أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - “الابتسامة بوصفها قناعًا سرديًّا: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة “وكنتُ أنا كلَّ هؤلاء وابتسمت” لنسرين معتوق”















المزيد.....

“الابتسامة بوصفها قناعًا سرديًّا: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة “وكنتُ أنا كلَّ هؤلاء وابتسمت” لنسرين معتوق”


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 00:49
المحور: الادب والفن
    




أولًا: المقدمة
تأتي قصة “وكنتُ أنا كلَّ هؤلاء وابتسمت” [1] لنسرين معتوق بوصفها نصًا قصيرًا في حجمه، كثيفًا في طاقته الدلالية، ينهض على تفكيك مفارقة إنسانية معاصرة: التناقض بين الداخل النفسي المتشظي، والصورة الخارجية المتماسكة المعروضة للآخر.
وهي مفارقة تتجاوز خصوصية التجربة الفردية لتلامس بنية ثقافية أوسع تُعيد إنتاج الصمت، وتُقنِّن إخفاء الألم، وتكافئ “القدرة على التماسك” بوصفها قيمة اجتماعية عليا.
تنتمي الكاتبة إلى مسار معرفي غير تقليدي؛ إذ انتقلت من دراسة القانون إلى الاشتغال بعلم النفس، ولا سيما في مجالات الاضطرابات السلوكية، وهو انتقال لا يبدو عرضيًا عند قراءة هذا النص، حيث يحضر الوعي بالآليات النفسية الدفاعية أكثر من حضور الحدث أو الحبكة.
فالكاتبة لا تسرد ما حدث، بقدر ما تُعرّي كيف تم التعامل شعوريًا مع ما حدث.
يُشكّل العنوان عتبةً تأويلية مركزية، تقوم على ازدواجية دلالية لافتة:
“كل هؤلاء”: دلالة على تعدد الحالات، تشظي الذات، وتراكم التجارب.
“وابتسمت”: فعل واحد ثابت، يُوحِّد المظهر ويُخفي التناقض.
وهذا ما تؤكده الجملة الختامية للنص: “كانت الصور لأشخاص كثيرين وكنت أنا كل هؤلاء وابتسمت.”
في السياق الثقافي الراهن، حيث تُختزل التجربة الإنسانية في “صورة”، وتُقيَّم الذات من خلال مظهرها لا تاريخها الشعوري، يكتسب النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز خصوصية التجربة النسوية، ليكشف عن أحد أكثر المسكوت عنه حضورًا: حق الفرد في الضعف، وفي أن يكون غير متشابه مع صورته.
وعليه، تنطلق هذه الدراسة[2] من فرضية نقدية ترى أن القصة لا تُعيد إنتاج خطاب التماسك، بل تفككه من الداخل، عبر بنية سردية تقوم على الحوار، واللقطة، والتكرار الدلالي، بوصفها أدوات لكشف التوتر بين ما يُرى وما يُعاش.
ثانيًا: المداخل النقدية
مدخل المداخل: مبررات الاختيار
يفرض النص (بطبيعته القصيرة والمكثفة) اعتماد مدخل تقنيات السرد بوصفه مدخلًا أساسيًا، يليه المدخل النفسي والتأويلي، مع حضور اجتماعي ضمني.
هذه المداخل لا تعمل منفصلة، بل تتقاطع حول ثيمة واحدة: الاختلاف بين ما يُرى وما يُعاش.
المدخل الأول: تقنيات السرد
1. منظور الراوي والوعي السردي
النص قائم على حوار ثنائي بين “أنا” المتكلمة و”آخر” غير مُسمّى.
هذا الآخر لا يُبنى كشخصية كاملة، بل كمرآة سطحية تمثل النظرة الاجتماعية:
“كل صورك تشبه بعضها”
في مقابل صوت داخلي واعٍ بالتفاصيل، يرفض الاختزال:
“كيف ترى صوري هكذا، وبكل هذه السطحية؟”
السرد هنا ذاتي، اعترافي، لكنه لا ينغلق، بل يصطدم دومًا بوعي خارجي قاصر.
2. بناء الحدث وديناميته
لا يوجد حدث تقليدي، بل سلسلة لقطات:
عند باب الجامعة
على شاطئ البحر
بقميص أبيض بعد خيبة
الحدث الحقيقي ليس التقاط الصورة، بل ما يسبقها نفسيًا، وما يليها قناعيًا.
3. الزمن والمكان
الزمن نفسي متشظٍّ، يُقاس بدرجة التوتر لا بالتسلسل: “كنت قد واصلت الليل بالنهار ربما لثلاثة أيام”
المكان ليس إطارًا، بل محفزًا شعوريًا (الجامعة = القلق، البحر = محاولة تهدئة، الملابس = الأنوثة المجروحة).
4. اللغة والأسلوب
اللغة بسيطة، مباشرة، خالية من الزخرفة، لكنها تعتمد على التكرار الدلالي لفعل: “ابتسمت والتقطت صورة”
