أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا الهروب في -شيزوفرينيا لـ / فاطمة المرسى















المزيد.....



الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا الهروب في -شيزوفرينيا لـ / فاطمة المرسى


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 04:54
المحور: الادب والفن
    




قصيدة شيزوفرينيا[1]
لا هيَّا هيلين
ولا طرواده ف القصه
ف ليه دايما عينيك بصَّه
على الأوهام ؟!
وليه بتنام ..
وتتداري في حلم عبيط
تغازل طيف ماهوش موجود
وترسم للخيال ملكوت
وألف حكايه وحكايه
شريط بيمُر قدامك
صور باهتة
لا مسموعه ولا صامته
يادوب تشويش
وسايب نظرتك بشويش
بتتسنِّد على المشاوير
وتنسج م الخيال روايات
تعيش فيها كما الواقع
ياراجع من خيال هربان
مافيش أبطال بدون بطولات
وإنت بتدخل الجولات
وراكب فوق حصان أعمى
لا شايف ياخد الخطوه
ولا حتى اللجام ف إيديك
وليه بعنيك ..
بتجري لآخر المشوار
وترفع كاس ؟
وليه بتلوم عيون الناس
فى يوم ما بتلمح الشفقه
بيرموها عليك أوجاع
وليه حاسس زمانك ضاع
ما دام من أول القصه
بتتدارى في حلم عبيط
وترسم للخيال ملكوت
وتهرب حتى من ذاتك
وعايش حيره فوق حيره
كأن الحيره لزْماتك
وكل اللي اترسم زادك
( شيزوفرينيا )
مقدمة
تندرج تجربة الشاعرة فاطمة المرسي ضمن سياق شعر العامية المعاصر الذي لم يعد يكتفي بالتعبير المباشر عن الانفعال أو تسجيل الخبرة اليومية في صورتها الخام، بل اتجه إلى بناء نصوص تتقاطع فيها الذاتية بالاجتماعي، والنفسي بالرمزي، مستفيدًا من خصوصية العامية بوصفها لغة قادرة على حمل التفاصيل الحياتية والهواجس الداخلية في آنٍ واحد.
وتكتسب تجربة الشاعرة فاطمة المرسي أهمية خاصة لكونها مصرية أمريكية مقيمة في الولايات المتحدة منذ عام 1979. فالهجرة المبكرة والإقامة الطويلة في مجتمع غربي جعلتها تعيش على خط التماس بين ثقافتين، وبين هويتين، وبين زمنين.
ومن هنا، لا تقتصر قصيدة “شيزوفرينيا” على تصوير أزمة نفسية فردية، بل تتحول إلى شهادة شعرية على الانفصام الثقافي الذي يعيشه المهاجر العربي المعاصر.
إن “الشيزوفرينيا” في النص ليست اضطرابًا طبيًا، بل استعارة وجودية عميقة تعبر عن انشطار الذات بين واقع الاغتراب و”ملكوت الخيال” الذي تبنيه لتعويض ما فقدته من انتماء ومكانة واضحين.
وبهذا تتقاطع الذاتية مع الاجتماعي، والنفسي مع الثقافي، في نص واحد يلامس أزمة الهوية الهجينة في عصر العولمة.
وفي هذا السياق، تبدو قصيدة "شيزوفرينيا" نصًا يتجاوز ظاهر البوح الفردي إلى مساءلة بنية أعمق تتعلق بعلاقة الذات بالوهم، وبالقدرة على الاحتماء بالخيال هربًا من هشاشة الواقع وعجزه.
ولا يحيل عنوان القصيدة (على الرغم من مباشرته الظاهرية) إلى المرض النفسي بوصفه مفهومًا طبيًا أو تشخيصيًا، بقدر ما يوظَّف بوصفه استعارة دالة على انشطار الذات بين عالمين: عالم واقعي مأزوم، وعالم متخيَّل تحاول الذات الاحتماء داخله عبر صناعة بطولات وهمية وسرديات بديلة تعوض شعورها الداخلي بالنقص أو العجز.
ومن هنا، تتحول القصيدة إلى خطاب نفسي واجتماعي في الوقت نفسه؛ إذ لا تكتفي بتصوير حالة فردية معزولة، بل تلامس نمطًا إنسانيًا أوسع، يعيش فيه الفرد حالة انفصال تدريجي عن واقعه، عبر الارتماء داخل الخيال وإعادة تشكيل الذات في صورة أكثر قدرة وقوة مما هي عليه فعليًا.
وتتجلى أهمية هذا الطرح في أن القصيدة لا تقدم هذه الأزمة عبر بناء فلسفي معقد أو لغة رمزية مغلقة، بل عبر لغة عامية بسيطة ظاهريًا، مشحونة بإيقاع شفاهي ونبرة خطابية مباشرة، تجعل النص أقرب إلى مواجهة داخلية أو محاكمة نفسية متواصلة.
كما تعتمد الشاعرة على مجموعة من الصور ذات الطابع النفسي والحركي، مثل: "حلم عبيط"، و"حصان أعمى"، و"الخيال ملكوت"، وهي صور تكشف عن ذات تتحرك داخل فضاء متخيل فقدت فيه القدرة على التمييز بين البطولة الحقيقية وتمثيلها الوهمي.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها: أن
قصيدة “شيزوفرينيا” لفاطمة المرسي لا تصوّر الوهم بوصفه حالة نفسية فردية عابرة، بل تقدمه كآلية دفاعية معقدة تُنتج انشطار الذات بين الواقع المأزوم والبطولة المتخيلة.
