أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - سرديات التابو والعُريّ الرمزي في رواية عذارى أوراق التوت لسعدية خليفة قراءة سردية–سوسيوثقافية–نفسية















المزيد.....



سرديات التابو والعُريّ الرمزي في رواية عذارى أوراق التوت لسعدية خليفة قراءة سردية–سوسيوثقافية–نفسية


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 03:34
المحور: الادب والفن
    




أولاً: المقدمة (الإطار النظري والسياقي)
تتبدى رواية "عذارى أوراق التوت"[1] للكاتبة سعدية خليفة بوصفها نصًا سرديًا جريئًا في مساءلة المجتمع المصري المعاصر عبر مشاهد من "العُري الرمزي"، لا بمعنى الجسد المكشوف، بل بمعنى انكشاف المستور الاجتماعي والأخلاقي والطبقي. فالرواية تحفر في طبقات المسكوت عنه اجتماعيًا، وتقترب من مناطق محرّمة طالما أحاطها المجتمع بجدار الصمت: الجنس، السلطة الأبوية، الفقر، وتناقضات الطبقة الوسطى بعد التحولات الاقتصادية والانفتاح.
تنتمي سعدية خليفة إلى جيل من الكاتبات اللواتي تشكلت رؤيتهن عند تقاطع الأدب والفنون البصرية؛ فهي خريجة قسم الدراسات المسرحية، وعملت في الإخراج المسرحي والسينمائي، كما أنجزت عددًا من الأفلام الوثائقية. وقد تركت هذه الخلفية أثرًا واضحًا في بنية السرد، التي تميل إلى المشهدية وتقطيع اللقطات على نحو يقارب اللغة السينمائية.
على مستوى الموضوع، تضع الرواية المجتمع المصري أمام مرآة مكشوفة، لتكشف سوءاته الأخلاقية والاجتماعية تحت أوراق توت واهية. فـ"العذارى" في العنوان لا يحيلن فقط إلى براءة جسدية، بل إلى براءة مخذولة، إلى نساء وطبقات ومجتمعات فقدت طهرها الرمزي أمام سطوة الفقر والقهر الاجتماعي. وفي هذا المعنى، تُعيد الرواية إنتاج مقولة "العار" لا بوصفها حكمًا أخلاقيًا، بل كحقيقة اجتماعية ناتجة عن تداخل السلطة والمال والجنس في نسيج الحياة اليومية.
من الناحية الفنية، تتخذ الرواية بناءً تعدديًا للأصوات والزمن؛ إذ توزع الحكايات بين مجموعة من الشخصيات (حسين المصري، حازم، سميحة، رضا، سيد، وأم الغريب) بحيث يتقاطع الخاص بالعام، الماضي والحاضر، في مشهد سردي متشظ، يكشف عن أزمة الهوية الجماعية للمصريين خلال العقود الأخيرة.
وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة[2] إلى مقاربة الرواية في ضوء ثلاثة مداخل نقدية متكاملة:
· المدخل السردي لتحليل تقنيات البناء والمشهدية.
· المدخل السوسيوثقافي لقراءة البنية الاجتماعية والاقتصادية المحرّكة للأحداث.
· المدخل النفسي لتفكيك دوافع الشخصيات وصراعاتها الداخلية.
كما تتبنى الدراسة مقاربة للتابوهات (الجنسي، الاجتماعي، الديني) من خلال مفهوم "العري الرمزي" الذي يتحول في الرواية إلى خطاب كاشف للزيف الاجتماعي أكثر من كونه إثارة حسية أو فضيحة أخلاقية.
وعليه، تنطلق القراءة من فرضية أن كشف المستور في النص ليس فعلاً فاضحًا بل فعلاً تطهيريًا يعيد مساءلة الذات والمجتمع معًا.
وبناءً على ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن أسئلة رئيسية، منها:
· كيف تبني الرواية خطابها الناقد عبر تقنيات سردية محددة؟
· وكيف تعكس الشخصيات تحولات المجتمع المصري؟
· وما هي آليات اشتغال "العري الرمزي" كأداة لكشف التابوهات الاجتماعية والسياسية والنفسية؟
ثانيًا: العتبات النصية – بين التوجيه والوصاية على التلقي
تشكل العتبات النصية في عذارى أوراق التوت مجالاً دلاليًا لا يقل أهمية عن المتن، إذ تحيط به شبكة من النصوص المرافقة (الإهداء، مقدمة الكاتبة "فاتحة السرد"، تعليق الناقد عبد المنعم كامل، والخاتمة) تعمل جميعها على توجيه المتلقي وتأطير وعيه قبل الدخول في صلب التجربة السردية.
غير أن هذه العتبات، على كثافتها وتشعبها ، تمارس نوعًا من الوصاية على التلقي، بما قد يجعلها أحيانًا عبئًا على حرية القارئ في بناء المعنى واستكشاف آفاق النص بنفسه.
1. العنوان والإهداء
يحمل عنوان الرواية دلالتين متقاطعتين:
“العذارى” بما تحمله من إيحاء بالطهر المهدور والبراءة المخذولة، و“أوراق التوت” بما ترمز إليه من سترٍ زائفٍ يخفي العورة الأخلاقية والاجتماعية.
هذا التوتر الدلالي بين الستر والفضح يوجّه أفق القراءة منذ البداية نحو خطاب يعرّي لا ليكشف الجسد، بل ليكشف المجتمع في تكويناته العميقة.
أما الإهداء: «إليهم.. الذين تأخذهم الصدف إلى حيث تنتظرهم الأسرار والخبايا على دروب الصعاب»[3]
فيكشف عن هيمنة منطق الصدفة والقدر على السرد، ويدخل القارئ في دائرة حتمية قدريّة ستتحكم بمصائر الشخصيات لاحقًا، وكأن الأقدار تكتب خيوطها قبل أن تبدأ الحكاية.
