أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحولات الوعي العاطفي في قصيدة “بصرة” للشاعرة هناء سليمان















المزيد.....



من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحولات الوعي العاطفي في قصيدة “بصرة” للشاعرة هناء سليمان


عصام الدين صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 06:21
المحور: الادب والفن
    




نص قصيدة "بصرة"[1]
تغيرت
فأين اللهفة الحَرَّى
حنان كان يملاني
وحب راح مِنْ نَظْرَة
وماذا جد في النبرة؟
حِيادٌ مَا أَلِفْنَاهُ
فلا إحساس بالمرة
- تغيرت ؟!
وحق عيونك السَّمْرًا ؟
وما بالقلب من عبرة ؟
تعال وافتح الماضي
فهذي صَفْحَتِي بَيْضًا
وعُدْ أَنتَ لَكُرَّاسِك
وما سَطَرْتَه .. اقْرَا
أنا سامحت كم مرة
غفرت الصعب والمرا
وكم عذبت أفكاري لكي ألقى لك العذرا
ولكن كيف يُرضيني
من القلب الذي أهوى
رصيد قارب الصفرا
حبيبي
إنها بَصْرَة
تغيرنا
مقدمة
تندرج تجربة الشاعرة المصرية هناء سليمان ضمن مشروع شعري ينشغل بالتحولات الدقيقة التي تطرأ على العلاقات الإنسانية، ولا سيما العلاقة العاطفية بوصفها فضاءً تتقاطع فيه الذات بالآخر، والوجدان بالوعي، والانفعال بالتأمل.
وإذا كانت بعض نصوصها ترصد لحظات الانكسار أو الفراق أو إعادة التشكل الذاتي، فإن قصيدة “بصرة” تتجه إلى منطقة أكثر هدوءًا وأشد تعقيدًا في آن واحد؛ فهي لا تنشغل بإعلان نهاية العلاقة بقدر ما تنشغل بالتأمل في ما آلت إليه بعد رحلة طويلة من التسامح والانتظار ومحاولات الفهم.
إنها ليست قصيدة مواجهة بقدر ما هي لحظة مراجعة متأخرة تكتشف فيها الذات أن ما تبدل لم يعد يخص الطرف الآخر وحده، بل أصبح واقعًا مشتركًا يطال العلاقة بأكملها.
وتأتي هذه الدراسة امتدادًا لمسار نقدي انشغل بقراءة تحولات الذات الأنثوية في شعر هناء سليمان؛ ففي قصيدة “كم عذرتك” [2] برزت الذات وهي تمارس التبرير دفاعًا عن العلاقة ومحاولةً للإبقاء على صورتها الأولى، بينما كشفت قصيدة “أخرى أكون” [3] عن ذات تسعى إلى إعادة تشكيل هويتها تحت وطأة الاغتراب والانفصال.
أما في “بصرة” فإن الذات تبلغ مرحلة مختلفة؛ إذ تنتقل من سؤال التبرير أو إعادة التشكّل إلى سؤال الحصيلة النهائية للعلاقة، وما تبقى فيها من طاقة وجدانية بعد مسار طويل من الأخذ والعطاء.
وتكتسب القصيدة خصوصيتها داخل ديوان “آمن بالقلب أنت”[4] من موقعها في القسم السابع الذي صدرته الشاعرة بقولها:
“كَانَ فَنَّ الصَّفْوِ أَحْلَى
مَا أَجَادَتْهُ الْعِتَابَا” [5]
وهو تصدير يضع القارئ منذ البداية أمام علاقة مركبة بين الصفاء والعتاب، بما يهيئ أفقًا تأويليًا يتجاوز الخصومة المباشرة إلى مساءلة العلاقة نفسها والكشف عن التحولات التي أصابتها عبر الزمن.
وتبدو القصيدة للوهلة الأولى نصًا عتابيًا يرصد تغير الحبيب وتراجع دفء العلاقة، غير أن بنيتها الدلالية تكشف عن مستوى أعمق؛ إذ تقوم على معجم يجمع بين الكتابة والتدوين من جهة، والمراجعة والتقويم من جهة أخرى، عبر مفردات مثل: “الصفحة”، و”الكراس”، و”سطرته”، و”اقرأ”، و”الرصيد”.
وهي مفردات تنقل التجربة من مجال البوح العاطفي المباشر إلى مجال التأمل وإعادة القراءة، بحيث تغدو الذاكرة المشتركة أشبه بنص مفتوح للمراجعة والتقييم.
وتتضاعف أهمية هذا المعجم عند الوصول إلى العنوان والعبارة الختامية: “إنها بصرة”. فالكلمة المستمدة من لعبة الورق الشعبية لا تؤدي وظيفة تسموية فحسب، بل تتحول إلى مفتاح تأويلي يعيد تنظيم القصيدة بأكملها.
وإذا كانت “البصرة” في معناها المرجعي تشير إلى لحظة تطابق وحسم داخل اللعبة، فإنها في النص تصبح رمزًا للحظة إدراك متأخرة يكتشف فيها الطرفان أن التحول لم يعد يخص أحدهما وحده، بل أصبح واقعًا مشتركًا.
وتأتي هذه الدراسة في سياق مشروع نقدي يقرأ تحولات الذات العاطفية في شعر هناء سليمان عبر مراحل متعددة؛ فإذا كانت قراءات سابقة قد انشغلت في قصيدة “كم عذرتك” بجدلية التبرير والقطيعة، وفي قصيدة “أخرى أكون” بتحولات الشوق والاغتراب، فإن “بصرة” تمثل مرحلة مختلفة قوامها المراجعة الهادئة وكشف الحصيلة النهائية للعلاقة.
وانطلاقًا من ذلك تنشغل هذه الدراسة ببحث الكيفية التي تعيد بها القصيدة تمثيل التحول العاطفي لا بوصفه حدثًا طارئًا أو انفعالًا عابرًا، بل بوصفه مسارًا تراكميًا ينتهي إلى إعادة تقييم العلاقة واكتشاف ما تبقى من رصيدها الوجداني.