وأن هذا الانشطار، في سياق تجربة الشاعرة كمهاجرة مصرية أمريكية، يتجاوز البعد النفسي الفردي ليصبح تعبيرًا سوسيولوجيًا وثقافيًا عن أزمة الهوية الهجينة، حيث يتحول الخيال إلى وطن بديل يعوض الاغتراب والتهميش الاجتماعي.
وتسعى الدراسة للكشف عن الكيفية التي توظف بها الشاعرة لغة العامية والإيقاع الشفاهي والصور الرمزية (كالحصان الأعمى وحلم العبيط) لبناء هذه البنية الدفاعية، وكيف تتحول “الشيزوفرينيا” من اضطراب إلى استراتيجية وجودية للبقاء.
تعتمد الدراسة مقاربة تكاملية تجمع بين التحليل الأسلوبي والقراءة السوسيولوجية والتأويل النفسي للنص.
كما تستعين الدراسة بالمقاربة الأسلوبية لتحليل البنية اللغوية والصوتية للقصيدة، خاصة ما يتعلق بالطاقة الشفاهية، والتكرار، والإيقاع الداخلي، بوصفها عناصر لا تنفصل عن تشكيل الدلالة في شعر العامية.
وتنقسم الدراسة (بعد هذه المقدمة) إلى أربعة مباحث رئيسية:
· المبحث الأول: عتبات النص
· المبحث الثاني: سيكولوجيا الهروب وصناعة الوهم
· المبحث الثالث: سوسيولوجيا الانشطار والبطولة المتخيلة
· المبحث الرابع: البنية اللغوية والصوتية في القصيدة
على أن تُختتم الدراسة بخلاصة نقدية تؤكد أن قصيدة "شيزوفرينيا" لا تقدم الوهم بوصفه حالة فردية عابرة، بل تكشفه باعتباره بنية نفسية واجتماعية معقدة، تتحول فيها البطولة المتخيلة إلى آلية دفاعية تخفي هشاشة الذات وعجزها عن مواجهة الواقع.
المبحث الأول: عتبات النص
تكتسب العتبات النصية في قصيدة "شيزوفرينيا" أهمية خاصة؛ إذ لا تؤدي وظيفة تقديمية أو شكلية فحسب، بل تسهم في بناء الأفق الدلالي الذي يوجّه القراءة منذ اللحظة الأولى نحو عالم يقوم على التوتر بين الواقع والمتخيَّل، وبين الذات كما هي والذات كما تتوهم نفسها.
وتتجلى أهمية هذه العتبات في أن القصيدة (على قصرها النسبي) تعتمد بدرجة كبيرة على الإيحاء النفسي والرمزي، مما يجعل العنوان والبنية الخطابية والصور الافتتاحية عناصر أساسية في تشكيل المعنى.
ومن هنا يمكن قراءة عتبات النص عبر ثلاثة مستويات رئيسية:
· دلالة العنوان
· البنية الخطابية للاستهلال
· الحقل الرمزي المؤسس للقصيدة
أولًا: العنوان – "شيزوفرينيا" بين الدلالة النفسية والاستعارة الاجتماعية
يبدو عنوان القصيدة للوهلة الأولى مباشرًا وصادمًا؛ إذ يستدعي مصطلحًا ينتمي إلى الحقل النفسي والطبي، هو "شيزوفرينيا" أو "الفصام".
غير أن القصيدة لا تتعامل مع المفهوم بوصفه اضطرابًا ذهنيًا بالمعنى العلاجي أو التشخيصي، بل تعيد توظيفه بوصفه استعارة دالة على انقسام الذات بين صورتين:
· صورة واقعية مأزومة وعاجزة
· وصورة متخيلة تصنع لنفسها بطولة بديلة داخل الخيال
ومن ثم، يتحول العنوان من دلالة طبية مغلقة إلى بنية رمزية مفتوحة تكشف أزمة إنسان يعيش داخل عالم متخيل أكثر مما يعيش داخل واقعه الفعلي.
وتنبع أهمية العنوان أيضًا من أنه يخلق منذ البداية حالة من التوتر التأويلي؛ فالقارئ يدخل النص متوقعًا الحديث عن اضطراب نفسي، لكنه يكتشف تدريجيًا أن "الانشطار" المقصود هنا ليس انقسام الشخصية بقدر ما هو انقسام الوعي بين:
· الحلم والواقع
· البطولة والعجز
· الهروب والمواجهة
وبذلك، يصبح العنوان مفتاحًا تأويليًا يختصر البنية العميقة للنص كله.
ثانيًا: البنية الخطابية للاستهلال – القصيدة بوصفها مواجهة
تفتتح الشاعرة القصيدة بصيغة خطابية مباشرة:
"لا هيَّا هيلين
ولا طرواده ف القصه"
ويكشف هذا الاستهلال عن عدة دلالات متداخلة.
1) النفي بوصفه تفكيكًا للوهم
تبدأ القصيدة بأداة نفي: "لا"
وهو افتتاح دال؛ لأن النص منذ لحظته الأولى لا يبني الوهم، بل يبدأ بتفكيكه.
فالذات المخاطَبة تبدو غارقة في تصور بطولي متخيل، لكن الصوت الشعري يواجهها بحقيقة مغايرة:
لا توجد "هيلين" .. ولا توجد "طروادة" أي لا توجد الملحمة التي تتوهمها الذات.
