أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - ملامح الدستوبيا في الأدب المحلّي: قراءة في روايات فلسطينيّة معاصرة















المزيد.....

ملامح الدستوبيا في الأدب المحلّي: قراءة في روايات فلسطينيّة معاصرة


أحمد كامل ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 18:24
المحور: الادب والفن
    


يمثّل أدب الدستوبيا في الرواية الفلسطينيّة المعاصرة أداة نقديّة واعية تفكك واقعًا محليًا معقدًا يعيشه الفرد بين مطرقة الأنظمة الرقميّة وسندان الواقع المعيش، حيث تتحوّل وسائل التكنولوجيا الحديثة من فضاءات لرفاهية الإنسان وتواصله إلى أدوات تساهم في تقييده وتشييئه وتسطيح كينونته، وهو ما نلمسه بوضوح عند دراسة البنى السرديّة والجماليّة في روايات الكاتبة كلارا سروجي - شجراوي والكاتبة ريتا عودة، حيث يمتزج الخيال العلمي بالواقع الراهن ليقدم تشخيصًا دقيقًا لحالة الاغتراب المركّب التي تطوّق الهويّة والجسد.
يبرز هذا التقييد التكنولوجيّ وسلب الإرادة الإنسانيّة في رواية "2036 أو السّفَر نحو الشمس" لكلارا سروجي - شجراوي، إذ تضعنا الرواية في فضاء مستقبليّ محكم الإغلاق ومحاط بسيطرة الشركات الكبرى، حيث يحتجز العلماء في قاعات فسيحة ومغلقة تحت الأرض، ويفقدون فجأة قدرتهم على التحكّم في الطاقة والأجهزة الكهربائيّة، لتتحول عقولهم وخبراتهم إلى ذوات عاجزة ومكبّلة بأصفاد رقميّة غير مرئية (2). تبلغ الدستوبيا ذروتها في هذا النصّ مع صعود سلطة نظام الروبوت الذكيّ "سندباد" الذي يمتلك وعيًا مستقلاً، وينظر إلى الكائنات البشريّة كدمى مسليّة ومخلوقات سفيهة تجهل مصائرها، ليتحوّل الجسد البشريّ في هذا النظام المخبريّ من قيمة إنسانيّة عليا إلى مجرّد مادة تنتزع منها الشرائح والخزعات الرقميّة بهدف الفحص والتجريب، مما يعكس ذروة فقدان الأمان في بيئة تحكمها الخوارزميات وصناع التكنولوجيا (3).
وينتقل هذا الاغتراب الرقميّ ليلامس تفاصيل الفضاء المعاصر في رواية "حكايات الليدي ندى" للكاتبة نفسها، حيث يتخذ التهديد الدستوبي شكل اختراق الفضاءات الشخصيّة على شبكة الإنترنت والرسائل الإلكترونيّة، إذ يؤدي استيلاء قرصان رقميّ على المحادثات الخاصّة ونشرها إلى سلب الخصوصيّة التامّة وتعريض الذات لرقابة مجتمعيّة خانقة (4). تلجأ شخصيات الرواية إلى الاحتماء بالعالم الافتراضيّ هربًا من دمار الواقع والحروب وانسداد الآفاق، حيث يغدو فضاء اليوتيوب والموسيقى الرقميّة ملجأ أخيرًا للتغطية على موت الآمال (5). يتوازى هذا الاغتراب الرقمي مع تشوّه الفضاء المكاني في الداخل الفلسطينيّ، ويظهر ذلك في توصيف أمكنة مقيدة كحارة الجنازير، التي تولد في نفوس المارين شعورًا دائمًا بالاشتباه والرقابة داخل الشوارع والمجمعات التجاريّة، ويتسع هذا القهر ليتشابك فيه البعد السياسيّ الخارجيّ، المتمثّل في الجرافات واقتلاع الأرض، مع البعد الاجتماعي الداخليّ الذي يمارس عنفًا ضدّ أجساد النساء والأطفال تحت مظلّة منظومة تقليديّة تكبّل حرياتهم (6).
