|
|
كساء الجمر: شعرية الصحراء بين صبابات الرمل ومتون دار بسيس للقاص كرم الصباغ
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 04:50
المحور:
الادب والفن
﷽
مقدمة 1. السيرة والسياق الإبداعي العام يُعدّ كرم الصباغ أحد أبرز الأصوات السردية الجديدة في المشهد القصصي المصري والعربي المعاصر، إذ يمثل جيلًا مزج بين الحسّ الجمالي والوعي بالهوية الثقافية المحلية. وُلد الصباغ في محافظة البحيرة، ودرس اللغة العربية بجامعة الإسكندرية، ثم عمل في حقل التعليم، قبل أن يكرّس قلمه لعالم القصة القصيرة. وقد صدرت له حتى الآن سبع مجموعات قصصية متتابعة تشكّل مسارًا فنيًا ناضجًا ومتماسكًا، من بينها: «رمال وجع الغائب»، «يمام الوجد»، «وشم النار»، «بخفة عصفور وحزن يمامة»، «ممرات بيضاء لغزالة وحيدة»، «طقوس نزع الزينة»، وصولًا إلى مجموعته الأحدث «كساء الجمر»[1]. يمتلك الصباغ صوتًا سرديًا خاصًا يزاوج بين الشعرية اللغوية والوعي الأنثروبولوجي بالبيئة البدوية التي ينتمي إليها. فهو ابن الصحراء المصرية، غير أنّه لا يكتب عنها بوصفها مكانًا جغرافيًا، بل باعتبارها رمزًا كونيًا للجدب والحنين والتطهّر الإنساني. من هذا المنطلق يمكن اعتبار مشروعه السردي[2] نواةً لما يمكن تسميته بـ «الأدب البدوي الحداثي» في مقابل الأدب الريفي أو الحضري، إذ يجعل من الصحراء كائنًا لغويًا حيًا ومن العادات القبلية ذاكرةً ثقافية تتجاوز المحلي نحو الإنساني. تأتي مجموعة «كساء الجمر» لتكثّف هذا المسار وتُبلوره فنيًا، حيث يواصل الكاتب استكشاف مفردات الوجع الإنساني بلغة أكثر نضجًا وتأملًا، تجمع بين الحسّ الواقعي والتخييل الأسطوري، بين البعد البدوي والهمّ الكوني، وبين حكمة الشيخ ودهشة الطفل. 2. العتبات النصية أ. العنوان ودلالاته يحمل عنوان المجموعة «كساء الجمر» مفارقة دلالية كثيفة تجمع بين «الكساء» رمز الحماية والستر، و«الجمر» رمز الألم والاحتراق. الكساء يغطي الجمر لكنه لا يطفئه، والجمر يدفئ من تحته لكنه يهدد بالاحتراق. هكذا يوجز العنوان ثنائية الوجود التي تحكم العالم القصصي بأكمله: الستر والانكشاف، الحماية والخطر، الدفء والعذاب. وتتجلى هذه الثنائية داخل النص نفسه حين يقول الراوي في القصة: «تكبش يداه الجمر فلا تحترقان، ويسير على الماء فلا تبتل قدماه الحافيتان»[3]. فالكساء هنا ليس غطاءً ماديًا، بل كساء روحي يحول الجمر إلى تجربة تطهير. وعلى مستوى البناء الكلي، يقسّم الصباغ المجموعة إلى قسمين متكاملين: · الأول بعنوان «صبابات الرمل»، ويضم قصصًا تدور في فضاء واقعي بدوي يعبق برائحة الأرض والعادات، · والثاني بعنوان «متون دار بسيس»، ينهض على تخييل عجائبي وأسطوري يلامس الماوراء. هذا التقسيم لا يمثل مجرّد تنويع موضوعي، بل هو بنية دلالية مزدوجة تشكّل نسيج المجموعة كله: · فـ«صبابات الرمل» هو كساء الواقع، · و«متون دار بسيس» هو جمر الخيال والرؤيا. وبينهما يتأرجح الوعي الإنساني بين التجربة والمعنى، بين الجسد والرمز. ب. الغلاف والتقسيم الثنائي يحمل الغلاف لوحةً تتدرج فيها الألوان من الترابي إلى الأحمر الداكن، وكأنها تحاكي بصريًا احتراق الرمل في وهج الصحراء. هذا التشكيل اللوني يكرّس التقابل الجمالي ذاته بين القسوة والدفء، وهو ما يتجاوب مع العنوان في بعده الرمزي. أما التقسيم الثنائي إلى صبابات الرمل ومتون دار بسيس فيعمل بوصفه الهيكل الدلالي للمجموعة: · الأول يعكس الفضاء الواقعي الذي يتجلى فيه الإنسان البدوي في صراعه مع الطبيعة والمصير، · بينما الثاني يعبر عن الفضاء الماورائي الأسطوري حيث تتحول الصحراء إلى مسرح للرموز والكرامات والعجائب. بهذا المعنى، ينتقل السرد من الواقعية إلى الرؤيا، ومن التجربة الحسية إلى التجربة الصوفية. ج. تمهيد للمداخل النقدية تأتي قصة «كساء الجمر» بوصفها ذروة القسم الأول صبابات الرمل، حيث تتجلى ملامح الإنسان البدوي في أكثر صورها صفاءً ومأساوية. فالبطل يعيش احتراقًا روحيًا بين الحب والفقد، وبين الواجب والحرية. ويجاورها من القسم الثاني قصة “أمّنا الشمس»، التي تمثّل الوجه الأسطوري المقابل، إذ يتحول فيها الوعي الفردي إلى وعي جماعي يستظل بالشمس كأمٍّ كونية حامية. في «كساء الجمر» نقرأ: «يبصر يدًا بيضاء تخرج من الفراغ، تناوله كأسًا ممتلئًا بشراب ورديّ، فيشربه في الحال فيخفّ جسمه ويشفّ»[4]. وفي «أمّنا الشمس»: «تملّ الشمس منّا، وتصاب بالصّداع من فرط الضوضاء، تشرع في عقابنا، ترينا العين الحمراء، وتهدّدنا بالغروب»[5]. بين هذين المقتبسين تتكامل الرؤيتان: الاحتراق الفردي في الأولى، والتطهير الجمعي في الثانية. وبذلك يبني الصباغ عالمًا سرديًا ذا بنية مزدوجة: الأرضيّ والشمسيّ، الواقعيّ والعجائبيّ، الحسيّ والروحيّ. تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف هذه البنية المزدوجة من خلال الأسئلة الآتية: · كيف تتحوّل الصحراء من فضاء جغرافي إلى فضاء دلالي؟ · ما العلاقة بين البنية السردية والهوية الثقافية في القصة البدوية؟ · كيف يتجسد الرمز (النار، الشمس، الرمل، الجمر) كمعادل فني للروح الإنسانية؟ · وإلى أي مدى ينجح الكاتب في تجاوز الواقعية إلى فضاء الرؤيا؟ المدخل الأول: البنية السردية والتقنيات الفنية تمهيد ينطلق السرد في مجموعة «كساء الجمر» من وعي فنيّ متجاوز للحكاية إلى بناء الرؤيا. فالقاص كرم الصباغ لا يكتفي بتسجيل الواقع البدوي أو استنساخه، بل يعيد تخليقه عبر لغة مشهدية تستبطن الشعر وتفتح السرد على التأمل الفلسفي. القصة القصيرة لديه أقرب إلى قصيدة سردية مشبعة بالإيقاع الداخلي والصورة الكثيفة، تعتمد على الاقتصاد اللغوي دون أن تفقد حرارة الانفعال الإنساني. تقوم البنية السردية عند الصباغ على ثلاث ركائز أساسية: · تعدّد المستويات بين الواقعي والأسطوري. · اللغة الشعرية كوسيط بين الداخل والخارج. · الزمن الدائري الذي يربط الماضي بالحاضر، والذاكرة بالحلم. 1. الراوي وبنية الصوت السردي في قصة «كساء الجمر» يتخذ الكاتب راويًا داخليًا يراقب الأحداث من مسافة وجدانية قريبة، فيمنح السرد صدق التجربة ودفء المعايشة. الراوي هنا ليس محايدًا بل شاهدٌ متورّط في تفاصيل الحكاية، يتكلم بلسان العارف بالصحراء والحنين والاحتراق الداخلي. تتجلّى هذه الخاصية في مقطع من القصة يقول فيه الراوي: «يبصر يدًا بيضاء تخرج من الفراغ، تناوله كأسًا ممتلئًا بشرابٍ ورديٍّ، فيشربه في الحال فيخفُّ جسمه ويشفُّ، ويطوي المسافات...» [6] العبارة تنطوي على نقلة من الواقعي إلى الرؤيوي في صوت الراوي ذاته؛ فهو لا يصف بقدر ما يشهد، ولا يروي بقدر ما يتطهّر. أما في «أمّنا الشمس» فيتبدّل موقع الراوي إلى راوٍ عليم جمعي، أقرب إلى الصوت الأسطوري الذي يتحدث باسم الجماعة، لا الأفراد. لغته مشحونة بالإيقاع الجماعي والنبرة الكونية: «تملّ الشمس منّا، وتصاب بالصّداع من فرط الضوضاء، تشرع في عقابنا، ترينا العين الحمراء، وتهدّدنا بالغروب...» [7] يتكلم الراوي هنا بلسان «نحن»، فيحوّل السرد إلى طقس جماعي يتجاوز التجربة الشخصية إلى وعيٍ جمعيٍّ أسطوريّ. هكذا يقيم الكاتب توازُنًا بين صوتين: · في «كساء الجمر»: صوت الفرد المحترق بالحنين. · في «أمّنا الشمس»: صوت الجماعة الباحثة عن النور. هذا التنوّع الصوتي يشي بوعي سرديّ متقد يجعل من الراوي أداة للتجلي لا مجرد ناقل للأحداث. 2. اللغة والإيقاع تتميّز لغة الصباغ بقدرتها على توليد الصورة من الإحساس لا من الوصف المباشر. في «كساء الجمر» تسود لغة حسّية دافئة، مشبعة بالمفردات الترابية والحرارية (الرمل، النار، الجمر، العرق، الزبدة). «تكبش يداه الجمر فلا تحترقان، ويسير على الماء فلا تبتلّ قدماه الحافيتان.»[8] الجملة تُقدّم الجسد في لحظة اتحادٍ مع العناصر، حيث يتحوّل الألم إلى معرفة، والاحتراق إلى عبورٍ روحيّ. أما في “أمّنا الشمس»، فتميل اللغة إلى الرمزية العالية، تتحرك في فضاء كونيّ يتجاوز التفاصيل الواقعية: «تشرع الشمس في عقابنا، ترينا العين الحمراء، وتهدّدنا بالغروب...» [9] اللغة هنا لا تصف شمسًا فلكية، بل قوةً أمومية ميتافيزيقية تتفاعل مع ضجيج البشر وسلوكهم. يتّضح إذًا أن اللغة · في القسم الأول من المجموعة (صبابات الرمل) لغة الجسد والعين، · وفي القسم الثاني (متون دار بسيس) لغة الروح والرؤيا. هذا التحوّل من المادي إلى الميتافيزيقي هو جوهر التجربة اللغوية عند الصباغ، ويشكّل أحد عناصر تفرّده في المشهد القصصي المصري المعاصر. 3. الزمن والبنية الدائرية الزمن في «كساء الجمر» لا يسير في خط مستقيم؛ إنه زمن استرجاعي دائري يبدأ بالحاضر المأزوم وينتهي عند جذور الذاكرة. منذ المقطع الأول، حين يعود الجندي إلى بيته بعد التدريب، يفتح الكاتب دائرة الحنين والغياب التي ستظلّ تتسع حتى ذروة النص. «وقفت أمّه تخضّ الزبدة وهي تدندن بأغنية بدوية قديمة... وما إن ردّد خلفها الغناء حتى ارتجف قلبها.»[10] الحدث الواقعي (العودة) يستدعي طقسًا من الاستعادة والإنشاد، فتتحوّل القصة إلى دورة من التذكّر والغياب والبعث. وفي الخاتمة، عندما "يبصر يده البيضاء" و"يشفّ جسده"، يكتمل الزمن الدائري: عودة لا إلى المكان، بل إلى الغياب المؤبّد، وكأن النهاية ليست موتًا بل تحوّلًا. أما في “أمّنا الشمس»، فيتحرّك الزمن وفق إيقاع شمسيّ أسطوريّ: طلوع وغروب، نور وظلمة، دورة تبدأ باللعب وتنتهي بالعقاب، لتعود من جديد مع بزوغ الوعي في الحلم. «تملّ الشمس منّا... ثمّ تشرع في عقابنا، ترينا العين الحمراء، وتهدّدنا بالغروب... فإذا ما ترنّح الشيطان الصغير، رآها في حلمه تمسك بسياط الضوء وتسوق الجنية إلى محبسها.» [11] الزمن هنا ليس تواليًا لحوادث، بل دورة للوعي تتكرّر بين الفوضى والنظام، بين الغفلة والتنوير. هكذا يربط الصباغ بين الزمن النفسي الفردي في القصة الأولى والزمن الأسطوري الجمعي في الثانية، ليشكّل معًا تصورًا دائريًا للوجود في عالم الصحراء. 