ومن هنا يبدأ النص في تقويض البطولة المتخيلة قبل تشكلها الكامل.
2) التناص الشعبي مع الأسطورة
يستدعي النص أسطورة هيلين وطروادة
لكن اللافت أن هذا التناص لا يأتي بصيغته الثقافية الفخمة، بل يُدمج داخل لغة عامية يومية "ولا طرواده ف القصه"
وهنا تتجلى خصوصية شعر العامية؛ إذ تُسحب الأسطورة من فضائها الملحمي إلى فضاء يومي ساخر أو كاشف، بما يجعل المرجع الثقافي أداة لتعرية الوهم لا لتمجيده.
فالذات تتخيل نفسها داخل ملحمة كبرى، بينما الواقع (في نظر الصوت الشعري) لا يتجاوز وهمًا ذاتيًا مبالغًا فيه.
3) القصيدة بوصفها خطابًا نفسيًا
منذ الأسطر الأولى يتضح أن القصيدة تقوم على مخاطَب حاضر بقوة "عينيك" .. "بتنام" .. "بتتدارى"
وهذا الحضور الكثيف لضمير المخاطَب يمنح النص طابع المواجهة أو المحاكمة النفسية.
لكن هذا المخاطَب يظل ملتبسًا فقد يكون شخصًا آخر وقد يكون الذات نفسها بعد انقسامها
وهذا الالتباس يعمّق البعد النفسي للنص، ويجعل القصيدة أقرب إلى حوار داخلي تتواجه فيه الذات مع صورتها المتخيلة.
ثالثًا: الحقل الرمزي المؤسس للقصيدة
منذ المقطع الافتتاحي تبدأ القصيدة في تأسيس شبكة من الرموز والصور التي ستتحكم في مسارها الدلالي لاحقًا.
ومن أبرز هذه الرموز:
1) الحلم
يتكرر"حلم عبيط" ولا يُقدَّم الحلم هنا بوصفه مساحة للأمل أو الخلق، بل باعتباره أداة للهروب وتعطيل الوعي.
كما أن وصفه بـ"العبيط" ينزع عنه أي طابع رومانسي أو نبيل، ويحوّله إلى شكل من أشكال السذاجة النفسية.
2) الخيال بوصفه عالمًا بديلًا
تقول الشاعرة: "وترسم للخيال ملكوت"
لا يحيل ‘الملكوت’ إلى تخيل عابر، بل إلى عالم بديل كامل تعوض به الذات افتقارها الواقعي.
فالخيال لم يعد مساحة مؤقتة، بل صار وطنًا بديلًا.
3) الحصان الأعمى
تُعد صورة: "وراكب فوق حصان أعمى" من أكثر صور النص كثافة.
فالحصان (في الذاكرة الرمزية) يرتبط عادة بالقوة والبطولة والانطلاق، لكن الشاعرة تنزع عنه هذه الدلالات حين تصفه بالأعمى.
وبذلك تتحول البطولة إلى:
· حركة بلا بصيرة
· واندفاع بلا وعي
· ووهم يقود الذات إلى مزيد من الضياع
وتتضاعف دلالة الصورة مع قولها: "ولا حتى اللجام ف إيديك" إذ تفقد الذات حتى وهم السيطرة.
رابعًا: دلالة البناء الاستفهامي
تعتمد القصيدة منذ بدايتها على تكرار الاستفهام: "ف ليه" .. "وليه" .. "وليه"
ولا يبدو هذا الاستفهام بحثًا حقيقيًا عن إجابة، بقدر ما يمثل: دهشة واعتراضًا ومحاولة لفهم آلية الهروب
كما يمنح النص إيقاعًا نفسيًا متوترًا، يجعل القصيدة أقرب إلى استجواب داخلي متواصل.
خلاصة مبحث العتبات
تكشف عتبات قصيدة "شيزوفرينيا" عن بنية دلالية تقوم منذ البداية على تفكيك الوهم وفضح البطولة المتخيلة.
فالعنوان يؤسس لفكرة الانشطار النفسي بوصفها استعارة وجودية واجتماعية، بينما يبني الاستهلال خطابًا مواجهًا يضع الذات أمام هشاشتها الواقعية.
كما تؤسس الصور الرمزية (مثل الحلم، والملكوت، والحصان الأعمى) فضاءً دلاليًا تتحول فيه البطولة إلى وهم تعويضي، ويتحول الخيال إلى آلية للهروب من مواجهة الذات والواقع.
وبذلك لا تعمل العتبات بوصفها عناصر موازية للنص، بل تشكل البنية الأولى التي تنبني عليها حركة القصيدة وتحولاتها اللاحقة.
المبحث الثاني: سيكولوجيا الهروب وصناعة الوهم
إذا كانت عتبات النص قد أسست الأفق الدلالي للقصيدة عبر الكشف المبكر عن انشطار الذات بين الواقع والمتخيَّل، فإن المتن الشعري نفسه يمثل المجال الذي تتجسد فيه هذه الأزمة في صورتها النفسية الحية.
فالقصيدة لا تقدم الوهم بوصفه فكرة مجردة، بل بوصفه ممارسة داخلية مستمرة، تتحول فيها الذات تدريجيًا من مجرد حالمة إلى ذات مأزومة تعيش داخل عالم بديل صنعته بنفسها هربًا من مواجهة واقعها.
