أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلام مؤجلة للشاعرة ليلى حسين















المزيد.....


بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلام مؤجلة للشاعرة ليلى حسين


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 00:04
المحور: الادب والفن
    





قصيدة أحلام مؤجلة

أعشقُ الورق
المدادٓ الأسود
و قوسٓ قزح
في هذا الكونِ
أحاولُ الامتزاج بتدريجِ العطرِ اللوني
المارون عبرٓ مداري
يبدعون في الضغطِ على أزرارِ البكاء
و أنا .. .. قررتُ تأجيلٓ الانفجار
لن أتركٓ فرصةٓ لينزعٓ أحدُهم فتيلٓ الاحتراق داخلي
قررتُ أن أسحبٓ ورقةٓ بيضاء
أرسم دوائر لوجوهِ باسمة
عسى العيونٓ تحبلُ بفرحِ حقيقي

الروحُ متخمةُ بالمدائن الفضلى
و لا تجد قيدٓ أنملةِ على الأرض
القلمُ صديقي الأوفى يعلنُ تمرده
أسدلُ جفوني عسى النفسٓ تهدأ
فترتسم في الحلمِ أجنحةُ ملونة
الفراشاتُ عمرُها قصير
قصيرُ جدا

أعمارُنا في الكوكبِ الأرضي طرفةُ عين
أعمارُنا تدريج رقمي
في دفترِ الحكومة
رقم خؤون
المساحاتُ بين الرمشِ و الرمش
تفصح عن الفراغِ الضيق بين القضبان في زنازن الفكر

القانون غبي
الحاشية بغي ..
الولي الكفيفُ فقد بصيرته
قلبي يؤلمني
يصرخ ؛ أن افيق من غيبوبتي
يعلنها صريحة
لن يأتيٓ في متواليةِ الجحود نبي

أقلامي الملونة تتراقصُ بين كفي
ترسمُ إنحناءاتِ خطية متقاطعة
و دوائر العطرِ
تختزل جسدٓ الفراشاتِ و الزنابق
تطلقُ العبيرٓ في أروقةِ الحلم
أخاف أن أفتح عيني
فثصدمني الأبنيةُ الأسمنتية
تصعقني مستنسخات لبشرِ إلكتروني
تعصف بي رائحة الدم و البارود
تقصفني " ميديا " العنف
و قصورُ العهرِ و عالمُ أفاق قارس عتي

الحلم الوسيع يجتاح روحي
أسقط في فنجان قهوتي المرة
أبحث في أرجائه عن نبتة صدق
عن بشر نبيل سوي