وتتمحور إشكالية القراءة حول السؤال الآتي: كيف تتحول العلاقة العاطفية في قصيدة “بصرة” من حالة الامتلاء الوجداني إلى حالة من التوازن العاطفي البارد؟ وكيف توظف الشاعرة البنية اللغوية والرمزية والإيقاعية لتحويل العتاب من مجرد خطاب انفعالي إلى فعل تأمل ومراجعة ينتهي بلحظة حسم دلالية تختزلها كلمة “بصرة”؟
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القصيدة لا تقدم العتاب بوصفه شكلاً من أشكال الشكوى أو الاحتجاج على تغير الآخر فحسب، وإنما تبني خطابًا قائمًا على مراجعة العلاقة من داخلها، حيث يتحول الماضي إلى مادة للتأمل وإعادة القراءة، وتنتهي التجربة إلى ما يمكن تسميته “التوازن الصفري للعاطفة”.
وفي هذا السياق تؤدي سيميائية العنوان دورًا مركزيًا في إنتاج المعنى؛ إذ لا تشير “البصرة” إلى مجرد نهاية لجولة عاطفية، بل إلى لحظة تطابق رمزي تنكشف فيها حقيقة التغير المشترك التي تكثفها العبارة الختامية الموحية: “تغيرنا”.
واعتمادًا على هذه الفرضية، تستند الدراسة إلى نموذج نقدي مرن متعدد المقاربات، يرتكز على التحليل البنيوي للنص، ويستأنس بالمقاربة السوسيوسيكولوجية بوصفها مدخلًا رئيسًا لقراءة التحولات الوجدانية وآليات التبرير، مع الإفادة من المنهج السيميائي في تحليل العلامات المركزية والرموز المنظمة للمعنى، ومن المقاربة التأويلية في استكشاف الدلالات العميقة التي تنتجها القصيدة عبر اقتصادها اللغوي وكثافتها التعبيرية.
وتنقسم الدراسة، بعد هذه المقدمة، إلى أربعة مباحث رئيسية:
• المبحث الأول: عتبات النص وبناء أفق الحسم الدلالي.
• المبحث الثاني: سيكولوجية التحول العاطفي: من الامتلاء الوجداني إلى التوازن الصفري.
• المبحث الثالث: الجرد الوجداني وسيميائية “البصرة”.
• المبحث الرابع: البنية اللغوية والإيقاعية وتحولات المعنى.
على أن تختتم الدراسة بخلاصة تؤكد أن القصيدة لا تقدم العتاب بوصفه شكوى من تغير الآخر، بل بوصفه لحظة وعي متأخرة تكتشف فيها الذات أن ما تغير لم يكن أحد الطرفين وحده، وإنما العلاقة نفسها، وهو ما تختزله العبارة الأخيرة المكثفة: “تغيرنا”.
المبحث الأول: عتبات النص وبناء أفق القراءة
تُعد العتبات النصية من العناصر الفاعلة في تشكيل أفق التلقي، إذ لا تقف عند حدود الوظيفة التعريفية أو الزخرفية، بل تسهم في توجيه القراءة وتوليد التوقعات الأولى لدى المتلقي.
وقد أولى النقد الحديث اهتماماً خاصاً بهذه العناصر بوصفها مناطق وسيطة بين النص والعالم الخارجي، بما تمتلكه من قدرة على إنتاج المعنى قبل الولوج إلى المتن الشعري ذاته.
وفي قصيدة "بصرة" تتجاوز العتبات دورها التقليدي لتغدو جزءاً من البنية الدلالية للنص، بدءاً من عنوان الديوان الذي تنتمي إليه القصيدة، مروراً بالتصديرات التي وضعتها الشاعرة للديوان وأجزائه، وصولاً إلى عنوان القصيدة نفسه بوصفه المفتاح التأويلي الأكثر كثافة في التجربة الشعرية.
أولًا: عنوان الديوان ومفارقة الأمن العاطفي
"تنتمي القصيدة إلى ديوان آمن بالقلب أنت ، وهو عنوان يوحي بالأمان والاطمئنان الوجداني، غير أن هذا الأفق القائم على الثقة والاطمئنان يتعرض داخل القصيدة لاختبار قاسٍ؛ إذ تحضر مفردات التغير والحياد وانحسار الإحساس، فتغدو “بصرة” مراجعة متأخرة لذلك الأمان العاطفي الذي بشّر به عنوان الديوان.
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا إذا ما استُحضرت العبارة التي اختارتها الشاعرة للغلاف الخلفي:
“لا تسلني كم أحبك
لا جواب اليوم عندي
أنت عندي
عالم أحياه وحدي” [6]
إذ يحتل الحبيب هناك مركز العالم الوجداني للذات، بينما تكشف القصيدة عن مرحلة لم يعد فيها ذلك الامتلاء الأول محتفظًا بكامل حضوره.
ثانيًا: الغلاف الأمامي – بين الشفافية والانكسار
"يكتسب غلاف الديوان دلالة لافتة في ضوء القصيدة؛ فالزجاجة الشفافة في مركزه تجسّد ذاتاً قابلة للرؤية والانكسار معاً، حيث الفراغ داخلها يوحي بعالم كامل غير مرئي، بينما يراه الخارج مجرد فراغ.
وهذا يتقاطع مع بنية القصيدة حيث لا يرى الآخر إلا السطح، بينما ترى الذات في التفاصيل تاريخاً كاملاً من الإحساس والتكوين، في ثنائية بين الاندماج والهشاشة تمهد لظهور مفهوماً الرصيد و الصفر ."
ثالثا:التصدير وبناء أفق العتاب
“كَانَ فَنَّ الصَّفْوِ أَحْلَى
مَا أَجَادَتْهُ الْعِتَابَا”
ويؤسس هذا التصدير لعلاقة جدلية بين الصفاء والعتاب؛ فالعتاب لا يُقدَّم بوصفه خصومة، بل بوصفه محاولة لاستعادة ما فُقد من صفاء العلاقة.
غير أن القصيدة تتجاوز هذا المستوى إلى مراجعة أعمق، حيث لا تنشغل الذات بتسجيل الألم بقدر انشغالها بفحص تاريخ طويل من التسامح والتبرير، تمهيدًا للوصول إلى الوعي الذي ستكثفه الخاتمة في عبارة “تغيرنا”.