2. مقدمة الكاتبة (فاتحة السرد)
في “فاتحة السرد” تقول الكاتبة: «لسنا وحدنا نتحلى بداء الخبث في تتبع الحكايا، أنتم أيضًا خبثاء حين يدفعكم فضولكم لتتبع مصائر ساكني الحكايا... أنتم تبحثون عن أنفسكم في حكايانا.» [4]
بهذا الأسلوب، تكشف الكاتبة وعيها بعملية الحكي ذاتها، لكنها في الوقت نفسه تحاول ضبط العلاقة بين المؤلف والمتلقي، فيصبح القارئ أسير منظور تفرضه الراوية منذ البداية.
إنها تقنية أشبه بـ"كسر الجدار الرابع" بالمعنى المسرحي، لكنها مع ذلك تغلق فضاءات التلقي المتعدد، وتجعل القارئ في موقع من يقرأ "بوصفة" محددة سلفًا.
3. تعليق عبد المنعم كامل (تعليق قبل البدء)
في "تعليق قبل البدء"، يتولى الناقد عبد المنعم كامل تقديم تفسير تحليلي للنص قبل قراءته، فيقول إن الكاتبة "غادرت تقنية الزمن القديمة إلى تقنية الدوائر الزمنية"[5].
ورغم دقة هذه الملاحظة النقدية وأهميتها، فإن إدراج مثل هذا التقديم داخل النص الروائي نفسه يحوله إلى نوع من "التوجيه النقدي المسبق"، الذي ينتزع من القارئ فرصة اكتشاف البناء الزمني المعقد بنفسه. يتحول النص هنا، بشكل ما، إلى عمل مُفسَّر سلفًا، مما يحد من جهد القارئ التأويلي.
4. خاتمة الكاتبة
تغلق الكاتبة روايتها بخطاب ذاتي تقول فيه: «ها أنا ذي أجاهد أن أعود إليكم من بين زحام السطور التي شكلت الحكايات... أنا سيدة المتناقضات كالبحر الذي أعيش بجواره وأحبه وأخشاه.» [6]
إنها عودة ميتاسردية أخرى للكاتبة داخل نصها، في محاولة لتفسير ذاتها وضم القارئ مجددًا إلى دائرة السرد. لكن هذا الإغلاق الدائري، بقدر ما يمنح النص تماسكًا، يُضعف المسافة الجمالية الضرورية بين "الراوية" (كشخصية متخيلة) و"الكاتبة" (كذات حقيقية)، فيتحول النص من عالم متخيل إلى اعتراف ذاتي مباشر، مما قد يقلل من تعدد مستويات القراءة
5. خلاصة نقدية
يمكن النظر إلى هذه العتبات، في مجملها، بوصفها عنصرًا إشكاليًا في بنية الرواية. فهي تضيف بعدًا توجيهيًا واضحًا، لكنها في الوقت نفسه قد تقيد حرية القارئ في إنتاج المعنى، وتحوّله من مشارك فاعل في بناء الدلالة إلى متلقٍ سلبي يتلقى النص بوصفه حزمة تفسيرات جاهزة.
ثالثًا: الإطار النظري والمنهجي
تقتضي طبيعة رواية عذارى أوراق التوت مقاربة متعددة المستويات، إذ تتشابك فيها البنى السردية مع المكونات النفسية والاجتماعية والسياسية في شبكة دلالية متداخلة.
ومن ثمّ، تتأسس هذه الدراسة على ثلاثة مداخل منهجية متكاملة: السردي، السوسيوثقافي، والنفسي، لتفكيك العلاقة بين النص والواقع والذات، وللكشف عن آليات “العري الرمزي” و“اختراق التابوهات” التي تتخلل الرواية.
1. المنهج السردي: تحليل البنية وتقنيات الحكي
يقوم المنهج السردي على تحليل آليات بناء النص وطرائق الحكي، وفق ما بلوره منظرو السرد من أمثال ميخائيل باختين وجيرار جينيت وتودوروف، مع الاستفادة من المقاربات العربية الحديثة التي طورت مفاهيم الزمان والمكان والراوي في الرواية العربية المعاصرة.
في عذارى أوراق التوت تُبنى الحكاية على تعدد الأصوات السردية، حيث تتوزع الحكايات بين عدة شخصيات رئيسة: (حسين المصري، حازم، سميحة، رضا، أم الغريب، وسيد) وتتحول الرواية بذلك إلى موزاييك سردي يلتقط وجوهًا من المجتمع المصري في لحظات التحول الاقتصادي والاجتماعي.
إن هذا التعدد الصوتي لا يُقصد به التنويع الشكلي فقط، بل يُستخدم كأداة لتعرية المجتمع من داخله، حيث تتبادل الشخصيات السرد والبوح في صيغة “اعترافات متقاطعة” تفضح المسكوت عنه في تجاربها.
كما تعتمد الرواية على تقنية الدوائر الزمنية التي أشار إليها الناقد عبد المنعم كامل في مقدمته، إذ تتقاطع الأزمنة بين الماضي والحاضر والمستقبل دون خط زمني مستقيم، لتخلق إحساسًا بـ"الحاضر المستمر" الذي يبتلع الشخصيات في تكرار المأساة.
ويخدم هذا البناء الدائري فكرة القدر الاجتماعي المغلق الذي لا فكاك منه، فكما تدور الحكايات حول نفسها، تدور مصائر الشخصيات داخل حلقة الفقر والعجز الأخلاقي.
من ناحية أخرى، تظهر البنية السردية في الرواية متأثرة بوعي الكاتبة المسرحي والسينمائي، فهي تستخدم لغة المشهد البصري والحوار المسرحي المكثف، مما يمنح النص إيقاعًا دراميًا قويًا.
وتعمل اللقطات الوصفية القصيرة والحركة المقطّعة على خلق توتر بصري، يجعل القارئ يعيش داخل المشهد لا خارجه، كما في وصف الكاتبة لحالة رضا وهي تبيع في مترو الأنفاق أو في مشهد سيد مع الغانية في السيارة، حيث يتداخل الوصف الخارجي بالإيحاء الداخلي.
2. المنهج السوسيوثقافي: النص كمرآة للتحولات الاجتماعية
يُعد المنهج السوسيوثقافي من أنسب المداخل لقراءة رواية مثل عذارى أوراق التوت، لأنها تستمد مادتها من صميم الواقع الاجتماعي المصري.
فالنص يتأسس على نقد المجتمع الطبقي بعد الانفتاح الاقتصادي، وعلى رصد ظواهر الانكسار الأخلاقي والانحدار القيمي التي أصابت الطبقة الوسطى والفقيرة على السواء.
تُعيد الكاتبة بناء صورة المجتمع عبر شبكة من العلاقات المتوترة بين السلطة الذكورية، الفقر، والرغبة، بحيث يتحول الجسد الأنثوي إلى ساحة للصراع الاجتماعي والاقتصادي.
رضا (التي تضطر للعمل في المترو وبيع البضائع الصغيرة) تمثل الوجه النسوي للفقر؛ بينما سميحة تجسد تناقضات المرأة التي دفعتها الحاجة إلى التنازل الأخلاقي، فـ"أوراق التوت" التي تحاول سترها لا تمنع انكشاف الحقيقة.
وهكذا تصبح “العذرية” في النص رمزًا للزيف الاجتماعي لا للفضيلة، إذ يتحول الشرف إلى سلعة، والستر إلى قناع.
من خلال هذه الشخصيات، ترسم الرواية ملامح التحولات الاجتماعية في العقود الأخيرة:
· انهيار القيم الجماعية التقليدية.
· صعود قيم المال والمنفعة على حساب الأخلاق.
· تآكل مفهوم الأبوة والسلطة الأسرية.
· تزايد الإحساس بالاغتراب والانفصال عن الوطن.
وفي هذا السياق، تندرج الرواية ضمن ما يمكن تسميته بـ السردية الاجتماعية الكاشفة، التي تسعى إلى فضح البنية المتناقضة للمجتمع المصري، لا إلى التنديد الأخلاقي فقط.
فهي لا تكتب عن "الانحراف" بوصفه شذوذًا فرديًا، بل كـ نتيجة حتمية لبنية اجتماعية مأزومة، تضع الأفراد أمام خيارات مستحيلة بين الجوع والكرامة، بين الحاجة والشرف.
3. المنهج النفسي: تفكيك الوعي واللاوعي في شخصيات النص
يتيح المنهج النفسي الغوص في أعماق الشخصيات لاكتشاف الدوافع اللاواعية التي تحكم أفعالها.
فشخصيات الرواية، في مجملها، لا تتحرك بدافع الإرادة الحرة، بل تعيش في ظلال صدمات قديمة أو رغبات مكبوتة، تجعلها سجينة دوائر من التكرار القهري.
رضا/صابرين مثلًا تحمل عقدة النبذ منذ الطفولة، إذ تكبر في بيئة ترفضها وتشيطن جسدها، فتنشأ داخلها علاقة مضطربة مع ذاتها، يتجلى فيها ما يسميه فرويد بـ النكوص نحو أصل الجرح.
أما سميحة، الأم التي أخفت ماضيها، فهي تعيش آلية دفاعية قائمة على الكبت والإنكار، لكنّ أوراق مذكراتها التي تنكشف لاحقًا تعمل كرمز لانفجار المكبوت، وكأن الكتابة في ذاتها فعل علاج نفسي يعيد التوازن إلى الذاكرة الجريحة.
وسيد، الذي يبحث عن المتعة في حكايات المومسات لا في أجسادهن، يمثل صورة "الذكورة المأزومة"، حيث تتحول الرغبة إلى وسيلة للهرب من الفقد والخيبة.
على هذا النحو، تتعامل الرواية مع الجسد بوصفه ذاكرة نفسية أكثر منه كيانًا فيزيقيًا، فكل جرح اجتماعي يتجسد في ألم جسدي أو في رغبة مختلة.
ومن هنا يلتقي المنهج النفسي بالسوسيوثقافي: فالعقد الفردية ليست سوى تجليات للأمراض الجمعية، والاضطراب الشخصي ليس إلا مرآة لخلل البنية الاجتماعية.
4. التفاعل المنهجي: تكامل المداخل الثلاثة
إن الجمع بين المناهج السردي والسوسيوثقافي والنفسي ليس مجرد تركيب شكلي، بل استجابة لطبيعة الرواية نفسها التي تجمع بين البنية الفنية والتحليل الاجتماعي والنفسي.
فكل تقنية سردية (كالزمن الدائري أو تعدد الأصوات) تؤدي وظيفة اجتماعية ونفسية في آن:
· الزمن المتقاطع يعبر عن تكرار القهر الطبقي والنفسي عبر الأجيال؛
· تعدد الأصوات يعكس تعدد مستويات الوعي في المجتمع؛
· والمونولوجات الداخلية تمثل تفريغًا للذات المقهورة التي لا تجد اعترافًا خارجيًا.
هكذا تتكامل المستويات الثلاثة لتكشف عن معنى أعمق: أن “العري” في الرواية ليس فعلاً جسديًا فحسب، بل حالة وجودية يعيشها الأفراد في مجتمع فقد قدرته على الستر، ماديًا ومعنويًا.