أولًا: المقدمة
"قررتُ تأجيل الانفجار."
انفجارًا، ليس صمتًا، بل تأجيلًا. فعل سلبي شكلاً، لكنه إيجابي جوهرًا، لأنه يحوِّل اللحظة الحادة إلى امتداد زمني، والطاقة التدميرية إلى إمكان للاستمرار.
تنتمي القصيدة (الصادرة عن شاعرة تشكيلية تمتلك وعيًا باللون والمساحة) إلى كتابة تعيد تعريف الشعر بوصفه ملاذًا بصريًا قبل أن يكون خطابًا.
هنا، لا يُكتب النص فقط، بل يُرسم: الورق عشق، والألوان طقس، والمداد الأسود كثافة شعورية.
لكن هذا العالم الجمالي لا ينشأ في فراغ، بل على وقع اصطدام يومي بواقع قاسٍ، تصفه الشاعرة بجرأة: قانون غبي، حاشية بغي، زنازن للفكر، ومستنسخات لبشر إلكتروني.
من هذا التوتر بين الحلم والواقع، بين اللون والأسمنت، تتشكّل مفارقة النص المركزية: كلما زاد القبح خارجيًا، ازدادت الحاجة إلى الجمال داخليًا.
غير أن هذا الجمال لا يُقدّم كحل، بل كتأجيل. وهنا السؤال الذي تحاول هذه القراءة مقاربته:
كيف تصوغ الذات المأزومة، تحت ضغط القمع الرمزي والمادي، لغتها الخاصة — لا للهروب، بل للبقاء؟
ثانيًا: الإطار المنهجي
المقاربة المعتمدة:
سوسيولوجية (أساسًا)، مدعومة بمداخل: سيكولوجي، سيميائي، تأويلي (بحسب ما يستدعيه النص).
زاوية القراءة:
قراءة نصية-اجتماعية تنفذ إلى البنية الداخلية للنص، ثم تربطها ببنية الواقع.
مبرر الاختيار:
لأن النص
· يفيض بإشارات القهر الاجتماعي (القانون، الحاشية، الزنازين، الميديا...)
· ويعكس في الوقت نفسه تشظيًا نفسيًا واضحًا
· ويعتمد على شبكة رمزية كثيفة (الألوان، الفراشات، الورق...)
· ويربط بين التشكيل الجمالي (خلفية الشاعرة) والنقد الاجتماعي
ثالثًا: التحليل البنيوي (البنية اللغوية والتصويرية والإيقاعية (قراءة أسلوبية تطبيقية)
أولًا: البنية اللغوية (بين التشكيل والانزياح)
تنهض اللغة في القصيدة على توتر واضح بين مستويين:
لغة تشكيلية إيحائية، وأخرى مباشرة صادمة، وهو توتر يعكس بدقة انقسام الذات بين الرغبة في الجمال والاصطدام بالواقع.
يتجلى الحقل المعجمي الأول في مفردات الفن والتشكيل، كما في قول الشاعرة ليلى حسين:
"أعشقُ الورق
المداد الأسود
وقوس قزح"
هنا لا تُستخدم المفردات بوصفها أدوات، بل بوصفها فضاءً بديلًا للوجود؛ فالورق ليس سطحًا، بل ملاذ، والمداد الأسود لا يُقرأ فقط كوسيط كتابة، بل ككثافة شعورية، فيما يشكّل "قوس قزح" انفراجًا بصريًا يقاوم عتمة السواد.
هذا التوازي يؤسس مبكرًا لبنية لغوية قائمة على التقابل الدلالي (السواد/الألوان)، وهي سمة ستتكرر عبر النص.
ويتعمق هذا المنحى عبر انزياحات تركيبية تكشف عن حساسية لغوية عالية، كما في: "عسى العيون تحبل بفرح حقيقي"
حيث يُسند فعل "تحبل" إلى "العيون"، في خرق مقصود للمنطق اللغوي، منتجًا دلالة مزدوجة:
· الفرح بوصفه غائبًا يحتاج إلى "ولادة"
· والعين بوصفها حاضنة للأمل لا مجرد أداة رؤية
إنه انزياح دلالي-حسي يعكس رغبة الذات في خلق المعنى لا استقباله.
غير أن هذا البناء اللغوي لا يستقر على شعريته، إذ ينكسر فجأة في عبارات تقريرية مباشرة مثل:
"القانون غبي" "الحاشية بغي"
هنا تتخلى اللغة عن كثافتها لصالح خطاب صدامي، يكشف عن لحظة انفعال حاد تتغلب فيها الرغبة في الإدانة على التشكيل الجمالي.
وهذا التذبذب لا يمكن قراءته فقط كضعف أسلوبي، بل بوصفه مؤشرًا على ضغط الواقع على اللغة.
