عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 08:48
المحور:
الادب والفن
﷽
المقدمة
تنتمي تجربة الكاتبة فاتن صبحي إلى ذلك النمط من الكتابة السردية تتقاطع فيها القصة القصيرة مع الحسّ الشعري، حيث تصبح اللغة فضاءً لاستبطان التجربة النفسية أكثر من كونها مجرد أداة لنقل الحدث.
فالنصوص التي تكتبها الكاتبة (كما يتضح في أعمالها الأخرى مثل “ظلال[1]” و”الصورة ذاتها[2]” و”حين أطفأ الضوء نفسه[3]” تقوم في جوهرها على كشف الذات الأنثوية في لحظة مواجهة مع العالم، حيث يتحول السرد إلى فعل تأملي يعيد تشكيل العلاقة بين الذاكرة والهوية.
وفي هذا السياق تأتي قصة “ذَات[4]” بوصفها تجربة سردية تستكشف بنية الاعتراف الداخلي، عبر فضاء رمزي يتمثل في القطار والعربة الأخيرة وكرسي البوح، وهي عناصر تتحول من مجرد تفاصيل مكانية إلى علامات دلالية تشير إلى رحلة داخلية نحو مواجهة الذات.
لا تقدم القصة حبكة سردية تقليدية قائمة على تطور الحدث الخارجي، بل تقوم على حركة نفسية داخلية تتكشف عبر سلسلة من الاعترافات التي تبدو في ظاهرها أصواتًا متعددة، لكنها في العمق تعكس تشظي الذات الواحدة.
ومن خلال هذه التقنية، تتحول القصة إلى مساحة تأملية تكشف عن التوتر بين الماضي والحاضر، وبين صورة الذات كما تراها في عيون الآخرين وصورتها الحقيقية في وعيها الداخلي.
يمكن قراءة هذا النص ضمن سياق الكتابة السردية التي تنشغل باستبطان التجربة الأنثوية، حيث يتحول السرد إلى مساحة للكشف عن الهوية الفردية أكثر من كونه بناءً لحبكة خارجية.
انطلاقًا من هذا التصور، تقوم هذه الدراسة[5] على فرضية مفادها أن قصة “ذَات” ليست مجرد نص اعترافي عن تجربة شخصية، بل هي بنية رمزية تكشف مسار تشكل الهوية الأنثوية في مواجهة الفقد العاطفي والاغتراب الوجداني.
ومن ثمّ تسعى الدراسة إلى تحليل النص عبر مجموعة من المداخل النقدية المتكاملة، تشمل:
· المدخل السردي لتحليل بنية الحكي وتقنيات الصوت والفضاء.
· المدخل النفسي والاجتماعي لفهم تشكل الذات داخل تجربة الحرمان والبحث عن الاعتراف.
· المدخل الرمزي للكشف عن شبكة الدلالات التي يبنيها النص عبر عناصره المكانية واللغوية.
· مدخل التابوهات الذي يضيء ما يختبئ خلف اللغة من أسئلة تتصل بالسلطة الاجتماعية والجندرية.
بهذا الإطار المنهجي، يمكن قراءة “ذَات” بوصفها رحلة سردية داخلية نحو اكتشاف الذات، حيث يتحول القطار إلى استعارة للزمن النفسي، وتتحول العربة الأخيرة إلى فضاء اعتراف يواجه فيه الإنسان صوته الحقيقي.
المداخل النقدية
أولا:المدخل السردي: بنية الاعتراف وتقنيات الحكي
البنية السردية العامة
تقوم قصة “ذَات” على بنية سردية غير تقليدية، إذ لا تعتمد على الحدث الخارجي بقدر اعتمادها على تتابع الاعترافات النفسية التي تتكشف تدريجيًا داخل فضاء مغلق هو عربة القطار.
يبدأ النص بجملة افتتاحية ذات طابع تأملي: “لم أعرف إن كان الليل قد طال، أم أن الفجر تراجع...”
