|
|
«غواية ظل» لمحمد عطية محمود: مقاربة نفسية–سوسيوثقافية وجمالية في جدل الذاكرة والظل
عصام الدين صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 03:07
المحور:
الادب والفن
﷽
أولًا: المقدمة تأتي رواية «غواية ظل»[1] للكاتب والناقد المصري محمد عطية في سياقٍ سرديٍّ يتّسم بالتجريب والتأمل في أسئلة الوجود والذاكرة والعلاقة الملتبسة بين الواقع والمتخيل. وتمثل الرواية (في ضوء مشروع الكاتب الممتد منذ روايتيه السابقتين «دوامات الغياب» و«بهجة الحضور») استمرارًا لتأمل الذات في مواجهة الزمن، ومحاولة لتوسيع أفق السرد عبر التعدد الصوتي وتداخل الأزمنة وتوتر العلاقة بين النموذج والظل، الأصل والصورة، الحلم واليقظة. يتأسس هذا العمل على رؤية فكرية ونفسية تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع هواجس الذاكرة والتاريخ الشخصي، كما تُبنى بنيته السردية على ثنائية (حلمي/زهرة) في توازي سردي يعيد تشكيل علاقة الإنسان بماضيه، ويقترح إمكانية مراجعة الهزيمة واستعادة الحلم من خلال اللغة والخيال. من هنا تبرز الرواية نصًّا مفتوحًا على مستويات متعددة من القراءة، يمكن مقاربتها من مداخل نفسية وسوسيوثقافية وجمالية–رمزية، إضافة إلى مدخل سردي يُعَدّ المركز المحوري في تحليلها. تسعى هذه الدراسة[2] إلى تحليل البنية السردية والفكرية في الرواية من خلال هيكل نقدي متكامل يبدأ من العنوان بوصفه مدخلاً دلاليًا، وينتقل إلى تفكيك مستويات التشكيل الحكائي والزمني، ويتابع تمظهرات الذاكرة والظل والنموذج الأنثوي في ضوء المدخل النفسي، ثم يرصد تفاعلات الشخصيات والفضاء في سياقها الاجتماعي والثقافي، وصولاً إلى قراءة البنية الرمزية والجمالية في ضوء تعدد الأصوات والرؤية الشعرية للغة. ولا تنحاز الدراسة إلى إصدار أحكام قيمية على النص بقدر ما تُعنى بتقصي آليات تشكّله، والوقوف على ما يضيفه إلى تجربة الكاتب وجيله في الرواية المصرية المعاصرة، بوصفه عملاً يعبّر عن تقدّم نوعيٍّ في مسار الكتابة السردية لديه، ويجسّد توظيفًا ناجحًا لتقنيات الحكي الداخلي وتعدد الرواة واستحضار الذاكرة بوصفها وسيلة للمعرفة والمساءلة. وتتأسس هذه القراءة إذن على وعيٍ مزدوجٍ يزاوج بين التحليل الجمالي والنفاذ التأويلي، في ضوء مقولات النقد الحديث ومفاهيمه المتقاطعة بين السرد والتحليل النفسي والثقافي. ومن ثمّ، فإن الإطار النظري والمنهجي الذي تستند إليه الدراسة يهدف إلى تحديد المفاتيح المفهومية والأدوات الإجرائية القادرة على مقاربة الرواية في مستوياتها المتعددة، بما يتيح فهماً أعمق لبنيتها النصّية ودلالاتها الرمزية والوجودية. ثانيًا: الإطار النظري والمنهجي تقوم هذه الدراسة على مقاربة متعددة المستويات، تنفتح على تداخل المناهج النقدية الحديثة وتفاعلها مع بنية السرد العربي الراهن. وقد اقتضت طبيعة رواية «غواية ظل» اختيار مقاربة نفسية–سوسيوثقافية، تتيح قراءة النص في ضوء علاقة الذات بالآخر، والذاكرة الفردية بالتحولات الاجتماعية، إلى جانب إبراز الصراع بين الوعي والواقع بوصفه أحد محركات التخييل السردي. فالمنهج النفسي يتيح مقاربة بنية الشخصيات من منظور التحليل الداخلي، بما يشمل دراسة الدوافع واللاوعي الفردي وتمثيلات الذاكرة والغياب، في حين يُعنى المنهج السوسيوثقافي بتفسير أنماط التمثيل الاجتماعي وتحولات الطبقة والمكان، وصلات النص بالخطابات الثقافية المهيمنة. إن الجمع بين هذين البعدين لا يأتي من باب التوفيق الشكلي، بل من استجابة لمقتضيات النص الذي يقوم على جدلٍ واضح بين الذات الفردية ومحيطها، بين التجربة الوجودية الخاصة والبنية المجتمعية الكبرى. ولأن السرد في «غواية ظل» يقوم على تعددية الأصوات وتناوب ضمائر السرد، فإن الدراسة توظف أيضًا المدخل السردي الثابت في جميع التحليلات، من خلال تتبّع آليات التبئير، والراوي الداخلي، وتوزيع الزمن والمكان، وتشكيل اللغة بما تحمله من بعد رمزي وجمالي. وتُطبّق هذه الأدوات بوصفها وسائلَ للكشف عن الوعي البنائي للنص، لا كقوالب جاهزة لفرض تأويل مسبق. وبهذا يتحدد الإطار النظري العام في ضوء ثلاثة مستويات مترابطة: · المستوى السردي البنائي: بوصفه الأداة الرئيسة لتحليل المكونات الفنية للرواية (الزمن، المكان، الشخصيات، الراوي، اللغة). · المستوى النفسي: للكشف عن بنية التوتر الداخلي والازدواج في شخصيات الرواية وما تولّده من رموز واشتغالات حلمية. · المستوى السوسيوثقافي: لفهم علاقة النص بتحولات المجتمع، وتمثيله للوعي الجمعي والثقافي في سياقٍ تاريخي