وعليه، تتحدد البنية اللغوية في القصيدة بوصفها لغة متوترة، تتأرجح بين الانزياح الشعري والانفجار الخطابي
ولا تعكس هذه اللغة الواقع فحسب، بل تتأثر به وتتشكل تحت ضغطه، بحيث يمكن قراءة هذا التوتر اللغوي أيضًا من منظور سوسيولوجي بوصفه انعكاسًا لاختلال العلاقة بين الذات وبنية السلطة.
ثانيًا: البنية التصويرية (القصيدة بوصفها لوحة)
تُبنى القصيدة على خيال بصري كثيف، يجعلها أقرب إلى فضاء تشكيلي تُرسم فيه المعاني بدل أن تُحكى.
يظهر ذلك بوضوح في قول الشاعرة: "أقلامي الملونة تتراقص بين كفي ترسم انحناءات خطية متقاطعة"
الصورة هنا لا تكتفي بالوصف، بل تمنح الأدوات (الأقلام) حياة وحركة وتحيل الفعل الشعري إلى فعل رسم فعلي
إننا أمام تشخيص للأداة يقابله، لاحقًا، تشييء للإنسان في "مستنسخات لبشر إلكتروني"
هذه المفارقة التصويرية (حياة الأشياء/جمود الإنسان) تكشف عن رؤية نقدية عميقة للعالم الحديث، حيث:
تستعيد الأشياء حيويتها داخل الفن بينما يفقد الإنسان إنسانيته في الواقع
كما تعتمد الشاعرة على رموز مركزية تتكرر وتُبنى دلاليًا، مثل الفراشات في قولها: "الفراشات عمرها قصير / قصير جدا" حيث ترمز إلى الجمال الهش والزائل
والأبنية الأسمنتية: "فتصدمني الأبنية الأسمنتية" بوصفها تجسيدًا للقسوة والاغتراب الحضري
والزنازين: "زنازن الفكر" حيث يتحول القيد من مادي إلى ذهني
وتبلغ الصورة ذروتها في تركيب مكثف مثل "أسقط في فنجان قهوتي المرة"
حيث تتداخل اليومي بالوجودي:
· السقوط (انهيار)
· القهوة (الروتين)
· المرارة (تجربة الحياة)
وهو ما يجعل الصورة هنا مكثفًا دلاليًا لحالة وجودية كاملة.
وبناءً عليه، يمكن توصيف البنية التصويرية بأنها بنية تشكيلية تعتمد على التشخيص، والتقابل، وتكثيف الرمز لإنتاج رؤية نقدية للعالم
وهو ما يفتح المجال لقراءة سيميائية ترى أن هذه الصور لا تُبنى بوصفها زخرفًا بل بوصفها نظامًا دلاليًا تتحدد معانيه من خلال علاقات التقابل والتوتر داخل النص.
ثالثًا: البنية الإيقاعية (الإيقاع النفسي والتقطيع)
في غياب الوزن الخليلي، تؤسس القصيدة إيقاعها الخاص عبر آليات داخلية، تجعل الإيقاع انعكاسًا مباشرًا للحالة النفسية.
يظهر ذلك في التكرار الوظيفي، كما في: "قصير / قصير جدا"
التكرار هنا لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، بل يضاعف الإحساس بالفقد ويضغط الزمن داخل العبارة
وكذلك في "أعمارنا ... أعمارنا" حيث يتحول التكرار إلى نوع من الإلحاح الوجودي.
كما تلعب الجمل القصيرة دورًا إيقاعيًا حاسمًا: "قلبي يؤلمني" "القانون غبي"
هذه الجمل تعمل كـ:
· ضربات لغوية حادة
· تقطع تدفق النص
· وتعكس توترًا داخليًا
إلى جانب ذلك، يوظف النص الحذف والتقطيع: "و أنا .. .. قررتُ تأجيل الانفجار"
حيث تخلق الفراغات إيقاعًا صامتًا يوحي بالتردد والاحتقان
الإيقاع هنا لا يُسمع بقدر ما يُحسّ، لأنه إيقاع توتر لا إيقاع تناغم
التركيب الأسلوبي داخل البنية
من خلال هذا التداخل بين اللغة والصورة والإيقاع، تتكشف ملامح أسلوبية واضحة، يمكن إجمالها في:
· هيمنة الحس التشكيلي على اللغة
· اعتماد التقابل (الحلم/الواقع، اللون/السواد)
· كثافة الانزياح الحسي والدلالي
· توتر بين الشعرية والمباشرة
· إيقاع نفسي قائم على التقطيع والتكرار
خلاصة
