرجح بين شهرزاد والحقيقة تحضر روح شهرزاد في الطريقة التي تتحول بها الحكاية إلى وسيلة لمقاومة الفقد. فالساردة تعيد رواية حياتها لا لكي توثقها، بل لكي تنقذها من الضياع ... الحكي هنا فعل بقاء. لكن الرواية لا تستسلم بالكامل لغواية الحكاية؛ إذ يعود الوعي النقدي باستمرار لتفكيك أوهام السرد ومساءلة ما ترويه الذاكرة. ومن ثم تتأرجح بين الإيمان بالحكاية والشك فيها. ب ـ التأرجح بين الذكر الصوفي وقلق الحداثة في مواضع عديدة تميل اللغة إلى الإيقاع التكراري القريب من الإنشاد الصوفي. ويتكرر حضور مفردات الانتظار والبحث والحنين والرحلة. غير أن الرواية لا تنتهي إلى يقين صوفي أو كشف نهائي. فالرحلة تظل مفتوحة، والأسئلة تظل أقوى من الإجابات. وهكذا تتأرجح الذات بين توق صوفي إلى الوحدة وبين وعي حديث يعترف باستحالة الاكتمال. ج ـ التأرجح بين الحلم الوطني والخبرة الفردية تتردد في خلفية الرواية أصداء مرحلة تاريخية كاملة، من عبد الناصر إلى الانفتاح إلى الهجرة وتبدل القيم. غير أن الكاتبة لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً، بل تجعل هذه التحولات تنعكس داخل مصائر الأفراد. فتصبح السيرة الشخصية مرآة لسيرة جماعية أوسع. وهنا تتأرجح الرواية بين الذاكرة الوطنية الكبرى وبين الخبرة الفردية الحميمة. خامساً: مُنى والشخصيات الموازية... مرايا أخرى للتأرجح تكشف الشخصيات الثانوية أن التأرجح ليس قدرًا خاصًا بليلى وحدها. فمنى، وتيتة أم عدلي، وفانجليا تمثل كل واحدة منها استجابة مختلفة لأسئلة الانتماء والحرية والذاكرة. وبهذا المعنى لا تؤدي هذه الشخصيات وظيفة سردية مساندة فحسب، بل تتحول إلى مرايا تعكس إمكانات متعددة للعيش داخل الحالة الوجودية التي تتمحور حولها الرواية. فقرة انتقالية إذا كان هذا الفصل قد كشف كيف تحولت العاطفة والذاكرة والثقافة إلى فضاءات تتجلى فيها حركة التأرجح، فإن الفصل التالي ينتقل إلى المستوى الأعمق من البناء الروائي، حيث لا يعود التأرجح موضوعاً للحكاية فحسب، بل يصبح مبدأً منظماً لشكل السرد ولغة الرواية نفسها، في المنطقة التي تتقاطع فيها خبرة الناقدة مع غواية الروائية. الفصل الرابع - التأرجح بين غواية السرد وسلطة النقد (حين تتحول تجربة الحياة إلى مشروع كتابة) إذا كانت رواية “أن يتأرجح بك” تبدو في ظاهرها حكاية امرأة تتنقل بين أمكنة وذكريات وعلاقات متعثرة، فإن قراءتها في ضوء المسار الثقافي لكاتبتها تكشف مستوى أعمق من الدلالة. فوعي ليلى لا يتشكل في فضاء معرفي مجرد، بل في مواجهة خبرات متراكمة من الإحباط الأكاديمي والبحث عن الاعتراف والعدالة المهنية. وتكتسب تجربة رفض تعيينها في الجامعة، رغم تفوقها العلمي، أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ تتحول من واقعة وظيفية إلى جرح وجودي يعيد تشكيل علاقتها بالمعرفة والمستقبل. ومن هنا يغدو البحث عن “الناقد الذي يهبها الشغف” جزءًا من بحث أوسع عن معنى للجدارة والاعتراف. وفي هذا المستوى تحديدًا تتقاطع خبرة الناقدة مع خبرة الروائية، ليصبح التأرجح مبدأ يحكم الكتابة نفسها بقدر ما يحكم عالم الرواية. أولاً: المشهد المؤسس (البحث عن الناقد بوصفه بحثاً عن