رابعًا: التحليل التطبيقي (المداخل النقدية)
1. المدخل السردي: تقنيات الحكي والمشهدية البصرية
تنفتح عذارى أوراق التوت على عالم روائي يقوم على تعدد الأصوات وتداخل الأزمنة، في بنية سردية تتحدى الخط الزمني التقليدي وتستعيض عنه بما يشبه “الدوائر الزمنية” أو “الحلقات الاعترافية”.
كل شخصية رئيسة في الرواية (حسين المصري، حازم، رضا، سميحة، سيد، أم الغريب) تمثل دائرة سردية مستقلة تتقاطع مع غيرها، فيتشكل منها ما يمكن تسميته بالمونتاج الروائي، الذي يتقاطع فيه السرد والبوح والمونولوج الداخلي.
يقول حسين المصري في أحد المقاطع: "غبنا فترة التجنيد وعبرنا الحواجز النفسية، وعدنا كما كنا ننتظر مساعدة الآباء ، وهم يجودون حسبما قدر لهم.[7]"
يختزل هذا المقطع التحول من الوعي البطولي الجمعي إلى هشاشة الواقع الاجتماعي بعد الحرب، ومن الحلم الجمعي بالنصر إلى مأساة الفقر اليومية.
ويستعيد الابن حازم التجربة نفسها في زمن مختلف حين يقول: " أنا ابن تلك السنوات المتسارعة الأحداث، وريث هؤلاء الآباء، الذين صدموا في إنجازاتهم،.[8]"
هكذا يبني السرد علاقة دائرية بين الأجيال، فكل زمن يورّث للآخر هزيمته، لا انتصاره.
وتتجلّى المشهدية البصرية في مقاطع عديدة، كالوصف السينمائي لانتقال رضا من حى الى حى الى عربة المترو:
"كنت آتي من الحي الفقير على الجهة الأخرى للنيل أمام المعادي بجنوب الجيزة، استقل قطار الأنفاق من محطة المنيب، حتى العتبة أركب عربة السيدات، ربما جادت الظروف ببيع بضاعتي لسيدة يتم في عجالة. [9]"
هنا نلمح أثر الحس الإخراجي في توزيع المشهد وتكثيف الإضاءة والظلال، بحيث تتقاطع الصورة البصرية مع الإيحاء الاجتماعي.
كما يتعمد السرد استخدام المنولوج الداخلي بوصفه تقنية لفضح المسكوت عنه، مثل حديث سميحة مع ذاتها في دفترها السري: " قررت أن أسجل يوميات من عمري، أكتب عن الأحداث، عن الناس، الفرح، الحزن، الحب، أكتبها من دون خوف أو قلق، أزيدها كل يوم سطورًا، وأخفيها إلى ماشاء الله،. [10]"
إذ يتحول الدفتر هنا إلى فضاء سردي بديل، تمارس فيه الشخصية حريتها التعبيرية، في مقابل القهر الواقعي، فيغدو النص داخل النص اعترافًا مؤجلاً.
إنّ هذه التقنيات تؤكد أن البناء السردي في الرواية ليس محايدًا، بل يخدم موضوعها الأساسي: كشف المستور. فالتعدد الصوتي والتناوب الزمني والمونولوج كلها أدوات لفضّ الحجب عن الداخل الاجتماعي والنفسي للشخصيات، تمامًا كما تنكشف أوراق التوت الورقة تلو الأخرى.
2. المدخل الموضوعاتي/الدلالي: عُري المجتمع وانكشاف الزيف
تنطلق الرواية من بنية دلالية مركزها “الستر” و“العُري” في معناهما الرمزي.
فالستر الاجتماعي الذي يحتمي خلفه الأفراد ليس سوى غطاء هشّ يخفي عورات جماعية.
ومن خلال شبكة من الشخصيات المنكسرة، تُعرّي الكاتبة المجتمع من تناقضاته الطبقية والأخلاقية.
تقول الراوية في أحد المواضع: " هل كنت تتخيل أن الأسرار تموت ؟ الأسرار لا تموت أبدا، الأسرار تكمن في مخبئها ، حتى إذا نبشتها يد أو عرتها عوامل التعرية، انتفضت واقفة تواجه أصحابها. [11]"
بهذه الجملة تلخّص الرواية رؤيتها: مجتمع قائم على الصمت الجمعي.
إنها سردية انكشاف جماعي، تبدأ بفضح الأسرار الفردية وتنتهي بتعرية الكيان الاجتماعي كله.
تتجاور قصص البغاء والزواج العرفي والفقر والعلاقات الملتبسة داخل نسيج واحد، بحيث لا يعود الانحراف استثناءً بل قاعدة.
كما أن دلالة "العذارى" لا تتعلق بالبراءة البيولوجية بقدر ما تشير إلى العذرية المفقودة للمجتمع: براءة الوعي، نقاء القيم، صدق الانتماء.
والـ"توت" بدوره يرمز إلى الغطاء الاجتماعي المتداعي، فهو نبات واهٍ، لا يستر إلا وقتيًا، وسرعان ما تتساقط أوراقه أمام الريح.
وفي هذه الدائرة، يصبح "العري" موقفًا معرفيًا من الواقع، لا مجرد فعل حسي.
3. المدخل السوسيوثقافي: الرواية بوصفها مرآة لتحولات مصر الاجتماعية
يهيمن على الرواية وعي اجتماعي حادّ بالتاريخ الحديث لمصر من سبعينيات القرن العشرين حتى ما بعد ثورة يناير.
فحسين المصري، الجندي العائد من الحرب، يجسّد جيل النصر المجهض، الذي انتقل من مجد السلاح إلى ذلّ الحاجة.
بينما يمثّل أبناؤه حازم والابن الأصغر جيل ما بعد الانفتاح، الغارق في صراع البقاء وسط انهيار القيم القديمة.