لا تعمل هذه المستويات الثلاثة (اللغة – الصورة – الإيقاع) بشكل منفصل، بل تتشابك لتنتج خطابًا شعريًا يقوم على تحويل التجربة المأزومة إلى تشكيل جمالي، مع بقاء أثر التوتر واضحًا داخل نسيج اللغة نفسها.
وبذلك، لا تكون القصيدة مجرد تعبير عن أزمة، بل بنية أسلوبية تُجسّد هذه الأزمة في شكلها اللغوي ذاته.
ويمكن تفسير هذا الإيقاع المتقطع سيكولوجيًا بوصفه تجسيدًا لحالة داخلية مأزومة، حيث يتحول التقطيع إلى معادل لغوي للقلق والتردد.
رابعًا: البنية الدلالية
الموضوعات المركزية
· اغتراب الذات
· قمع الواقع
· الفن كملاذ
· هشاشة الحياة
· فقدان المعنى
حركة المعنى
تتحرك القصيدة من أفق جمالي مشبع باللون، إلى احتقان داخلي متصاعد، ثم إلى مواجهة مباشرة مع واقع قمعي، لتنتهي بحركة بحث مفتوحة عن إمكان للخلاص.
علاقة الذات بالعالم
الذات: حساسة، فنية، مأزومة والعالم: قاسٍ، مزيف، عنيف
وهي علاقة صدامية لا تقوم على إمكان المصالحة.
خامسًا: المدخل السوسيولوجي (بوصفه محورًا مفسرًا للتجربة)
لا يمكن قراءة قصيدة "أحلام مؤجلة" للشاعرة ليلى حسين بوصفها تعبيرًا ذاتيًا معزولًا، بل بوصفها نصًا يتشكل داخل سياق اجتماعي مأزوم، تتداخل فيه علاقات السلطة مع أشكال القمع الرمزي والمادي، بما ينعكس مباشرة على بنية الذات واللغة معًا.
القصيدة كمنتج اجتماعي
ينبثق النص من واقع يفرض حضوره بقوة داخل التجربة الشعرية، حيث لا تُطرح الذات بوصفها كيانًا مستقلًا، بل بوصفها نتاجًا لشبكة من الضغوط الاجتماعية التي تعيد تشكيل وعيها وإدراكها للعالم.
ويظهر ذلك في اختزال الإنسان إلى قيمة رقمية في قولها: "رقم خؤون"
حيث يتحول الكائن الإنساني من ذات فاعلة إلى وحدة إحصائية فاقدة للمعنى، في دلالة على هيمنة البنية المؤسسية على الفرد.
تمثيل الواقع وآلياته
لا يكتفي النص بعكس الواقع، بل يعيد إنتاجه شعريًا، كاشفًا عن آليات القمع التي تُمارس على مستويات متعددة، منها:
· القمع المؤسسي: عبر اختزال القانون في صورة عبثية ("القانون غبي")
· الفساد السلطوي: كما في صورة "الحاشية"
· العنف الرمزي والإعلامي: في "ميديا العنف" التي تعيد تدوير القسوة
· الاغتراب الحضاري: عبر صورة "مستنسخات لبشر إلكتروني"
بهذا المعنى، يتحول الواقع من خلفية محايدة إلى قوة فاعلة تُنتج التشوه الإنساني.
الذات بين الفردي والجماعي
رغم أن الصوت في القصيدة فردي، فإن هذه الفردية لا تنغلق على ذاتها، بل تتجاوزها لتمثل حالة جمعية، حيث تغدو "الأنا" معادلًا لوعي مأزوم يشترك فيه كثيرون.
إنها ذات واعية بالاختلال لكنها عاجزة عن تغييره فتلوذ بالتأجيل بدل المواجهة
السلطة والهامش
تُبنى العلاقة بين الذات والعالم على ثنائية:
· سلطة تتجلى بوصفها عمياء، قمعية، ومجردة من البصيرة
· مقابل ذات مهمشة محاصرة داخل "زنازن الفكر"
ولا يقتصر القمع هنا على البعد المادي، بل يمتد إلى المجال الرمزي، حيث يتم تقييد الوعي ذاته، بما يجعل الحرية مسألة ذهنية بقدر ما هي واقعية.
المتلقي الاجتماعي
يفترض النص قارئًا لا يكتفي بالتلقي الجمالي، بل يمتلك وعيًا نقديًا قادرًا على تفكيك البنية الرمزية للنص، وربطها بسياقها الاجتماعي.
وبذلك، تتحول القصيدة إلى مساحة تفاعل بين تجربة ذاتية .. ووعي جمعي مشترك
خلاصة سوسيولوجية
تكشف القصيدة عن واقع لا يُنتج القمع فحسب، بل يعيد إنتاجه عبر مؤسساته وخطاباته، بما يؤدي إلى تشكل ذات مأزومة، تلجأ إلى الفن لا بوصفه بديلًا جماليًا، بل كاستراتيجية مقاومة رمزية.