ومن هنا، يمكن قراءة البنية النفسية للنص عبر أربعة محاور أساسية:
· الهروب من الواقع
· صناعة البطولة المتخيلة
· التكرار بوصفه دورانًا نفسيًا
· لحظة انكشاف العجز
أولًا: الهروب من الواقع – الحلم بوصفه ملاذًا نفسيًا
يتكرر في القصيدة حضور الحلم والخيال بصورة لافتة:
"بتنام
وتتداري في حلم عبيط"
ولا يبدو النوم هنا فعلًا طبيعيًا، بل يتحول إلى انسحاب من الواقع.
فالذات لا تواجه العالم، بل "تتدارى" داخله، وكأن الحلم أصبح ستارًا نفسيًا يحميها من الاصطدام بالحقيقة.
وتكتسب كلمة: "تتدارى" دلالة نفسية مهمة؛ لأنها لا تعني مجرد الاختباء، بل توحي بالخوف من المواجهة، ومن ثم يصبح الحلم وسيلة هروب لا وسيلة تخيل خلاق
كما أن وصف الحلم بـ"العبيط" يكشف أن الصوت الشعري واعٍ بتهافت هذا العالم المتخيل، وأن الذات (رغم انغماسها فيه)لا تمتلك تبريرًا حقيقيًا له.
ثانيًا: صناعة البطولة المتخيلة – الذات بوصفها بطلًا وهميًا
لا تكتفي الذات بالهروب إلى الخيال، بل تعيد تشكيل نفسها داخله عبر بناء صورة بطولية متخيلة.
ويتجلى ذلك في قول الشاعرة:
"وتنسج م الخيال روايات
تعيش فيها كما الواقع"
تكشف عبارة: "تنسج" أن الأمر ليس حلمًا عابرًا، بل عملية واعية من إعادة تركيب العالم.
فالذات تخلق الحكاية وتعيد كتابة موقعها داخلها ثم تعيش هذا الوهم كما لو كان حقيقة وهنا يتحول الخيال من مساحة ذهنية إلى بديل كامل عن الواقع.
كما تتصاعد هذه البطولة الوهمية في المقطع:
"وإنت بتدخل الجولات
وراكب فوق حصان أعمى"
فالذات تتخيل نفسها داخل معركة بطولية، لكنها معركة فاقدة للبصيرة.
ومن المهم هنا أن الشاعرة لا تسخر من الذات بصورة مباشرة، بل تكشف التناقض الداخلي في هذا البناء:
بطولة بلا إنجاز .. معركة بلا هدف .. حصان بلا رؤية .. وفارس بلا سيطرة
وهو ما يتأكد بقولها: "ولا حتى اللجام ف إيديك" فالذات لا تتحكم حتى في الوهم الذي صنعته.
ثالثًا: التكرار بوصفه دورانًا نفسيًا مغلقًا
تعتمد القصيدة على بنية تكرارية واضحة، ليس فقط على مستوى الكلمات، بل على مستوى الفكرة أيضًا.
ويتكرر الحلم .. الخيال .. المشاوير .. الروايات .. الجولات
وكأن الذات تدور داخل الحلقة نفسها دون قدرة على الخروج منها.
كما يتكرر البناء الاستفهامي "ف ليه" .. "وليه" .. "وليه"
وهذا التكرار لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يعكس حالة من الحيرة والإنكار ومحاولة الفهم المستحيلة
فالقصيدة لا تقدم تفسيرًا حاسمًا لسلوك الذات، بل تدور حوله باستمرار، بما يشبه الدوران القهري داخل الفكرة ذاتها.
ومن هنا يتحول التكرار إلى تعبير عن انغلاق الوعي داخل أزمته
رابعًا: التشوش وفقدان اليقين – انهيار الصورة الداخلية
تبلغ الأزمة النفسية ذروتها في المقطع:
"شريط بيمُر قدامك
صور باهتة
لا مسموعه ولا صامته
يادوب تشويش"
يكشف هذا المقطع عن انهيار القدرة على الإمساك بصورة واضحة للعالم.
فالصور: "باهتة" .. مشوشة .. غير مكتملة
كما أن المفارقة: "لا مسموعة ولا صامتة" تعكس حالة بينية مرتبكة، تفقد فيها الأشياء معناها واستقرارها.
ويحيل "الشريط" إلى الذاكرة أو الوعي الداخلي، لكنه وعي لم يعد قادرًا على إنتاج حقيقة متماسكة، بل مجرد بقايا مشوشة من صور متنافرة.
وهنا تنتقل الذات من مجرد صناعة الوهم إلى العيش داخل التشوش نفسه
خامسًا: الحيرة بوصفها قدرًا نفسيًا
تصل القصيدة إلى لحظة اعتراف ضمني بالأزمة حين تقول:
"وعايش حيره فوق حيره
كأن الحيره لزماتك"
وهنا لم تعد الحيرة حالة عابرة، بل تحولت إلى جزء من تكوين الذات.
وتكشف عبارة: "لزماتك" عن بعد سوسيولوجي خفي؛ إذ توحي بأن الحيرة أصبحت سلوكًا متكررًا أو سمة ملازمة، لا مجرد أزمة مؤقتة.
فالذات هنا لا تعيش الوهم لأنها مخدوعة فقط، بل لأنها اعتادت الإقامة داخله.