متغير. ومن خلال هذا الإطار المركّب تسعى الدراسة إلى إقامة توازنٍ بين التحليل النصّي الدقيق وبين القراءة التأويلية المنفتحة، انطلاقًا من فرضية أن «غواية ظل» نصٌّ يعبّر عن مأزق الإنسان المعاصر في مواجهة ظله الداخلي ومجتمعه الخارجي في آنٍ واحد. ثالثًا: التحليل التطبيقي (المداخل النقدية) 1. المدخل السردي يقوم البناء السردي في رواية «غواية ظل» على تعددية الأصوات والتناوب بين ضميري المتكلم والمخاطَب، في إطار ما يمكن تسميته بـ«البنية البوليفونية» التي تتيح لكل صوت سردي مساحته في التعبير والتأمل. فالرواية تتشكل من صوتين رئيسين هما حلمي وزهرة، يتحاوران عبر مسافة زمنية ونفسية ممتدة، تجمع بين التذكر والمراجعة واستعادة الماضي عبر الذاكرة الفردية، بما يضفي على النص بعدًا تأويليًا عميقًا. ويُعد هذا التناوب في الأصوات السردية من أبرز آليات تشكيل الوعي في الرواية؛ إذ يتيح تعدد المنظورات، ويكسر سلطة السارد الواحد، ليُقيم علاقة أفقية بين الذوات الساردة والمتلقّي، فيتحول السرد إلى مساحة مشاركة وجدلية أكثر منه إلى خطاب وصفي مباشر. أ. المكان الروائي يتوزع الفضاء الروائي بين الإسكندرية كمركز مكاني رئيس، وفضاءات أخرى تمتد إلى الكويت والسودان وأسوان. ويُوظَّف المكان بوصفه حاملاً للذاكرة ومحرّكًا للسرد، لا مجرد إطار جغرافي للأحداث. فالإسكندرية تظهر بوجهها المزدوج: مدينة الحضور والحنين، كما في المقاطع التي يستعيد فيها البطل تفاصيل الشوارع والمقاهي والبحر، حيث يتخذ المكان طابعًا رمزيًا يحيل إلى الذات الباحثة عن جذورها. أما الأمكنة الأخرى، كالسفر إلى الخارج، فتمثل فضاءات اغتراب وانقطاع، تكشف هشاشة الانتماء وتشتت الهوية². ب. الزمن الروائي يُبنى الزمن في الرواية على الاسترجاع والاستباق، ضمن حركة دائرية تُعيد الحاضر إلى الماضي باستمرار. فالمونولوجات الداخلية للشخصيتين تعيد سرد الأحداث القديمة من زوايا متباينة، فينفتح النص على زمنٍ نفسيّ لا يُقاس بالكرونولوجيا، بل بالذاكرة والتداعي. هذه التقنية تمنح الرواية بُعدًا حلميًا، حيث يصبح الماضي مادة حية تتجدد مع كل لحظة وعي، وتتحول الأزمنة إلى مرايا متداخلة تعكس فكرة العودة المستحيلة. ج. الشخصيات تقوم الشخصيات في «غواية ظل» على بنية ازدواجية: فـحلمي يطارد «الظل» المتمثل في أمل ثم في توأمها زهرة، بينما تسعى الأخيرة إلى تجاوز الماضي ومواجهة صورتها الأخرى. هذه البنية المراوية تجعل الشخصية أكثر تركيبًا، إذ تتكثف داخلها الدوافع النفسية والرموز الثقافية. وتتحرك الشخصيات الثانوية (مثل مختار وجلال وإنجي) في حدود وظيفية، كعناصر كاشفة لأبعاد الصراع لا كذوات مكتملة، وهو ما يتسق مع طبيعة السرد الداخلي التأملي. د. الحبكة والبناء تقوم الحبكة على التوازي لا على التصاعد التقليدي؛ فالأحداث تتوزع بين صوتين يرويان تجربتين متقاطعتين في الزمان والمكان، تتخللهما لحظات حلمية وتأملية تكسر الخطية الزمنية. وتتحول الحبكة بذلك إلى شبكة من العلاقات النفسية والدلالية، تُعبّر عن فكرة استعادة الماضي ومساءلته أكثر مما تعبّر عن التطور الخارجي للأحداث. هـ. الراوي ووجهة النظر يتبدى في الرواية نوع من التبئير الداخلي، حيث يتولى السرد ضمير المتكلم بوصفه أداة لإعادة تشكيل التجربة من الداخل. فكل من حلمي وزهرة يرويان عالمهما الذاتي، دون أن يحتكر أيٌّ منهما الحقيقة. هذا التعدد في الرؤية يمنح النص عمقًا تأويليًا ويكشف نسبية المعرفة السردية، كما يخلق توترًا دائمًا بين السارد والمرويّ عنه⁶. و. اللغة والأسلوب لغة الرواية مشبعة بالبعد الشعري والتأمل الفلسفي، لكنها تحافظ على تماسكها السردي، فلا تنفصل عن الحدث أو تتورط في الزخرفة البلاغية. وتقوم على ثنائية: اللغة اليومية الواقعية في الحوار، واللغة الحلمية–الصوفية في المونولوجات والوصفيات الطويلة. هذا التناوب يعكس التوتر بين الجسد والروح، بين الواقعي والمتخيل. وتبدو اللغة أحيانًا كوسيط للتطهر والبوح، كما في المقاطع التي تصف العلاقة بين حلمي وأمل أو زهرة، حيث تتحول المفردات إلى رموز للبعث والانبعاث من الخسارة. 2. المدخل الموضوعاتي / الدلالي تنهض رواية «غواية ظل» على مجموعة من القضايا الوجودية والفكرية التي تُشكِّل عمادها الدلالي؛ فهي تشتبك مع مفاهيم الظل، الذاكرة، الاغتراب، والبحث عن الهوية بوصفها عناصر تأسيسية في التجربة الإنسانية. ويبدو أن الرواية تُؤسِّس بنيتها على سؤالٍ جوهري: هل يمكن للإنسان أن يتحرّر من ظله القديم؟ أي من الصور التي صنعها خياله وماضيه عن ذاته والآخرين؟ هذا السؤال يتحرك في جميع مستويات النص، من التشكيل السردي إلى اللغة الرمزية، ليحوّل العلاقة بين الأصل والظل، الغياب والحضور إلى محورٍ دلاليٍّ جامع. أ. ثنائية الأصل والظل يمثل حضور التوأم (أمل/زهرة) أحد أبرز الرموز الدلالية في الرواية، إذ يتخذ الظل هنا معنى مركّبًا يجمع بين الاستعادة والتكرار، وبين الرغبة في تجاوز الماضي والارتهان له في الوقت نفسه. فـ«أمل» تمثل النموذج الغائب الذي يواصل تأثيره بعد الموت، بينما تجسد «زهرة» محاولته الجديدة لاستعادة النموذج ذاته في شكلٍ آخر. ومن خلال هذه البنية يتجلى هاجس التكرار والبديل، الذي يحيل إلى عجز الذات عن الخلاص من صورها القديمة، في مقابل توقها الدائم إلى إعادة خلقها في ظروف مغايرة. ب. الذاكرة بوصفها محركًا دلاليًا تعمل الذاكرة في الرواية كأداة لاستحضار الماضي وكشف الحاضر في آنٍ واحد. فهي ليست مجرد مخزون للأحداث، بل طاقة سردية تُعيد بناء الزمن وتمنحه معناه الجديد. فكلٌّ من حلمي وزهرة يستدعي ماضيه في ضوء جرحٍ قديمٍ لم يلتئم بعد، وتصبح الكتابة نفسها فعلًا من أفعال المراجعة النفسية والاعتراف. هذا التوظيف يجعل من الرواية نصًّا عن استعادة الذات بقدر ما هو عن استعادة الآخر. ج. الاغتراب الوجودي والاجتماعي يتبدّى في الرواية شكلان من الاغتراب: داخلي (نفسي) وخارجي (اجتماعي). فالشخصيات، وإن بدت متجذّرة في واقعٍ حضريٍّ محدد كالإسكندرية، إلا أنها تعيش حالة فقدٍ وانفصال عن محيطها. ويظهر ذلك في علاقة حلمي بالمكان بعد عودته من المهجر، وفي شعور زهرة بعدم الانتماء لأي فضاء مستقر. هذا الاغتراب المزدوج يعكس مأزق الإنسان الحديث الذي يبحث عن معنى وجوده في عالمٍ فقد ثوابته. د. الهوية والاختلاف تُعيد الرواية صياغة سؤال الهوية من خلال جدلية التشابه والاختلاف. فالتطابق الشكلي بين أمل وزهرة لا يلغي الفوارق الجوهرية بينهما، كما أن بحث حلمي عن صورة أمل في زهرة يعبّر عن رغبة في توحيد الماضي بالحاضر، في حين تنزع زهرة إلى تأكيد استقلالها الذاتي. بهذا المعنى، يصبح الظل في الرواية استعارة لهوية متشظية تحاول التماسك عبر مرآة الآخر. هـ. الرؤية الفكرية والفلسفية تكشف الرواية في عمقها عن رؤية وجودية–صوفية تمزج بين التسليم بالقدر والسعي إلى الفهم. فالشيخ الذي يظهر في وعي حلمي بوصفه مرشدًا غامضًا، ليس مجرد شخصية ثانوية، بل رمز للوعي المتعالي الذي يحاول أن يمنح التجربة معناها الروحي. ويتجلّى هذا البعد في اللغة التأملية التي تقترب من الخطاب الصوفي حين تتحدث الشخصيات عن المصير والموت والبعث، فيتحوّل الحلم والظل إلى رمزين للخلود والبحث عن الكمال. و. الرموز المهيمنة تنتشر في الرواية مجموعة من الرموز المتكررة مثل البحر، المرايا، الضوء، الظل، الطيف، والرحلة. ويبدو كلٌّ منها ذا وظيفة دلالية واضحة؛ فالبحر يحيل إلى اللانهائي والمطلق، والمرايا إلى الوعي بالذات والآخر، والظل إلى أثر الغائب الذي لا يُمحى. هذه الرموز لا تعمل كزخارف جمالية، بل كشبكة دلالية متشابكة تعبّر عن توتر التجربة الإنسانية بين الحضور والغياب. 3. المدخل النفسي يُعدّ البعد النفسي أحد المكونات الجوهرية في البنية العميقة لرواية «غواية ظل»، إذ تُبنى التجربة السردية برمّتها على صراع داخلي يتخذ شكلَ مواجهةٍ بين الذاكرة والواقع، والرغبة والحرمان، والوعي واللاوعي. فالعالم الروائي لا يقوم على الحدث الخارجي بقدر ما يتمحور حول الحدث الداخلي، أي ذلك التحوّل المستمر في دواخل الشخصيات وهي تواجه أشباحها القديمة، وتعيد تأويل خساراتها ضمن منظومة من الرموز والظلال. أ. الازدواج النفسي وبنية الظل يتجلّى المحور النفسي المركزي في ثنائية الأصل والظل، أو بتعبيرٍ آخر، بين الذات وصورتها المتخيّلة. فشخصية حلمي تعيش مأزقًا وجوديًا نابعًا من بحثها عن النموذج الأنثوي المفقود (أمل)، الذي يتحوّل مع مرور الزمن إلى فكرة ميتافيزيقية تلاحقه حتى في علاقاته الجديدة. حين يلتقي «زهرة»، توأم أمل، يتجسّد الماضي في الحاضر، ويبدأ الانشطار النفسي بين الواقع والخيال. هذه الحالة تمثّل نموذجًا دقيقًا لما يسميه يونغ ظلّ الذات، أي تلك الصورة التي تُخفيها النفس عن وعيها وتعود لتواجهها في مواقف التحوّل والاختبار. ب. الحنين والذاكرة كآليتين دفاعيتين تتخذ الذاكرة في الرواية وظيفةً علاجية–دفاعية؛ فهي الوسيلة التي يحاول بها الأبطال ترميم الفقد واستعادة التوازن الداخلي. غير أنّ عملية التذكّر نفسها تتحوّل إلى فخٍّ نفسي، إذ تُبقي الشخصيات أسيرةً لماضٍ لا يمكن تجاوزه. فحلمي