رابعا: عنوان القصيدة وسيميائية “البصرة”
يشكل عنوان القصيدة العتبة الأكثر إثارة للتأويل، إذ يواجه القارئ منذ البداية بكلمة مفردة تبدو غامضة أو غير مألوفة داخل السياق العاطفي الذي ينتمي إليه النص.
فالعنوان لا يصرح بموضوع القصيدة، ولا يكشف طبيعة التجربة التي يعالجها، بل يؤجل فهمه إلى ما بعد الانتهاء من القراءة.
وتستمد كلمة “البصرة” دلالتها المرجعية من لعبة الورق الشعبية المعروفة، حيث تشير إلى حالة خاصة تتحقق عند التطابق بين ورقة في يد اللاعب وأخرى مطروحة على الطاولة، بما يؤدي إلى حسم الجولة وحصد نقاط إضافية.
غير أن الشاعرة لا تستدعي هذا المعنى بوصفه مرجعاً مباشراً فحسب، وإنما تعيد توظيفه داخل بنية وجدانية أوسع، فيتحول من فعل مرتبط باللعبة إلى رمز لحالة من التماثل أو التوازن الناتج عن مسار طويل من التحولات العاطفية.
كما تحمل "البصرة" دلالة إضافية تتعلق بفعل الرؤية؛ ففي لعبة الورق، لا تتحقق "البصرة" إلا عندما يتطابق ما في يد اللاعب مع ما هو مرئي على الطاولة.
وهذا يمنح الكلمة بعداً بصرياً يتجاوز حدود اللعبة؛ فالذات في القصيدة ترى أخيراً ما كان خافياً: أنها لم تعد مختلفة عن الآخر، وأن التغير أصبح مرئياً للطرفين.
وهكذا تتحول "البصرة" إلى لحظة كشف بصري لا يقل أهمية عن لحظة التطابق والحسم.
وينتقل العنوان من المجال الشعبي التداولي إلى المجال الرمزي، ليصبح دالاً على لحظة إدراك يتكشف فيها أن ما أصاب العلاقة لم يعد يخص أحد طرفيها وحده، بل أصبح واقعاً مشتركاً بينهما.
خامسا: الخاتمة بوصفها مفتاحًا لإعادة قراءة العنوان
لا ترد كلمة “بصرة” إلا في السطرين الأخيرين من القصيدة:
“حبيبي
إنها بصرة
تغيرنا” [7]
وتكتسب هذه الخاتمة أهميتها من كونها تعيد تشكيل دلالة العنوان بأثر رجعي. فالقارئ الذي بدأ النص دون امتلاك مفتاح العنوان، يجد نفسه في نهايته مدفوعاً إلى العودة ذهنياً إلى تلك الكلمة الأولى، بعد أن أصبح قادراً على فهم أبعادها الرمزية.
كما يلفت الانتباه انتقال الخطاب من المفرد إلى الجمع؛ فالقصيدة تبدأ بقول الشاعرة: "تغيرت"، حيث يُنسب التحول إلى الآخر، لكنها تنتهي بقولها: "تغيرنا"، حيث يصبح التغير حالة مشتركة تشمل الطرفين معاً.
وللضمير الجمعي في هذا السياق دلالة حاسمة؛ فهو لا يعبر عن اعتراف مشترك فحسب، بل عن حكم نهائي. فإذا كان التغير صفة مشتركة، فقد أصبح من المستحيل على أي من الطرفين العودة إلى موقع المدعي أو المتهم. فالجميع تغيروا، وهذا يعني أن المسؤولية موزعة، وأن النهاية أصبحت مسألة وقت وليس احتمالية.
وهكذا، لا تحمل "تغيرنا" معنى الاعتراف المشترك فحسب، بل معنى إعلان انتهاء إمكانية التبرير، لأن الطرفين لم يعودا كما كانا، ولا يمكن لأي عودة أن تكون ممكنة في ظل هذا التحول المزدوج.
وبهذا المعنى لا تشير "البصرة" إلى انتصار طرف على آخر، بقدر ما تشير إلى لحظة تعادل وجداني تكشف أن العلاقة استنفدت جزءاً كبيراً من طاقتها الأولى، وأن ما بدا في البداية تغيراً فردياً قد انتهى إلى مصير مشترك.
في الخاتمة، يأتي نداء "حبيبي" رغم أن القصيدة تنتهي بإعلان التغير المشترك. وفي السياق العاطفي، يأتي نداء "حبيبي" عادة في مواضع القرب والاحتواء.
لكن وروده هنا، في لحظة إعلان "البصرة" و"تغيرنا"، يخلق مفارقة درامية عميقة؛ فالنداء لا يعبر عن قرب حقيقي، بل عن مسافة أدركت الذات أنها أصبحت نهائية.
إنها لحظة تستخدم فيها الذات اللغة الحميمة نفسها لتعلن انتهاء الحميمية، مما يمنح الخاتمة بعداً تراجيدياً لا تخلو منه القصيدة.
"وبعد أن رسمت العتبات النصية أفق الحسم الدلالي، يصبح من الممكن الانتقال إلى المتن الشعري ذاته، حيث تتجسد التحولات السيكولوجية التي تقود الذات من الامتلاء الوجداني إلى إدراك التغير المشترك، وهو ما سيتناوله المبحث التالي
المبحث الثاني: سيكولوجية التحول العاطفي: من الامتلاء الوجداني إلى التوازن الصفري
تكشف قصيدة “بصرة” عن تجربة نفسية لا تقوم على الصدمة المفاجئة أو الانهيار العاطفي الحاد، وإنما ترصد تحولًا تدريجيًا أصاب العلاقة عبر الزمن، حتى انتهى إلى إعادة تشكيل المشاعر وتعديل موازينها الداخلية.
ومن ثم لا تنشغل الذات الشعرية بوصف لحظة الفقد بقدر انشغالها بمحاولة فهم الكيفية التي انتقل بها الحب من حالة الامتلاء إلى حالة الفتور، ومن الحضور الكثيف إلى الحياد العاطفي.