هذه البداية لا تحدد زمنًا واقعيًا بقدر ما تخلق مناخًا وجوديًا معلقًا بين الليل والفجر، وهو ما يعكس حالة التردد الوجودى التي تعيشها الشخصية.
ومنذ اللحظة الأولى يتضح أن القصة تتحرك داخل فضاء رمزي مغلق:
العربة الأخيرة في القطار، حيث يجلس السارد منتظرًا من يأتي ليجلس على كرسي البوح.
هذا الكرسي يشكل المركز الدلالي للنص، إذ يتحول إلى مكان اعتراف نفسي يشبه كرسي العلاج النفسي، حيث تتكشف الحكايات المكبوتة.
الصوت السردي وتشظي الذات
يعتمد النص على ضمير المتكلم، لكن السرد لا يظل ثابتًا عند شخصية واحدة، بل ينقسم إلى أصوات متعددة تبدو في البداية كأنها شخصيات مختلفة.
غير أن المفاجأة السردية في نهاية النص تكشف أن هذه الاعترافات ليست إلا أصواتًا متعددة للذات نفسها.
تقول الراوية: “أدركت أنني كنت طوال الرحلة أسمع اعترافات نفسي فقط...”
بهذا التحول، يتبين أن النص يقوم على تقنية تشظي الصوت السردي، حيث تنقسم الذات إلى شخصيات متعددة تمثل مراحل مختلفة من التجربة الإنسانية.
وهذه التقنية تمنح القصة بعدًا نفسيًا عميقًا، إذ يتحول السرد إلى حوار داخلي بين أجزاء الذات.
الزمن السردي
الزمن في القصة ليس زمنًا خطيًا، بل هو زمن نفسي دائري.
فالأحداث لا تتقدم نحو المستقبل، بل تعود باستمرار إلى الماضي عبر الذاكرة.
ولهذا تقول الراوية: “تحرك القطار أسرع، لكن السفر لم يكن إلى الأمام بل إلى الداخل.”
تمثل هذه الجملة مفتاحًا تأويليًا مهمًا لفهم بنية النصتجريب، لأنها تكشف أن الرحلة الحقيقية ليست رحلة مكانية، بل رحلة استبطان داخلي.
الفضاء السردي
يشكل القطار الفضاء المركزي في النص، وهو فضاء رمزي يرتبط في الأدب غالبًا بفكرة الرحلة أو التحول.
لكن القصة تضيف إليه بعدًا نفسيًا، إذ يصبح القطار رمزًا للزمن الداخلي الذي يحمل الإنسان عبر ذاكرته.
أما العربة الأخيرة فترمز إلى العزلة والهامش، حيث تجلس الشخصية بعيدًا عن الآخرين، في مكان يشبه المنفى النفسي.
ثانيا: المدخل النفسي والاجتماعي: تشكل الهوية الأنثوية
يمكن فهم بنية الاعتراف في هذا النص في ضوء ما يسميه الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بـ"الهوية السردية"[6]، حيث تتشكل هوية الفرد عبر الحكايات التي يرويها عن نفسه.
فالشخصية في قصة «ذَات» لا تقدم تعريفًا مباشرًا لذاتها، بل تكشف عن هويتها تدريجيًا عبر سلسلة من الاعترافات التي تستعيد مراحل مختلفة من تجربتها.
وبهذا المعنى يصبح السرد هنا أداة لإعادة بناء الذات، حيث تتحول الحكاية إلى وسيلة لفهم التجربة الشخصية وإعادة تأويلها في ضوء الوعي الحاضر.
تكشف الاعترافات الثلاثة في القصة عن مسار نفسي يعكس مراحل مختلفة من تجربة المرأة مع المجتمع.
فكل اعتراف يمثل مرحلة من مراحل تكوين الذات.
المرحلة الأولى: الطفولة والحرمان العاطفي
في الاعتراف الأول تصف الراوية علاقتها بأسرتها بعبارات تكشف شعورًا عميقًا بالنبذ:
“كان أبي يتعامل معي كرقم في قائمة ممتلكاته.”
