أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف














المزيد.....

سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 03:05
المحور: الادب والفن
    




في تاريخ الأدب المصري أسماء كثيرة حظيت بما تستحقه من الضوء النقدي والإعلامي، وأسماء أخرى لا تقل قيمة فنية لكنها بقيت في مناطق الظل، تنتظر من يعيد قراءتها واكتشافها. ويبدو الروائي والقاص السكندري سعيد سالم أحد أبرز هذه النماذج.

فعلى امتداد ما يزيد على ثلاثة عقود أنجز سعيد سالم مشروعاً سردياً متنوعاً ضم الرواية والقصة القصيرة والمسرح والدراما الإذاعية، وحصل على جوائز مهمة، ونال إشادات من كبار الكتاب والنقاد، من نجيب محفوظ ويوسف إدريس إلى صالح فضل وعلي الراعي ويوسف الشاروني، ومع ذلك لم يحظ بالحضور الذي يوازي حجم منجزه الأدبي.

من المعمل إلى الرواية
ولد سعيد سالم بالإسكندرية عام 1943، وتخرج مهندساً كيميائياً ثم حصل على درجة الماجستير في الهندسة الكيميائية. وقد يبدو الانتقال من عالم المعادلات والعمليات الصناعية إلى عالم الرواية انتقالاً حاداً، لكن المتأمل لأعماله يكتشف أن تكوينه العلمي انعكس بصورة واضحة على بنائها الفني.

فالعديد من النقاد أشاروا إلى إحكام البناء في رواياته وإلى وجود تنظيم داخلي دقيق للأحداث والشخصيات، وهو ما جعل بعضهم يتحدث عن "هندسة السرد" في أعماله.

لكن هذا الانضباط البنائي لم يمنع حضور الحس الإنساني العميق، بل ربما كان أحد أسباب نجاحه في تحقيق توازن لافت بين الفكرة والحكاية.

الإسكندرية بوصفها بطلاً روائياً
من الصعب قراءة أعمال سعيد سالم الأولى دون ملاحظة الحضور الكثيف لمدينة الإسكندرية.

ففي روايات مثل جالمبو وبوابة مورو لا تبدو المدينة مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى كيان حي يشارك الشخصيات قلقها وأحلامها وانكساراتها.

وقد تنبه النقاد مبكراً إلى هذه الخصوصية؛ إذ رأى يوسف الشاروني أن القارئ يكاد يشم رائحة البحر ويتذوق ملوحته في صفحات رواياته، بينما وصفه الدكتور السعيد الورقي بأنه "كاتب سكندري حقيقي" يحمل عالم المدينة الساحلية في لغته وشخصياته وأجوائه.

ولهذا يمكن النظر إلى سعيد سالم بوصفه واحداً من أبرز الأصوات التي أسهمت في تشكيل صورة الإسكندرية روائياً خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

الحرية والانتماء.. السؤال المركزي
إذا كان لكل كاتب سؤال جوهري يلاحقه عبر أعماله المختلفة، فإن سؤال سعيد سالم كان سؤال الحرية والانتماء.

شخصياته غالباً شخصيات قلقة، تشعر بالاختناق أو الاغتراب أو العجز عن تحقيق ذاتها. وهي شخصيات تبحث عن معنى وجودها بقدر ما تبحث عن حلول لمشكلاتها المباشرة.

وقد لخص الكاتب نفسه هذه الرؤية حين تحدث عن مفهوم الانتماء باعتباره عقداً متبادلاً بين المواطن والوطن، مؤكداً أن اختلال هذا العقد يؤدي إلى صور متعددة من الاغتراب، سواء كان اغتراباً خارج الوطن أو داخله.

ومن هنا نفهم لماذا تبدو شخصياته مأزومة في كثير من الأحيان؛ فهي ليست شخصيات فردية فحسب، بل تمثل أسئلة جيل كامل عاش تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة.

بين الواقعية والفلسفة
واحدة من السمات اللافتة في تجربة سعيد سالم هي مزجه بين الواقع والتأمل الفلسفي.

فهو لا يكتفي بتسجيل الواقع أو إعادة إنتاجه، بل يحاول النفاذ إلى طبقاته العميقة، والبحث عن المعاني الكامنة خلف الأحداث اليومية.

ولهذا نجد في أعماله حضوراً واضحاً للرمز، والمونولوج الداخلي، والفانتازيا، والتداعي الحر، فضلاً عن الميل إلى طرح أسئلة وجودية تتعلق بالحرية والعدالة والمعنى والعلاقة بين الإنسان والعالم.

وقد وصف بعض النقاد كتابته بأنها تميل إلى "الكوميديا السوداء" وإلى "التفلسف الساخر"، وهي صيغة دقيقة تلخص جانباً مهماً من أسلوبه الفني.

«كف مريم».. ذروة النضج الفني
تحتل رواية كف مريم مكانة خاصة في مسيرة سعيد سالم.
فهي من جهة تتناول قضية شديدة الحساسية تتعلق بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين، ومن جهة أخرى تنجح في تحويل هذه القضية من موضوع اجتماعي مباشر إلى تجربة إنسانية عميقة.