أولًا: دهشة التحول وصدمة اكتشاف التغير
وتكتسب هذه الكلمة أهميتها من المسار الذي ستقطعه داخل القصيدة نفسها؛ فاليقين الأول الذي يعلنه الفعل “تغيرت” سرعان ما يخضع للمراجعة في صيغة الاستفهام “تغيرت؟!”، قبل أن يبلغ نهايته في الاعتراف المشترك: “تغيرنا”.
وهكذا تنتقل القصيدة من اتهام الآخر إلى مساءلة الذات، ثم إلى إدراك أن التحول أصبح تجربة يتقاسمها الطرفان معًا.
ثانيًا: الحنين إلى الامتلاء الوجداني
ولا يؤدي استدعاء هذه الصور وظيفة التذكر وحدها، بل يصبح معيارًا تقيس الذات من خلاله حجم التحول الذي أصاب العلاقة.
فعبارة “كان يملاني” تمثل نقطة الامتلاء القصوى التي تنطلق منها حركة المعنى في القصيدة، قبل أن تنتهي إلى صورة “الرصيد الذي قارب الصفرا”، حيث يتحول الفائض العاطفي إلى رصيد يكاد ينفد.
ثالثًا: الحياد بوصفه أخطر مراحل التباعد
تبلغ القصيدة ذروة وعيها بالتحول عند قول الشاعرة:
“حياد ما ألفناه
فلا إحساس بالمرة” [8]
فالحياد هنا لا يمثل مجرد برود عاطفي، بل يشكل حالة وسطى تقع بين الحب والكراهية، وهي لذلك أكثر تعقيدًا وخطورة من الصراع المباشر.
فالكراهية ما تزال نوعًا من الارتباط الانفعالي، أما الحياد فيشير إلى انحسار الطاقة الشعورية ذاتها. ومن ثم تدرك الذات أن ما تواجهه ليس غضبًا عابرًا أو خصامًا مؤقتًا، وإنما تغيرًا بنيويًا في طبيعة العلاقة.
ولهذا يبدو الحياد في النص علامة على تآكل المشاعر أكثر من كونه سببًا لهذا التآكل، فهو النتيجة الظاهرة لمسار طويل من التحولات الداخلية التي لم تعد قابلة للإخفاء.
رابعًا: سيكولوجية التبرير وآليات الدفاع عن العلاقة
على الرغم من إدراك الذات لحجم التغير، فإنها لا تنتقل مباشرة إلى الإدانة أو القطيعة، بل تكشف عن تاريخ طويل من محاولات التبرير:
“أنا سامحت كم مرة
غفرت الصعب والمرا
وكم عذبت أفكاري لكي ألقى لك العذرا” [9]
ويكشف هذا المقطع عن إحدى أبرز الآليات النفسية التي تلجأ إليها الذات للحفاظ على استقرار علاقتها بالآخر، وهي آلية إعادة إنتاج الأعذار وتفسير السلوك المؤلم بما يخفف من حدته.
فالذات لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن إمكانية استمرار العلاقة. ولذلك لا تكتفي بالتسامح، بل “تعذب أفكارها” كي تعثر على مبررات مقنعة تحفظ صورة الحبيب في وجدانها.
ومن اللافت أن هذا الملمح يربط قصيدة “بصرة” ببعض الملامح العامة في التجربة الشعرية لهناء سليمان، حيث يتكرر حضور الذات المتسامحة التي تمنح الآخر فرصًا متتالية قبل أن تصل إلى لحظة المراجعة النهائية.
خامسًا: من التغير الفردي إلى التغير المشترك
إذا كانت القصيدة قد بدأت بإسناد التغير إلى الآخر: “تغيرت”
فإنها تنتهي بإعلان مختلف: “تغيرنا”
وهنا يتحقق التحول النفسي الأعمق في النص.
فالذات لم تعد ترى نفسها خارج دائرة التغير، ولم تعد تتعامل مع التجربة بوصفها خطأ ارتكبه الطرف الآخر وحده، بل بوصفها مسارًا مشتركًا ترك أثره في الجانبين معًا.
ويكشف هذا الانتقال عن درجة من النضج الوجداني؛ إذ تتجاوز الذات منطق الاتهام الأحادي إلى وعي أكثر تركيبًا يعترف بأن العلاقات الإنسانية لا تتغير بفعل طرف واحد فقط، وإنما تتشكل داخل شبكة متبادلة من التأثيرات والانفعالات والخيبات والتوقعات.
ومن ثم لا تنتهي القصيدة بانتصار الذات أو هزيمة الآخر، بل تنتهي إلى ما يمكن تسميته “التوازن الصفري للعاطفة”، حيث يتقارب الرصيد الوجداني للطرفين بعد سلسلة طويلة من التحولات، لتصبح “البصرة” التعبير الرمزي عن لحظة إدراك هذا التعادل الإنساني المؤلم.
المبحث الثالث: الجرد الوجداني وسيميائية “البصرة”
إذا كان المبحث السابق قد تناول التحول النفسي الذي أصاب العلاقة، فإن هذا التحول لا يُقدَّم في القصيدة عبر خطاب انفعالي مباشر، بل يتجسد من خلال شبكة من العلامات والدوال التي تنقل التجربة من مستوى الشعور الفردي إلى مستوى البنية الرمزية.
فالنص لا يكتفي برصد تراجع الحب أو انحسار اللهفة، وإنما يعيد تمثيل العلاقة بوصفها سجلًا مفتوحًا للمراجعة، وحسابًا وجدانيًا يخضع لإعادة القراءة والتقييم.
ومن ثم تتشكل القصيدة عبر تداخل ثلاثة حقول دلالية كبرى: حقل العاطفة، وحقل التدوين والتعليم، وحقل الحساب والموازنة، لتلتقي جميعها في العنوان الختامي المكثف: “بصرة”.
أولًا: الذاكرة بوصفها سجلًا للمراجعة
في منتصف القصيدة تدعو الذات الطرف الآخر إلى العودة للماضي بقولها:
“تعال وافتح الماضي
فهذي صفحتي بيضا
وعد أنت لكراسك
وما سطرته اقرأ” [10]
وهنا تنتقل التجربة من فضاء العاطفة المجردة إلى فضاء التوثيق والمراجعة. فالماضي لا يُستحضر بوصفه ذكرى غائمة أو حنينًا مبهمًا، بل بوصفه نصًا مكتوبًا يمكن الرجوع إليه وإعادة قراءته.