يستعيد تفاصيل علاقته بأمل لا من أجل النسيان، بل ليعيد إنتاج التجربة في جسدٍ جديد هو جسد زهرة. وبذلك يُصبح الماضي آلية مقاومة للحاضر ووسيلة للنجاة من فراغه، لكنه أيضًا آلية إنكار تمنع النمو النفسي الحقيقي. ج. القلق الوجودي والخوف من التكرار يتكرّر في الرواية شعورٌ متجذّر بالقلق والخوف من إعادة التجربة ذاتها. فزهرة تخشى أن تكون مجرد نسخة من أختها، وحلمي يخشى أن يعيد الهزيمة القديمة. هذا القلق المزدوج يولّد حالة من العصاب الوجودي، تتجلّى في التردّد المستمر والتأرجح بين الارتباط والانفصال، بين الرغبة في التلاقي والحاجة إلى الانعزال. وتكشف الحوارات الداخلية للشخصيتين عن وعيٍ مأزوم يحاول التفاوض مع ذاته، وكأن كلّ منهما يقف على حافة اعترافٍ مؤجل. د. اللاوعي والحلم يتكثّف البعد اللاواعي في أحلام حلمي التي يتداخل فيها حضور أمل وزهرة في صورةٍ واحدة، حيث تمتزج الرغبة بالندم، ويختلط الوعي بالهذيان. الحلم في هذا السياق ليس مجرد وسيلة جمالية، بل أداة لفهم البنية النفسية للشخصية؛ فهو يُمثّل ما يُسميه فرويد «تحقيق الرغبة المؤجّلة». وفي أحد المقاطع يظهر حلمي في رؤيا تتبدّل فيها الوجوه بين أمل وزهرة، فيكشف الحلم عن عمق الانقسام الداخلي بين المرأة التي فقدها وتلك التي تحاول أن تحلّ محلها. هـ. الشعور بالذنب وتحوّلات الهوية تُظهر الرواية حضورًا واضحًا لمشاعر الذنب والتكفير، خصوصًا لدى حلمي الذي يشعر بمسؤوليته عن فشل العلاقة الأولى، كما لدى زهرة التي تتوجّس من رغبتها في رجلٍ أحبّ أختها من قبل. هذا الذنب المشترك يتحوّل إلى طاقة سردية تُعيد إنتاج العلاقة بينهما في شكلٍ من أشكال التطهّر النفسي. ومن ثمّ، يتحوّل اللقاء بينهما إلى تجربة علاجية تعيد للذات وعيها بحدودها، وتكشف أن الحبّ هنا ليس خلاصًا بل معرفة بالجرح. و. الوعي بالعجز والمقاومة الرمزية يتبدّى في الرواية وعيٌ متزايد بالعجز أمام قوى القدر والمصادفة. فالذات الإنسانية في «غواية ظل» ليست حرّة تمامًا، بل مشدودة إلى قوى غيبية وموروثات قدرية تُحدِّد خياراتها. ومع ذلك، فإنّ الشخصيات لا تستسلم استسلامًا كاملاً، بل تُبدع أشكالًا رمزية من المقاومة عبر اللغة والحلم والبوح. فالرغبة في الكتابة أو الاعتراف تمثل في حدّ ذاتها فعلَ مقاومةٍ ضد الصمت والاندثار. ز. التحليل النفسي للشخصية الأنثوية تُظهر الرواية حساسية خاصة في رسم العالم الداخلي لشخصية زهرة؛ فهي ليست مجرد ظل لأمل، بل ذاتٌ مشروخة تبحث عن إعادة امتلاك جسدها وهويتها بعد صدمات متكرّرة (طلاق، اغتراب، وحدة). في مونولوجاتها، تتجلّى الذات الأنثوية الجريحة التي توازن بين الانكفاء إلى الداخل والرغبة في الانعتاق. إنّ زهرة هنا لا تعبّر فقط عن تجربة فردية، بل عن صورة المرأة التي تحاول إعادة تعريف ذاتها في مواجهة سلطة الذاكرة والرجل والمجتمع. 4. المدخل السوسيوثقافي لا يمكن قراءة رواية «غواية ظل» بمعزل عن سياقها الاجتماعي والثقافي، فهي تنسج سردها في تماسٍّ دائم مع تحولات المجتمع المصري والعربي في العقود الأخيرة، خاصةً ما يتصل بظواهر الاغتراب، الطبقة الوسطى، التبدلات القيمية، والعلاقات بين الرجل والمرأة، وتُعيد الرواية صياغة التجربة الفردية داخل شبكة من الخطابات الثقافية التي تكشف أثر الواقع على الوجدان، وأثر الذاكرة الجماعية في تشكيل الوعي الفردي. أ. التمثيل الطبقي والاجتماعي تتوزع شخصيات الرواية على مستوياتٍ اجتماعية متباينة؛ فـحلمي ينتمي إلى فئة مثقفة تعمل في بيئة بيروقراطية، في حين تمثل زهرة نموذجًا للمرأة العاملة التي تناضل من أجل الحفاظ على استقلالها بعد سلسلة من الإخفاقات الأسرية. وتُظهر الرواية، من خلال هذه الشخصيات، ملامح الطبقة الوسطى المصرية في طور تحوّلها واهتزاز منظومتها الأخلاقية تحت ضغط الحداثة والاغتراب الاقتصادي. فالهجرة إلى الخارج (كما في تجربة حلمي بالكويت) ليست مجرد واقعة مهنية، بل مؤشر على حركة التبدّل الاجتماعي وسعي الفرد وراء فرصٍ جديدة تُهدد في الوقت ذاته استقراره النفسي والاجتماعي. ب. التحولات الثقافية وقيم الحداثة يبدو النص منشغلًا برصد التوتر بين القيم التقليدية والحداثية، خاصةً في علاقة الشخصيات بالأسرة والزواج والجسد. فالرواية تُظهر انتقال المرأة من موقع التابع إلى موقع الفاعل، دون أن تنجو من القيود الثقافية التي تُعيد إنتاج تبعيتها بطرق جديدة. هذا التناقض بين وعيٍ حديث وسياقٍ اجتماعي محافظ يكشف عن عمق الأزمة القيمية التي يعيشها المجتمع المعاصر، حيث تتجاور مفردات الحرية والانغلاق، والعقلانية