ومن ثم، فإن النص لا يعكس المجتمع فقط، بل يقدّم نقدًا ضمنيًا لبنيته، كاشفًا عن آليات تشويه الإنسان داخله.
سادسًا: المدخل السيكولوجي(البنية النفسية وتأجيل الانفجار)
تُقدِّم قصيدة "أحلام مؤجلة" للشاعرة ليلى حسين ذاتًا لا تُعبِّر عن حالة نفسية عابرة، بل تكشف عن بنية داخلية مأزومة، تتشكّل تحت ضغط واقع خارجي قاسٍ، وتعيد إنتاج هذا الضغط في هيئة توتر داخلي مستمر.
صورة الذات
تظهر الذات بوصفها كيانًا منقسمًا على نفسه:
ذات واعية باختلال العالم
وأخرى عاجزة عن الفعل المباشر داخله
ويتجلى هذا الانقسام في إعلان: "قررتُ تأجيل الانفجار"
حيث لا يُلغى الانفجار، بل يُؤجَّل، في دلالة على احتقان داخلي مستمر لم يجد منفذًا حقيقيًا للتحقق.
الانفعال وآليات الدفاع
لا تُفرغ الذات توترها عبر المواجهة، بل تلجأ إلى آليات دفاع نفسي، أبرزها:
· التأجيل: كبديل عن الانفجار
· الإزاحة نحو الفن: تحويل الألم إلى رسم وكتابة
· الاحتماء بالحلم: كفضاء بديل أقل قسوة
وهكذا، تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال التفريغ النفسي المؤجل .. لا يحل الأزمة، بل يؤجل انفجارها.
الذاكرة واللاوعي
يتداخل في النص مستوى الوعي مع اللاوعي، حيث تلجأ الذات إلى الحلم ("أجنحة ملونة") .. وتخشى اليقظة ("أخاف أن أفتح عيني")
بما يجعل الحلم ليس مجرد خيال بل امتدادًا لاشعوريًا لحاجة نفسية إلى التوازن
الصراع الداخلي
تبلغ الأزمة النفسية ذروتها في لحظة استدعاء الصوت الداخلي: "قلبي يؤلمني / يصرخ أن أفيق من غيبوبتي"
هنا ينقسم الكيان إلى ذات غارقة في التأجيل وأخرى تحاول إيقاظها
وهو ما يكشف عن صراع بين:
· الرغبة في الاستمرار
· والإحساس بالعجز
خلاصة سيكولوجية
تعكس القصيدة ذاتًا تعيش حالة توتر مؤجل، لا تُحلّ بل تُدار عبر آليات دفاع رمزية، في مقدمتها الفن والحلم.
ومن ثم، لا يكون الإبداع هنا تعبيرًا عن التوازن، بل عن اختلالٍ مُدارٍ جماليًا.
سابعًا: المدخل السيميائي (بنية العلامات وإنتاج المعنى)
تنهض القصيدة على شبكة كثيفة من العلامات، لا تُفهم بوصفها مفردات مستقلة، بل بوصفها عناصر داخل نظام دلالي تتحدد معانيه عبر العلاقات التي تربط بينها.
بنية العلامات المركزية
يمكن رصد مجموعة من العلامات المحورية التي يتكرر حضورها:
· اللون علامة على الحياة / الإمكان / المقاومة
· الأسود علامة على القمع / الثقل / الانغلاق
· الفراشة علامة على الجمال الهش / الزمن القصير
· الزنزانة علامة على القيد الذهني / الحصار الداخلي
· القهوة المرة علامة على تجربة الحياة اليومية في بعدها المر
غير أن هذه الدلالات لا تُستمد من المعنى المعجمي فقط، بل من موقع العلامة داخل شبكة العلاقات النصية.
العلاقات التقابلية
يتأسس المعنى في القصيدة عبر ثنائيات متقابلة، منها:
· اللون / السواد
· الحلم / الواقع
· الحركة / الجمود
· الإنسان / النموذج المستنسخ
هذه التقابلات لا تُنتج معنى ثابتًا، بل تولّد توترًا دلاليًا مستمرًا، يعكس بدوره توتر التجربة.
دينامية العلامة
لا تظل العلامة ثابتة، بل تتحرك داخل النص، كما في:
· انتقال اللون من دلالة جمالية إلى أداة مقاومة
· وتحول الحلم من ملاذ إلى حالة اجتياح ("الحلم الوسيع يجتاح روحي")
ما يعني أن العلامة في هذا النص دينامية، تتغير وظيفتها بحسب السياق
تكثيف العلامة