وتكتسب مفردات “الصفحة” و”الكراس” و”السطر” و”القراءة” أهمية خاصة لأنها تشكل معًا بنية دلالية متكاملة تنتمي إلى عالم الكتابة والتدوين. وكأن العلاقة لم تعد مجرد خبرة عاطفية معاشة، بل تحولت إلى وثيقة قابلة للفحص والمراجعة.
ومن اللافت أن الذات لا تطلب من الآخر أن يتذكر، بل أن يقرأ. والفارق بين التذكر والقراءة جوهري؛ لأن التذكر فعل وجداني ذاتي، بينما القراءة فعل مراجعة وتأمل ومساءلة.
ومن ثم يصبح الماضي في القصيدة نصًا مفتوحًا أمام الطرفين، لا مجرد رصيد من الذكريات الشخصية.
ثانيًا: معجم التعليم وإعادة بناء العلاقة بوصفها نصًا
لا يمكن إغفال الطبيعة الخاصة للمفردات التي اختارتها الشاعرة في هذا السياق؛ فهي تنتمي إلى فضاء يرتبط بالكتابة والتعليم والتعلم أكثر مما يرتبط بالخطاب العاطفي التقليدي. فالصفحة والكراس والقراءة ليست مجرد أدوات لغوية محايدة، بل علامات تستدعي عالمًا يقوم على التسجيل والمتابعة والتقويم وإعادة النظر. ولهذا تبدو الذات الشعرية في هذا المقطع أقرب إلى من يفتح سجلًا قديمًا للمراجعة، لا إلى عاشقة تستسلم لانفعالها المباشر.
وقد يكتسب هذا المعجم دلالة إضافية إذا ما استُحضرت الخلفية المهنية للشاعرة بوصفها معلمة للغة العربية؛ غير أن أهمية هذه المفردات داخل النص لا تنبع من مرجعيتها السيرية فحسب، وإنما من قدرتها على تحويل التجربة الوجدانية إلى عملية قراءة ثانية للعلاقة، حيث يصبح الماضي مادة للتأمل أكثر منه مادة للحنين.
وبذلك يغدو الحب ذاته نصًا قابلًا لإعادة القراءة، وتتحول العلاقة إلى خطاب يراجع نفسه من الداخل.
ثالثًا: من معجم العاطفة إلى معجم الحساب
إلى جانب حقل التدوين، يحضر في القصيدة معجم آخر لا يقل أهمية، يتمثل في مفردات المحاسبة والموازنة. فالذات تستعرض سلسلة طويلة من العمليات الوجدانية:
“أنا سامحت كم مرة
غفرت الصعب والمرا
وكم عذبت أفكاري لكي ألقى لك العذرا” [11]
وهذه الأفعال لا تُذكر بوصفها مواقف منفصلة، بل بوصفها عناصر متراكمة داخل رصيد نفسي ممتد عبر الزمن. ولهذا تأتي العبارة الحاسمة:
“ولكن كيف يرضيني
من القلب الذي أهوى
رصيد قارب الصفرا” [12]
وتُعد كلمة “رصيد” من أكثر مفردات القصيدة كثافة من الناحية السيميائية؛ إذ تنقل الحب من منطق الانفعال إلى منطق القياس والموازنة. فبعد استدعاء صفحات الماضي واستعراض مسار التسامح والغفران والبحث عن الأعذار، لا يعود الماضي مادة للحنين بقدر ما يصبح موضوعًا للتقويم.
ومن هنا تكتسب عبارة “رصيد قارب الصفرا” مكانتها بوصفها الحصيلة النهائية لهذا المسار؛ إذ تدرك الذات أن الفائض العاطفي الذي كانت تمتلكه قد تآكل حتى أوشك على النفاد، ممهدًا لظهور كلمة “بصرة” بوصفها التعبير الرمزي عن لحظة التطابق والحسم.
كما تكتسب كلمة “الصفر” نفسها أهمية خاصة؛ فهي لا تشير إلى قيمة عددية فحسب، بل إلى الحد الفاصل بين الامتلاء والفراغ، وبين استمرار العلاقة واحتمال انتهائها.
ويزداد هذا المعنى دقة مع استعمال الفعل “قارب”، إذ إن الرصيد لم يبلغ الصفر بصورة نهائية، لكنه أصبح على مشارفه، بما يضفي على المشهد كله إحساسًا بالتآكل التدريجي أكثر من الانقطاع المفاجئ.
رابعًا: سيميائية “البصرة” بين التطابق والحسم
تتوج القصيدة بنيتها الرمزية كلها بالقول:
“حبيبي
إنها بصرة
تغيرنا”
وتستمد كلمة “البصرة” معناها المرجعي من لعبة الورق الشعبية، حيث تتحقق عند تطابق ورقة في يد اللاعب مع أخرى مطروحة على الطاولة، بما يؤدي إلى حسم الجولة ومنح اللاعب أفضلية خاصة.
غير أن الشاعرة تعيد إنتاج هذه الدلالة داخل سياق وجداني مختلف. فالتطابق هنا لا يقع بين أوراق اللعب، بل بين حالتين شعوريتين.
وإذا كانت القصيدة قد بدأت بإسناد التغير إلى الآخر وحده، فإنها تنتهي باعتراف ضمني بأن هذا التغير امتد إلى الذات أيضًا.
ومن ثم تغدو “البصرة” لحظة اكتشاف للتطابق المتأخر بين الطرفين؛ إذ لم يعد أي منهما يحتفظ بذلك الفائض العاطفي الذي كان يميزه عن الآخر. وهكذا تجتمع في الكلمة دلالتا التطابق والحسم معًا، لتغدو التعبير الرمزي عن نهاية مرحلة طويلة من الاستنزاف الوجداني.
وبهذا المعنى لا تمثل الكلمة مجرد خاتمة للقصيدة، بل تمثل مركزها السيميائي الأعمق؛ إذ تتجمع عندها مفردات الصفحة والكراس والقراءة والرصيد والصفر والتغير، لتشكل جميعها صورة لعلاقة لم تنته بانتصار أحد طرفيها، وإنما انتهت إلى إدراك مشترك بأن ما تبدل لم يكن شخصًا واحدًا، بل التجربة العاطفية بأكملها.