4. المكان بوصفه شخصية يحتلّ المكان في نصوص الصباغ موقع الشخصية الفاعلة لا الخلفية. الصحراء ليست إطارًا للأحداث بل كيانٌ حيٌّ يسمع ويشعر ويؤثّر. في «كساء الجمر»، تتحوّل الصحراء إلى مرآة للنفس، تُبدي حزنها وتواسي ساكنيها إنها الصحراء الأمّ التي تحتضن أبناءها وتحرقهم في آن واحد. وفي “أمّنا الشمس»، يتخذ المكان شكل دارٍ مهجورة على تلة، هي دار «بسيس»، والتي تتحوّل إلى فضاء أسطوري يجمع الرعب والفتنة: «نتردّد في الدخول للحظاتٍ... نكسر حاجز الخوف ونتجاوز عتبة الدار المهجورة الخربة.» [12] الدار هنا ليست مكانًا محدّدًا، بل اللاوعي الجمعي للجماعة، حيث تُختزن الذاكرة والخرافة والرهبة. إذًا، المكان عند الصباغ لا يُدرَك بالبصر بل بالمعنى؛ إنه رمزٌ لحالةٍ وجودية، وفي الوقت نفسه «شخصية رمزية» لها صوتٌ وتأثيرٌ على مسار السرد. 5. المشهدية والإيقاع الداخلي يمتلك الصباغ حسًّا بصريًا متقدًا يجعل السرد مشاهد سينمائية مكثّفة. المشهد يُبنى على الإيقاع الداخلي لا على تسلسل الأحداث، كما في هذا الوصف من «كساء الجمر»: «خلع بيادته العسكرية بخفة، وتسحب على أطراف أصابعه، ووقف خلفها، وراح ينصت إلى صوتها الرخيم وهي تغني...» [13] إنها لحظة صمتٍ مشحونة بالعاطفة، يُدار فيها السرد على إيقاع التنفّس لا على الحدث نفسه. وفي “أمّنا الشمس»، تنتقل المشهدية من الواقعي إلى الأسطوري بسلاسة: «تملّ الشمس منّا... فتنفذ تهديدها، ولا نستفيق إلا على غبشة الغروب والظلمة المفاجئة التي حطّت على الدار»[14] الإيقاع هنا تصعيديّ ينتهي بانطفاء الضوء، وكأن النصّ ينحسر في لقطته الأخيرة كما تنحسر الشمس نفسها. بهذه المشهدية المتقنة والإيقاع المتناغم بين النور والظل، يخلق الصباغ جماليات بصرية وروحية في آنٍ واحد. 6. البنية العامة: من الواقعي إلى الأسطوري تكشف المقارنة بين القصتين عن مسار تصاعدي في البناء السردي من الواقعية إلى الأسطورة: · في كساء الجمر: التجربة إنسانية محددة .. الجندي، الأم، الحبيبة، والاحتراق الداخلي. · في أمّنا الشمس: التجربة تتحول إلى أسطورة جماعية تمثل وعي القبيلة والعالم الطفولي في مواجهة قوى الغيب. بهذا الانتقال من الحكاية إلى الرؤيا، يصوغ الصباغ ما يمكن تسميته بـ «الواقعية الصوفية»؛ واقعية تنبع من صميم التجربة لكنها تنفتح على الماوراء، حيث يتحوّل الألم إلى معرفة، والرمل إلى معنى. خلاصة المدخل الأول يؤسس كرم الصباغ في «كساء الجمر» لبنية سردية مزدوجة تجمع بين الواقعي والعجائبي، تستخدم لغة مشهدية ذات إيقاع داخلي عميق، وزمنًا دائريًا يذيب الحدود بين الذاكرة والحلم. · في «كساء الجمر» نسمع صوت الفرد في احتراقه، · وفي «أمّنا الشمس» نسمع صوت الجماعة في إشراقها. وبين الصوتين تتجلى شعرية الصحراء كأفقٍ جماليٍّ وفلسفيٍّ يجعل من القصة البدوية المعاصرة فضاءً للبحث عن المعنى لا عن الحكاية فحسب. المدخل الثاني: الأنساق النفسية والاجتماعية تمهيد يدرك كرم الصباغ أن الإنسان البدوي ليس كائنًا معزولًا في فراغ الصحراء، بل هو نتاج شبكة معقّدة من الأنساق النفسية والاجتماعية المتوارثة عبر الذاكرة والعادة والإيمان الشعبي. من ثمّ، لا يمكن قراءة قصصه بوصفها حكايات عن أفراد، بل بوصفها تشريحًا عميقًا لوجدان جماعي يتأرجح بين الصبر والتمرد، بين الطاعة والغريزة، بين الذاكرة والحرية. في مجموعة «كساء الجمر»، تتجاور الأنساق الداخلية (النفسية) مع الأنساق الخارجية (الاجتماعية) في علاقة جدلية متوترة، بحيث يصبح الخارج مرآة للداخل، والجماعة تجسيدًا لما يعتمل في النفس الفردية. ومن خلال المقارنة بين قصتي «كساء الجمر» و”أمّنا الشمس»، تتضح هذه الجدلية بوصفها البنية العميقة للعالم السردي عند الصباغ. 1. كساء الجمر: الاحتراق الداخلي وتمثلات الذاكرة الجماعية في قصة «كساء الجمر» تتجسد الشخصية الرئيسة في حالة من الاحتراق النفسي الصامت، إذ يقف الجندي العائد من الحرب بين الحنين إلى الأمّ والحبيبة، وبين الفقد والانكسار. الاحتراق هنا ليس ألمًا جسديًا فحسب، بل ذاكرةً متقدةً لا تنطفئ. «تكبش يداه الجمر فلا تحترقان، ويسير على الماء فلا تبتلّ قدماه الحافيتان...» [15] بهذه الجملة يرمز الصباغ إلى الإنسان الذي تجاوز الألم حتى أصبح جزءًا منه؛ فالجمر هنا ذاكرة مُشتعلة، وملامسة النار تعني التصالح مع الوجع بوصفه هويةً لا يمكن الفكاك منها. على المستوى النفسي، يتبدى البطل كمن يعيش انفصامًا بين الجسد والوعي بعد صدمة الحرب: فهو “عاد بجسده فقط؛ إذ انقلبت أحواله رأسًا على عقب، ما عاد يعرف أحدًا.” [16] الانقسام بين الحضور والغياب يعبّر عن اضطراب ما بعد الصدمة الذي يتحول عند الصباغ إلى رمزٍ وجوديّ: إنسانٌ يعيش في “كساء الجمر”، أي في دفءٍ قاتلٍ لا فكاك منه. أما من زاوية علم الاجتماع، فإن القصة ترصد وضع الإنسان البدوي الذي تحكمه قيم الكتمان والصلابة؛ فهو لا يفصح عن الحبّ ولا يعبّر عن الفقد، بل يصوغهما في طقسٍ من الصمت والصبر. الأمّ تغنّي، والابن يصمت؛ الأغنية تصير وسيلة لتسريب الألم دون مواجهة. «كانت أمّه منهمكة في خضّ الزبدة وهي تدندن بأغنية بدوية قديمة...» [17] الأغنية هنا ليست زخرفة مشهدية بل رمز للوعي الجمعيّ الذي يداوي الجرح بالإنشاد لا بالبوح. من هذا المنظور، تتحول قصة «كساء الجمر» إلى سيرة للذاكرة الجماعية التي تحترق ولا تصرخ، وتدفن الألم في طقوس الحياة اليومية، فيغدو الصمت شكلاً من أشكال النجاة. 2. أمّنا الشمس: الأسطورة كوعي جمعيّ ومخاض اجتماعي في المقابل، تمثل قصة «أمّنا الشمس» انزياحًا من الوعي الفردي المحترق إلى الوعي الجمعي المضيء. فالشخصيات هنا ليست أفرادًا محددين، بل مجموعة من الأطفال يعبّرون عن وعي المجتمع البدوي في طور التشكّل. منذ الجملة الأولى يصف الراوي الجماعة بصيغة الجمع: «صغارًا كنّا ذوي أجسادٍ نحيلةٍ ووجوهٍ مصفرّةٍ شاحبةٍ...» [18] هذا التوصيف الجسدي الجماعي يعلن عن هوية موحّدة تحكمها ذاكرة واحدة وعاطفة واحدة. تتجلّى الشمس في القصة بوصفها رمزًا للأمّ الكبرى، أي السلطة الأمومية الحامية والمعاقبة معًا. «تملّ الشمس منّا... تشرع في عقابنا، ترينا العين الحمراء، وتهدّدنا بالغروب.» [19] هذا المقطع يلخّص بنية السلطة في الوعي الجمعي البدوي كما يراها الصباغ: الضوء (الحياة) يقترن بالرقابة (العقاب)، والدفء (الحماية) يقترن بالخطر (الغياب). من منظورٍ نفسيّ، تتحول الشمس إلى رمز للأنا العليا الجماعية، التي تنظم السلوك وتكبح الغريزة. فحين تغيب الشمس، “تعمّ الظلمة وتفقد الجماعة تماسكها” [20]، وكأنها فقدت مركز الوعي المشترك. أما من منظورٍ اجتماعيّ، فغياب الشمس يوازي اهتزاز القيم القديمة تحت ضغط التحولات الحديثة، إذ يرمز الليل إلى الفوضى والتفكك، بينما يمثل الضوء العودة إلى النظام والأمان. إن الصباغ لا يقدّم الشمس بوصفها كائنًا أسطوريًا غيبيًا، بل بوصفها ضمير الجماعة المتحوّل؛ فهي ليست إلهة للخصب كما في الموروث القديم، بل استعارة عن القوة الجمعية التي تراقب وتطهر، تمامًا كما تمثل النار في «كساء الجمر» الوعي الفردي المتألم. 3. من الفرد إلى الجماعة: التحول النفسي والروحي بين القصتين يتحقق انتقالٌ من الاحتراق الفردي إلى التطهر الجماعي. في «كساء الجمر» نرى الإنسان وهو يعاني بصمت داخل جلده، وفي «أمّنا الشمس» نرى الجماعة وهي تمرّ بتجربة الخوف والعقاب لتتعلم معنى النور. بهذا المعنى، يشكّل العملان وجهين لمسارٍ واحد: من الجمر إلى الشمس، من الألم إلى الخلاص. في الأولى: «يبصر يدًا بيضاء... فيشفّ جسده»[21]، علامة على التجرّد الفردي. في الثانية: «تمسك أمّنا الشمس بسياط الضوء وتسوق الجنية إلى محبسها»[22]، رمز للتطهر الجمعي. هذه المقابلة بين التحول الفردي الصوفي والتحول الجمعي الأسطوري تمثل لبّ الرؤية النفسية والاجتماعية عند الصباغ، الذي يرى أن الخلاص لا يأتي من الخارج، بل من داخل التجربة الإنسانية ذاتها. 4. الأعراف كقيدٍ وجودي والذاكرة كقوة خلاص تعمل القيم الاجتماعية في عالم الصباغ بوصفها نظامًا مزدوجًا: تحمي الهوية لكنها في الوقت نفسه تكبّلها. في «كساء الجمر»، تكبت الأعراف العاطفة وتحوّلها إلى “جمرٍ مكتوم”، فلا يُسمح للحنين أن يُعلن عن نفسه إلا في طقس الغناء أو في صمت الاحتراق. «يمتثل أخوه لرغبته في مفاجأة أمّه بنفسه... وأشار إليه أن اصمت»[23]. هذا الإيماء الصامت يتكرر في سلوك المجتمع كله؛ فالتعبير عن المشاعر يُعدّ ضعفًا، لذلك يصبح الصمت لغة الخلاص الوحيدة. أما في “أمّنا الشمس»، فإن الأعراف نفسها تتخذ طابعًا كونيًا: تتحول إلى قوانين ضوء وظلمة، ثواب وعقاب. لكن الصباغ لا يقدّم هذا النظام كسلطة قمعية خالصة، بل كضرورة للحفاظ على توازن الكون الرمزي للجماعة. فالتحرر لا يكون بالخروج على النظام، بل بفهم جوهره وتجاوزه من الداخل، عبر الحلم، والخيال، والتأمل. هكذا تصبح الذاكرة الجمعية، لا العصيان، هي أداة الخلاص، لأن الضوء لا يُستعاد إلا حين نتذكر مصدره. 