الذات) من أهم المقاطع الكاشفة في الرواية ذلك المقطع الذي تستعيد فيه ليلى سنواتها الجامعية الأولى، حين اكتشفت الفجوة بين الأدب الذي أحبته والشرح الأكاديمي الذي كانت تتلقاه: “درت على باعة الكتب، بحثت عندهم عن الناقد الذي يمكنه أن يهبني الشغف، يجيب على أسئلتي، يكشف لي أعماق النص، قابضاً على وهجه... علمتني المراجع أن العثور على الأسئلة الحقيقية هدف أكثر أهمية من العثور على الإجابة.” [14] لا يبدو هذا المقطع مجرد ذكرى جامعية عابرة، إنه في الحقيقة مشهد تأسيسي للرواية كلها، فالساردة لا تبحث عن ناقد يشرح النصوص فقط، إنها تبحث عن وسيط سحري يستطيع أن يفتح “الحجرة المغلقة” داخل النص، وتلك الحجرة المغلقة ليست سوى المعنى نفسه. هنا تتولد المفارقة الكبرى: الفتاة التي كانت تبحث عن الناقد تصبح لاحقاً ناقدة، والقارئة التي كانت تبحث عن الحجرة السحرية تصبح روائية تبني تلك الحجرة بنفسها. ومن ثم يمكن النظر إلى الرواية كلها بوصفها استجابة متأخرة لذلك السؤال القديم. ثانيًا: بين التجربة والتأويل تكشف الرواية عن محاولة مستمرة للتوفيق بين نزعتين متجاورتين: نزعة تعيش التجربة بكل ما فيها من انفعال وحنين وخسارة، ونزعة أخرى تتأمل تلك التجربة وتحاول فهمها. ولذلك لا تستسلم الكتابة للعاطفة الخالصة، كما لا تتحول إلى خطاب نقدي جاف، بل تتحرك في منطقة وسطى تمنح الحدث حرارته الإنسانية وتمنحه في الوقت نفسه مسافة تأملية تسمح بإعادة قراءته. ومن هنا لا نقرأ اعترافًا ذاتيًا خالصًا ولا دراسة نقدية مقنعة في هيئة رواية، بل نصًا يجعل من الحوار بين التجربة وتأويلها أحد أهم مصادر حيويته الفنية. ثالثاً: التأرجح بين الحكي وتحليل الحكي في مستويات كثيرة من الرواية يبدو أن ليلى لا تكتفي بسرد ما حدث، إنها تحاول فهم ما حدث. فالحدث لا يكتمل بمجرد وقوعه، بل يحتاج إلى تأويل. ومن هنا تتكرر المقاطع التأملية التي تقطع السرد وتعيد النظر في الماضي. ولهذا تبدو الرواية واعية بآليات السرد التي تنتج عالمها، فلا تكتفي برواية الحدث، بل تعود باستمرار إلى مساءلة معناه وكيفية تشكله داخل الذاكرة." رابعاً: شهرزاد الناقدة يمكن النظر إلى ليلى بوصفها امتدادًا معاصرًا لشهرزاد؛ غير أن الحكاية هنا لا تؤدي وظيفة النجاة وحدها، بل تصبح موضوعًا للتأمل أيضًا. فالساردة لا تروي تجربتها فحسب، وإنما تفكر في كيفية روايتها ومعناها. ومن ثم تتجاوز الرواية نموذج شهرزاد التقليدي إلى صيغة أكثر حداثة، تمتزج فيها متعة الحكي بوعي نقدي لا يكف عن مساءلة الحكاية نفسها. خامساً: الشكل السردي بوصفه تجسيداً للتأرجح لا يظهر التأرجح في الموضوعات فقط، بل يتجسد في البنية الفنية ذاتها. فالزمن يتحرك ذهاباً وإياباً بين الماضي والحاضر، والذاكرة تتقدم ثم تتراجع. والأمكنة تتداخل داخل الوعي، والفصول القصيرة تبدو كأنها حركات بندول متتابعة. حتى القارئ نفسه يعيش تجربة التأرجح، فهو ينتقل باستمرار بين لحظة التذكر ولحظة السرد .. وبين الحدث وتأويله،.. وبين الواقع وصورته داخل الذاكرة. وبذلك يتحول الشكل إلى امتداد عضوي للمضمون. سادساً: اللغة بين الشاعرية والتحليل واحدة من أكثر سمات الرواية تميزاً هي قدرتها على الجمع بين الحساسية الشعرية والدقة الفكرية. فاللغة لا تتخلى عن الصور والاستعارات والإيقاع، لكنها لا تنزلق إلى الغنائية المجانية. وفي المقابل لا تتحول التأملات الفكرية إلى خطاب نظري جاف. تتجاور الصورتان باستمرار.. صوت الشاعرة.. وصوت الناقدة. وهو تجاور يعكس بدقة البنية العامة للرواية. سابعاً: هل انتصرت الناقدة أم الروائية؟ لعل السؤال النقدي الأهم في قراءة هذا العمل هو: من انتصر في النهاية؟ .. الناقدة أم الروائية؟ والواقع أن قيمة الرواية تكمن في أنها ترفض هذا الاختيار أصلاً، فالنص لا يقوم على انتصار أحد الطرفين، بل على استمرار الحوار بينهما. لقد أدركت الكاتبة أن التجربة الإنسانية أعقد من أن تُروى بلا وعي، وأغنى من أن تُختزل في تفسير. لذلك اختارت أن تبقي الطرفين معاً داخل النص. وهذا ما يجعل التأرجح هنا علامة نضج لا علامة تردد. ثامنا: حدود التوازن بين النقد والإبداع وعلى الرغم من نجاح الرواية في تحقيق توازن ملحوظ بين الخبرة النقدية والكتابة الإبداعية، فإن بعض الشخصيات الثانوية تؤدي أحيانًا وظيفة دلالية أو رمزية أوضح من تطورها الدرامي المستقل، ولا سيما في ما يتعلق بتجسيد فكرة التأرجح. غير أن هذه الملاحظة تظل محدودة الأثر، ولا تنتقص من تماسك العالم الروائي أو من فاعلية رؤيته الفنية. فقرة انتقالية إلى الخاتمة تكشف القراءة السابقة أن “أن يتأرجح بك” ليست رواية عن ذات متشظية فحسب، بل رواية عن الوعي الذي يحاول فهم هذا التشظي عبر الكتابة. ومن ثم فإن التأرجح لا يظهر بوصفه موضوعاً سردياً فقط، بل باعتباره مبدأً يحكم علاقة الكاتبة بالعالم وباللغة وبفعل الإبداع نفسه. وهنا تكتمل دلالة الرواية: فالتأرجح ليس مأزقاً وجودياً فحسب، بل هو أيضاً الشرط الذي وُلدت منه الكتابة. الخاتمة: التأرجح بوصفه شرطًا للكتابة لا موضوعًا لها تكشف قراءة رواية “أن يتأرجح بك” في ضوء المقاربة السردية–النفسية–السوسيوثقافية أن العمل يتجاوز كونه رواية عن ذاكرة امرأة تعيش بين مدينتين أو بين تجربتين عاطفيتين. فالرواية، في مستواها الأعمق، تطرح سؤالًا يتعلق بطبيعة الوعي نفسه: كيف يصنع الإنسان معنى لحياته حين تتشظى مراكز الانتماء من حوله؟ وكيف يمكن للكتابة أن تصبح أداة لترميم ما عجز الواقع عن ترميمه؟ وقد انطلقت هذه الدراسة من فرضية مفادها أن التأرجح لا يمثل مجرد ثيمة موضوعية داخل النص، بل يشكل البنية المنظمة لعالم الرواية كله. غير أن التحليل قاد إلى نتيجة أكثر تركيبًا؛ إذ بدا التأرجح أقل ارتباطًا بأحداث الرواية وشخصياتها مما هو مرتبط بفعل الكتابة ذاته. فالنص لا يكتفي بتمثيل الذات المتأرجحة، بل يمارس التأرجح على مستوى الرؤية والبناء واللغة، حتى يغدو مبدأً جماليًا يحكم إنتاج المعنى. ومن هنا يمكن القول إن القيمة الحقيقية للرواية لا تكمن في حكايتها وحدها، بل في طبيعة العلاقة التي تنشئها بين التجربة وتأويلها. فليلى لا تعيش حياتها فقط، وإنما تعيد قراءتها باستمرار. وهي لا تستعيد الماضي بوصفه أرشيفًا للذكريات، بل بوصفه مادة مفتوحة لإعادة الفهم والتشكيل. ولذلك تبدو الرواية أقرب إلى رحلة بحث عن الأسئلة منها إلى رحلة بحث عن الإجابات؛ وهي سمة تتصل