سادسًا: لحظة انكشاف العجز – سقوط البطولة
بعد كل هذا البناء التخييلي، تنتهي القصيدة إلى لحظة سقوط واضحة "وليه حاسس زمانك ضاع"
فالوهم (رغم اتساعه)لم يمنح الذات إنجازًا ولا خلاصًا ولا معنى حقيقيًا بل قادها إلى الإحساس بالضياع.
وتأتي النهاية:
"وكل اللي اترسم زادك
(شيزوفرينيا)"
بوصفها لحظة إعادة تأويل لكل ما سبق.
فالخيال الذي بدا في البداية مساحة للهروب، يتحول في النهاية إلى سبب الانشطار لا وسيلة النجاة
وبذلك تعيد القصيدة تعريف الوهم .. ليس باعتباره حلمًا بريئًا، بل بوصفه بنية نفسية تتضخم حتى تبتلع الذات نفسها.
خلاصة مبحث سيكولوجيا الهروب وصناعة الوهم
يكشف التحليل النفسي للقصيدة عن ذات مأزومة تعجز عن التكيف مع واقعها، فتلوذ بالخيال بوصفه آلية دفاعية تعويضية.
غير أن هذا الخيال لا يبقى في حدود الحلم العابر، بل يتحول تدريجيًا إلى عالم بديل تعيد الذات داخله تشكيل صورتها عبر بطولات وهمية وسرديات متخيلة.
كما يكشف التكرار والاستفهام والدوران الإيقاعي عن بنية نفسية مغلقة تعيش داخل الحيرة والتشوش، إلى أن تصل الذات في النهاية إلى لحظة انكشاف تدرك فيها أن الوهم لم يكن خلاصًا، بل شكلًا من أشكال الانشطار الداخلي.
ومن ثم، لا تقدم القصيدة الهروب بوصفه فعلًا فرديًا بسيطًا، بل بوصفه أزمة نفسية عميقة تتآكل فيها الحدود بين الواقع والمتخيَّل، حتى يصبح الوهم نفسه جزءًا من تكوين الذات.
المبحث الثالث: سوسيولوجيا الانشطار والبطولة المتخيلة في سياق تجربة المهاجر
إذا كان المبحث السابق قد تتبع البنية النفسية للهروب وصناعة الوهم كآلية داخلية، فإن هذا المبحث ينقل القراءة من الداخل الفردي إلى الأفق الاجتماعي-الثقافي، خاصة في سياق تجربة المهاجر.
فالانشطار في قصيدة “شيزوفرينيا” لا يظهر كأزمة ذاتية معزولة، بل كتعبير عن حالة وجودية أوسع يعيشها الإنسان العربي في المهجر، حيث يواجه انفصامًا ثقافيًا مزدوجًا بين “هنا” و”هناك”، وبين الذاكرة والواقع، وبين المكانة الاجتماعية المفقودة والبطولة المتخيلة التي يصنعها لتعويضها.
تكتسب هذه القراءة أهمية خاصة حين نضع القصيدة في سياق سيرة شاعرتها فاطمة المرسي، المصرية الأمريكية المقيمة في الولايات المتحدة منذ عام 1979.
فالشاعرة تنتمي إلى جيل هاجر في مرحلة تحولات كبرى، ووجد نفسه أمام تحدي إعادة تشكيل الهوية داخل مجتمع غربي ينظر إليه أحيانًا كـ”آخر”.
من هنا، يصبح “الشيزوفرينيا” في النص استعارة شعرية عميقة لما يُعرف في الدراسات الثقافية بـ”الانفصام الثقافي” أو “الهوية المنشطرة”.
أولًا: من الفردي إلى النموذج الاجتماعي-الثقافي للمهاجر
رغم أن الخطاب الشعري موجه إلى “أنت” يبدو فرديًا، فإن هذا “الأنت” سرعان ما يتحول إلى نموذج جمعي يمثل تجربة المهاجر.
الأفعال المتكررة “بتنام”، “بتتدارى”، “ترسم”، “تنسج”، “بتجري” لا تصف حالة شخص بعينه بقدر ما ترسم سلوكًا ثقافيًا متكررًا: بناء عالم متخيل يعوض الاغتراب والتهميش الاجتماعي.
فالذات المهاجرة، التي غالبًا ما تفقد مكانتها الاجتماعية والرمزية التي كانت تتمتع بها في الوطن الأم، تلجأ إلى “نسج روايات من الخيال” تعيش فيها كما لو كانت واقعًا.
هنا يتحول الخيال إلى “وطن متخيل” (imagined homeland) يعوض غياب الوطن الحقيقي أو ضياع “الزمان” الذي يشكو منه النص (“وليه حاسس زمانك ضاع”).
ثانيًا: البطولة المتخيلة كتعويض عن فقدان المكانة
تُعد صورة “راكب فوق حصان أعمى” من أقوى الصور الدالة في هذا السياق. فالحصان في الذاكرة الثقافية العربية رمز للقوة والفروسية والانتماء، لكنه هنا أعمى وفاقد للتوجيه.
يصبح هذا الحصان رمزًا للمهاجر الذي يحاول الاندفاع نحو المستقبل في مجتمع جديد، لكنه يفتقر إلى البصيرة الثقافية الكاملة أو السيطرة “ولا حتى اللجام ف إيديك”.
إن البطولة في النص لم تعد فعلاً اجتماعيًا حقيقيًا يُعترف به، بل تحولت إلى تمثيل ذهني داخلي.