هذه العبارة تختزل تجربة الطفولة في شعور بالتحول إلى شيء لا شخص.
وهذا النوع من الحرمان العاطفي المبكر يترك أثرًا عميقًا في تكوين الشخصية.
المرحلة الثانية: تجربة الحب المرفوض
في الاعتراف الثاني تظهر تجربة الحب بوصفها محاولة للخروج من دائرة الحرمان، لكنها تنتهي إلى قمع جديد.
فالعائلة تعاقب الفتاة لأنها أحبّت.
وهنا يتحول الحب من مساحة حرية إلى سبب للعقاب الاجتماعي.
المرحلة الثالثة: الزواج والاغتراب العاطفي
في الاعتراف الثالث تتجسد تجربة الزواج بوصفها امتدادًا لفقدان الاعتراف.
إذ تقول الراوية: “كنت زوجة على الهامش...”
وهذه العبارة تعكس حالة من الاغتراب داخل العلاقة الزوجية، حيث تعيش المرأة دورها الاجتماعي دون أن تحصل على الاعتراف العاطفي الذي تحتاجه.
ثالثا: المدخل الرمزي: القطار والكرسي والرحلة الداخلية
تعتمد القصة على شبكة رمزية متماسكة.
· القطار يرمز إلى الزمن والحياة.
· العربة الأخيرة ترمز إلى العزلة والهامش الاجتماعي.
· كرسي البوح يمثل مساحة الاعتراف النفسي.
· الرصيف في النهاية يتحول الرصيف إلى رمز للوقوف بين الماضي والمستقبل.
رابعا: مدخل السلطة الاجتماعية والرقابة الجندرية
لا يطرح النص التابوهات بشكل مباشر، لكنه يلمّح إليها عبر التجربة الأنثوية.
التابو الاجتماعي
يتجلى في رفض الأسرة لعلاقة الحب.
التابو الجسدي
يظهر في تحويل الجسد الأنثوي إلى موضوع للرقابة والعقاب.
التابو السياسي
يتجلى في البنية السلطوية للأسرة التي تتحكم في مصير الفرد.
وهكذا تتحول التجربة الشخصية إلى صورة مصغرة لبنية السلطة في المجتمع.
بعد تحليل البنية السردية والدلالية للنص، يمكن الانتقال إلى تقييمه من حيث استيفاء مقومات القصة القصيرة وملامح التجريب فيه.
التقييم الفني وملامح التجريب في قصة “ذَات”
أولًا: مدى استيفاء النص لمقومات القصة القصيرة
تطرح قصة “ذَات” سؤالًا نقديًا مهمًا يتعلق بطبيعة انتمائها إلى جنس القصة القصيرة.
فعلى الرغم من أن النص يلتزم بوحدة مكانية واضحة تتمثل في فضاء القطار والعربة الأخيرة، فإنه لا يعتمد على الحدث القصصي التقليدي بقدر اعتماده على البنية الاعترافية التأملية.
فالقصة لا تقوم على تطور حبكة خارجية أو صراع درامي واضح، بل تتحرك عبر سلسلة من الاعترافات النفسية التي تكشف تدريجيًا عن تشظي الذات الساردة.
ومن ثمّ يمكن القول إن النص يحقق بعض عناصر القصة القصيرة مثل:
· وحدة المشهد
· التكثيف الشعوري
· النهاية الكاشفة
لكنه في المقابل يقلل من حضور عناصر أخرى مثل:
· الحدث الدرامي
· تطور الشخصية عبر الفعل
ولهذا يميل النص إلى ما يمكن تسميته القصة التأملية أو القصة النفسية.
ثانيًا: العلاقة بين السرد والشعرية في النص
تتميز قصة “ذَات” بلغة عالية الكثافة تعتمد على الصورة المجازية والإيقاع الداخلي، وهو ما يمنح النص طابعًا شعريًا واضحًا.