تقول الرواية: " أما نحن والتضحيات والدماء والحرب فقد تبعثرنا بين المعاهدات والمؤتمرات والوسائط والدسائس.[12]"
بهذا المشهد، تتجسد ملامح مصر ما بعد الانفتاح: التحول من التضحية الوطنية إلى الفردية النفعية.
تسجّل الكاتبة، عبر لغة درامية، تحوّل المجتمع من الأيديولوجيا إلى السوق، ومن الإيمان بالوطن إلى عبادة المال.
وتتموضع المرأة، في هذا السياق، في قلب المفارقة: فهي الضحية الأولى لانكسار البنية الاجتماعية، وهي في الوقت نفسه مرآة هذا الانكسار.
تتحول سميحة ورضا وسيدات الهامش إلى علامات على الانهيار القيمي الذي طال الجسد والعائلة معًا.
ومن ثمّ، فإن الرواية (من منظور سوسيوثقافي) لا تكتب عن الأفراد بل عن أمراض البنية: القهر الأبوي والاغتراب الوجودي
4. المدخل النفسي: العُري كحالة وجدانية
البنية النفسية للرواية تتأسس على ثنائية الستر/الاعتراف.
كل شخصية تخفي جرحًا داخليًا، لكنها في لحظة ما تُجبَر على كشفه، فيتحول النص إلى مسرح نفسي للاعترافات المقموعة.
في مشهد سميحة وهي تكتب مذكراتها، تقول: أكتبها من دون خوف أو قلق، أزيدها كل يوم سطورًا، وأخفيها إلى ماشاء الله." [13]
هنا تلتقي الكتابة بالعلاج النفسي، فالورق يصبح بديلًا عن “الأذن التحليلية” التي تصغي، والبوح هو لحظة تفريغ انفعالي.
رضا بدورها تمثل الوجه النفسي للجسد المقهور، فهي تنزاح من الحياء إلى الصمت ثم إلى الغضب المكتوم، تقول: "كلما كبرت كبرت كراهيته في قلبي، أما أمي تلك المرأة البائسة، فلم يزدها وجوده بيننا سوى تعبا وعبودية، تعمل صبحًا، وتعود عصرًا محملة بفتات تعدّه طعامًا؛ فيشاركنا فيه، ويأمر وينهي، وهي لا تملك سوى الطاعة، كنت كلما سألت أمي : "لماذا أدخلت رجلاً غريبا بيننا"، تقول : لو عشنا بلا رجل سينهشنا رجال كثر. [14]"
إن هذا الشعور بالاغتصاب الرمزي (النظرة، الإهانة، الشفقة) أكثر قسوة من الفعل نفسه، وهو ما تكشفه الرواية بعمق إنساني كبير.
تستبطن الشخصيات ما يشبه “الذاكرة الجمعية للألم”، فكل جيل يكرر جرحه بوجه جديد، كما لو أن العُري النفسي قدر موروث، لا تجربة فردية.
من هنا يمكن القول إن الرواية تمارس نقدًا نفسيًا للمجتمع نفسه، إذ تجعل اللاوعي الجمعي مرئيًا عبر اعترافات الأفراد.
5. مدخل اختراق التابوهات: الجسد، الدين، المجتمع
يعدّ هذا المدخل من أكثر الجوانب إثارة في عذارى أوراق التوت، إذ لا تتردد الكاتبة في اقتحام مناطق المسكوت عنه، لا بغرض الإثارة، بل لكشف ازدواجية المجتمع الذي يمارس المحظور سرًّا ويدينه علنًا.
تبدأ الرواية بكسر التابو الجنسي عبر كشف علاقات متشابكة: زواج المصلحة، البغاء المقنّع، الرغبة المكبوتة، والبحث عن الحب وسط القهر.
لكن الكاتبة تتعامل مع هذه التابوهات بحذر فني، إذ تُلبس الجسد لباسًا من اللغة المجازية.
فهي لا تكتب الجسد كموضوع شهواني، بل كوثيقة قهر اجتماعي.
كما تقترب الرواية من تابوه الدين حين ترصد ظواهر التديّن الشكلي والازدواجية الأخلاقية، مثل شخصية الرجل الذي يصلي في المسجد ثم يتعامل مع البغايا، في مفارقة تقول عنها الساردة: " أمر قرب ساحة سيدنا الحسين، أتذكر طلب السيدة، أن أقرأ لها الفاتحة في الحسين وأن أدعو لها، لا بأس لماذا لا أفعل .... ثم لا أجد من صيغ الدعاء ما يسعفني، لم أستطع ترتيب جملة واحدة أدعو بها لنفسي ولا لتلك السيدة. .. [15]"
وهو مشهد يكشف الارتباك الروحي للشخصية، حيث تتحول الممارسة الدينية إلى فعل اجتماعي فارغ من اليقين الداخلي.
وتتجلى شجاعة الكاتبة في تفكيك التابو الاجتماعي الأكبر: وهم “الطهر الطبقي”.
فهي تُسقط ورقة التوت عن الطبقات المتوسطة والعليا، لتظهر أن الفساد لا يسكن الهامش وحده، بل يندس في قلب الأسرة والوظيفة والسلطة.
بهذا المعنى، تشكل الرواية عملًا يضرب في عمق البنية الثقافية للمجتمع، ويعيد مساءلة مقولات “الشرف” و“الحياء” و“الفضيلة” من منظور نقدي حداثي.
6. البنية الجمالية–الرمزية: التشكيل الفني للمعنى
على المستوى الجمالي، تتسم الرواية بثراء رمزي ملحوظ، فـ"أوراق التوت" ليست مجرد استعارة لستر الجسد، بل رمز مركزي للزيف الجمعي، بينما “العذراوات” ترمز إلى النقاء المفقود، وإلى الضحايا اللواتي يسقطن تباعًا في امتحان الحياة.
يتكرر توظيف الصور البصرية في صياغة الرموز، مثل:
· النافذة التي تظهر مرارًا كإشارة إلى الرغبة في الخروج من القيد.
· الماء الذي يغسل لكنه لا يطهّر، كناية عن التطهر المستحيل.
· البحر الذي يختم الرواية، كرمز للغموض الأبدي والعودة إلى الأصل.
ومن اللافت أن الكاتبة تستخدم التناص الضمني مع الموروث الديني في الإحالة إلى قصة آدم وحواء وورق التين، لتؤكد أن السقوط ليس حدثًا أوليًا بل متكررًا في كل جيل.
وهكذا تتخذ الرمزية في الرواية بعدًا فلسفيًا: فالخطيئة هنا ليست فعلاً فرديًا بل شرطًا إنسانيًا، والستر ليس خلاصًا بل تأجيل للسقوط التالي.
خامسًا: التلقي والنقد (الدراسات السابقة، استقبال الرواية، نقد النقد)
تزامن صدور رواية عذارى أوراق التوت مع موجة جديدة من الكتابة النسوية المصرية التي اتجهت إلى مساءلة الواقع الاجتماعي دون انغلاق في خطاب المظلومية، وهو ما جعل استقبال الرواية متنوعًا بين الإعجاب بجُرأتها الفنية والتحفظ على نزعتها المكشوفة.
وقد حظيت الرواية بعد صدورها باهتمام نقدي واضح في الصحافة الثقافية ومراكز الإبداع، حيث ناقشها عدد من النقاد منهم عبد المنعم كامل، وجابر الزهيري، ومحمد طلعت الجندي، وطرحت كل قراءة منهم زاوية مختلفة من التلقي.
1. استقبال النقاد
أ. عبد المنعم كامل
في “تعليق قبل البدء” (المثبت داخل الرواية)، رأى عبد المنعم كامل أن سعدية خليفة غادرت تقنيات السرد الخطي إلى ما أسماه بـ الدوائر الزمنية، معتبرًا أن الرواية “تؤرخ للواقع النفسي والاجتماعي غير المرئي” [16].
غير أنّ هذا التقديم النقدي (على أهميته التحليلية) أضعف حياد التلقي لأنه سبق التجربة القرائية، ووجّه القارئ إلى فهم محدد قبل أن يكوّن رؤيته الخاصة، وهو ما يمكن اعتباره شكلًا من أشكال “الوصاية النقدية” التي تقيد حرية التلقي.
ب. جابر الزهيري
أما جابر الزهيري فقد قرأ الرواية من زاوية “فنيات الدراما ومشهدية البناء السردي”، مشيرًا إلى أن الكاتبة استفادت من خلفيتها الإخراجية في بناء لوحات سردية متتابعة تشبه المشاهد المسرحية والسينمائية.
ويرى الزهيري أن الرواية نجحت في “كشف عورات المجتمع الذي يختبئ خلف أوراق التوت”، وأنها “تقدم بانوراما إنسانية للطبقة الكادحة في مصر” [17].
لكنّ قراءته، رغم عمقها الفني، ركّزت على الإخراج المشهدي دون أن تتوقف طويلاً أمام البعد الدلالي للعُري والتابو، مما جعل التحليل يغلب عليه الطابع الجمالي أكثر من النقد الثقافي.
ج. د. محمد طلعت الجندي
أما د. محمد طلعت الجندي فقد تناول الرواية من منظور سوسيولوجي صريح في مقالته “سردية أوراق التوت”[18]، مؤكدًا أن النص يكشف “عورة المجتمع المصري” عبر شخصيات مسحوقة تعيش بين الفقر والاغتراب.
وقد أبرز الجندي مفهوم “الانهيار القيمي” وربطه بانحلال الشخصية المصرية، لكنه أغفل الجانب الفني والجمالي، مكتفيًا بوصف الرواية كـ“وثيقة اجتماعية”.
ومن ثمّ، تبقى الحاجة قائمة إلى قراءة تجمع بين العمق السردي والبصيرة السوسيوثقافية، وهي ما تحاوله هذه الدراسة.
2. استقبال القراء والمؤسسات الثقافية
على مستوى التلقي العام، لاقت الرواية اهتمامًا في الأوساط الثقافية بالإسكندرية والقاهرة، وناقشها مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية في ندوة أدبية حضرها النقاد والكتّاب.
وقد أشار بعض المتلقين إلى أن الرواية تمثل “الرعب الواقعي” لأنها تعيد القارئ إلى مواجهة ذاته ومجتمعه دون مواربة، كما وصفها أحدهم بأنها “مرآة تفضح زمنًا لا يجرؤ أحد على الاعتراف به”.
لكنّ هذا التلقي الإيجابي ترافق مع تحفظات من بعض القراء المحافظين الذين رأوا في الرواية “تجاوزًا لحدود الحياء الاجتماعي”، خصوصًا في تناولها لعلاقات الجسد والتابو الديني، وهو ما يعكس نجاح النص في تحريك الجدل حول وعي المتلقي نفسه.
3. نقد النقد: حدود القراءات السابقة
تكشف مراجعة الدراسات السابقة عن تباين واضح في المداخل النقدية:
· فـعبد المنعم كامل تعامل معها من منظور جمالي–نفسي، لكنه مارس سلطة التأويل المسبق.
· وجابر الزهيري ركّز على المشهدية الدرامية دون مساءلة دلالية للرموز.
· أما طلعت الجندي، فقرأها اجتماعيًا دون تفكيك لبنيتها الفنية أو رمزية العري.
وهذا التشتت في القراءات يؤكد الحاجة إلى قراءة تكاملية (كما تسعى هذه الدراسة) تجمع بين الفني والإنساني والثقافي، وتضع الرواية في سياقها الأوسع: نصٌّ ينتمي إلى تحولات الوعي النسوي والاجتماعي في مصر ما بعد الألفية الثالثة.
من زاوية التلقي الأكاديمي، يمكن القول إن الرواية لم تحظ بعد بدراسة علمية منهجية شاملة، رغم قابليتها لذلك، لأنها تمثل نقطة تفاعل بين الأدب والفنون البصرية، وتطرح قضايا مجتمعية ونفسية تستحق مقاربة نقدية معمقة.
سادسًا: الخاتمة النقدية
موقع الرواية في السرد النسوي المصري
يصعب النظر إلى رواية «عذارى أوراق التوت» بمعزل عن السياق الأوسع لما يُعرف بالسرد النسوي في الأدب المصري المعاصر، ذلك التيار الذي أخذ يتبلور منذ سبعينيات القرن العشرين مع كتابات رائدات مثل نوال السعداوي ولطيفة الزيات، ثم تطور لاحقًا مع أصوات سردية متعددة مثل رضوى عاشور وميرال الطحاوي، حيث أصبح حضور الذات النسوية في السرد أكثر جرأة في تناول الجسد والهوية والسلطة الاجتماعية.
غير أن رواية «عذارى أوراق التوت» لا تنتمي إلى هذا المسار على نحو مباشر أو تقليدي؛ فهي لا تطرح خطابًا نسويًا صريحًا يقوم على المواجهة الأيديولوجية مع البنية الذكورية بقدر ما تقدم كشفًا سرديًا لخبرة إنسانية مركبة تتقاطع فيها أصوات الرجال والنساء معًا داخل فضاء اجتماعي مأزوم. ومن ثم فإن حضور المرأة في الرواية لا يقتصر على كونها موضوعًا للسرد، بل يمتد ليصبح أداة لاستكشاف هشاشة المجتمع بأكمله، حيث تتجاور اعترافات الشخصيات وتتكشف من خلالها طبقات متعددة من القهر والاغتراب.
وفي هذا السياق يمكن القول إن الرواية تقترب من بعض ملامح السرد النسوي من حيث الجرأة في تناول المسكوت عنه، وخاصة ما يتصل بالجسد والرغبة والاعترافات الشخصية، لكنها في الوقت ذاته تتجاوز الإطار النسوي الضيق إلى أفق أوسع، إذ تقدم بنية سردية متعددة الأصوات تجعل التجربة الإنسانية المشتركة (لا التجربة النسوية وحدها) محورًا لبناء الحكاية.
كما أن الخلفية الفنية للكاتبة في مجالي المسرح والإخراج السينمائي تنعكس بوضوح في طريقة تشكيل المشاهد السردية وتوزيع الأصوات، وهو ما يمنح النص طابعًا حواريًا ومشهدياً قريبًا من البناء الدرامي، ويجعل الشخصيات تبدو وكأنها تقف على خشبة مسرح اجتماعي واسع تكشف فيه اعترافاتها وأسرارها تباعًا.
من ثم يمكن القول إن «عذارى أوراق التوت» تحتل موقعًا وسيطًا داخل السرد النسوي المصري؛ فهي ليست رواية نسوية بالمعنى الأيديولوجي الصارم، لكنها تنتمي إلى ذلك التيار من حيث تفكيكها لخطابات السلطة الاجتماعية وجرأتها في كشف المسكوت عنه، مع احتفاظها في الوقت نفسه بأفق إنساني أوسع يتجاوز التصنيف الجندري الضيق.
الخاتمة
تكشف القراءة النقدية لرواية «عذارى أوراق التوت» عن نص سردي يشتغل على تقاطع مستويات متعددة من التجربة الإنسانية؛ إذ تتداخل فيه الاعترافات الشخصية مع التحولات الاجتماعية، ويتقاطع فيه البعد النفسي مع السياق التاريخي والثقافي الذي تتحرك داخله الشخصيات. وقد أتاحت البنية السردية القائمة على تعدد الأصوات والاعترافات المتعاقبة للكاتبة أن تقدم لوحة مركبة للمجتمع المصري في العقود الأخيرة، حيث تتجاور الهزائم الشخصية مع الانكسارات العامة، وتتشابك مصائر الأفراد مع تحولات الواقع الاجتماعي والاقتصادي بشكل عضوي.
ومن خلال هذا البناء، تكشف الرواية عن ميل واضح إلى تفكيك المسكوت عنه اجتماعياً، سواء تعلق الأمر بالعلاقات العائلية المضطربة، أو بالتجارب العاطفية والجسدية التي غالبًا ما تظل محاطة بالصمت داخل الخطاب الاجتماعي المحافظ. غير أن هذا الكشف لا يتخذ طابع الصدمة أو الاستعراض، بل يأتي في إطار سردي يقوم على الاعتراف والتأمل الذاتي، بحيث تتحول الحكايات الفردية إلى مدخل لفهم أعمق للهشاشة الإنسانية التي يعيشها الأفراد داخل مجتمع متغير.
ومع ذلك، لا تخلو الرواية من بعض المآخذ التي يمكن التوقف عندها نقديًا، ومن أبرزها حضور العتبات النصية المتمثلة في مقدمة الكاتبة وخاتمتها، إضافة إلى التعليق التمهيدي الذي وضعه الناقد عبد المنعم كامل، إذ يمكن النظر إلى هذه العتبات بوصفها نوعًا من التوجيه المسبق لتلقي النص، وهو ما قد يحدّ جزئيًا من حرية القارئ في اكتشاف دلالات الرواية وتأويلها بصورة مستقلة ويحول النص، ولو مؤقتًا، إلى عمل مفسر سلفًا.
