|
|
في ذكرى وفاته الحادية والثلاثين!!! علي الوردي وزناد المعرفة في نقد نظرية ابن خلدون ح 1.
ياسر جاسم قاسم
(Yaser Jasem Qasem)
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 15:07
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في ذكرى وفاته الحادية والثلاثين!!!
علي الوردي وزناد المعرفة في نقد نظرية ابن خلدون
لقد اعتبر علي الوردي ، ابن خلدون فيلسوفا متشائما بواقعية ، إذ ان سنن التأريخ لديه تقضي بأن يعود الإسلام غريبا ولا يمكن إنقاذه، لذلك كان يرفض صراخ الفقهاء وبكاءهم على الإسلام، وهو بذلك يختلف عن المتشائمين المثاليين حسب الوردي، الذين يعزون فساد الوضع إلى سوء أخلاق الناس، فالإسلام يفسد ويخرب ليس بسبب الناس بل بسبب قوانين المجتمع، والفرق بين ابن خلدون وابن تيمية، إن الأخير قضى حياته في كفاح ووعظ، اذ كان يعتقد جازما بأن سبب فساد المسلمين هو شيوع البدع، وكان يطلب منهم تركها والرجوع إلى الإسلام الأول، وقد قاومه أصحاب البدع، واضطهدوه اضطهادا كثيرا حتى مات وهو مسجون، يقول علي الوردي: كأن لسان ابن خلدون مخاطبا ابن تيمية، حيث عاش كلا الرجلين في وقتين متقاربين "مالك يا أخي تتعب نفسك فيما لا فائدة منه" ، فتدعو إلى اصلاح المجتمع من غير معرفة بالقوانين التي يسير عليها المجتمع، وابن خلدون كما ابن تيمية يعدان من "أعظم مفكري الإسلام" حسب الدكتور الوردي لكن الفرقف بينهما، إن احدهما شارك في السياسة على أساس مثالي وهو ابن خلدون طبعا،بينما شارك الثاني فيها على أساس واقعي ، اذ كان ابن تيمية مثاليا صارما لايداري، ولا يراوغ اما ابن خلدون فقد كان " انتهازيا، منافقا، يجري مع التيار " وهذا كلام خطير وصف بسياق شجاع من الوردي، المعروف بشجاعته وثباته في موقفه، ومخالفته للشائع من الآراء والأفكار ، فابن خلدون كما قرأه الوردي يبدو انه كان ينتقد ابن تيمية وأمثاله من المفكرين المثاليين، الذين حاولوا اصلاح الدولة او المجتمع عن طريق اصلاح العادات، إن العادات في رأي ابن خلدون كالظواهر الطبيعية، والناس يخضعون لأمرها دون أن يستطيعوا اخضاعها لأمرهم، أما الذي يحاول اصلاح عاداته دون بقية الناس فقد يتعرض لسخريتهم، وكلام الوردي هذا ما زال واقعيا في مجتمعاتنا وبشكل دقيق، فالذي يخالف الناس وعاداتها يستهجنونه ويعتبرونه ليس سويا، لذلك فمقولة(اثبت أحد) مقولة جديرة بالإهتمام والتمسك بها، من هنا فالآراء الدينية تنتشر بين الناس حسب ابن خلدون متزاوجة مع العصبية، " إن الدعوة الدينية من غير عصبية لاتتم" ويعلق الوردي عن هذه الدعوة تعليقا واضحا " إنما قال ذلك نتيجة خبرته الواقعية في مجتمعه، حيث وجد ذلك المجتمع قائما على أساس العصبية والفرد الذي لا عصبية له تؤيده في محاولته الإصلاحية، يجب عليه السير مع الناس أينما ساروا وينجرف مع تيارهم" وإلي اليوم فأية دعوة دينية دون وجود ناس متخلفين يتصدون لها بالغالي والنفيس لن تجد ههذ الدعوة مكانة لها بين الناس. لقد كان ابن خلدون ناقما على الفقهاء المتناقضين في مواقفهم إذ كان له رأي كبير تجاه القضايا الكبرى وليس متناقضا في آرائه. ولابد لنا أن نذكّر إن الوردي عندما ذكر ابن تيمية على سبيل المثال دون الإشارة إلى تعصبه فهو بذلك يريد اثارة القارئ بفصل ابن تيمية عن فكره المتطرف والوقوف عند شجاعته في الطرح ومخالفته الشائع من أفكار المجتمع. وهذه قلّ من المفكرين من يستطيع احداثها. مثلا