هذا التحول يعكس واقعًا اجتماعيًا شائعًا لدى كثير من المهاجرين: فقدان الإحساس بالبطولة أو الإنجاز في المجتمع الجديد، فيُنتجون بطولات وهمية داخل “ملكوت الخيال” لاستعادة الكرامة والقيمة الذاتية.
ثالثًا: نظرة “الآخر” ودورها في تعميق الانشطار
يفتح النص الباب على بعد اجتماعي مهم من خلال عبارة “وليه بتلوم عيون الناس / في يوم ما بتلمح الشفقه / بيرموها عليك أوجاع”.
هنا تظهر “عيون الناس” كرمز لـ”النظرة” (the gaze) التي يتعرض لها المهاجر: نظرة المجتمع المضيف التي قد تكون نظرة شفقة، أو تمييز، أو إقصاء.
أمام هذه النظرة القاسية، تلجأ الذات إلى الانكفاء داخل الخيال، فتصنع لنفسها عالمًا بديلًا لا يستطيع “الآخر” اختراقه أو الحكم عليه.
وبهذا يصبح الوهم ليس مجرد هروب نفسي، بل استراتيجية وجودية للمقاومة والدفاع عن الهوية المهددة.
رابعًا: اللغة العامية كمقاومة ثقافية
لا يمكن فصل البعد السوسيولوجي عن اللغة.
استخدام الشاعرة للعامية المصرية في قلب المجتمع الأمريكي يُعد بحد ذاته فعلاً مقاومًا للذوبان الثقافي.
العامية هنا ليست مجرد أسلوب شعري، بل هي مساحة انتماء و”ملكوت” لغوي يحمي الذات من الاغتراب الثقافي الكامل. من خلالها تستعيد الذات سيطرتها على سرديتها الخاصة، حتى لو كانت سردية متخيلة.
خامسًا: الانشطار بوصفه بنية اجتماعية-ثقافية
في النهاية، يتحول الانشطار في “شيزوفرينيا” من حالة نفسية فردية إلى بنية اجتماعية-ثقافية معقدة.
إنه نتاج علاقة مشتعلة بين: الذات المهاجرة وحاجتها للانتماء، والمجتمع الجديد الذي لا يمنحها الاعتراف الكامل، والذاكرة الثقافية التي تظل حاضرة بقوة.
خلاصة المبحث الثالث
يكشف التحليل السوسيولوجي لقصيدة “شيزوفرينيا” أن الانشطار ليس خللاً فرديًا، بل هو نتاج علاقة معقدة بين الذات المهاجرة والواقع الاجتماعي-الثقافي الذي تعيش فيه.
فالذات تبني بطولة متخيلة و”ملكوت خيال” لتعوض ما فقدته من مكانة وانتماء واضحين.
وبذلك تصبح “الشيزوفرينيا” في النص ليست اضطرابًا نفسيًا فحسب، بل استعارة قوية تعبر عن أزمة الهوية الهجينة في عصر العولمة، حيث يتحول الوهم إلى آلية دفاع وجودية، وتصبح البطولة المتخيلة الملاذ الأخير للذات أمام هشاشة الواقع وبرودة “عيون الناس”.
المبحث الرابع: البنية اللغوية والإيقاعية – شعرية التشظي وإنتاج الدلالة
إذا كان المبحث السابق قد كشف عن البعد السوسيولوجي للانشطار بوصفه نمطًا يتجاوز الفرد إلى المجتمع، فإن هذا المبحث يتجه إلى داخل النص نفسه، حيث تتجلى الأزمة في شكلها الفني الخالص: اللغة، والإيقاع، وبنية الجملة.
فالقصيدة لا تكتفي بتصوير الانقسام، بل تعيد إنتاجه داخل بنيتها اللغوية ذاتها، بحيث تصبح اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل فضاءً يتجسد فيه الانشطار.
ومن هنا يمكن قراءة البنية اللغوية والإيقاعية عبر ثلاثة مستويات مترابطة:
· المستوى المعجمي والدلالي
· المستوى التركيبي والإيقاعي
· المستوى الصوتي والإنشائي
أولًا: المعجم الدلالي – بين اليومي والرمزي
تعتمد القصيدة على معجم لغوي بسيط في ظاهره، لكنه شديد الكثافة في دلالته، إذ يتراوح بين:
1) المعجم اليومي المباشر
مثل: "بتنام" .. "بتتدارى" .. "بتجري" .. "بتلوم"
وهو معجم ينتمي إلى الحياة اليومية، يخلق إحساسًا بالقرب من التجربة، ويمنح النص طابعًا حواريًا مباشرًا.
2) المعجم التخييلي الرمزي
مثل: "حصان أعمى".. "ملكوت" .. "روايات" .. "جولات"
وهنا تنتقل اللغة من اليومي إلى الرمزي، ومن الواقعي إلى المتخيل، بما يعكس الانقسام الداخلي الذي تقوم عليه القصيدة.
وهذا التداخل بين المستويين لا يأتي بشكل متوازن، بل بشكل متوتر، يعكس عدم استقرار الذات بين عالمين .. عالم الفعل وعالم التمثيل
ثانيًا: التراكيب اللغوية – الجملة بوصفها حالة نفسية
تتميز بنية الجملة في القصيدة بأنها قصيرة، متقطعة، ومفتوحة على الانفعال، وهو ما يجعل التركيب اللغوي انعكاسًا مباشرًا للحالة النفسية.