فالكاتبة تستخدم صورًا رمزية مثل:
· ممر العربات كجرح طويل
· السفر إلى الداخل
· غرفة مطفأة منذ زمن طويل
هذه الصور لا تعمل فقط على تجميل اللغة، بل تؤدي وظيفة دلالية تكشف الحالة النفسية للشخصية.
غير أن هذا الحضور القوي للشعرية يجعل النص يقترب أحيانًا من القصيدة النثرية السردية، حيث تتقدم الصورة الشعورية على الحدث القصصي.
ثالثًا: هل تحرر النص من القالب الشعري؟
يمكن القول إن النص يقف في منطقة وسطى بين السرد والشعر.
فهو يستخدم إطارًا حكائيًا واضحًا يتمثل في رحلة القطار وكرسي البوح، لكنه في الوقت نفسه يعتمد على لغة تأملية ذات طابع شعري.
ومن ثمّ فإن النص لا يتحرر تمامًا من القالب الشعري، بل يوظفه داخل بنية سردية رمزية.
وهذا الاتجاه يندرج ضمن ما يعرف في السرد الحديث بـ القصة الشعرية أو السرد الغنائي.
رابعًا: نقاط القوة الفنية في النص
تتمثل أبرز نقاط القوة في القصة في عدة عناصر:
القدرة على بناء فضاء رمزي متماسك
حيث يتحول القطار والعربة الأخيرة وكرسي البوح إلى شبكة دلالية تعكس الرحلة النفسية للشخصية.
اللغة المكثفة ذات البعد الشعري
التي تمنح النص عمقًا تأمليًا وتخلق مناخًا وجدانيًا خاصًا.
تقنية تشظي الصوت السردي
إذ تكشف النهاية أن الأصوات المتعددة ليست سوى انعكاسات لذات واحدة.
النهاية الكاشفة
التي تعيد قراءة النص كله بوصفه حوارًا داخليًا مع الذات.
خامسًا: نقاط الضعف الفنية
على الرغم من هذه العناصر الإيجابية، يواجه النص بعض التحديات الفنية.
أبرزها:
ضعف الحدث القصصي
حيث يظل السرد قائمًا على الاعترافات دون تطور درامي واضح.
التكرار الشعوري
إذ تتشابه الاعترافات الثلاثة في بنيتها العاطفية، مما قد يخلق إحساسًا بالتشبع لدى القارئ.
هيمنة اللغة الشعرية
التي تؤدي أحيانًا إلى إبطاء الحركة السردية.
مثل المقاطع التي تتكثف فيها الصور الشعورية على حساب الحركة السردية، كما في وصف الذات بأنها "غرفة مطفأة منذ زمن طويل".
سادسًا: ملامح التجريب في النص
يشير النص إلى محاولة لتجريب شكل سردي يجمع بين الشعر والسرد.
يعتمدويتجلى هذا التجريب في عدة مستويات:
· الاعتماد على الفضاء الرمزي بدل الحدث الواقعي
· تشظي الصوت السردي
· تحويل الاعتراف إلى بنية سردية
· المزج بين اللغة الشعرية والبنية القصصية
وهذه العناصر تشير إلى اتجاه الكاتبة نحو تطوير شكل سردي تأملي يركز على التجربة النفسية أكثر من الحدث الخارجي.
ومع ذلك، يمكن اعتبار هذه النقائص جزءًا من اختيار جمالي واعٍ يخدم الغرض التأملي للنص.
السمات الأسلوبية في مشروع فاتن صبحي السردي
(قراءة مقارنة في “ظلال[7]” و”الصورة ذاتها[8]” و”ذَات”)
عند النظر إلى قصة “ذَات” في سياق تجربة الكاتبة فاتن صبحي السردية، يتضح أن النص لا يمثل تجربة منفصلة، بل يأتي ضمن نسق أسلوبي وفكري يتكرر في عدد من نصوصها الأخرى، مثل “ظلال” و”الصورة ذاتها”.
ومن خلال قراءة مقارنة لهذه النصوص يمكن ملاحظة مجموعة من السمات الأسلوبية المشتركة التي تشكل ملامح مشروعها السردي.
أولًا: مركزية الذات الأنثوية بوصفها محور السرد
تتمحور نصوص فاتن صبحي حول الذات الأنثوية بوصفها مركز التجربة السردية.
فالشخصية في هذه النصوص ليست مجرد عنصر داخل الحكاية، بل هي الفضاء الذي يتشكل فيه السرد كله.
في “ظلال” تتجسد الذات في علاقتها بذاكرة المكان، حيث تتحرك الشخصية داخل فضاء مفعم بالذكريات التي تعكس توتر العلاقة بين الماضي والحاضر.
أما في “الصورة ذاتها” فتظهر الذات عبر مواجهة مع انعكاسها في الصورة، بما يحمله ذلك من تساؤلات حول الهوية والتمثيل.
وفي “ذَات” يبلغ هذا التمركز أقصى درجاته، إذ يتحول السرد إلى حوار داخلي تتشظى فيه الذات إلى أصوات متعددة تعكس مراحل مختلفة من التجربة الإنسانية.
ومن هنا يمكن القول إن الكاتبة تميل إلى بناء نصوصها حول الاستبطان النفسي، حيث يصبح السرد وسيلة للكشف عن أعماق الذات.
ثانيًا: تداخل السردي والشعري في البناء اللغوي
من السمات اللافتة في كتابة فاتن صبحي حضور لغة ذات طابع شعري واضح.
فالنصوص تعتمد على الصورة المجازية والإيقاع الداخلي، مما يمنحها كثافة دلالية تتجاوز السرد التقليدي.
في “ظلال” تظهر هذه الشعرية في وصف المكان والذكريات المرتبطة به، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى صور رمزية.
أما في “الصورة ذاتها” فتتجسد الشعرية في العلاقة بين الصورة والهوية، حيث يصبح التأمل في الصورة مدخلًا للتأمل في الذات.
وفي “ذَات” تتكثف هذه النزعة الشعرية عبر صور مثل:
· ممر العربات كجرح طويل لا ينتهي
· السفر إلى الداخل
· غرفة مطفأة منذ زمن طويل
هذه الصور تكشف عن ميل واضح إلى السرد الغنائي الذي يقترب من أفق القصيدة النثرية.
ثالثًا: الفضاء الرمزي بوصفه بنية دلالية
تتسم نصوص الكاتبة باستخدام فضاءات مكانية ذات طابع رمزي، حيث لا يكون المكان مجرد إطار للأحداث، بل يتحول إلى عنصر دلالي يعكس الحالة النفسية للشخصيات.
في “ظلال” يشكل المكان فضاءً للذاكرة، حيث تتداخل الظلال مع حضور الماضي.
وفي “الصورة ذاتها” يتحول الإطار البصري للصورة إلى مساحة للتأمل في الذات.
أما في “ذَات” فيتمثل الفضاء الرمزي في القطار والعربة الأخيرة وكرسي البوح، وهي عناصر تشكل شبكة دلالية تعكس رحلة داخلية نحو الاعتراف.
وهكذا يصبح المكان في هذه النصوص مرآة للحالة النفسية.
رابعًا: بنية الاعتراف والبحث عن الاعتراف
تتكرر في نصوص فاتن صبحي بنية سردية تقوم على الاعتراف، حيث تتحول القصة إلى مساحة سردية للكشف عن التجارب المكبوتة.
في “ظلال” يظهر الاعتراف عبر استدعاء الذاكرة ومحاولة فهم الماضي.
وفي “الصورة ذاتها” يتجسد في مواجهة الذات مع انعكاسها في الصورة.
أما في “ذَات” فيأخذ الاعتراف شكلًا أكثر تعقيدًا، إذ تنقسم الذات إلى أصوات متعددة تعترف كل منها بجزء من التجربة.
هذه البنية تجعل السرد قريبًا من المونولوج الداخلي الذي يركز على حركة الوعي.
خامسًا: النزعة التأملية في بناء النص
من السمات المشتركة أيضًا حضور واضح للنزعة التأملية، حيث تميل النصوص إلى إبطاء حركة السرد لصالح التأمل في التجربة الإنسانية.