5. الأنساق المضمرة: التصوف والرمزية البدوية يتسرّب إلى نسيج النصوص وعيٌ صوفيٌّ عميق يجعل من النار والشمس والرمل عناصر تطهير لا عناصر عذاب. الاحتراق في «كساء الجمر» ليس فناءً بل تجلٍّ: «صار يرى ما لا يراه الآخرون... يسير على الماء فلا تبتلّ قدماه.» [24] وهذه الجملة في بنيتها الصوفية تُحيل إلى فكرة الكرامة الروحية، أي العبور من المحسوس إلى المطلق. أما في “أمّنا الشمس»، فإن رمزية الضوء والظلمة تتخذ بعدًا كونيًا يُذكّر بالرؤية الغنوصية للمعرفة بوصفها استنارة: «تشرع الشمس في عقابنا، ترينا العين الحمراء، وتهدّدنا بالغروب»[25] إنها ليست شمسًا فلكية بل مرآة للوعي، تمتحن الإنسان في صبره على الضوء كما على العتمة. يندمج التصوف هنا بالرمزية البدوية، فيتحول الصبر إلى معرفة، والحرمان إلى تجربة وجودية. إنه تصوف الصحراء الذي يجعل من الجمر والشمس وجهين للنور ذاته. خلاصة المدخل الثاني تظهر المقارنة بين «كساء الجمر» و«أمّنا الشمس» أن كرم الصباغ ينسج عالمه السردي على محورٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ متكامل، تتحول فيه التجربة الفردية إلى أسطورة جماعية، ويتخذ فيه الألم شكل طقسٍ تطهيريٍّ يقود إلى النور. · في الأولى، الفرد يحترق ليتطهّر؛ · وفي الثانية، الجماعة تضيء لتبقى. وبينهما تتجلّى الصحراء بوصفها مختبرًا للروح والذاكرة، لا فضاءً للمكان فحسب. بهذه الرؤية، يعيد الصباغ إلى الأدب البدوي بعده الإنساني العميق، ويكشف عن الأنساق النفسية المضمرة في الوجدان العربي التي لا تزال تبحث عن توازنها بين الصبر والتمرّد، بين النار والضوء. المدخل الثالث: التابوهات والتجريب الجمالي تمهيد تتسم مجموعة «كساء الجمر» بقدرتها على الجمع بين الوفاء للبيئة البدوية والانفتاح على التجريب الجمالي المعاصر. فالقاص كرم الصباغ لا يكتب عن الصحراء كخلفية زمانية أو جغرافية، بل كفضاء رمزي يختبر فيه الإنسان حدود المعنى والحرية والمقدّس. ومن هذه الزاوية، تنخرط نصوصه في مواجهة فنية راقية مع التابوهات الثلاثة الكبرى في الأدب العربي: · تابو الجسد (بوصفه موضع الذاكرة والرغبة). · تابو السلطة (بتمثلاتها القبلية والأبوية والدينية). · تابو القداسة (بما يحمله من طقوس وأساطير راسخة). لكن الصباغ لا يواجه هذه التابوهات بالصدام، بل بالتأويل والرمز، محوّلًا مناطق المنع إلى فضاءات كشفٍ جماليٍّ وروحيٍّ. 1. الجسد بوصفه ذاكرة لا خطيئة في القصة المركزية «كساء الجمر»، يقدَّم الجسد لا كموضوع رغبة أو خطيئة، بل كحافظةٍ للذاكرة. حين «تكبش يداه الجمر فلا تحترقان»[26]، لا يعبّر المشهد عن خرقٍ لقانون الطبيعة فحسب، بل عن تحوّل الجسد إلى وعاءٍ للتطهّر؛ فهو يحتمل النار كما يحتمل الذكرى، لأن كليهما يحرق ويطهّر في آن واحد. الجسد هنا موقع الذاكرة الحسية، إذ يعيد إنتاج الماضي عبر الألم لا عبر التذكّر العقلي. «تكبش يداه الجمر فلا تحترقان، ويسير على الماء فلا تبتلّ قدماه...» [27] هذه الصورة تُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمادة، فما دام الجسد متورّطًا في التجربة، يصبح مُقدّسًا بمقدار ما يتألّم. على هذا النحو، يحرّر الصباغ الجسد من الخطيئة الاجتماعية ويعيده إلى طهر المعاناة. إنه الجسد الصوفيّ الذي يعبُر بالاحتراق نحو النقاء، فيغدو الألم وسيلة كشفٍ لا عذابًا. 2. الأنثى كصوتٍ فاعل لا كرمزٍ صامت يمنح الصباغ للمرأة في مجموعته ولا سيما في «كساء الجمر» و”أمّنا الشمس»، حضورًا مغايرًا لصورتها في الأدب البدوي التقليدي. فهي ليست موضوعًا للرغبة أو رمزًا للخصب فقط، بل صوتٌ مُنتجٌ للمعنى. في «كساء الجمر»، تحضر الأمّ بوصفها جذر الذاكرة، ورُقيّة بوصفها محرّك الرؤيا. «كانت أمّه منهمكة في خضّ الزبدة... تغنّي: مرات نحمل في احموله الزايلة... ومرات ننسى جروحي الغايرة.»[28] هذا الغناء الأنثوي يُعيد تأسيس العلاقة بين المرأة واللغة؛ فالأمّ تُغنّي لتستدعي الغائب، والابن يردّد خلفها ليتطهّر من الحنين. إنه حوار صامت بين الأنثى والذكَر عبر الصوت، لا عبر الجسد. أما في “أمّنا الشمس»، فتتحوّل الأنثى إلى أمّ كونية تجمع بين الحماية والعقاب. «تملّ الشمس منّا... تشرع في عقابنا، ترينا العين الحمراء، وتهدّدنا بالغروب.» [29] إنها الأنثى الكبرى التي تمثل ضمير الجماعة. وهكذا ترتقي صورة المرأة من الحضور الواقعي إلى الحضور الرمزي؛ من الأمّ المحددة إلى الأمّ الشمس، من الفرد إلى الكلّ. تُغدو الأنثى في أدب الصباغ ضمير الصحراء، صوتها الخفيّ الذي يحفظ توازنها الروحي ويعيد إليها معناها بعد الجفاف. 3. القبيلة والشيخ: السلطة الرمزية والتفكيك الهادئ يتعامل الصباغ مع سلطة القبيلة والشيخ بوصفها بنية رمزية متآكلة أكثر منها سلطة اجتماعية مباشرة. في العالم البدوي، يمثّل الشيخ عادةً مركز النظام والحكمة، لكن الصباغ يُعيد تشكيل هذه الصورة عبر التفكيك الهادئ لا المواجهة. إنّ سلطة الشيخ هنا لا تظهر واضحة لام تظهر فقط سلطة الطاعة العسكرية بسبب ظروف التجنيد في المقابل، تظهر سلطة الأمّ، (في القصتين معًا) بوصفها البديل الحيّ لشيخ القبيلة سلطة الحنان والإنذار، النور الذي يضيء ويعاقب. وبهذا ينتقل مركز السلطة من الذكورة الاجتماعية إلى الأنوثة الرمزية، وهو تحوّل دلالي عميق في بنية السرد البدوي. 