التكرار هنا ليس ضعفًا أسلوبيًا، بل تقنية تكشف الثبات القهري للسلوك رغم تغيّر الداخل.
5. السرد والمشهدية
النص قريب من المشهد السينمائي: لقطة – تعليق – ذاكرة. لا وصف مطوّل، بل ومضات.
المدخل النفسي
القصة اشتغال واضح على مفهوم الآلية الدفاعية. الابتسامة تمثل:
إنكارًا للألم
تساميًا مؤقتًا
قناعًا اجتماعيًا
“كنت متعبة وبداخلي كل شيء يرتجف… ولكني توقفت وابتسمت”
الابتسامة هنا فعل مقاومة ذاتية، لكنها في الوقت نفسه علامة على القمع.
الاعتراف الختامي: “كانت الصور لأشخاص كثيرين وكنت أنا كل هؤلاء”
يكشف عن ذات مفككة تحاول توحيد صورتها خارجيًا.
المدخل الاجتماعي (الضمني)
النص لا يصرّح بالضغط الاجتماعي،
لكنه يُضمّنه عبر وجود “الآخر” الحاكم على الصورة، وعبر ثقافة التقييم السطحي: “صورك تكاد تتطابق”
إنها إدانة غير مباشرة لمجتمع يرى المظهر ولا يرى السياق.
مدخل التابوهات
لا يتناول النص تابوهات الدين أو الجنس أو السياسة مباشرة،
لكنه يقترب من تابو الاعتراف بالهشاشة النفسية، وهو تابو اجتماعي مسكوت عنه.
الألم موجود، لكن لا يُعرض إلا مفلترًا عبر صورة مبتسمة.
ثالثًا: خصوصية الربط بالواقع الإنساني
القصة تُعبّر عن مأساة إنسانية صامتة: مأساة الاضطرار إلى التماسك. لا توجد قضية سياسية مباشرة،
لكن هناك مقاومة رمزية للسطحية، ومحاولة لاستعادة الحق في التعقيد الإنساني.
رابعًا: نقد النقد، ونقاط القوة والضعف، والخاتمة
1. نقد النقد
لا تتوافر دراسات سابقة، وهو ما يمنح هذه القراءة موقع التأسيس، لا المعارضة.
2. نقاط القوة
· وحدة ثيمية واضحة دون ترهل.
· توظيف ذكي للحوار كأداة كشف.
· انسجام بين تجربة الكاتبة المعرفية (علم النفس) والبناء النصي.
· اقتصاد لغوي مناسب لطبيعة النص.
3. نقاط الضعف
· غياب التطور الدرامي قد يجعل النص أقرب إلى “نص تأملي” منه إلى قصة بالمعنى الصارم.
· الاعتماد الكبير على التفسير الذاتي يقلل من مساحة التأويل المفتوح.
· الآخر يظل صوتًا نمطيًا غير متحوّل.
4. ملامح التجريب
النص يقترب من القصة–الاعتراف أو اللقطة النفسية، ويجرب كسر الحدث لصالح الحالة، وهو تجريب محسوب لكنه محدود.
الخاتمة النقدية
تُفضي قراءة “وكنتُ أنا كل هؤلاء وابتسمت” إلى نصٍّ يُحسن الاشتغال على الهامشي واليومي، دون أن يقع في فخ التقريرية أو الشكوى المباشرة.
فالقصة لا تُدين المجتمع صراحة، ولا تحتفي بالذات، بل تضع القارئ أمام مفارقة صامتة:
الابتسامة التي تُوحِّد الصور، وتُضلِّل الرؤية عن عمق التجربة الإنسانية.
لقد نجحت الكاتبة في تحويل فعل بسيط ومتكرر (الابتسام والتقاط صورة) إلى علامة سردية ذات حمولة نفسية وثقافية، تتكرر في النص:
“كنت متعبة وبداخلي كل شيء يرتجف… ولكني توقفت وابتسمت.”
“كنت عائدة من أكبر خيباتي… ولكني جففت دموعي ورسمت ابتسامتي.”
هذا التكرار لا يعمل بوصفه ضعفًا بنائيًا، بل بوصفه إشارة إلى ثبات القناع مقابل تغيّر الداخل، وهو ما يمنح النص وحدته الدلالية، حتى في غياب الحبكة التقليدية.
ومع ذلك، فإن انحياز النص إلى الصوت الذاتي، وغياب التطور الدرامي للشخصية الأخرى، يضع القصة ضمن مساحة النص التأملي السردي أكثر من القصة الحدثية، وهو اختيار جمالي مشروع، لكنه يحدّ من اتساع أفق التلقي.
في المحصلة، تُضيف القصة إلى تجربة نسرين معتوق نصًا واعيًا بحدوده، صادقًا في اشتغاله، يلامس منطقة إنسانية حساسة دون ادّعاء، ويُسجَّل ضمن الكتابات التي تُقاوم السطحية لا بالصوت العالي، بل بالتشكيك الهادئ في ما نراه بديهيًا.
المراجع
مواقع الانترنت
(1) هشام العطار. (21 ديسمبر, 2025). ندوة أقلام ذهبية اون لاين. حساب هشام العطار على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/17qfWmm255/