المبحث الرابع: البنية اللغوية والإيقاعية وتحولات المعنى
لا تنفصل الدلالة في قصيدة “بصرة” عن الوسائط اللغوية والإيقاعية التي تحملها؛ إذ تتشكل تجربة التحول العاطفي عبر لغة تبدو للوهلة الأولى بسيطة ومباشرة، لكنها تخفي قدرًا من الاقتصاد التعبيري والتكثيف الدلالي يجعل كل مفردة تؤدي وظيفة تتجاوز معناها المعجمي المباشر.
ومن ثم فإن دراسة البنية اللغوية والإيقاعية تكشف جانبًا مهمًا من الكيفية التي يتحول بها الشعور إلى بناء فني قادر على إنتاج أثره الجمالي والدلالي في آن واحد.
أولًا: بساطة اللغة وعمق التجربة
تقوم القصيدة على لغة مألوفة بعيدة عن التعقيد اللفظي أو الزخرفة البلاغية الثقيلة. فالمفردات الأساسية تنتمي إلى المعجم اليومي القريب من المتلقي: “اللهفة” .. “الحنان” .. “الحب” .. “القلب” .. “العبرة”، كما تستدعي ألفاظًا مألوفة من عالم الكتابة والتدوين: “الصفحة” .. “الكراس” .. “سطرته” .. “اقرأ”.
وتنسجم هذه البساطة مع الطبيعة الوجدانية للنص؛ إذ لا تسعى الشاعرة إلى الإبهار اللغوي بقدر ما تسعى إلى نقل تجربة إنسانية يمكن التماهي معها. غير أن هذه البساطة لا تلغي الكثافة الدلالية؛ فكلمات مثل “تغيرت” في المطلع و”بصرة” في الخاتمة تحملان عبئًا معنويًا يتجاوز حجمهما اللغوي، وتختزلان مسارًا كاملًا من التحولات النفسية والرمزية.
ثانيًا: الحقول الدلالية وحركة الانتقال بين المعاجم
تنتظم لغة القصيدة حول ثلاثة حقول دلالية رئيسة:
حقل العاطفة: اللهفة .. الحنان .. الحب .. القلب .. الإحساس.
حقل التدوين والقراءة: الصفحة .. الكراس .. سطرته .. اقرأ.
حقل الحساب والموازنة: رصيد .. الصفر .. بصرة.
ولا تظهر هذه الحقول متجاورة فحسب، بل تتحرك القصيدة بينها في مسار دلالي واضح؛ إذ تبدأ من استحضار العاطفة، ثم تنتقل إلى مراجعة الماضي وقراءته، لتنتهي إلى تقييم حصيلة العلاقة وقياس ما تبقى منها. وبذلك تتجسد حركة المعنى نفسها في حركة المعجم، حيث تتحول العلاقة من شعور يُعاش إلى نص يُقرأ ثم إلى رصيد يُقوَّم.
ثالثًا: الاستفهام بوصفه أداة للكشف النفسي
يحتل الاستفهام موقعًا مهمًا في البنية التعبيرية للنص:
“فأين اللهفة الحرى؟”
“وماذا جد في النبرة؟”[13]
وهذه الأسئلة لا تنتظر إجابات مباشرة بقدر ما تكشف حالة الحيرة التي تعيشها الذات أمام التحول الذي أصاب العلاقة. ومن ثم يتحول الاستفهام إلى أداة لاستبطان التجربة، حيث يعبر عن ارتباك الوعي أمام واقع لم يعد قابلًا للتفسير بالمنطق القديم.
رابعًا: التكرار وبناء الإيقاع الدلالي
يؤدي التكرار دورًا محوريًا في بناء الإيقاع الداخلي للقصيدة. فالفعل “تغيرت” يفتتح النص، ثم يعود التحول في الخاتمة بصيغة مختلفة: “تغيرنا”، لتتشكل بين اللفظتين الحركة الدلالية الأساسية للنص كله.
كما يتكرر حضور ألفاظ مثل: “سامحت”، “غفرت”، “عذبت أفكاري”، بما يرسخ الإحساس بتراكم التجربة واستنزافها الزمني. ولا يؤدي هذا التكرار وظيفة إيقاعية فحسب، بل يكشف أيضًا عن إصرار الذات على استنفاد جميع فرص التبرير قبل الوصول إلى لحظة الحسم.
خامسًا: الموسيقى الداخلية وانسجام النهايات الصوتية
تتسم القصيدة بحضور موسيقي واضح، وهو ملمح يتكرر في تجربة هناء سليمان الشعرية عمومًا. ويتجلى ذلك في تقارب النهايات الصوتية وتجاور المقاطع ذات الإيقاع المتقارب: “الحرى” .. “نظرة” .. “النبرة” .. “المرة” .. “العبرة”
كما تتجاوب ألفاظ أخرى مثل: “بيضا” .. “اقرأ” .. “العذرا” .. “الصفرا” محدثة نوعًا من التآلف السمعي الذي يمنح النص انسيابية وغنائية هادئة.
ولا تبدو هذه الموسيقى منفصلة عن التجربة؛ إذ تنسجم النبرة الإيقاعية الهادئة مع طبيعة القصيدة نفسها، فهي ليست قصيدة صدام أو غضب، بل قصيدة مراجعة وتأمل واكتشاف متأخر.
سادسًا: بين شعر التفعيلة والغنائية التقليدية
تنتمي القصيدة إلى فضاء الشعر الحر ذي النزعة الغنائية، حيث لا تلتزم بنظام الشطرين التقليدي، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بحس موسيقي واضح وبقرب ملحوظ من الإيقاع العربي الموروث.
ولا يقوم جمالها على المغامرة الشكلية أو التجريب الإيقاعي بقدر ما يقوم على التوازن بين حرية البناء وانسجام النغم، وهو ما يفسر سهولة تلقيها شفهيًا وقدرتها على الاحتفاظ بأثرها السمعي بعد انتهاء القراءة.
كما ينسجم هذا الاختيار الفني مع طبيعة التجربة المطروحة؛ فالنص لا يسعى إلى تفجير اللغة أو كسرها، بل إلى جعلها وسيطًا شفافًا ينقل التحول الوجداني بأكبر قدر من الصدق والتأثير.