1) الجملة القصيرة المنفصلة
مثل:
"لا هيَّا هيلين" .. "ولا طرواده ف القصه"
هذه الجمل لا تسعى إلى الشرح، بل إلى الصدمة، حيث تأتي اللغة مكثفة ومباشرة، وكأنها تقطع وهمًا في لحظته الأولى.
2) الجملة الفعلية المتكررة
مثل: "بتنام" .. "بتتدارى" .. "بتنسج" .. "بتجري"
وهي جمل تقوم على فعل مضارع مستمر، ما يخلق إحساسًا بأن الحدث لا يتوقف
فالانشطار هنا ليس لحظة، بل حالة مستمرة.
3) الجملة الاستفهامية
مثل:
"ف ليه دايمًا عينيك بصه؟"
"وليه بتلوم عيون الناس؟"
الاستفهام هنا لا ينتظر إجابة، بل يؤدي وظيفة تفكيك ومساءلة وتعريه
وبذلك يصبح الاستفهام بنية فكرية داخل النص، لا مجرد أسلوب بلاغي.
ثالثًا: الإيقاع الداخلي – إيقاع التوتر لا الوزن
تنتمي القصيدة إلى شعر العامية الحرة، وبالتالي لا تعتمد على وزن تقليدي صارم، بل على إيقاع داخلي متولد من:
1) التكرار
يتكرر:
"ليه" .. "بت" .. "ولا" .. "و"
هذا التكرار يخلق إيقاعًا دائريًا، يعكس دوران الوعي داخل نفسه دون خروج
2) التوازي التركيبي
مثل:
"لا هيّا هيلين / ولا طرواده"
"لا مسموعه ولا صامته"
"حيره فوق حيره"
وهذا التوازي لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، بل يعكس بنية الانقسام نفسها .. ثنائية وازدواج وعدم استقرار
3) التقطيع الإيقاعي
تتسم القصيدة بكثرة الوقفات (النقاط، الحذف، الجمل المنفصلة)، مثل:
"وليه بتجري لآخر المشوار
وترفع كاس ؟"
هذا التقطيع يعكس انقطاع النفس وتوتر التجربة وعدم اكتمال الفكرة
وكأن اللغة نفسها تعجز عن الاستمرار دون انكسار.
رابعًا: الصوت والضمير – هيمنة المخاطب وانقسام الذات
تقوم القصيدة على هيمنة ضمير المخاطب "أنت"، مثل: "عينيك.. " "بتنام".. "بتتدارى"
لكن هذا "الأنت" ليس مستقرًا، بل يتذبذب بين احتمالين:
1) مخاطب خارجي .. شخص آخر يعيش حالة وهم وبطولة متخيلة.
2) مخاطب داخلي .. أي الذات نفسها في حالة انقسام.
وهذا التداخل بين الضميرين يجعل النص حوارًا داخليًا مقنعًا في شكل خطاب خارجي
خامسًا: الانزياح اللغوي – تفكيك المألوف
تعتمد القصيدة على انزياحات لغوية واضحة، منها:
"حصان أعمى" (تركيب صادم)
"ملكوت للخيال" (تضخيم ساخر)
"صور باهتة لا مسموعة ولا صامته" (تفكيك حسي)
وهذا الانزياح يؤدي وظيفة أساسية هى كسر التوقع اللغوي لإنتاج صدمة دلالية
وبذلك تصبح اللغة نفسها أداة لكشف الوهم، لا لتزيينه.
سادسًا: العلاقة بين اللغة والانشطار
يمكن القول إن البنية اللغوية في القصيدة لا تصف الانشطار فقط، بل تعيد إنتاجه عبر:
· جمل متقابلة
· صور مزدوجة
· ضمائر متحركة
· وإيقاع متقطع
فاللغة نفسها منقسمة بين:
· الوضوح والتشويش
· الاسترسال والانقطاع
· المباشرة والرمز
وبذلك تتحول القصيدة إلى نموذج لغوي للانشطار الداخلي الذي تتحدث عنه
خلاصة المبحث الرابع
تكشف البنية اللغوية والإيقاعية في قصيدة "شيزوفرينيا" عن نص يقوم على شعرية التشظي، حيث لا تعمل اللغة بوصفها وسيطًا محايدًا، بل بوصفها مساحة تتجسد فيها أزمة الذات.
فالمعجم يتأرجح بين اليومي والرمزي، والتراكيب تتراوح بين الانقطاع والاستمرار، والإيقاع يقوم على التكرار والتوازي والتقطيع، بينما يتوزع الضمير بين حضور خارجي وانقسام داخلي.
وهكذا تصبح اللغة في القصيدة ليست وسيلة لوصف الانشطار، بل شكله الأوضح، بحيث يغدو النص نفسه مجازًا بنيويًا لحالة التشظي بين الواقع والمتخيل، بين الفعل والوهم، وبين الذات وصورتها عن نفسها.
الخاتمة النقدية
تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها: كيف تتحول قصيدة “شيزوفرينيا” من خطاب يبدو معنيًا بالوهم الفردي إلى بنية نقدية تكشف سوسيولوجيا الوهم وسيكولوجيا الانشطار في سياق تجربة المهاجر؟
وكيف توظف الشاعرة اللغة العامية والصور الرمزية والإيقاع الشفاهي لبناء ذات منشطرة تعيش البطولة المتخيلة تعويضًا عن هشاشة الواقع وعن اغتراب الهوية؟
وقد أظهر التحليل أن قصيدة فاطمة المرسي لا تقدم “الشيزوفرينيا” بوصفها حالة مرضية، بل بوصفها استعارة شعرية مركبة تعبر عن الانفصام الثقافي الذي يعيشه المهاجر بين ثقافتين ولغتين وزمنين.