4. المقدّس والأسطوري: من الطقس إلى الجمال يتعامل الصباغ مع المقدّس لا كموضوع للتقديس، بل كمادة جمالية قابلة للتأويل. ففي “أمّنا الشمس»، تُعاد صياغة الأسطورة الشعبية عن “ملكة دار بسيس” والجنّية الحبيسة إلى رمزٍ للوعي والظلمة. «تملّ الشمس منّا... وتصاب بالصّداع من فرط الضوضاء، تشرع في عقابنا... فإذا ما ترنّح الشيطان الصغير، رآها في حلمه تمسك بسياط الضوء وتسوق الجنية إلى محبسها.» [30] الطقس الأسطوري هنا يتحول إلى دراما رمزية للخلاص؛ فالنور الذي يعاقب هو ذاته الذي يُنقذ، والعقوبة تتحول إلى طقس تطهير يعيد النظام الكوني إلى توازنه. بهذا التأويل، يُحرّر الكاتب المقدّس من صلابته الماورائية ليعيده إلى وظيفته الجمالية الأولى: إنارة الوجود لا تقييده، والكشف عن جوهر الإنسان لا فرض وصاية عليه. إنه يعيد للأدب البدوي روحه الأولى قبل أن تحجبها التقاليد: روح الدهشة والإنشاد والتقديس الجمالي للحياة. 5. التجريب في الشكل واللغة يتجلى التجريب الفني في «كساء الجمر» على مستويين مترابطين: أ. البنية الشكلية القصة عند الصباغ لا تُبنى على حبكة تقليدية بقدر ما تقوم على المشهدية المتتابعة واللقطات المكثّفة. فالنصّ أقرب إلى لوحات متجاورة تتكامل بالإيقاع لا بالتسلسل الزمني. «يبدّل ملابسه ويتناول طعام الغداء... ومع حلول العصر يحلّق بجناحيه إلى المدينة الصحراوية...» [31] بهذه الجمل المقتضبة، يرسم الكاتب إيقاع الزمن الداخلي لا الزمن الخارجي، فكل فعلٍ واقعيٍّ يفضي إلى ارتجافٍ روحيٍّ أعمق. ب. اللغة الشعرية اللغة عند الصباغ ليست وسيلة سردية بل موسيقى داخلية للمعنى. في «كساء الجمر» نسمع همس النار والرمل في جملٍ موجزة تنبض بالدفء والخطر معًا، وفي «أمّنا الشمس» نسمع نغمة الإنشاد الجماعي التي تقترب من الترتيل الأسطوري. «تملّ الشمس منّا... وتشرع في عقابنا.» [32] «يبصر يدًا بيضاء... فيخفّ جسمه ويشفّ.» [33] تتحول الجمل إلى إيقاعات تتردّد بين الضوء والظل، بين الغياب والحضور. إنه تجريب روحيّ الشكل قبل أن يكون تقنيًا: القصة ليست لتُروى فحسب، بل لتُتلى كأنها صلاة. 6. الجرأة الهادئة وحدود الممنوع ليست جرأة الصباغ في كسر المحرّمات اللفظية أو الموضوعية، بل في إعادة تعريفها داخل بنية الرمز. فهو لا يصرّح بالممنوع، بل يجعله ينكشف تلقائيًا عبر الصورة. فيتحوّل الجسد إلى نارٍ، والأنثى إلى شمسٍ، والشيخ إلى ظلٍّ. بهذا الأسلوب، يمارس الصباغ ما يمكن تسميته بـ «الجرأة الهادئة»: جرأة الوعي لا الفضيحة، وجرأة الجمال لا الصدام. وهي سمة تميّز الأدب الراقي الذي يجمع بين النزاهة الجمالية والعمق الإنساني. خلاصة المدخل الثالث من خلال استنطاق الجسد والأنثى والمقدّس، استطاع كرم الصباغ أن يعيد تعريف الأدب البدوي الحديث بوصفه فضاءً للتأمل الجمالي لا للتسجيل الواقعي. لقد حرّر الصحراء من كونها مكانًا جامدًا إلى كيانٍ رمزيٍّ نابضٍ بالأسئلة، وحرّر الإنسان البدوي من القوالب النمطية ليصبح ذاتًا متأملة تبحث عن المعنى والنجاة. التجريب عنده ليس نزوة شكلية، بل موقف وجوديّ يرى الفن طريقًا للفهم الروحي، حيث تتصالح النار مع الضوء، ويتحوّل الحريق إلى كشفٍ، والعذاب إلى معرفة. إنها تجربة سردية تنتمي إلى مدرسة الكشف لا الوصف، وتجعل من القصة القصيرة رحلة صوفية في قلب الصحراء. الخاتمة النقدية أولًا: البنية الدلالية الكلية تشكل مجموعة «كساء الجمر» بنية دلالية مترابطة تنطلق من ثنائية النار والضوء بوصفها مركزًا رمزيًا يدور حوله العالم القصصي بأسره. فالنار في القسم الأول (صبابات الرمل) ليست عذابًا بل طريق إلى المعرفة، والضوء في القسم الثاني (متون دار بسيس) ليس خلاصًا نهائيًا بل اختبار للوعي. بهذه البنية الدائرية، يخلق كرم الصباغ نظامًا سرديًا تتبادل فيه الرموز أدوارها: الجمر يتحول إلى نور، والشمس إلى جمر، الاحتراق يصبح تطهيرًا، والعقوبة خلاصًا، المرأة أمًّا والأمّ شمسًا، والجسد طريقًا للروح. إنها شبكة رمزية دقيقة تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان والروح، وتحوّل الصحراء من فضاء قاسٍ إلى مختبرٍ للمعنى الإنساني والروحي. «تكبش يداه الجمر فلا تحترقان... تملّ الشمس منّا، وتشرع في عقابنا.» [34] هاتان الجملتان (من قصتي العنوان و«أمّنا الشمس») تختصران المسار الدلالي للمجموعة: من النار الفردية إلى الضوء الجماعي، من الألم إلى الكشف. ثانيًا: الرؤية الإنسانية والفلسفية تقدّم المجموعة رؤية إنسانية عميقة تنبع من إيمان الكاتب بقدرة الإنسان على الخلاص عبر التجربة لا عبر الهروب منها. في «كساء الجمر» يعاني الفرد احتراقًا داخليًا يقوده إلى تطهّرٍ شخصيٍّ صامت، وفي «أمّنا الشمس» تمرّ الجماعة بامتحان الضوء والظلمة لتصل إلى توازنٍ جمعيٍّ واعٍ. هكذا يعيد الصباغ صياغة الأسئلة الوجودية الكبرى (الوجع، الفقد، الموت، الخطيئة) في ضوء ثقافةٍ بدويةٍ مشبعةٍ بالتصوف الشعبي والأسطورة، ليقدّم فلسفةً للحياة تنطلق من الألم لا تنكره، بل تحوّله إلى معرفة. تلتقي رؤيته في ذلك مع النزعات الصوفية الحديثة التي ترى أن الحقيقة لا تُنال إلا بالمعاناة، وأن الجمال لا يُدرك إلا عبر الاحتراق بالحبّ والبحث. من هنا تبدو الإنسانية في أدبه ليست رومانسية عاطفية، بل إنسانية كاشفة، تؤمن بأن في داخل كل إنسان «جمرًا» لا يُطفأ، وشمسًا لا تغيب. ثالثًا: الخصائص الفنية والجمالية تميّزت المجموعة بخصائص فنية متفرّدة يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات متكاملة: 1. الشكل السردي القصة القصيرة عند الصباغ لا تتبع الحبكة التقليدية ذات البداية والعقدة والنهاية، بل تقوم على البنية المشهدية المفتوحة، حيث يتولّد المعنى من الصورة لا من الحدث. فكل مشهد عنده ومضة كشفٍ روحيٍّ أكثر مما هو حدثٌ واقعيّ. 2. اللغة تتمتع اللغة في «كساء الجمر» بإيقاعٍ شعريٍّ خالصٍ، يمزج بين المفردات البدوية الأصيلة والعبارات ذات النكهة الصوفية، فتنشأ لغة هجينة تجمع بين الصلابة الرملية والرهافة الضوئية. «يسير على الماء فلا تبتلّ قدماه... تملّ الشمس منّا، ترينا العين الحمراء...» [35] تتحول اللغة إلى مرآة للوجدان: قاسية في ظاهرها، دافئة في باطنها. 3. التخييل الرمزي تتأسس الرؤية الجمالية على التخييل الرمزي الذي يُعيد بناء الواقع عبر العلامة لا عبر المحاكاة. فالصحراء ليست مكانًا بل شخصية رمزية، والنار ليست عنصرًا بل مفهوم وجوديّ، والشمس ليست جرمًا بل أمًّا كونية. بهذا الأسلوب، يرتقي الصباغ بالقصة القصيرة من الواقعية إلى فضاء الميثولوجيا الجمالية، مستثمرًا طاقة الرمز في تفجير المعنى دون الوقوع في الغموض أو الخطابة. رابعًا: موقع المجموعة في التجربة السردية المعاصرة تأتي «كساء الجمر» في سياق تطور القصة القصيرة العربية، لتشكّل مرحلة نضجٍ نوعيٍّ في مسيرة كرم الصباغ، وتقدّم إضافة فنية واضحة إلى الأدب العربي الذي يستلهم البيئة البدوية. من حيث المضمون: تجاوزت المجموعة الصورة الفلكلورية للبادية نحو وعيٍ أنثروبولوجيٍّ وإنسانيٍّ شامل. فالصباغ لا يوثّق حياة البدو، بل يفكّك ذاكرتهم الجمعية ليستخرج منها جوهر التجربة الإنسانية. من حيث الشكل: اعتمد الكاتب بنية تجريبية متوازنة تجمع بين الرمز الصوفي والواقعية الشعرية، ما جعله قريبًا في تجربته من تيارات القصة الجديدة التي تمزج الحسّ المحلي بالبعد الكوني. من حيث اللغة: أعاد توظيف اللهجة البدوية داخل لغة فصيحة رفيعة دون أن يُفقدها صدقها، فبدت اللغة كائنًا حيًا يتنفس رائحة الرمل ويهذي بالنور. إن «كساء الجمر» لا تنتمي إلى أدب الإقليم، بل إلى أدب الوعي بالمكان، حيث تتجلّى الصحراء كرمزٍ للروح العربية في سعيها الأبدي بين الجدب والخصب، بين الألم والدهشة. الخلاصة الإجمالية يمكن القول إن كرم الصباغ في هذه المجموعة قد أنجز تحوّلًا نوعيًا في القصة البدوية الحديثة، جعلها تخرج من إطار التسجيل الاجتماعي إلى فضاء التأمل الفلسفي والجمال الكوني. من خلال قصص مثل «كساء الجمر» و”أمّنا الشمس»، أعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، بين الجسد والروح، بين الفرد والجماعة، مستخدِمًا أدوات السرد الحديثة (التكثيف، المشهدية، الرمز، الصوت المتعدد) في بناء عالمٍ تتعانق فيه الواقعية الصوفية مع الأسطورة الشعبية في نسيجٍ واحد. إنّ هذا العمل يضع كرم الصباغ في موقعٍ متقدّم ضمن كتاب القصة الذين يوسّعون حدود النوع الأدبي، ويؤكد أن الصحراء (بما تحمله من فراغٍ ودهشة)، لا تزال رحمًا خصبًا للجمال والمعنى. فالجمر الذي يكسوه في قصصه ليس جرحًا، ... بل نورٌ يُغطَّى كي يشتعل أكثر. المراجع (1) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). الشارقة: ابداعات عربية - دائرة الثقافة - الامارات العربية. مقالات فى الدوريات والمجلات (1) نضال ممدوح. (9 أكتوبر, 2025). كرم الصباغ يكشف لـ"الدستور" تفاصيل مجموعته القصصية "كساء الجمر". الدستور. https://www.dostor.org/5255299#goog_rewarded الهوامش (1) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). الشارقة: ابداعات عربية - دائرة الثقافة - الامارات العربية. (2) تم تقديم هذه الدراسة فى ندوة مناقشة المجموعة القصصية "كساء الجمر" بصالون "غادة صلاح الدين" فى نادى السكة الحديد الرياضى بالقاهرة بتاريخ 14 نوفمبر 2025 (3) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (4) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 26 (5) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (6) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 26 (7) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (😎 كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (9) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (10) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 23 (11) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (12) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 74 (13) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 23 (14) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (15) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (16) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (17) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 23 (18) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 73 (19) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (20) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 76 (21) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 26 (22) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 76 (23) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 23 (24) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (25) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (26) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (27) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (28) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 23 (29) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (30) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (31) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 25 (32) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 75 (33) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (34) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28 (35) كرم الصياغ. (2025). كساء الجمر (مجموعة قصصية). ص 28
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سيكولوجية التبرير وسوسيولوجية القطيعة: الذات الأنثوية بين ال
...
-
البيت بوصفه بنيةً للقهر والهيمنة: قراءة سوسيو–نفسية في رواية
...
-
-الأنثى والمدينة والذاكرة: عوالم سردية وأنساق نفسية في أنثى
...
-
تصميم الفقد .. قراءة سوسيو–سيكولوجية في عروس في علبة مخملية
...
-
بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلا
...
-
تأجيل الحلم واستنزاف الأمل: مقاربة سوسيولوجية–نفسية في قصة -
...
-
“الوعد المعلّق: الذاكرة بوصفها فضاءً بديلاً في “وعد لم يكتمل
...
-
حفيف أنثوي: بين الجسد والوطن .. قراءة تحليلية–تأويلية متعددة
...
-
-والبنون- أو وهم الامتداد: قراءة تحليلية–تأويلية في سرد التل
...
-
الامتنان الذي يتجاوز الموت مساءلة الحدّ الأنطولوجي في قصة “ع
...
-
أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام
-
صندوق الذاكرة المعتمة: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة صندوق نو
...
-
“الفاترين”: سرد الزجاج والهشاشة قراءة تحليلية–تأويلية في الق
...
-
“الابتسامة بوصفها قناعًا سرديًّا: قراءة تحليلية–تأويلية في ق
...
-
سرديات التابو والعُريّ الرمزي في رواية عذارى أوراق التوت لسع
...
-
تماثل الأسطورة والوعي: قراءة في تشكلات الفقد والبعث في قصة إ
...
-
سباع مجوفة: بين الرمز المعماري والخلاص الروحي والخوف الاجتما
...
-
«الإسكندرية كجسر للعبور وإعادة التشكّل: قراءة نقدية في رواية
...
-
-ما لا يموت-: أنطولوجيا البقاء تحت النار .. غسان كنفاني وعائ
...
-
من العربة الأخيرة إلى مرآة الذات: بنية الاعتراف وتشظي الهوية
...
المزيد.....
-
مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية
...
-
المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق
...
-
-بي تي إس- تتربع على عرش جوائز الموسيقى الأمريكية للمرة الثا
...
-
هل يواجه مسلمو كندا خطرا منظما يهدد سلامتهم الثقافية والجسدي
...
-
تم تصويره على مسرح -الأوليمبيا- بباريس.. -عم جرّب- ستاند أب
...
-
أزياء عربية تصدّرت مشهد الموضة في مهرجان كان السينمائي
-
قراءات أدبية: لديوان حصاد العصافير: الشاعر يتأمل حصاد حياته
...
-
الجزيرة تحصد 12 جائزة في مهرجان نيويورك للتلفزيون والأفلام 2
...
-
4 أفلام تتنافس على إيرادات شباك التذاكر في عيد الأضحى.. الأب
...
-
أمن الدولة تجدد حبس المخرج عمر مرعي مع استمرار حرمانه من أد
...
المزيد.....
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|