الخاتمة النقدية
انطلقت هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن قصيدة "بصرة" لا تقدم العتاب بوصفه شكلاً من أشكال الاحتجاج أو الشكوى، بل تبني خطاباً قائماً على جرد وجداني للعلاقة من داخلها، حيث تتحول الذاكرة المشتركة إلى سجل للمراجعة والمحاسبة، ويتحول الحب من حالة امتلاء شعوري إلى ما يمكن تسميته بالصفر الوجداني، أي لحظة تعادل طاقي بين طرفين استنزفتهما العلاقة.
وقد أكدت القراءة صحة هذه الفرضية، وكشفت عن بنية تحولية متكاملة تنتقل فيها الذات من الدهشة إلى الوعي، ومن الاتهام إلى الاعتراف، ومن التبرير إلى الحسم.
على مستوى العتبات النصية، كشفت الدراسة أن القصيدة تُقرأ ضمن سياق ديواني أوسع يعزز دلالتها؛ فقد أقام عنوان الديوان "آمن بالقلب أنت" مفارقة بنيوية بين وعد الأمن وإنجاز الجرد، بينما جسّد الغلاف الأمامي حالة الشفافية والهشاشة التي تعيشها الذات، بما يوازي ثنائية الامتلاء والانحسار في النص.
كما وضع التصدير "كان فن الصفو أحلى ما أجادته العتابا" القارئ أمام تصور مفاده أن العلاقة انتقلت من الامتلاء التلقائي إلى فن يحتاج إلى إجادة، وهو ما مهّد لفهم الجرد الوجداني.
أما عنوان القصيدة "بصرة"، فقد مثل المفتاح التأويلي الأكثر كثافة، إذ استعاد دلالته من لعبة الورق الشعبية ليحوّلها إلى رمز للتطابق والحسم واكتشاف التغير المشترك، فيما أعادت الخاتمة "تغيرنا" تشكيل دلالة العنوان بأثر رجعي، وحوّلت الضمير من المفرد إلى الجمع في إعلان نهائي للحكم على العلاقة.
أما على المستوى السيكولوجي، فقد كشفت الدراسة أن القصيدة لا تعتمد على الصدمة العاطفية الحادة، بل تصوّر تحولاً تدريجياً أصاب العلاقة عبر الزمن.
وقد تجسّد هذا التحول في تطور صيغة الفعل "تغيرت" من التقرير إلى الاستفهام ثم إلى الجمع، مما يعكس مساراً نفسياً يبدأ بالدهشة، ويمر بالمراجعة، وينتهي بالاعتراف المشترك.
كما كشفت القصيدة عن أخطر مراحل التباعد العاطفي ممثلة في "الحياد"، الذي لا يمثل بروداً عابراً بل انحساراً للطاقة الشعورية ذاتها، وهو ما يجعل القطيعة هنا نتيجة لاستنزاف طويل لا لصدام مفاجئ.
وإلى جانب ذلك، كشفت الدراسة عن تحول في وظيفة التبرير؛ فبينما كان التبرير في "كم عذرتك" آلية دفاعية للحفاظ على العلاقة، فإنه في "بصرة" أصبح مادة للمراجعة والمحاسبة، مما يعكس تطوراً في وعي الذات من الانخراط في العلاقة إلى الوقوف خارجها والنظر إليها من مسافة نقدية.
وعلى المستوى السيميائي، تبيّن أن القصيدة تنتظم حول شبكة من الدوال المتداخلة تجمع بين ثلاثة حقول دلالية: معجم العاطفة (اللهفة - الحنان - الحب)، ومعجم التدوين (الصفحة - الكراس - سطرته - اقرأ)، ومعجم الحساب (رصيد - الصفر - بصرة).
وقد تحققت حركة المعنى عبر الانتقال بين هذه الحقول، حيث تتحول العلاقة من شعور يُعاش إلى نص يُقرأ ثم إلى رصيد يُقوَّم. وتكشف دلالة "الصفر" عن مفهوم حدودي يفصل بين القيمة وعدمها، وبين الفائض والعجز، فيما تحمل "البصرة" دلالة مزدوجة تجمع بين التطابق والحسم، وتضيف إليهما بعداً بصرياً يتعلق بفعل الرؤية والكشف.
أما الضمير الجمعي "تغيرنا" فيمثل لحظة إعادة توزيع المسؤولية، حيث يصبح الحكم نهائياً بعد أن يتبين أن التغير أصاب الطرفين معاً، فلا عودة ممكنة ولا تبرير مجدياً.
وأسهمت البنية اللغوية والإيقاعية في ترجمة هذه الدلالات صوتياً وتركيبياً. فقد اعتمدت القصيدة على لغة بسيطة ظاهرياً لكنها مكثفة دلالياً، حيث تؤدي مفردات مثل "تغيرت" و"رصيد" و"بصرة" وظائف تتجاوز معانيها المعجمية إلى أعباء رمزية ثقيلة.
كما أسهم الاستفهام في التعبير عن دهشة الذات وترددها، بينما عكس التكرار حالة الإلحاح النفسي والاستنزاف التدريجي، ثم تحول إلى إيقاع حاسم في الخاتمة.
وأظهر تحليل التنغيم الداخلي انحداراً نغمياً من الدهشة إلى المراجعة إلى الحسم، بما يواكب حركة المعنى الأساسية في النص. وبهذا لم يكن الإيقاع عنصراً زخرفياً، بل ترجمة صوتية دقيقة لمسار التحول الوجداني.
وهكذا، تتكامل المستويات الأربعة في بناء دلالي متدرج: تبدأ العتبات النصية برسم أفق الحسم، ثم تكشف السيكولوجية عن مسار التحول الداخلي، ثم تعيد السيميائية تشكيل هذا التحول في شبكة من العلامات، ثم تجسد البنية اللغوية والإيقاعية هذه العلامات في مادة صوتية وتركيبية.
وتؤكد هذه التكاملية أن قصيدة "بصرة" ليست مجرد نص عتابي، بل بناء شعري منظم يعيد تعريف العلاقة من الداخل، ويحوّلها من تجربة إلى نص، ومن انفعال إلى وعي، ومن حب إلى صفر، ومن أنا وأنت إلى نحن اللائي لسنّا.