اتصالًا مباشرًا بالوعي النقدي الذي يميز صاحبة العمل. ولعل المشهد الذي تستعيد فيه الساردة سنواتها الجامعية الأولى، حين كانت تبحث بين الكتب عن “الناقد الذي يمكنه أن يهبني الشغف ويكشف لي أعماق النص” [15]، يمثل المفتاح الأكثر أهمية لفهم الرواية كلها. فذلك السؤال المبكر لا يظل حبيس الماضي، بل يعود متخفيًا في بنية العمل بأكملها. ويمكن النظر إلى الرواية بوصفها استجابة متأخرة لذلك الحلم القديم؛ إذ تتحول الطالبة الباحثة عن قارئ استثنائي إلى ناقدة وروائية تحاول أن تؤدي بنفسها الدور الذي كانت تبحث عنه لدى الآخرين. وبهذا المعنى، لا تبدو “أن يتأرجح بك” رواية سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، ولا رواية أفكار بالمعنى الذهني المجرد، بل نصًا يحول التجربة المعيشة إلى مادة تخييلية تتجاوز حدود المرجع الواقعي. فالرواية تستثمر خبرات يمكن للقارئ أن يلمح صلتها بسيرة الكاتبة، لكنها تعيد تنظيم هذه الخبرات داخل بناء فني مستقل، بحيث تصبح “ليلى” شخصية روائية قائمة بذاتها لا مجرد قناع شفاف للمؤلفة. ومن ثم لا تعود أهمية العمل كامنة في مطابقته للواقع، بل في قدرته على تحويل الواقع إلى رؤية جمالية وإنسانية أرحب. وهي منطقة محفوفة بالمخاطر فنيًا؛ لأن كثيرًا من الأعمال التي يكتبها نقاد محترفون تقع في أحد مأزقين: إما أن تتحول إلى نصوص باردة تُثقلها المعرفة النظرية، أو تنفصل عن خبرتها النقدية تمامًا فتفقد خصوصيتها. أما كاميليا عبد الفتاح فقد نجحت (في معظم مواضع الرواية) في تجنب هذين المأزقين معًا. ولا يعني ذلك أن النص بلغ درجة الكمال الفني أو أنه خلا من مناطق قابلة للنقاش. فمن الممكن الإشارة إلى بعض المواضع التي يقترب فيها الصوت التأملي من الهيمنة على حساب الفعل الدرامي، كما أن بعض الشخصيات الثانوية تبدو أحيانًا أقرب إلى أداء وظيفة رمزية داخل بنية المعنى من تطورها بوصفها شخصيات مستقلة تمام الاستقلال. غير أن هذه الملاحظات لا تنال من القيمة الفنية العامة للعمل بقدر ما تؤكد طبيعة المشروع الذي تنتمي إليه الرواية، وهو مشروع يفضل تعميق الرؤية على توسيع الحدث، وتأمل التجربة على ملاحقة الوقائع. أما على المستوى الثقافي، فإن الرواية تحقق واحدة من أهم وظائف الأدب المعاصر، إذ تنجح في تحويل التجربة الفردية إلى مرآة لخبرة جماعية أوسع. فالتأرجح الذي تعيشه ليلى بين الأقصر والإسكندرية، وبين الذاكرة والحاضر، وبين الحب والفقد، لا يظل شأنًا فرديًا خالصًا، بل يغدو صورة رمزية لإنسان عربي وجد نفسه في العقود الأخيرة معلقًا بين يقينين متداعيين: يقين الماضي الذي لم يعد قابلًا للاستعادة، ويقين المستقبل الذي لم يتشكل بعد. وتبرز أهمية الرواية كذلك في قدرتها على تحويل عناصر ثقافية متباعدة إلى مناطق متجاورة داخل الوعي السردي؛ فالحكاية الشهرزادية، والحنين الصوفي، وأصداء الذاكرة الوطنية، لا تظهر بوصفها تناصات خارجية أو إحالات ثقافية معزولة، بل بوصفها أقطابًا تتأرجح بينها الذات وهي تحاول بناء معناها الخاص للعالم. وهنا تتجلى إحدى أكثر سمات النص نضجًا؛ إذ لا يستعير التراث ولا يستعرضه، بل يعيد توظيفه داخل تجربة معاصرة ذات طابع شخصي