فبدل الاعتماد على الحبكة الدرامية التقليدية، تركز الكاتبة على اللحظة النفسية المكثفة التي تتكشف فيها معاني التجربة.
وهذا الاتجاه يضع نصوصها ضمن ما يمكن تسميته القصة التأملية التي تميل إلى استكشاف الوعي الداخلي أكثر من اهتمامها بالحدث الخارجي.
ملامح المشروع السردي للكاتبة
في ضوء هذه السمات يمكن القول إن تجربة فاتن صبحي السردية تقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، أبرزها:
· التركيز على الذات الأنثوية بوصفها محور التجربة.
· المزج بين اللغة الشعرية والبنية السردية.
· استخدام الفضاء الرمزي للتعبير عن الحالة النفسية.
· الاعتماد على بنية الاعتراف والمونولوج الداخلي.
· الميل إلى السرد التأملي بدل الحبكة الدرامية التقليدية.
هذه العناصر تشير إلى أن الكاتبة تتحرك في أفق سردي يسعى إلى استكشاف التجربة الداخلية للإنسان، حيث تصبح القصة وسيلة للتأمل في الهوية والذاكرة والعلاقة مع العالم.
ومن هنا يمكن النظر إلى قصة “ذَات” بوصفها حلقة متقدمة في هذا المشروع، إذ تجمع بين معظم السمات الأسلوبية التي ظهرت في نصوصها الأخرى، وتدفع بها نحو مزيد من التكثيف النفسي والرمزي.
الربط بالواقع الإنساني
تعكس قصة “ذَات” تجربة إنسانية واسعة تتجاوز حدود الشخصية الفردية.
فالمرأة في النص ليست شخصية محددة بقدر ما هي صوت رمزي لنساء كثيرات يعشن تجارب مشابهة من الحرمان والبحث عن الاعتراف.
ومن هنا يتحول النص إلى خطاب إنساني عن الحاجة إلى الحب والاعتراف بوصفهما شرطين أساسيين لوجود الإنسان.
وتعكس هذه التجربة أيضًا طبيعة العلاقات العاطفية داخل البنية الأسرية التقليدية، حيث قد يتحول غياب الاعتراف العاطفي إلى عامل مؤثر في تشكيل هوية الفرد وصورته عن ذاته.
نتائج القراءة
تكشف القراءة التحليلية لقصة «ذَات» عن مجموعة من النتائج النقدية يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
· تقوم البنية السردية للنص على تقنية الاعتراف الداخلي، حيث تتكشف التجربة النفسية للشخصية عبر سلسلة من الأصوات التي تبدو متعددة قبل أن تنكشف في النهاية بوصفها تشظيات لذات واحدة.
· يتضح من التحليل أن النص يعتمد على فضاء رمزي محدود يتمثل في القطار والعربة الأخيرة وكرسي البوح، وهي عناصر مكانية تتحول إلى أدوات دلالية تعكس الرحلة النفسية نحو مواجهة الذات.
· تكشف اللغة السردية في النص عن حضور واضح للشعرية، ويتجلى ذلك في اعتماد الكاتبة على الصورة المجازية والتكثيف الإيقاعي في عدد من المقاطع، مثل وصف العربة بأنها «جرح طويل لا ينتهي»، وهي صورة تمنح الفضاء السردي بعدًا رمزيًا يتجاوز وظيفته الواقعية.
· يندرج النص ضمن السرد التأملي أو النفسي الذي يركز على استبطان التجربة الفردية أكثر من اعتماده على بناء حدث قصصي تقليدي.
· تشير هذه العناصر مجتمعة إلى أن القصة تمثل مرحلة من تطور تجربة فاتن صبحي السردية، حيث تحاول الكاتبة توظيف الحس الشعري داخل إطار قصصي يقوم على الرمز والمونولوج الداخلي.
وإذا نظرنا إلى قصة «ذَات» في سياق تجربة فاتن صبحي السردية عمومًا، يمكن ملاحظة اتجاه أسلوبي يتكرر في أكثر من نص للكاتبة، يقوم على تحويل القصة القصيرة إلى فضاء اعترافي داخلي تنشغل فيه اللغة بكشف تشظي الذات أكثر من انشغالها ببناء حدث قصصي تقليدي. ففي نصوص مثل «ظلال» و«الصورة ذاتها» و«ذَات» يتقدم المونولوج الداخلي والفضاء الرمزي على الحبكة الدرامية، مما يشير إلى ميل واضح نحو السرد التأملي الذي يستثمر الخلفية الشعرية للكاتبة في بناء نصوص تقوم على التكثيف الشعوري والرمز أكثر من اعتمادها على الفعل السردي المباشر.
الخاتمة النقدية
تكشف القراءة التحليلية لقصة “ذَات” عن نص سردي ينشغل أساسًا باستكشاف التجربة الداخلية للذات أكثر من انشغاله ببناء حدث قصصي تقليدي.
فالقصة تقوم على سلسلة من الاعترافات النفسية التي تتكشف داخل فضاء رمزي محدود، حيث يتحول القطار والعربة الأخيرة وكرسي البوح إلى إطار مكاني يحتضن حركة الوعي الداخلي للشخصية.
تعتمد الكاتبة في هذا النص على تقنية تشظي الصوت السردي؛ إذ تظهر الاعترافات في البداية بوصفها أصواتًا متعددة لنساء مختلفات، قبل أن تكشف النهاية أن هذه الأصوات ليست سوى انعكاسات لذات واحدة تستعيد مراحل متباينة من تجربتها الشخصية.
وبهذه التقنية يتحول السرد إلى نوع من الحوار الداخلي الذي تتقاطع فيه الذاكرة مع الوعي الحاضر.
وتبدو اللغة في القصة ذات طابع شعري واضح، حيث تعتمد الكاتبة على الصورة المجازية والإيقاع الداخلي أكثر من اعتمادها على الفعل السردي المباشر. هذا الحضور القوي للشعرية يرتبط على الأرجح بخلفية الكاتبة الشعرية، ويظهر في ميل النص إلى تكثيف الحالة الشعورية عبر صور رمزية مثل القطار والرحلة إلى الداخل وغرفة العتمة. غير أن هذه الشعرية، على الرغم من قيمتها التعبيرية، تؤدي أحيانًا إلى تقليل حضور الحدث القصصي، بحيث يظل السرد أقرب إلى التأمل النفسي منه إلى الحركة الدرامية.
وعند النظر إلى هذا النص في ضوء نصوص أخرى للكاتبة مثل “ظلال” و”الصورة ذاتها”، يمكن ملاحظة اتجاه أسلوبي متكرر يقوم على استبطان التجربة الفردية عبر فضاءات رمزية محدودة، وعلى استخدام المونولوج الداخلي بوصفه أداة رئيسية للكشف عن تشظي الذات. ويبدو أن هذا الاتجاه يمثل أحد ملامح انتقال الكاتبة من الكتابة الشعرية إلى المجال السردي، حيث تحتفظ اللغة بكثافتها الشعرية بينما تحاول في الوقت نفسه بناء إطار حكائي يحتضن التجربة.
ومن هذا المنظور تبدو قصة “ذَات” خطوة ضمن مسار تطور تجربة فاتن صبحي السردية. فهي تكشف عن محاولة واضحة لاستثمار الحس الشعري في بناء نص قصصي يعتمد على الرمز والاستبطان النفسي، مع قدر من التجريب في بنية الصوت السردي.
وفي المقابل يظل التحدي الأساسي في هذا المسار مرتبطًا بإيجاد توازن أدق بين البعد الشعري والبعد القصصي، بحيث لا تطغى اللغة التأملية على الحركة السردية.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن قيمة النص تكمن أساسًا في كونه تجربة سردية تعكس مرحلة من مراحل تطور الكاتبة، حيث تتداخل أدوات الشعر مع تقنيات السرد في محاولة لبناء لغة قادرة على التعبير عن التجربة الداخلية للذات.