وتكتسب القصيدة خصوصيتها داخل تجربة هناء سليمان من انتقالها من خطاب الانفعال إلى خطاب المراجعة؛ إذ لا تقوم على الاحتجاج أو انتظار الخلاص بقدر ما تقوم على تأمل ما تبقى من العلاقة بعد أن استنفدت معظم طاقتها الوجدانية.
وتنجح الشاعرة في هذه القصيدة في تحقيق توازن دقيق بين بساطة اللغة وعمق الدلالة، وبين الهدوء التعبيري والكثافة الوجدانية. فعلى الرغم من قصر النص، فإنه يقدم تجربة نفسية مركبة، ومساراً وجودياً واضحاً، وبنية رمزية متكاملة، مع احتفاظه بالحس الموسيقي والشفافية التعبيرية التي تميز تجربة هناء سليمان.
كما يتجاوز النص حدوده الفردية ليعبّر عن نموذج علائقي قابل للتعميم، دون أن يفقد صدقه الذاتي.
وفي النهاية، تؤكد قصيدة "بصرة" أن التحول ليس خياراً هادئاً، بل نتيجة احتراق داخلي ممتد. فالذات لا تتغير لأنها تريد، بل لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار بالصورة ذاتها.
ومن هنا، لا تكمن القيمة العميقة للنص في تصوير انحسار الحب، بقدر ما تتجلى في قدرته على تحويل العلاقة العاطفية إلى سؤال وجودي مفتوح: ماذا يبقى منا حين نكتشف أننا لم نعد كما كنا؟ وبذلك تغدو القصيدة نصاً تأويلياً مفتوحاً، يتجاوز البوح إلى أفق التفكير، ويؤكد أن الشعر (في تجليه الأعمق) ليس تعبيراً عن المشاعر فحسب، بل إعادة تشكيل للواقع عبر اللغة، وكشف للتحولات الدقيقة التي لا تنتبه إليها العين إلا بعد أن تصبح وقائع لا رجعة فيها.
ولعل ما يمنح القصيدة قدرتها على تجاوز حدود التجربة الفردية أنها تلامس سؤالًا إنسانيًا أوسع: ماذا يبقى من العلاقات حين لا تنتهي بالخيانة أو الصدام، بل بالتآكل البطيء للمشاعر؟ وهو سؤال يجعل من “بصرة” نصًا عن التحول الإنساني بقدر ما هو نص عن التحول العاطفي.
المصادر والمراجع
المصادر
(1) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. الاسكندرية: يوريكا للنشر والتوزيع.
(2) هناء سليمان. (2022). كم عذرتك (ديوان شعر). الاسكندربة: يورك للطباعة والنشر.
مواقع النشر الالكترونى
(1) حسن محمود. (6 نوفمبر, 2023). ندوة برائحة الزمن الراقي!! حساب حسن احمد محمود على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/18ZoNvvQR1/
(2) نهى عاصم. (4 يناير, 2023). آمن بالقلب أنت لهناء سليمان. حساب نهى عاصم على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/17YNMoXAm2/
(3) نهى عاصم. (2022). ديوان كم عذرتُك للشاعرة هناء سليمان. موقع goodreads: https://www.goodreads.com/book/show/62977780
الهوامش
(1) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. قصيدة" بصرة" ص 64-65
(2) هناء سليمان. (2022). كم عذرتك (ديوان شعر). الاسكندربة: يورك للطباعة والنشر. القصيدة ص 54-56
(3) هناء سليمان. (2022). كم عذرتك (ديوان شعر). الاسكندربة: يورك للطباعة والنشر. القصيدة ص 54-56
(4) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. الاسكندرية: يوريكا للنشر والتوزيع.
(5) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. ص 60
(6) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. ص 76 (من قصيدة لا جواب اليوم عندى 75-76)
(7) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. قصيدة" بصرة" ص 65
(😎 هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. قصيدة" بصرة" ص 64
(9) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. قصيدة" بصرة" ص 65
(10) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. قصيدة" بصرة" ص 64
(11) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. قصيدة" بصرة" ص 65
(12) المرجع السابق
(13) هناء سليمان. (2021). آمن بالقلب انت. قصيدة" بصرة" ص 64



#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المخاض وبنية المقاومة... قراءة سوسيو–سيكولوجية متعددة المداخ ...
- «غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالي ...
- الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة ...
- بين الغربة وأزمة الاعتراف: الذات المأزومة في قصيدة -غريب- لع ...
- الخسارة الأخيرة: مصادرة المستقبل وتحوّل الأمومة في قصة “خبزن ...
- الماء والعدالة الأخلاقية: تشكّل الوعي الإنساني في قصة -بلال ...
- من لذة الغياب إلى اغتراب الذات: البنية التحولية للشوق في “أُ ...
- الأنا المتحولة: مرايا الذات وفتنة الحلم في قصيدة “أنا” للشاع ...
- اللوحة والذاكرة الجريحة - قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “لوحة ...
- سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف
- الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا اله ...
- ”لا”.. ثمن الوعي: قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة ”لا” لنهال ال ...
- بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليا ...
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع ...
- حين تحصد العصافيرُ المساميرَ: تمثلات الاغتراب وآليات التشكيل ...
- كساء الجمر: شعرية الصحراء بين صبابات الرمل ومتون دار بسيس لل ...
- سيكولوجية التبرير وسوسيولوجية القطيعة: الذات الأنثوية بين ال ...
- البيت بوصفه بنيةً للقهر والهيمنة: قراءة سوسيو–نفسية في رواية ...
- -الأنثى والمدينة والذاكرة: عوالم سردية وأنساق نفسية في أنثى ...


المزيد.....




- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...
- لإنهاء الحرب.. ما هو المخرج الذي ينبغي أن يسلكه الجميع الآن؟ ...
- وفاة هاني شنودة.. عراب نجوم الموسيقى في مصر


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عصام الدين صالح - من الامتلاء إلى التوازن الصفري: سيميائية الجرد الوجداني وتحولات الوعي العاطفي في قصيدة “بصرة” للشاعرة هناء سليمان