تبلغ السيمياء ذروتها في صور مكثفة مثل "أسقط في فنجان قهوتي المرة"
حيث تتقاطع عدة علامات في تركيب واحد:
· السقوط (انهيار)
· القهوة (اليومي)
· المرارة (القيمة الشعورية)
فتتحول الصورة إلى بؤرة دلالية تختزل تجربة كاملة
خلاصة سيميائية
ينتج النص معناه من خلال شبكة علائقية من العلامات، تقوم على التقابل، والتحول، والتكثيف، بحيث لا يُختزل المعنى في إشارة واحدة، بل يتشكل عبر تفاعل مستمر بين عناصر متعددة.
ومن ثم، تصبح القصيدة نظامًا دلاليًا مفتوحًا، يعكس عالمًا خانقًا، لكنه يظل محتفظًا بإمكان جمالي هشّ يقاوم الانهيار.
ثامنًا: المدخل التأويلي
يمكن قراءة القصيدة بوصفها:
· احتجاجًا مؤجلًا
· أو بيانًا جماليًا ضد القبح
· أو صرخة وجودية في عالم بلا خلاص
وأهم تأويل أن الفن هنا ليس ترفًا، بل وسيلة بقاء.
تاسعًا: التلقي والأثر
الأثر العاطفي
توتر .. حزن .. قلق وجودي
الأثر الفكري
مساءلة الواقع .. نقد السلطة .. التفكير في معنى الإنسان
انفتاح النص
النص مفتوح على قراءات سياسية .. نفسية .. وجودية
عاشرًا: الخاتمة النقدية
تُفضي قراءة قصيدة "أحلام مؤجلة" للشاعرة ليلى حسين إلى أن النص لا يكتفي بتمثيل حالة اغتراب فردي، بل يُشيّد خطابًا شعريًا تتداخل فيه البنية الجمالية مع الوعي الاجتماعي، بحيث تصبح اللغة ذاتها مجالًا لتجسيد الأزمة لا مجرد وسيلة للتعبير عنها.
لقد كشفت المستويات البنيوية (اللغوية والتصويرية والإيقاعية) عن اشتغال نصي يقوم على توتر داخلي دائم، يتبدى في تذبذب اللغة بين الانزياح الشعري والانفجار المباشر، وفي تقابل حاد بين عوالم اللون والحلم من جهة، وقسوة الواقع وتشوهاته من جهة أخرى. وهو توتر لا يُضعف النص بقدر ما يمنحه طاقته التعبيرية، إذ يعكس ضغط الواقع على الذات، وانعكاس هذا الضغط داخل نسيج اللغة نفسها.
وفي ضوء ذلك، يمكن بلورة التركيب الأسلوبي النهائي للقصيدة في كونها:
بنية تشكيلية-انفعالية، تُحوِّل اللغة إلى مساحة رسم، تُدار عبر تقابلات حادة، وانزياحات حسية مكثفة، وإيقاع نفسي متقطع، يعكس ذاتًا تؤجل انفجارها وتستبدل المواجهة بإعادة تشكيل العالم جماليًا.
هذا التركيب لا ينفصل عن الخلفية الإبداعية للشاعرة، بل يتقاطع معها بوضوح، حيث يتجلى الحس التشكيلي في هيمنة الصورة واللون، وفي تحويل الفعل الشعري إلى فعل رسم، مقابل عالم خارجي يُختزل فيه الإنسان إلى رقم، أو يُعاد إنتاجه في صورة "مستنسخ إلكتروني"، فاقد للفرادة والروح.
ومع ذلك، لا يخلو النص من مناطق تعثر، تتجلى أساسًا في لحظات المباشرة الخطابية التي تُفارق الكثافة الشعرية، وفي بعض التراكم الصوري الذي يهدد الاقتصاد اللغوي.
غير أن هذه المآخذ تظل محدودة الأثر قياسًا إلى ما يحققه النص من تماسك دلالي وثراء تصويري.
في المحصلة، تنتمي القصيدة إلى أفق قصيدة النثر ذات البعد الاحتجاجي، لكنها تتميز بخصوصية أسلوبية قوامها التشكيل البصري بوصفه أداة مقاومة، حيث لا يُطرح الفن كترف جمالي، بل كاستراتيجية بقاء في مواجهة واقع مأزوم.
ومن ثم، لا تكون الأزمة موضوعًا يُقال داخل القصيدة، بل بنية تتجسد في لغتها ذاتها.
وعليه، يمكن القول إن "ليلى" لا تقدّم خلاصًا جاهزًا، بل تترك الذات (والقارئ معها) في حالة بحث مفتوح عن "نبتة صدق" داخل عالم يتآكل، مؤكدة أن:
الفن، وإن لم يغيّر الواقع، فإنه يعيد تشكيله بما يسمح للذات أن تستمر.