وإنساني. وثمة مفارقة دلالية لافتة تتمثل في أن ليلى التي رفضت السفر مع خالد خوفًا من الاغتراب والانقطاع، هي ذاتها التي لم تجد مفراً من السفر لاحقًا بحثًا عن كرامة مهنية وعدالة أكاديمية حرمتها منها مؤسسات بلدها. وهكذا يتحول ما بدا في البداية تهديدًا للهوية إلى أحد شروط تشكلها من جديد. ومن ثم لا يعود التأرجح مجرد تردد بين خيارين، بل يصبح الحركة التي تنتج من خلالها الذات وعيها الجديد بالعالم وبنفسها. وإذا كان لا بد من صياغة حكم نقدي نهائي على الرواية، فيمكن القول إن نجاحها الأكبر يتمثل في أنها استطاعت أن تجعل من التأرجح قيمة جمالية ومعرفية في آن واحد. فالتأرجح هنا ليس علامة ضعف أو عجز عن الحسم، بل صورة لوعي يدرك تعقيد العالم ويرفض اختزاله في يقين نهائي. ومن ثم فإن الرواية لا تنتهي إلى مصالحة كاملة مع الذات، ولا إلى حل نهائي لأزماتها، بل إلى نوع من التعايش الواعي مع هشاشة الوجود الإنساني. في النهاية، تبدو “أن يتأرجح بك” تجربة سردية لافتة في مسار الرواية العربية المعاصرة، ليس لأنها تروي قصة ذات متشظية فحسب، بل لأنها تكشف كيف يمكن للكتابة نفسها أن تتحول إلى بيت رمزي يؤوي ذلك التشظي. لقد بدأت الرواية بسؤال عن الناقد القادر على كشف أسرار النصوص، وانتهت ضمنيًا إلى اكتشاف أن الطريق إلى تلك الأسرار لا يمر عبر الإجابات الجاهزة، بل عبر الاستمرار في طرح الأسئلة. وربما لهذا السبب تحديدًا ظل التأرجح في الرواية ليس موضوعًا يُروى، بل أفقًا مفتوحًا للفهم والكتابة معًا. ولعل حصول الرواية على جائزة أبي القاسم الشابي لم يكن تكريمًا لموضوعها فحسب، بل اعترافًا بقدرتها على صهر التجربة الشخصية والرؤية النقدية داخل بناء فني متماسك. المصادر والمراجع اولا المصادر المؤلفات العربية (1) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. القاهرة: دار الأدهم للنشر والتوزيع. مقالات فى الدوريات والصحف والمجلات (1) عماد عبد الراضى. (18 يناير, 2026). د. كاميليا عبد الفتاح الفائزة بجائزة الشابى: بيان لجنة التحكيم نفذ إلى الجوانب الدلالية فى روايتى “أن يتأرجح بك” ( حوار). الاهرام، السنة 150(50812). https://gate.ahram.org.eg/daily/News/1005770.aspx (2) هناء نصير. (30 ديسمبر, 2025). كاميليا عبد الفتاح: الرواية مجرّة الإبداع. مجلة صوت الترا. https://2u.pw/x6h5xK مواقع الانترنت (1) سيد محمد عوض. (17 ديسمير, 2025). أن يتأرجح بك رواية الحيرة والبحث عن الحب في مرايا الذات المتكسّرة. صفحة مجلة الحرف و الكلمة على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1HrsDXWMJg/ (2) صبري الموجي. (12 أغسطس, 2023). د. كاميليا عبد الفتاح.. وغواية السيرة الذاتية. موقع الانطولوجيا: https://alantologia.com/blogs/70191/ (3) مُحَمَّد الدَسُوقي، و مُحَمَّد الدَسُوقي. (11 ابريل, 2025). ما وراء السرد المكان في رواية " أن يتأرجح بك" للدكتورة كاميليا عبد الفتاح. حساب مُحَمَّد الدَسُوقي على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1CQ7CDDEax/ الهوامش (1) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. القاهرة: دار الأدهم للنشر