وعلى الرغم من هذه المآخذ الجزئية، تظل "عذارى أوراق التوت" تجربة سردية لافتة داخل المشهد الروائي المصري المعاصر، لأنها تنجح في تقديم عالم إنساني متشابك تتقاطع فيه مصائر الشخصيات مع تحولات المجتمع، كما تطرح عبر بنيتها الاعترافية وأسئلتها الضمنية تأملًا عميقًا في معنى الذاكرة والسرّ والاعتراف.
ومن ثم، يمكن النظر إلى هذه الرواية بوصفها نصًا سرديًا يسعى إلى كشف ما تخفيه الحياة اليومية من توترات وأسرار، حيث يتحول فعل السرد نفسه إلى محاولة جادة لفهم الذات الإنسانية وهي تواجه هشاشتها في عالم متغير، مؤكدة أن "العري الرمزي" الذي تكشف عنه ليس مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، بل هو حالة وجودية واجتماعية تستحق التأمل والمساءلة.
المصادر والمراجع
المؤلفات العربية
(1) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت (رواية). الإسكندرية: مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر.
مقالات فى الدوريات
(1) محمد طلعت الجندى. (16 أبريل, 2022). سردية أوراق التوت. فيتو. https://2u.pw/fkwqRS
مواقع الانترنت
(1) جابر الزهيري . (3 أغسطس, 2023). فنيات الدراما ومشهدية البناء السردي قراءة نقدية في رواية (عذارى أوراق التوت). حساب جابر الزهيرى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/16YztdvrC9/
(2) سعدية خليفة. (2 يناير, 2021). أستاذنا عبدالمنعم كامل. حساب سعدية خليفة على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1H9sWS7KSp/
(3) عبد المنعم كامل. (2 يناير, 2021). أقرأ رواية عذارى أوراق التوت. حساب عبد المنعم كامل على الفبيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/17SNEbCT2T/
الهوامش
(1) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت (رواية). الأسكندرية: مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر.
(2) تم تقديم هذه الدراسة فى ندوة ورشة الرواية ببيت ثقافة 26 يوليو لمناقشة الرواية بتاريخ 29 اكتوبر 2025
(3) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 5
(4) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 12
(5) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 7
(6) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 159
(7) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 68
(😎 سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 155
(9) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 45
(10) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 83
(11) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 109
(12) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 69
(13) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 83
(14) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 37
(15) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 106
(16) سعدية خليفة. (2020). عذارى أوراق التوت ص 7-10
(17) جابر الزهيري . (3 أغسطس, 2023). فنيات الدراما ومشهدية البناء السردي قراءة نقدية في رواية (عذارى أوراق التوت). حساب جابر الوهيرى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/16YztdvrC9/
(18) محمد طلعت الجندى. (16 أبريل, 2022). سردية أوراق التوت. فيتو. https://2u.pw/fkwqRS



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تماثل الأسطورة والوعي: قراءة في تشكلات الفقد والبعث في قصة إ ...
- سباع مجوفة: بين الرمز المعماري والخلاص الروحي والخوف الاجتما ...
- «الإسكندرية كجسر للعبور وإعادة التشكّل: قراءة نقدية في رواية ...
- -ما لا يموت-: أنطولوجيا البقاء تحت النار .. غسان كنفاني وعائ ...
- من العربة الأخيرة إلى مرآة الذات: بنية الاعتراف وتشظي الهوية ...
- -فرحة- الوفاء المفقود: قراءة نقدية متعددة المداخل في قصة زين ...
- بين المرآة والبحر: قراءة في عزلة الأنثى عند أريج محمد (مقارب ...
- بين حدّ الموسى وحدّ الضمير: قراءة نفسية–سردية في قصة -رغوة و ...
- حكاية واحد صاحبي – قراءة نقدية في سردية الكرامة وبنية القصيد ...
- الضوء الذي حزن وحده: قراءة وجدانية في نص فاتن صبحي
- السرد على حافة اليقين: قراءة تحليلية–تأويلية في مجموعة “البا ...
- الذاكرة وأدب المقاومة في القصة القصيرة جدًا: مقاربة في نصوص ...
- من الفضيلة إلى تمثيلها: قراءة تحليلية–تأويلية في البنية السر ...
- أوراق الزيتون: بنية الذنب والخلاص في قصة قصيرة معاصرة (قراءة ...
- من الغربة إلى الغفران: البنية الروحية والرمزية في عالم عمرو ...
- -الذين لا يجيئون-: مقاربة سردية في بنية الغياب وبلاغة الانتظ ...
- رمزية المقاومة والوجع: مقارنة تحليلية بين ترانيم الأوجاع، نش ...
- السيرة حين تصبح دراما .. قراءة نقدية في سيناريو فيلم A Beaut ...
- قناع الجمال ووهم التواصل: قراءة تحليلية في قصة ذات القبعة ال ...
- غزل الأحلام بين النقد والسرد: قراءة تحليلية-تأويلية متعددة ا ...


المزيد.....




- تضارب في الروايات بشأن أسبابه.. انفجار غامض قرب مطار كسلا يخ ...
- مهرجان كان السينمائي مرآة للآراء السياسية
- ذاكرة الشاشة المصرية: كيف شكلت البرامج الثقافية وعي الأجيال؟ ...
- باربرا سترايساند تعتذر عن عدم حضور تكريمها بمهرجان كان السين ...
- -كانال+- توقف التعاون مع 600 عامل سينما بعد توقيعهم عريضة ضد ...
- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...
- من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر ...
- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - سرديات التابو والعُريّ الرمزي في رواية عذارى أوراق التوت لسعدية خليفة قراءة سردية–سوسيوثقافية–نفسية