الهوامش
(1) هشام العطار. (21 ديسمبر, 2025). ندوة أقلام ذهبية اون لاين. حساب هشام العطار على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/17qfWmm255/
(2) تم عرض هذه الدراسة فى ندوة أقلام ذهبية اون لاين (ندوات قراءات القصة القصيرة) بتاريخ 26 ديسمير 2025



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سرديات التابو والعُريّ الرمزي في رواية عذارى أوراق التوت لسع ...
- تماثل الأسطورة والوعي: قراءة في تشكلات الفقد والبعث في قصة إ ...
- سباع مجوفة: بين الرمز المعماري والخلاص الروحي والخوف الاجتما ...
- «الإسكندرية كجسر للعبور وإعادة التشكّل: قراءة نقدية في رواية ...
- -ما لا يموت-: أنطولوجيا البقاء تحت النار .. غسان كنفاني وعائ ...
- من العربة الأخيرة إلى مرآة الذات: بنية الاعتراف وتشظي الهوية ...
- -فرحة- الوفاء المفقود: قراءة نقدية متعددة المداخل في قصة زين ...
- بين المرآة والبحر: قراءة في عزلة الأنثى عند أريج محمد (مقارب ...
- بين حدّ الموسى وحدّ الضمير: قراءة نفسية–سردية في قصة -رغوة و ...
- حكاية واحد صاحبي – قراءة نقدية في سردية الكرامة وبنية القصيد ...
- الضوء الذي حزن وحده: قراءة وجدانية في نص فاتن صبحي
- السرد على حافة اليقين: قراءة تحليلية–تأويلية في مجموعة “البا ...
- الذاكرة وأدب المقاومة في القصة القصيرة جدًا: مقاربة في نصوص ...
- من الفضيلة إلى تمثيلها: قراءة تحليلية–تأويلية في البنية السر ...
- أوراق الزيتون: بنية الذنب والخلاص في قصة قصيرة معاصرة (قراءة ...
- من الغربة إلى الغفران: البنية الروحية والرمزية في عالم عمرو ...
- -الذين لا يجيئون-: مقاربة سردية في بنية الغياب وبلاغة الانتظ ...
- رمزية المقاومة والوجع: مقارنة تحليلية بين ترانيم الأوجاع، نش ...
- السيرة حين تصبح دراما .. قراءة نقدية في سيناريو فيلم A Beaut ...
- قناع الجمال ووهم التواصل: قراءة تحليلية في قصة ذات القبعة ال ...


المزيد.....




- سوريا.. الشرع يستقبل الفنان السوري جمال سليمان في قصر الشعب ...
- من الأجمل في افتتاح مهرجان كان السينمائي 2026؟ إطلالات نجمات ...
- أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أميركا اسم بحار إيطالي؟
- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - “الابتسامة بوصفها قناعًا سرديًّا: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة “وكنتُ أنا كلَّ هؤلاء وابتسمت” لنسرين معتوق”