والقدرية، في نسيجٍ واحد. ج. حضور المدينة والهوية المحلية تحتل الإسكندرية في الرواية موقعًا ثقافيًا مميّزًا، فهي ليست مجرد مكانٍ للأحداث، بل فضاء رمزي للانتماء والهوية. ومن خلال وصف الشوارع والمقاهي والميناء، يُعيد الكاتب بناء الذاكرة الجمعية لمدينةٍ تشهد صراعًا بين ماضيها الكوزموبوليتاني وحاضرها المأزوم. إنّ استعادة الإسكندرية بهذا الشكل تضع الرواية في سياق ما يمكن تسميته بـ«الرواية المدينية»، حيث تُصبح المدينة مرآة لتحولات الوعي الاجتماعي والثقافي. د. علاقة الفرد بالمجتمع تُبرز الرواية توتر العلاقة بين الفرد والمجتمع من خلال ثنائية الامتثال والتمرّد. فحلمي يسعى إلى التكيّف مع منظومة العمل والأسرة، لكنه يظلّ متمرّدًا عليها في وعيه الداخلي، في حين تُجسّد زهرة مقاومة رمزية لهيمنة القيم الذكورية. ومن ثمّ، فإن الصراع في الرواية ليس بين شخصين فقط، بل بين نموذجين ثقافيين: أحدهما تقليدي يُعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية، والآخر يسعى إلى تفكيكها عبر إعادة تعريف الذات. هـ. الخطاب الثقافي والسلطة الرمزية ينفتح النص أيضًا على قراءة ثقافية للسلطة الرمزية (سلطة اللغة، والدين، والتقاليد) بوصفها قوى تُشكّل سلوك الأفراد وتحدّد خياراتهم. ويتجلى هذا في حضور شخصية الشيخ التي تمثل سلطة التأويل الروحي، لكنها في الوقت نفسه تُعيد إنتاج خضوع البطل لإطارٍ قدريٍّ يحدّ من حريته. وهكذا تطرح الرواية سؤالًا ثقافيًا حول حدود الحرية الفردية في مواجهة القيم الجمعية، وحول إمكان تجاوز السلطة دون فقدان المعنى. و. الرواية بوصفها وثيقة اجتماعية رمزية من خلال هذا التشابك بين التجربة الفردية والسياق الجمعي، تُصبح «غواية ظل» وثيقة رمزية لحالة المجتمع المصري المعاصر، لا بمعناه التوثيقي بل من حيث قدرتها على تجسيد وعي مرحلةٍ اجتماعية مأزومة. فهي تُظهر الانكسارات الصغيرة التي تعيشها الذات اليومية، وتترجمها بلغةٍ سردية عالية الحساسية تجاه تفاصيل الحياة والوجدان. بذلك تندرج الرواية ضمن الأعمال التي تُعيد التفكير في موقع الإنسان العربي داخل منظومةٍ اجتماعية وثقافية مضطربة. 5. البنية الجمالية–الرمزية تنفتح رواية «غواية ظل» على فضاءٍ جماليٍّ كثيف تتشابك فيه الرموز والإشارات الأسطورية والصوفية، في بناءٍ يقوم على التناصّ والتأمل الفلسفي، ويُعيد إنتاج التجربة الوجودية بلغةٍ شاعريةٍ تتجاوز المباشر إلى المجازي. فالنص لا يقدّم الحكاية بوصفها غاية في ذاتها، بل يجعل من السرد وسيلةً لاختبار اللغة وإعادة بناء العلاقة بين الشكل والمضمون. أ. البنية الرمزية العامة يُعدّ الظل الرمز المركزي الذي تتفرّع عنه الرموز الأخرى في الرواية، إذ يجمع بين معنيي الحضور والغياب، ويجسّد الأثر الذي يتركه الماضي في الحاضر. فالظل ليس فقط صورةً بديلة عن الأصل (أمل/زهرة)، بل هو تجسيد لفكرة الإنسان الباحث عن اكتماله في ما لا يُدركه تمامًا. هذا الرمز يُعيد إلى الأذهان مقولات كارل يونغ عن “الظل” بوصفه الجانب المكبوت من الذات، كما يستدعي التأويل الصوفي للوجود بوصفه بحثًا عن النور من خلال العتمة. ب. الرموز الثانوية إلى جانب رمز الظل، تتكرر رموز أخرى فاعلة في البنية الجمالية للنص، مثل البحر، الطيف، المرآة، الضوء، والموت. فـالبحر يرمز إلى المطلق واللانهاية، وهو مكان الانبعاث والمواجهة مع الذات، كما في المشاهد التي يتأمل فيها حلمي البحر بحثًا عن المعنى. أما المرآة فهي أداة الانعكاس الداخلي، حيث ترى زهرة صورتها كظلٍّ لأمل، وتواجه وجودها المزدوج بين الأنثى والآخر. ويمثل الطيف حضور الغائب وعودة الذاكرة في شكلٍ حلميٍّ دائم. ج. التناصّ والأسطورة تتّكئ الرواية على شبكة من التناصات الرمزية التي تستدعي نصوصًا دينية وصوفية وأسطورية. فالإشارة إلى الحلاج في العتبة الافتتاحية ليست مجرد زخرف معرفي، بل مدخل تأويلي يُفصح عن طبيعة الحبّ في الرواية بوصفه حالة فناءٍ واتحادٍ روحي. كما تتقاطع اللغة في بعض المواضع مع الأسطورة الإغريقية في استعادة صورة “نرسيس” الذي يرى ذاته في انعكاس الماء، في استعارةٍ للانشداه بالذات والبحث عن اكتمالها في المرآة. هذا التناصّ يمنح الرواية بعدًا ثقافيًا متعدد المرجعيات، يجعلها نصًّا مفتوحًا على أنساقٍ رمزية مختلفة. د. اللغة الجمالية والتشكيل الأسلوبي لغة الرواية تُبنى على اقتصادٍ شعريٍّ متأمل، يمزج بين السرد الموضوعي والتعبير الانفعالي. فالجمل غالبًا ما تتخذ إيقاعًا داخليًا، يتراوح بين البطء التأملي في المقاطع الحلمية، والإيقاع المتسارع في لحظات المواجهة. ويظهر هذا التفاوت بوصفه جزءًا من البنية النفسية للنص، إذ تعكس اللغة اضطراب الوعي وتحوّله المستمر بين الإدراك والذهول. وتُستخدم المفردات بكثافة دلالية عالية، بحيث تصبح الكلمة وحدة رمزية تحمل أكثر من معنى (كالنور، الصمت، الغياب، اللقاء). هـ. الشكل الفني وتوليد المعنى تقوم الرواية على بنية دائرية تُعيد البداية إلى النهاية، في تكرارٍ رمزيٍّ لحركة الظل حول الأصل. فالمصائر تتقاطع دون حسم، لتؤكد فكرة “اللانهائية” التي تحكم الوجود الإنساني. كما أنّ تقنيات التوازي بين الصوتين السرديين (حلمي/زهرة) تُسهم في بناء وحدةٍ شكليةٍ تقوم على التماثل والاختلاف معًا، وهي خاصية تمنح الرواية تماسكها البنائي من جهة، وتفتحها التأويلي من جهة أخرى. و. الجمالية الصوفية تتجلى في الرواية جمالية الإشراق الصوفي، حيث تتحول اللغة إلى وسيلة تطهيرٍ وكشف. فالعلاقة بين حلمي وزهرة ليست مجرد حبٍّ إنساني، بل مسار معرفيٍّ نحو الفهم والتوحّد. ويتخذ السرد في مواضع كثيرة نبرة دعاء أو تأمل ميتافيزيقي، يُعبّر عن توق الإنسان إلى الوجود الكامل، وعن استحالة الوصول إليه في الآن نفسه. وهكذا، فإن الجمال في «غواية ظل» لا يقوم على الزخرف اللغوي، بل على تحويل المعاناة إلى وعيٍ جماليٍّ ووجوديٍّ في آنٍ واحد. رابعًا: التلقي والنقد تأتي رواية «غواية ظل» في سياقٍ نقديٍّ وروائيٍّ يزداد فيه الوعي بأهمية التجريب السردي والتفاعل مع قضايا الذات والهوية والاغتراب. وقد لقيت الرواية اهتمامًا لافتًا في العديد من المقالات والدراسات التي حاولت مقاربتها من زوايا متعدّدة: جمالية، سردية، نفسية، وصوفية. هذا التنوّع في القراءات يعكس ثراء النص وانفتاحه على التأويل، ويُبرز قدرته على ملامسة أسئلة الإنسان والمجتمع في آنٍ واحد. أ. في ضوء القراءات النقدية تناولت دراسة عادل ضرغام[3] الرواية من منظور الذاكرة والظلّ والنموذج الأنثوي، معتبرًا أنّ النص يؤسس علاقة معقّدة بين الظلّ والمثال، وأنّه يعيد بناء التجربة عبر جدلية الغياب والحضور. ورأى د. ضرغام[4] أن الرواية تسائل فكرة الاستعادة المستحيلة للماضي، وتحوّل الحنين إلى أداةٍ معرفية لا إلى حالةٍ انفعالية فحسب. أمّا أحمد الجمال[5] فقد ركّز على البعد المكاني في الرواية، مبرزًا الإسكندرية بوصفها مركزًا سرديًّا وثقافيًّا يحكم بنية النص ويكشف ملامح مشروع الكاتب الإسكندري الممتد في ثلاثيته (دوامات الغياب، بهجة الحضور، غواية ظل). وقد ربط الجمال بين المكان والهوية، معتبرًا أن حضور المدينة في الرواية ليس واقعيًا فحسب، بل رمزيًا يعبّر عن جدل الانتماء والاغتراب. أما د. أيمن حماد[6] فقد قرأ الرواية في إطار السرد البوليفوني–الحلمي، مشيرًا إلى تعدد الأصوات والمونولوجات الداخلية بوصفها تعبيرًا عن ديمقراطية الحكي، وميلًا إلى كسر هيمنة السارد الواحد. وركّز حماد على المنحى الوجودي–الفلسفي في الرواية، حيث تتجلى أسئلة القدر والمعنى والحرية في اللغة القريبة من الخطاب الصوفي. كما قدّمت إسراء بدوي[7] قراءةً لغوية/جمالية للرواية، ركّزت فيها على فتنة اللغة وعلى العلاقة بين الإشراق الصوفي والحداثة السردية، مؤكدةً أن النص يعيد تشكيل التجربة الصوفية داخل إطار سردي معاصر. وبيّنت بدوي كيف تخلق اللغة حالة من الانخطاف الجمالي التي تُمكّن السرد من تجاوز الواقع إلى أفقٍ رمزيٍّ رحب. ب. موقع الرواية في المشهد الأدبي تتبدّى أهمية «غواية ظل» في كونها تمثّل مرحلة نضجٍ في مسار الكاتب محمد عطية محمود، إذ تجمع بين تجربته النقدية ووعيه الفني. فهي استمرار لمشروعه الذي بدأه في دوامات الغياب وبهجة الحضور، من حيث الاهتمام بثنائية الغياب والحضور، وبتأمل العلاقة بين الإنسان والزمن والمكان. ومع ذلك، فإن الرواية لا تسعى إلى تقديم خطابٍ شامل أو مؤطَّر، بل تكتفي برصد التحولات الوجدانية والمعرفية التي يعيشها الفرد في مواجهة ذاته والعالم. من هنا، يمكن القول إن الرواية تشغل موقعًا وسطًا بين الواقعية الجديدة والكتابة التأملية الحداثية، إذ تستعير من الأولى وعيها الاجتماعي، ومن الثانية لغتها الرمزية وانفتاحها الدلالي. وهذه المزاوجة تمنحها خصوصيةً داخل الرواية المصرية المعاصرة دون أن تدّعي القطيعة مع تراثها السابق. ج. أثرها في التلقي تُظهر ردود الفعل النقدية والقرائية أن الرواية تثير تجاوبًا مزدوجًا: فهي تُرضي القارئ الباحث عن البعد الإنساني والعاطفي، وتشبع في الوقت ذاته فضول القارئ الأكاديمي المتخصص في السرد. ويعود ذلك إلى طريقتها في توظيف الرموز واللغة