ومن المرجح أن يتحدد اتجاه هذا المشروع السردي في المستقبل بمدى قدرة الكاتبة على تطوير هذا التداخل بين الشعر والسرد نحو شكل أكثر توازنًا بين الكثافة الشعرية والبناء القصصي.
المراجع
(1) بول ريكور. (2006). بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي. (ترجمة: سعيد الغانمى، و فلاح رحيم،) بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.
(2) عصام الدين أحمد صالح. (5 يوليو, 2025). الضوء الذي حزن وحده: قراءة وجدانية في نص فاتن صبحي. جروب "هوامش على كتابات أدبية": https://www.facebook.com/share/p/1B8XDigmyf/
(3) عصام الدين أحمد صالح. (7 أكتوبر, 2025). «الصورة ذاتها»: قراءة نقدية في تشظّي الهوية الأنثوية وبنية الحلم للكاتبة فاتن صبحى. جروب "هوامش على كتابات أدبية" على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1XezZQXd3t/
(4) عصام الدين أحمد صالح. (3 نوفمبر, 2025). ظلال الهوية المؤنثة: قراءة نفسية–سردية في نص فاتن صبحي. جروب "هوامش على كتابات أدبية" على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1GL2RRHNBR/
(5) فاتن صبحى. (30 سبتمبر, 2025). الصورة ذاتها. حساب فاتن صبحى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/176QNgBZ32/
(6) فاتن صبحى. (25 أكتوبر, 2025). ذَات. حساب فاتن صبحى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1DksyqMb9K/
(7) فاتن صبحى. (23 أكتوبر, 2025). ظلال (قصة قصيرة). حساب فاتن صبحى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/1A7VgYFyHm/
الهوامش
(1) عصام الدين أحمد صالح. (3 نوفمبر, 2025). ظلال الهوية المؤنثة: قراءة نفسية–سردية في نص فاتن صبحي. جروب "هوامش على كتابات أدبية" على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1GL2RRHNBR/
(2) عصام الدين أحمد صالح. (7 أكتوبر, 2025). «الصورة ذاتها»: قراءة نقدية في تشظّي الهوية الأنثوية وبنية الحلم للكاتبة فاتن صبحى. جروب "هوامش على كتابات أدبية" على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1XezZQXd3t/
(3) عصام الدين أحمد صالح. (5 يوليو, 2025). الضوء الذي حزن وحده: قراءة وجدانية في نص فاتن صبحي. جروب "هوامش على كتابات أدبية": https://www.facebook.com/share/p/1B8XDigmyf/
(4) فاتن صبحى. (25 أكتوبر, 2025). ذَات. حساب فاتن صبحى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1DksyqMb9K/
(5) اعدت هذه الدراسة لتقديمها فى ندوة اقلام ذهبية اونلاين لمناقشة قصة (ذات) بتاريخ 14 مارس 2026
(6) الهوية السردية عند بول ريكور هي مفهوم فلسفي يرى أن الذات تبني إحساسها بالاستمرار والثبات (الهوية) من خلال سرد قصة حياتها، حيث يتم تنظيم الأحداث المبعثرة في حبكة متماسكة. تجمع بين ثبات الشخصية (الماضي) وتغيرها (المستقبل)، مما يجعلها هوية ديناميكية، مفتوحة، وتاريخية، تتجاوز الهوية الثابتة والجامدة.
انظر
بول ريكور. (2006). بول ريكور، الزمان والسرد: الحبكة والسرد التاريخي. (ترجمة: سعيد الغانمى، و فلاح رحيم،) بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.ص٦٠
(7) فاتن صبحى. (23 أكتوبر, 2025). ظلال (قصة قصيرة). حساب فاتن صبحى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/1A7VgYFyHm/
(😎 فاتن صبحى. (30 سبتمبر, 2025). الصورة ذاتها. حساب فاتن صبحى على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/176QNgBZ32/
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