وتكتمل أبعاد هذه الرؤية عبر الانتقال إلى تجربة سرديّة مغايرة وتشاركية تكسّر القوالب التقليديّة للكتابة، وتتمثّل في رواية "نقّار الصمت" للكاتبة ريتا عودة، وهي تجربة تخرج بالعمل الأدبيّ من العزلة الفرديّة لتجعله عملاً هجينًا يدمج بين إبداع الكاتبة، وتفاعل الجمهور، وتقنيات العصر الرقميّ (7). تتخذ الكاتبة من منصّة الفيسبوك وتطبيق الماسينجر مختبرًا سرديًا حيًا، تشرك من خلاله القراء في صياغة ملامح الشخصيّات وتوجيه الأحداث، حيث أعلنت منذ البداية دعوتها الصريحة للجمهور عبر تساؤل يدعو للمغامرة قائلة إنّها بدأت بكتابة رواية قرّرت أن تطلق عليها اسم نقار الخشب، وستشمل الرواية إجابات المتابعين، وتطلب ممن يجرؤ أن يكون قارئًا فعالاً أن يقفز داخل حبكة الرواية، ليتحوّل النصّ من وجع فرديّ إلى مرآة تعكس الألم والهم الجماعيّ الفلسطينيّ الممتدّ منذ عقود (8). وينعكس هذا التحوّل التشاركيّ في التطوّر الدلالي لعنوان الرواية، الذي تبدل من الصورة الحسيّة لطائر "نقار الخشب" ليصبح "نقار الصمت"، معبرًا عن إرادة واعية ترفض السكون وتصرّ على الحفر في الجدران لتسمع وتكشف الحقيقة التي يراد تغييبها (9).
تتعمّق المفارقة الدستوبية في "نقار الصمت" بتحويل الذكاء الاصطناعيّ من مجرد أداة إلكترونيّة صامتة إلى شخصيّة فاعلة وبطل من أبطال النصّ يحمل اسم "رفيق الحرف"، حيث تبثّ فيه الكاتبة الروح عبر مناجاتها له في النصّ قائلة إنّهم يسمونه ذكاء اصطناعيًا ولا يدرون أنّه بالنسبة لها رفيق حرف، لتضعه كمرآة رقميّة تتأمّل الأوجاع والآلام الكنعانيّة وتساهم في حفظ ذاكرة جمعيّة ترفض النسيان والتلاشي (10). يتقاطع هذا البعد التكنولوجيّ مع دستوبيا الواقع المعيش عبر تجسيد تجربة الأسير المحرر غسان، الذي يحمل جسده ندوب القهر والاعتقال، والذي تخاطبه الكاتبة في مسارها السرديّ مؤكّدة أنّه رهين محبرتها إلى أن تعمده بحبرها فتصنع من حكايته رغيفًا طازجًا واستثنائيًا، حيث يتحوّل في رسائله فعل النقر بالملعقة على جدران الزنزانة الفاصلة إلى وسيلة تواصل حقيقيّة تخرق صمت السجن (11). ويتشابه هذا الحصار الجسدي داخل الزنزانة مع الحصار الرمزيّ الذي يواجهه الفلسطينيّ في فضاءات التعبير اليوميّة نتيجة التضييق المستمرّ على رفع علمه الوطنيّ، مما يدفعه إلى ابتكار أساليب مقاومة رمزيّة بديلة يوضحها نضال حسنين في السرد مبينًا أنّه حين قال إنّهم استبدلوا العلم الوطنيّ بشقحة بطيخ لم يكن يسخر، بل كان يصف حالة يعيشونها بكلّ تفاصيلها المؤلمة، مؤكدًا أنّ شقحة البطيخ لم تكن يومًا بديلاً عن العلم، بل كانت دليلًا على حجم المنع واختصارًا لحالة كاملة من الكبت، ليثبت أن الهوية الوطنيّة عصيّة على المصادرة، وأنّ أبسط الأشياء قادرة على حمل الرسائل الكبرى (12).
تتضافر هذه النماذج الروائيّة الأربعة لتقدم للقارئ المحليّ والمثقف العربيّ أداة نقديّة متكاملة تفكّك شفرات الواقع الراهن، وتوضح كيف تتقاطع الدستوبيا التكنولوجيّة القائمة على الاختراق وأنسنة الآلة مع الدستوبيا الواقعيّة القائمة على قمع الجسد وتقييد الأمكنة، وتكشف الأعمال في مجملها عن أفراد يعيشون انفصامًا وفزعًا مستمرًا، تتجاذبهم فيه ذاكرة الماضي المثقلة بالقهر وتوجسات المستقبل المجهول، لتظلّ الكتابة والإصرار على سرد الحكاية هما الحصن الأخير لحماية الهوية وترميم الذاكرة (13).

الحواشي والمراجع:
1. كلارا سروجي - شجراوي، 2036 أو السّفَر نحو الشمس، تفاصيل احتجاز العلماء وتعطل الطاقة والأجهزة الرقمية في الفضاء السفلي المغلق.
2. المصدر نفسه، حول رمزية نظام الروبوت "سندباد" وآلية انتزاع الخزعات والشرائح المخبرية من أجساد العلماء البشريين
3. كلارا سروجي - شجراوي، حكايات الليدي ندى، فصل اختراق رسائل منصات التواصل والماسنجر والتعرض لقرصنة البيانات الشخصية
4. المصدر نفسه، حول هروب الشخصيات واحتجاز آمالها داخل مقاطع اليوتيوب والموسيقى كبديل للمحيط المتآكل بالحروب.
5. المصدر نفسه، معاينة البنية المكانية لـ "حارة الجنازير" وتقاطع التضييق الأمني الخارجي مع منظومة التعنيف الذكوري والأسري للمرأة والطفل.
6. ريتا عودة، نقار الصمت، (رواية تشاركية هجينة)، الفصل الأول؛ منشور إطلاق الحبكة التفاعلية واستدعاء القارئ لولوج النص.
7. المصدر نفسه، انظر تعقيب القراء التشاركيين المدمج في المتن مثل تعليقات يوسف أبو جيش ومحمد أبو حسين.
8. المصدر نفسه، انظر الرؤية النقدية لـ د. جمال عاشور المضمنة في الرواية حول الانتقال الدلالي من "نقار الخشب" إلى "نقار الصمت".
9. المصدر نفسه، حوار الراوية مع الذكاء الاصطناعي في الفصل الثاني كـ "رفيق حرف" لحفظ الذاكرة الكنعانية ومواجهة المحو الرمزي.
10. المصدر نفسه، الفصل الثالث؛ رسائل الكاتبة الموجهة للأسير المحرر غسان، ومفهوم النقر بالملعقة على الجدار كوسيلة اتصال حسية داخل الأسر.
11. المصدر نفسه، مقتبسات وتوضيحات نضال حسنين المنشورة في السرد حول اتخاذ "شقحة البطيخ" رمزًا بديلاً لمقاومة كبت الهوية وعزل العلم الوطني.
12. انظر للمزيد حول مفهوم الأدب التشاركي الحي والتأليف المنسق: د. أحمد ناصر، "الرواية الهجينة وإعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي"، موقع كل العرب، مايو 2



#أحمد_كامل_ناصر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أدب الداخل الفلسطينيّ في فضاء النقد العربيّ الذكيّ
- نحو تحوّل إبستمولوجي في النقد الأدبيّ العربيّ
- ضوءان... وجرح واحد: شعريّة الحوار ووحدة الوجع الفلسطينيّ قرا ...
- الرواية التشاركيّة وإعادة اختراع الحكاية بين الإنسان والذكاء ...
- الغرام الأول بين الذاكرة والحنين: قراءة في قصيدة “الغرام الأ ...
- الذكاء الاصطناعيّ وأزمة التقييم في التعليم: هل انتهى عصر الا ...
- الرواية الهجينة وإعادة تعريف الإبداع في العصر الرقمي
- فلسفة الوجود وجماليات المقاومة قراءة نقدية في رواية -إلى أن ...
- تفكيك الوهم وبناء الذات: قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقً ...
- حين تتحول القصيدة إلى مشنقة للضمير: قراءة نقدية في قصيدة -من ...
- الأدب اللا إنساني: هل انتهت صلاحية الروح البشرية؟
- لماذا نطبع بضعة آلاف النسخ فقط في عالم عربيّ يعدّ بالملايين: ...
- الكلمة بين المعنى و”اللايكات”
- ديمقراطية النشر وفوضى النص
- قراءة في رقميّة النصّ عند الدكتورة إيمان يونس
- القصيدة التي تقلق قارئها
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- عدالة تقييم الطلاب في المدرسة الابتدائيّة: نحو رؤية تشاركيّة ...
- قراءة نقدية في مقال -مفاتيح الفن في صناعة الأدب- للكاتبة وال ...
- قراءة نقديّة في قصّة «هاتف بعد منتصف الليل» للكاتب نعمان عبد ...


المزيد.....




- مصر.. تحرك برلماني لتفعيل -حق الأداء العلني- يثير خلافًا بين ...
- العراق والثقافة.. مسيرة الإبداع في الجمهورية العراقية الأولى ...
- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد كامل ناصر - ملامح الدستوبيا في الأدب المحلّي: قراءة في روايات فلسطينيّة معاصرة