الحلمية دون الإخلال بتماسك البناء. كما أن حضور الإسكندرية كفضاءٍ سرديٍّ متكرّر يمنح القارئ إحساسًا بالمألوف، بينما تفتح الثيمات النفسية والصوفية باب التأويل الحرّ، وهو ما جعلها حاضرة في النقاشات الأدبية الأخيرة حول الرواية المصرية. د. نقد النقد تُظهر المراجعات السابقة أن بعض القراءات النقدية مالت إلى التركيز على البعد الجمالي أو الفلسفي، وأغفلت أحيانًا البنية الاجتماعية أو النفسية المتشابكة في النص. كما أن معظمها اتكأ على انطباعاتٍ لغوية أكثر من اعتماده على منهجٍ تحليليٍّ متكامل. لذا، تأتي هذه الدراسة لتقدّم قراءةً تركيبية تجمع بين المداخل السردية والنفسية والسوسيوثقافية والجمالية، في محاولةٍ لتجاوز الأحادية وإبراز تداخل المستويات في بناء المعنى. خامسًا: الخاتمة النقدية تكشف رواية «غواية ظل» عن وعيٍ سرديٍّ متقدّم يُعيد النظر في علاقة الفرد بماضيه، وفي حدود الذاكرة بوصفها أداةً للمعرفة بقدر ما هي وسيلةٌ للنكوص. ومن خلال تعدّد الأصوات وتناوب الضمائر، تنجح الرواية في بناء عالمٍ داخليٍّ تتصارع فيه الرغبة بالتحرر مع استحالة الانفصال عن الأثر القديم. فالظلّ هنا ليس مجرّد صورةٍ رمزية، بل هو البنية النفسية والاجتماعية التي تُنتج الشخصية وتعيد صياغتها على مدار السرد. · لقد أبرز التحليل السردي أنّ الرواية اعتمدت تشكيلًا بوليفونيًا يتيح تعدد المنظورات، ما جعلها نصًّا منفتحًا على قراءاتٍ متعددة المستويات: نفسية، اجتماعية، وجمالية. · أما من المنظور النفسي، فقد كشفت الدراسة عن عمق الصراع بين الذات وصورتها، وعن استبطان اللاوعي الفردي والذاكرة كقوى خفية تحكم السلوك الإنساني. · وفي البعد السوسيوثقافي، تجلّى النص بوصفه مرآةً لتحوّلات المجتمع المصري المعاصر، حيث تداخلت القيم التقليدية والحداثية في بناءٍ يعكس أزمة الهوية. · أما من الناحية الجمالية والرمزية، فقد قدّمت الرواية توظيفًا واعيًا للرمز والتناصّ، إذ مزجت بين الإشارات الصوفية والرموز الوجودية في بناءٍ لغويٍّ مشدود إلى الإيقاع الداخلي والتأمل. فاللغة ليست وسيلةً للتعبير فحسب، بل هي فضاء التجربة ذاتها، تُقيم توازنًا بين الحسّ الواقعي والانخطاف المجازي. ومن ثمّ، يمكن القول إنّ «غواية ظل» تمثل في مسيرة محمد عطية محمود مرحلةَ نضجٍ فنيٍّ وفكريٍّ داخل مشروعه السردي، من حيث وعيها بالشكل وبالإنسان معًا، دون ادّعاء للقطيعة أو التفرد المطلق. فهي نصٌّ يستكمل أسئلته السابقة في دوامات الغياب وبهجة الحضور، لكن بقدرٍ أكبر من التأمل الوجودي والعمق النفسي. نقاط القوة والملاخظات من خلال مجمل التحليل، يمكن تحديد عددٍ من نقاط القوة التي تمنح رواية «غواية ظل» تميّزها داخل المشهد الروائي المعاصر، إلى جانب مواطن ضعفٍ محدودة ترتبط ببعض اختياراتها السردية. 1. نقاط القوة: · العمق النفسي في بناء الشخصيات، وقدرتها على تمثيل أزمات الإنسان الحديث بصدقٍ وجداني. · الترابط البنائي بين الصوتين السرديين (حلمي/زهرة)، بما يخلق توازيًا سرديًا ثريًا دون إخلال بوحدة النص. · الرمزية المحكمة التي تمزج بين الصوفي والوجودي، وتجعل الدلالة تنبثق من التجربة لا من الزخرف اللفظي. · اللغة الجمالية التي تجمع بين الكثافة الشعرية والوضوح الدلالي، فتخدم المعنى دون أن تبهت بالتجريب. · الوعي بالتحول الاجتماعي والثقافي من خلال شخصية المرأة، بما يمنح النص بعدًا سوسيوثقافيًا يتجاوز الذاتي إلى الجمعي. 2. بعض الملاحظات: · بعض التكرار في المقاطع التأملية التي قد تُبطئ الإيقاع السردي وتؤثر في ديناميكية القراءة. · هيمنة الصوت الداخلي أحيانًا على حساب الفعل الخارجي، ما يقلل من التوتر الدرامي في بعض الفصول. · التناصات الصوفية، على جمالها، تأتي في مواضع قليلة أقرب إلى البيان الفلسفي منها إلى التعبير الدرامي. · غياب التنوع المكاني خارج الإسكندرية، مما يحصر التجربة في أفقٍ مكاني محدود نسبيًا. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تقلّل من القيمة الفنية للرواية، بل تُظهرها كنصٍّ ناضجٍ وواعٍ بمحدوديته، يسعى إلى تحقيق توازنٍ بين التأمل والدراما، وبين الفردي والجمعي، في إطارٍ سردي متماسك ورؤية إنسانية شفافة. إنّ نجاح الرواية لا يكمن في بناء حبكةٍ دراميةٍ متصاعدة بقدر ما يتمثّل في قدرتها على تحويل التجربة الإنسانية إلى وعيٍ سرديٍّ متجدد، وإعادة طرح الأسئلة التي تؤرق الإنسان حول الزمن، والهوية، والمصير، والحبّ بوصفه طريقًا إلى الفهم لا إلى الخلاص. وبذلك، تُسهم «غواية ظل» في إثراء المشهد الروائي العربي المعاصر بما تقدّمه من رؤية جمالية–تأملية تتفاعل مع تحولات السرد الحديث دون أن تنفصل عن جذور الواقعية المصرية. المصادر والمراجع المؤلفات العربية (1) محمد عطية. (2024). غواية ظل. القاهرة، مصر: مجموعة بيت الحكمة للثقافة. مقالات فى الدوريات والمجلات (1) أحمد الجمَّال. (20 مايو, 2024). محمد عطية يُبحِر في عوالم الإسكندرية بـ «غواية ظل» بقلم. الجريدة. https://www.aljarida.com/article/63127 (2) أول أثنين. ( يونيو, 2024). “غواية ظل”.. رواية جديدة للناقد محمد عطية محمود. موقع أول اثنين: https://2u.pw/6Dc6aQx7 (3) أيمن حماد . (11 أكتوبر, 2025). السرد البوليفوني- الحُلمي في «غواية ظل». الإخبارية. https://alekhbarya.net/archives/332352 (4) إسراء بدوى. (20 فبراير, 2025). فتنة اللغة بين الرحلة والوصول. مجلة عالم الثقافة. https://2u.pw/DC6rqn (5) عادل ضرغام. (6 يوليو, 2024). حضور النموذج واستعادة الماضي المتخيل. القدس العربى. https://2u.pw/ECrVPl مواقع الانترنت (1) آلاء حسن. (26 يونيو, 2024). صالون بيت الحكمة الثقافي يناقش "غواية ظل" لـ محمد عطية محمود. موقع جريدة الدستور: https://www.dostor.org/4743645#goog_rewarded
الهوامش (1) محمد عطية. (2024). غواية ظل. القاهرة، مصر: مجموعة بيت الحكمة للثقافة. (2) قدمت هذه الدراسة فى ندوة الاحد (محمد عبد الوارث) بمركز LSG بسيدي جابر مساء الاحد 26 أكتوبر 2025 (3) عادل ضرغام. (6 يوليو, 2024). حضور النموذج واستعادة الماضي المتخيل. القدس العربى. https://2u.pw/ECrVPl (4) المرجع السابق (5) أحمد الجمَّال. (20 مايو, 2024). محمد عطية يُبحِر في عوالم الإسكندرية بـ «غواية ظل» بقلم. الجريدة. https://www.aljarida.com/article/63127 (6) أيمن حماد . (11 أكتوبر, 2025). السرد البوليفوني- الحُلمي في «غواية ظل». الإخبارية. https://alekhbarya.net/archives/332352 (7) إسراء بدوى. (20 فبراير, 2025). فتنة اللغة بين الرحلة والوصول. مجلة عالم الثقافة. https://2u.pw/DC6rqn
#عصام_الدين_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الذات والهامش العاطفي: تحول التفاهة من الإلغاء إلى المقاومة
...
-
بين الغربة وأزمة الاعتراف: الذات المأزومة في قصيدة -غريب- لع
...
-
الخسارة الأخيرة: مصادرة المستقبل وتحوّل الأمومة في قصة “خبزن
...
-
الماء والعدالة الأخلاقية: تشكّل الوعي الإنساني في قصة -بلال
...
-
من لذة الغياب إلى اغتراب الذات: البنية التحولية للشوق في “أُ
...
-
الأنا المتحولة: مرايا الذات وفتنة الحلم في قصيدة “أنا” للشاع
...
-
اللوحة والذاكرة الجريحة - قراءة سوسيو–سيكولوجية في قصة “لوحة
...
-
سعيد سالم: مشروع سردي جدير بإعادة الاكتشاف
-
الوهم بوصفه وطنًا بديلًا: سوسيولوجيا الانشطار وسيكولوجيا اله
...
-
”لا”.. ثمن الوعي: قراءة سوسيو-سيكولوجية في قصة ”لا” لنهال ال
...
-
بين البيادة والخراريف: تفكك الوعي الجمعي بين أثر العنف وآليا
...
-
عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع
...
-
عباس أو سيرة التلاشي: تفكيك الذات والهامش في متوالية “صنائع
...
-
حين تحصد العصافيرُ المساميرَ: تمثلات الاغتراب وآليات التشكيل
...
-
كساء الجمر: شعرية الصحراء بين صبابات الرمل ومتون دار بسيس لل
...
-
سيكولوجية التبرير وسوسيولوجية القطيعة: الذات الأنثوية بين ال
...
-
البيت بوصفه بنيةً للقهر والهيمنة: قراءة سوسيو–نفسية في رواية
...
-
-الأنثى والمدينة والذاكرة: عوالم سردية وأنساق نفسية في أنثى
...
-
تصميم الفقد .. قراءة سوسيو–سيكولوجية في عروس في علبة مخملية
...
-
بين ألوان الحلم وسواد الواقع: تشكّلات الذات المقهورة في أحلا
...
المزيد.....
-
افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية
...
-
موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي
-
مهرجان -اقرأ - استرخ- للكتاب في روسيا يسجّل أرقاما قياسية تا
...
-
بعد تغيير اسمه ثلاث مرات.. الانتهاء من تصوير مسلسل -العاصي-
...
-
اربيل تستذكر الفنان قرني جميل في معرض تشكيلي بمشاركة 25 فنان
...
-
صدر حديثا ؛ صندوق جدتي السري. إشراف سهيل عيساوي.
-
صدر حديثا ؛ رئة المدينة إشراف سهيل كيوان.
-
من المواجهة إلى الحب.. فيلم -شمشون ودليلة- يصل إلى صالات الس
...
-
بعد تسعة أشهر من توقيفه... القضاء اللبناني يوافق على الإفراج
...
-
بعد توقف لعامين.. مهرجان رام الله للفنون المعاصرة يعود بحلة
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|