وقد اعتبرها الدكتور صالح فضل ذروة المشروع الروائي للكاتب، مشيداً بقدرته على الجمع بين الجرأة الفكرية والبناء الفني المتماسك.

وفي هذه الرواية يظهر سعيد سالم في أكثر مراحله نضجاً؛ إذ تتداخل الأسئلة الدينية والاجتماعية والإنسانية داخل بناء سردي قادر على شد القارئ وإثارة تفكيره في آن واحد.

كيف كان يرى الأدب؟
ربما تكمن أهمية الشهادات التي تركها سعيد سالم عن نفسه في أنها تساعدنا على فهم مشروعه من الداخل.

فهو يرفض الفصل بين الشكل والمضمون، ويرى أن العمل الأدبي الحقيقي يقوم على اندماجهما في كيان واحد يصنعه الصدق الفني.

كما يؤمن بأن الفن ليس مجرد متعة جمالية، بل هو في الوقت نفسه وسيلة للتنوير وتحقيق نوع من التصالح بين الإنسان ونفسه والعالم من حوله.

ولعل هذه الرؤية هي التي تفسر حرصه الدائم على أن تظل الفكرة حاضرة في أعماله دون أن تطغى على الفن، وأن يظل الفن حاضراً دون أن يتحول إلى لعبة شكلية فارغة.

لماذا نعيد قراءة سعيد سالم اليوم؟
لأن أسئلته ما زالت حية.
فالحرية والانتماء والاغتراب والعلاقة بين الدين والفن، وبين الأصالة والحداثة، وبين الفرد والمجتمع، كلها قضايا ما زالت تشغل الإنسان العربي حتى اليوم.

كما أن تجربته تمثل نموذجاً لكتّاب كثيرين أسهموا بعمق في بناء الثقافة المصرية الحديثة، لكنهم لم يحصلوا على ما يستحقونه من اهتمام نقدي وإعلامي.

ومن هنا فإن إعادة قراءة سعيد سالم ليست مجرد وفاء لكاتب راحل، بل هي أيضاً محاولة لاستعادة جزء مهم من الذاكرة الأدبية المصرية، والكشف عن مشروع إبداعي ظل لسنوات طويلة بعيداً عن دائرة الضوء رغم ما ينطوي عليه من ثراء فني وفكري.



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا اله ...
- ”لا”.. ثمن الوعي: قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة ”لا” لنهال ال ...
- بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليا ...
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- حين تحصد العصافيرُ المساميرَ: تمثلات الاغتراب وآليات التشكيل ...
- كساء الجمر: شعرية الصحراء بين صبابات الرمل ومتون دار بسيس لل ...
- سيكولوجية التبرير وسوسيولوجية القطيعة: الذات الأنثوية بين ال ...
- البيت بوصفه بنيةً للقهر والهيمنة: قراءة سوسيو–نفسية في رواية ...
- -الأنثى والمدينة والذاكرة: عوالم سردية وأنساق نفسية في أنثى ...
- تصميم الفقد .. قراءة سوسيو–سيكولوجية في عروس في علبة مخملية ...
- بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلا ...
- تأجيل الحلم واستنزاف الأمل: مقاربة سوسيولوجية–نفسية في قصة - ...
- “الوعد المعلّق: الذاكرة بوصفها فضاءً بديلاً في “وعد لم يكتمل ...
- حفيف أنثوي: بين الجسد والوطن .. قراءة تحليلية–تأويلية متعددة ...
- -والبنون- أو وهم الامتداد: قراءة تحليلية–تأويلية في سرد التل ...
- الامتنان الذي يتجاوز الموت مساءلة الحدّ الأنطولوجي في قصة “ع ...
- أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام
- صندوق الذاكرة المعتمة: قراءة تحليلية–تأويلية في قصة صندوق نو ...
- “الفاترين”: سرد الزجاج والهشاشة قراءة تحليلية–تأويلية في الق ...


المزيد.....




- ترجمة خاصة | شبهات اختفاء ملايين الشواكل تثير أزمة في قطاع ا ...
- زاخاروفا: تصرفات زيلينسكي ضد اللغة الروسية نازية جديدة
- تحديات إنتاج أفلام الرسوم المتحركة في العالم العربي: رؤية ال ...
- وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني أحد أبرز وجوه الفن المعاصر ...
- طهران: لا التزامات نووية جديدة.. وترمب يرفض الرواية الإيراني ...
- -هوليوود أفريقيا-.. متحف تاريخ السينما بورزازات المغربية شاه ...
- معرض أربيل الأول للكتاب الكردي.. تعزيز اللغة والثقافة بمشارك ...
- سجن وإبعاد وتهم فضفاضة.. كيف يواجه صحفيو القدس حرب الرواية؟ ...
- المخرج يحيى جابر والممثلة آنجو ريحان في باريس: جنوب لبنان وا ...
- -سويوزمولتفيلم- تطلق المعرض التفاعلي المتنقل -مصنع العجائب- ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف