عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8766 - 2026 / 7 / 14 - 12:01
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
باروخ سبينوزا، اسم أشهر من نار على علم في دنيا الفكر والفلسفة. قِيل عنه وما يزال يقال إنه يقول نصف الحقيقة، ويترك النصف الثاني للتطور الطبيعي أو للذكاء والتاريخ. أخذ بالمبدأ الديكارتي:"العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس"، وأضاف إليه، أنه أيضًا، أي العقل، "أفضل شيء في وجودنا وفي كماله خيرنا الأقصى". وسار على منهج ديكارت في السياسة، وعلى أساسه درس أنظمة الحكم وأخضعها للمقارنة. على هذا الأساس، وجه سهام نقده اللاذعة الى أنظمة الفرد المُطلق التسلطية، وخلُص إلى أن النظام الديمقراطي الأكثر اتفاقًا مع العقل ومع الطبيعة. وفي موضوع الدين، يقابل تبريره من جانب ديكارت، اخضاع سبينوزا الكتاب المقدس للنقد التاريخي. وفي مقابل مصالحة ديكارت رجال الدين ومهادنة النُّظم الملكية، ذهب سبينوزا في الاتجاه المعاكس. في هذا السياق، يرى سبينوزا أن الأمانة الفكرية والبحث العلمي والموقف الشريف أجدى لسلامة الدولة وأمنها من النفاق الفكري والتشويه العلمي وتملق السلطة الحاكمة.
بنى سبينوزا رؤاه في الدين على قاعدة "إعادة الوحدة في الوجود، بالتوحيد بين الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة، وفي التوحيد بين النفس والبدن، وجعل النفس فكرة البدن". من هنا ينطلق، ليؤسس ما يُعد ثورة جذرية في الفكر الديني، مقابل الاصلاح الجزئي الديكارتي في هذا الجانب. وتنسحب هذه الثورة على رؤاه المتعلقة بالنبوة، المؤسَّسَة على قواعد عدَّة، أولها أن الوحي مرتبط بطبيعة الذهن الانساني، وعلى وجه التحديد قدرته على المعرفة الفطرية. هنا، يحيلنا سبينوزا إلى قدرة أذهاننا على تكوين أفكار توضح الأشياء وتوجِّهنا في الحياة. كما يستحضر معاني كلمة روح في أسفار التوراة، ومنها تعبير الشريعة عما يسميه "روح الله وفكره".
النبوة بمنظور سبينوزا انطباعات حسية من صُنع الخيال، تتشكل منها "صور حسية في قلب مؤمن تقي". فالأنبياء، بحسبه، لم يتلقوا وحيًا إلا بالخيال متجسدًا في كلمات أو صور حقيقية أو خيالية. يعزز رؤيته هذه بأمثلة من أسفار التوراة، فالصوت الذي سمعه صموئيل على أنه صوت الله يتكلم، كان من صنع الخيال سمعه وهو نائم. وفي سِفر "أخبار الأيام الأول/ الاصحاح 21) يشير إلى حدوث الوحي عن طريق صور حِسِّيَّة، حيث يُظهِر الله غضبه على داود فيريه ملاكًا قابضًا سيفًا بيده. وفي سِفر التكوين التوراتي(37- 45) يوحي الله ليوسف نصره المؤزَّر مستقبلًا بصور مُخَيِّلَة النبي نفسه.
والوصايا العشر لم تُبلَّغ لموسى حرفيًّا، بل سمع ضوضاء شديدة، يصعب تمييز الكلمات فيها، أدرك من خلالها هذه الوصايا. ويعزز سبينوزا رأيه هذا، باختلاف ما ورد في سفر الخروج التوراتي بخصوص الوصايا عما ورد بالشأن ذاته في سِفر التثنية، ويدل على أنها أُبلِغَت معنى لا لفظًا.
بناء على هذه الأمثلة وغيرها كثير يوردها من أسفار التوراة، يستنتج سبينوزا أن "النبوة لا تتطلب ذهنًا كاملًا، بل خيالًا خصبًا".
وعليه أيضًا، يُنكر سبينوزا الوحي الخارجي ويؤمن بالوحي عن طريق النور الفطري (العقل)، الذي هو منبع الفلسفة، ويؤدي إلى الطاعة والتقوى. الوحي عنده "شيء طبيعي والأنبياء بشر أوتوا قدرة فائقة على الخيال، وعلى الطاعة وتطبيق مباديء الأخلاق".
اليقين النبوي، بحسبه، ليس معرفيًّا، بل خُلقي فحسب، ينهض على أسس ثلاثة: "تخيُّل الأنبياء للأشياء الموحى بها كأنها ماثلة أمامهم، كما يحدث لنا عادة في حالة اليقظة عندما نتأثر بالأشياء، وبآيات (علامات) تثبت صدق النبوة، وبميل قلوبهم إلى الخير والعدل ". لا يهتم سبينوزا بالمصدر الإلهي للنبوة، بل أكثر ما يعنيه ويتركز عليه اهتمامه في هذا الجانب أنها، أي النبوة، واقعة انسانية حدثت بالفعل.
أما مهمة النبي، فيراها سبينوزا في صياغة الوحي بأسلوبه وباستدلالاته الفطرية أو البيئية ومستوى فهم العامّة. النبي يُدرك الوحي بمخيلته بالكلمات وبالصور الذهنية، وقد أُعطي المعنى يقذفه الله في قلبه ليتولى هو صياغته. وعليه، فإن الله لم يرسل وحيًا باللفظ والمعنى، بحسب سبينوزا، ولكن قذف المعنى في قلب النبي ليتولى أمر صياغته بطريقته. الأنبياء يدركون الوحي بمخيلتهم، أي بالصور الذهنية والكلمات على ما أنف بيانه، وهو ما يفسر تجاوزهم معرفة الأشياء بالحدود العقلية لصالح التعبير عنها بالرموز والأمثلة. وعبروا عن الحقائق المقدسة بالتشبيهات الحسية، وهو أسلوب يتفق مع طبيعة الخيال. وبهذا يربط سبينوزا غموض الخيال وتقلبه من جهة، بظهور النبوة على فترات متباعدة عند بعض الناس، من جهة ثانية. فبما أن الخيال مبهم ومتقلب، اختلفت أساليب كل نبي عن الآخر ولم تتكرر النبوة باستمرار. فكانت نادرة، أعطيت لعدد قليل من الناس ولم تحدث حتى عند هؤلاء إلا نادرًا. ويضيف في السياق ذاته، إن المتميزين بالخيال الخصب عادة ما يكونون أقل قدرة على المعرفة العقلية، وعلى العكس من ذلك فإن التميز بالعقل يقلل القدرة على التصور الخيالي. لذلك، فإن أسفار الأنبياء، برأي سبينوزا، لا تحتوي على معرفة عقلية بالأشياء، بل تتضمن صورًا خيالية للتأثير في النفوس.
ويُلفت سبينوزا إلى تكيُّف الوحي حسب بيئات الأنبياء وأمزجتهم ومعتقداتهم، فالنبي المَرِح يُوحى اليه ما يُفرح الناس كالانتصارات والسلام. والنبي الحزين تُوحى اليه الشرور، كالعذاب والحروب. واذا كان النبي مرهفًا، يعبر عن رسالته بأسلوب رقيق. وينسحب ذلك على الوحي المتمثل بالصور المجازية، فإذا كان النبي من أهل الريف تتضمن صور الوحي أشياء ريفية، وإذا كان جنديًّا يُوحى اليه بصور عسكرية، وإذا كان رجل بلاط، يُوحى إليه بصور مَلَكِيَّة. واذا كان النبي مؤيدًا لحرية الاختيار، يُوحى إليه بأن الله لا يتدخل في أفعال البشر.
وكل نبي رأى الله كما تخيله، حيث رآه أشعيا ملتحفًا جالسًا على عرش ملكي. ورآه حزقيال نارًا، ولم يستطع زكريا شرح رؤيته لله، لأنه لم يفهمها هو نفسه. كما تكيف الوحي حسب عقلية الجمهور في أزمنة النبوة، فلم يقل الأنبياء عن صفات الله إلا ما اتفق مع الشائع لدى الجمهور ومع البيئة الثقافية السائدة حينئذٍ. فلم يكن آدم يعلم أن الله حاضر في كل مكان، وبكل شيء عليم، لذا أخفى نفسه عن الله وحاول الاعتذار عن خطيئته بالأكل من الشجرة المحرمة وكأنه أمام انسان مثله وليس أمام الله. لم يعلم آدم من صفات الله، إلا أنه الخالق لكل شيء.
وظل الأنبياء على أفكارهم السابقة قبل النبوة، التي لم تجعلهم أكثر علمًا، كما يرى سبينوزا. لذا، لا غرابة أن يتناقض الكثير من أقوالهم مع كشوفات العلم وابداعاته. من هنا نفهم اعتقاد يشوع، على سبيل المثال لا الحصر، بدوران الشمس حول الأرض، وتوقف الشمس بعض الوقت. ويستنتج سبينوزا بناء على ذلك، عدم احتواء أسفار الأنبياء معارف عقلية بالأشياء الطبيعية، بل على صور خيالية للتأثير في النفوس. ويذهب أبعد من ذلك في استخلاص أن ما جاء به الأنبياء خاضع للجدل، عدا غاية الوحي وجوهره. عدا ذلك، بمستطاع كل فرد أن يؤمن بما يشاء.
ولقد راجت رؤى تطور الوحي بموازاة مستوى تطور المجتمعات الانسانية في فلسفات رموز عصر التنوير، مثل كانط وهردر وليسنغ، حيث أعلن الأخير مرور الانسانية بمراحل ثلاث: مرحلة الطفولة، وتمثلها اليهودية (إله الأمر)، ومرحلة المراهقة وتمثلها المسيحية (إله الحب)، ثم الانتقال الى مرحلة العقل وتجسدها فلسفة التنوير واستقلال العقل والارادة الانسانيَّيَن. ويمكن التنويه بأن هذه المرحلة الأخيرة، قد مثلتها فلسفتا المعتزلة وابن رشد في موروثنا.
ويتناول سبينوزا ما يسميه المعرفة الطبيعية والمعرفة النبوية، حيث ينفي الاعتقاد بأن الأولى أقل شأنًا من الثانية. فالمعرفة النبوية يقينية أوحِي بها إلى أنبياء يتولون تفسيرها، بينما المعرفة الطبيعية توصل إليها العقل بمفرده. المعرفة الطبيعية عامة للبشر جميعًا، والمعرفة النبوية خاصة بالأنبياء وحدهم. المعرفة الطبيعية تُدرك الحقائق دون تخييل، غايتها الحق. والمعرفة النبوية تستعمل الصور الخيالية للتأثير في النفوس، غايتها الخير. ولا يرى سبينوزا فرقًا بين النبي والفيلسوف فيما عدا الغاية والوسيلة، وبذلك يلتقي مع رؤى فلاسفة مسلمين في موضوع النبوة. فقد تحدث ابن رشد في (مناهج الأدلة) عن الحقيقة النبوية المعتمدة على الخيال من أجل العامة، والحقيقة الفلسفية القائمة على النظر من أجل الخاصة. وركز الفارابي وابن سينا على الدور السياسي للنبوة وأهميتها للحياة الاجتماعية. وقد ذهب في الاتجاه ذاته جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
أما ابن الراوندي فيرفض المعجزات، ويؤمن بقدرة العقل على الوصول إلى ما أتى به الوحي. فالعقل بمنظوره أعظم نِعَمِ الله على خلقه، وبه يُعرف الرب ونِعَمه.
ا
#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