فالذات التي “تتدارى في حلم عبيط” و”ترسم للخيال ملكوت” و”تركب حصانًا أعمى” إنما تبني وطنًا متخيلاً يعوض فقدان الوطن الحقيقي والمكانة الاجتماعية في مجتمع المهجر.
أولًا: تأكيد الفرضية
أثبتت الدراسة أن الوهم في القصيدة ليس هروبًا بريئًا، بل آلية دفاعية نفسية واجتماعية-ثقافية معقدة.
فهو يحمي الذات من مواجهة الاغتراب، ومن “عيون الناس” التي ترميها بالشفقة أو الإقصاء، ومن شعور ضياع الزمن والإنجاز.
ثانيًا: البعد السيكولوجي
تعيش الذات حالة انشطار داخلي بين واقع مأزوم وعالم متخيل تبنيه لاستعادة السيطرة والقوة، حتى يصبح الخيال نفسه مصدرًا للحيرة والتشوش.
ثالثًا: البعد السوسيولوجي-الثقافي
في سياق تجربة المهاجر، يتحول الانشطار إلى سمة وجودية أوسع. إنه نتاج علاقة مشتعلة بين الذات المهاجرة التي تبحث عن الانتماء، والمجتمع المضيف الذي لا يمنحها الاعتراف الكامل، والذاكرة الثقافية التي تظل حية.
ومن ثم تصبح البطولة المتخيلة واللغة العامية شكلين من أشكال المقاومة الرمزية ضد التهميش والذوبان.
رابعًا: البعد اللغوي
تُعيد اللغة العامية المصرية إنتاج هذا الانشطار داخل النص نفسه، فهي في الوقت ذاته لغة انتماء ومقاومة، ولغة شفاهية تحمل توتر الهوية الهجينة.
خلاصة نهائية
تُعد قصيدة “شيزوفرينيا” نموذجًا شعريًا معاصرًا يعيد تفكيك علاقة الذات بالواقع في عصر المهاجرين والعولمة.
إنها لا تكتفي بتشخيص أزمة فردية، بل تقدم شهادة فنية مؤثرة على هشاشة الهوية الإنسانية المعاصرة، حيث يصبح الوهم ملاذًا، والخيال وطنًا، و”الشيزوفرينيا” طريقة للبقاء.
بهذا تؤكد الشاعرة فاطمة المرسي أن الشعر لا يزال قادرًا على التقاط أعمق التشققات التي تعيشها الذات في عالم متغير باستمرار.

الهوامش
(1) قدمت الشاعرة عذه القصيدة فى ندوة اقلام ذهبية اون لاين مساء الجمعة 8 مايو 2026 والقصيدة من ديوان “ليه وجودك مشكلة"



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ”لا”.. ثمن الوعي: قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة ”لا” لنهال ال ...
- بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليا ...
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- حين تحصد العصافيرُ المساميرَ: تمثلات الاغتراب وآليات التشكيل ...
- كساء الجمر: شعرية الصحراء بين صبابات الرمل ومتون دار بسيس لل ...
- سيكولوجية التبرير وسوسيولوجية القطيعة: الذات الأنثوية بين ال ...
- البيت بوصفه بنيةً للقهر والهيمنة: قراءة سوسيو–نفسية في رواية ...
- -الأنثى والمدينة والذاكرة: عوالم سردية وأنساق نفسية في أنثى ...
- تصميم الفقد .. قراءة سوسيو–سيكولوجية في عروس في علبة مخملية ...
- بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلا ...
- تأجيل الحلم واستنزاف الأمل: مقاربة سوسيولوجية–نفسية في قصة - ...
- “الوعد المعلّق: الذاكرة بوصفها فضاءً بديلاً في “وعد لم يكتمل ...
- حفيف أنثوي: بين الجسد والوطن .. قراءة تحليلية–تأويلية متعددة ...
- -والبنون- أو وهم الامتداد: قراءة تحليلية–تأويلية في سرد التل ...
- الامتنان الذي يتجاوز الموت مساءلة الحدّ الأنطولوجي في قصة “ع ...
- أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام
- صندوق الذاكرة المعتمة: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة صندوق نو ...
- “الفاترين”: سرد الزجاج والهشاشة قراءة تحليلية–تأويلية في الق ...
- “الابتسامة بوصفها قناعًا سرديًّا: قراءة تحليلية–تأويلية في ق ...


المزيد.....




- راقصة مصرية تكشف لـRT تفاصيل خطيرة عن اتهامها لـ-نخنوخ- وفنا ...
- بوتين يوجه بتحديث أكاديمية موسكو للرقص
- جائزة -جالاك- 2026: كيف يعيد الأدب صياغة الهوية البريطانية م ...
- قراتشاي-تشيركيسيا تُخطط لإنشاء متاحف لثقافة وتاريخ شعوبها
- طقوس الليل السرية.. ألعاب استحضار الأرواح بين أطفال الاتحاد ...
- مونديال 2026.. مزيج الكرة والموسيقى برعاية الفيفا
- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا الهروب في -شيزوفرينيا لـ / فاطمة المرسى