والتوزيع. (2) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. ص 82 (3) المرجع السابق (4) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. ص 2 (5) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. ص 5 (6) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. ص 28 (7) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. ص 82 (😎 المرجع السابق (9) المرجع السابق (10) المرجع السابق (11) المرجع السابق (12) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. ص 3 (13) كاميليا عبد الفتاح. (2024). أن يتارجح بك. ص 82 (14) المرجع السابق (15) المرجع السابق
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحو
...
-
المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخ
...
-
«غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالي
...
-
الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة
...
-
بين الغربة وأزمة الاعتراف: الذات المأزومة في قصيدة -غريب- لع
...
-
الخسارة الأخيرة: مصادرة المستقبل وتحوّل الأمومة في قصة “خبزن
...
-
الماء والعدالة الأخلاقية: تشكّل الوعي الإنساني في قصة -بلال
...
-
من لذة الغياب إلى اغتراب الذات: البنية التحولية للشوق في “أُ
...
-
الأنا المتحولة: مرايا الذات وفتنة الحلم في قصيدة “أنا” للشاع
...
-
اللوحة والذاكرة الجريحة - قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “لوحة
...
-
سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف
-
الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا اله
...
-
”لا”.. ثمن الوعي: قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة ”لا” لنهال ال
...
-
بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليا
...
-
عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع
...
-
عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع
...
-
حين تحصد العصافيرُ المساميرَ: تمثلات الاغتراب وآليات التشكيل
...
-
كساء الجمر: شعرية الصحراء بين صبابات الرمل ومتون دار بسيس لل
...
-
سيكولوجية التبرير وسوسيولوجية القطيعة: الذات الأنثوية بين ال
...
-
البيت بوصفه بنيةً للقهر والهيمنة: قراءة سوسيو–نفسية في رواية
...
المزيد.....
-
زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو
...
-
مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره
...
-
ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر
...
-
عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر
...
-
وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث
...
-
قصة قصيرة: بصراتو.. خَارِجَ البُرْوَازِ
-
-الست لمّا-.. يسرا ترفع -الفيتو- بوجه الرجال في فيلم كوميدي
...
-
إلغاء حفلات لفنانين أيّدوا نظام الأسد.. هل يمكن فصل الفن عن
...
-
بعد توقف 3 سنوات.. الكتب تعود لسوق البوستة بأم درمان
-
-الأوديسة-.. عندما حوّل كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى فيل
...
المزيد.....
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
المزيد.....
|