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأجيل الحلم واستنزاف الأمل: مقاربة سوسيولوجية–نفسية في قصة - ...
- “الوعد المعلّق: الذاكرة بوصفها فضاءً بديلاً في “وعد لم يكتمل ...
- حفيف أنثوي: بين الجسد والوطن .. قراءة تحليلية–تأويلية متعددة ...
- -والبنون- أو وهم الامتداد: قراءة تحليلية–تأويلية في سرد التل ...
- الامتنان الذي يتجاوز الموت مساءلة الحدّ الأنطولوجي في قصة “ع ...
- أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام
- صندوق الذاكرة المعتمة: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة صندوق نو ...
- “الفاترين”: سرد الزجاج والهشاشة قراءة تحليلية–تأويلية في الق ...
- “الابتسامة بوصفها قناعًا سرديًّا: قراءة تحليلية–تأويلية في ق ...
- سرديات التابو والعُريّ الرمزي في رواية عذارى أوراق التوت لسع ...
- تماثل الأسطورة والوعي: قراءة في تشكلات الفقد والبعث في قصة إ ...
- سباع مجوفة: بين الرمز المعماري والخلاص الروحي والخوف الاجتما ...
- «الإسكندرية كجسر للعبور وإعادة التشكّل: قراءة نقدية في رواية ...
- -ما لا يموت-: أنطولوجيا البقاء تحت النار .. غسان كنفاني وعائ ...
- من العربة الأخيرة إلى مرآة الذات: بنية الاعتراف وتشظي الهوية ...
- -فرحة- الوفاء المفقود: قراءة نقدية متعددة المداخل في قصة زين ...
- بين المرآة والبحر: قراءة في عزلة الأنثى عند أريج محمد (مقارب ...
- بين حدّ الموسى وحدّ الضمير: قراءة نفسية–سردية في قصة -رغوة و ...
- حكاية واحد صاحبي – قراءة نقدية في سردية الكرامة وبنية القصيد ...
- الضوء الذي حزن وحده: قراءة وجدانية في نص فاتن صبحي


المزيد.....




- نحو استعادة زمن الحياة
- مهرجان كان: مركز السينما العربية يسلط الضوء على التحديات الت ...
- تضارب الروايات حول زيارة نتنياهو للإمارات: حدود التنسيق الأم ...
- مهرجان كان: مركز السينما العربية يسلط الضوء على التحديات الت ...
- مهرجان كان: المخرج أصغر فرهادي يندد بقتل المدنيين في الحرب ع ...
- مهرجان كان السينمائي: جون ترافولتا يعود إلى الكروازيت مع فيل ...
- الجامعة العربية: الحفاظ على الثقافة العربية والإسلامية إحدى ...
- مهرجان كان السينمائي: ما هي التحديات التي تواجه صناعة السينم ...
- معرض الدوحة الدولي للكتاب يستقبل زواره بحضور أكثر من 520 دار ...
- بيان قائد الثورة الإسلامية بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بال ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلام مؤجلة للشاعرة ليلى حسين