ابن عربي الذي كان مقربا من بني أمية، كما كان متناقضا كما أشار الوردي، إذ ان له رأي في ثورة الحسين على (يزيد بن معاوية) فكان ابن عربي يقول" إن الحسين قتل بشرع النبي جده، اذ ان النبي قال في حديث له كما يرويه ابن عربي: انه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق امر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان،، ويرى ابن عربي ان الذين اشتركوا في قتل الحسين انما فعلوا ذلك إطاعة للأمر النبوي ، وقد كان من الواجب عليه أن يجلس في بيته فلا يقوم بثورته طلبا للحق، إذ إن ثورته جرت على الإسلام الفتنة والفرقة) (أبو بكر بن العربي ، العواصم من القواصم). نرى إن الوردي يعلق على هذا الكلام(الغريب من ابن العربي انه في الوقت الذي يشجب فيه خروج الحسين على يزيد نراه يدافع عن أولئك الذين خرجوا على علي بن ابي طالب اثناء خلافته، فهو يحاول تبرير خروجهم بشتى الوسائل علر الرغم من اعترافه بأنهم قد بايعوا عليا في أول الأمر ، يقول: فيحتمل أنهم خرجوا لخلع علي لأمر ظهر لهم، وهو انهم بايعوا لتسكين الثائرة ، وقاموا يطلبون الحق، ويحتمل إنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان، ويمكن إنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين وضم نشرهم وردهم إلى قانون واحد، حتى لايضطربوا فيقتتلوا وهذا هو الصحيح لاشيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار(العواصم من القواصم) . إن نقد هذه الأصنام التأريخية التي كان يصعب أن تنتقد والتي كانت محرم نقدها، لأنها تتصل بالسلطة ومآلاتها،" إن ابن عربي جمع الصيف والشتاء في سطح واحد"، فهو يقول عن الحسين إنه فرق شمل الأمةبخروجه على يزيد ثم يقول عن الذين خرجوا على علي بأنهم أرادوا جمع شمل الأُمّة، ويبدو إن السبب الذي حدا بابن العربي إلى هذا كونه من دعاة بني أمية والمتعصبين لهم" وواضح إن المتعصب يقع بالتناقض من أجل الدفاع عمّن يتعصب له. ولابد أن نفرق بين ابي بكر بن العربي واسمه الكامل: أبو بكر محمد بن عبدالله بن العربي المعافري وهو فقيه. وقاض ومفسر مالكي من الأندلس يكتب اسمه بأل التعريف وهو مختلف تمام الإختلاف عن(محي الدين بن عربي) الذي هو من أشهر متصوفة الإسلام، طبعا لم يقم الوردي بالتفريق بينهما للقارئ وهذا مأخذ عليه، لأن بعض القراء قد يشتبه بمحي الدين بن عربي وهذه التناقضات التأريخية التي عرضنا لها. والأخير هو صاحب كتاب الفتوحات المكية و فصوص الحكم. ولنر ابن خلدونماذا علق على رأي ابن العربيفي خروج الحسين ( وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي، في هذا فقال في كتابه الذي سماه العواصم والقواصم، ما معناه: إن الحسين قتل بشرع جده، وهو غلط حملته عليه الغفلة، عن اشتراط الإمام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه، في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء). الأخلاق بين الغزالي وابن خلدون إذ نظر الغزالي إلى الأخلاق نظرة نسبية، تكاد تكون مادية بحتة، فقد ذهب الغزالي في ذلك ما خالف به الكثيرين من مفكري الإسلام، وبذلك أرى الغز الي اول وجهة نظر مادية للأخلاق ونسبية كذلك، يقول: اعتاد الإنسان أن يصف الشيء بأنه حسن أو قبيح، تبعا لما يوافق غرضه منه، أو يخالفه، إن الإنسان شغوف بنفسه، وهو لذلك يقضي بالحسن والقبح، على الأمور بوجه مطلق، وهو لا يدري إن غيره قد يقضي على الأمور بعكس ما يقضي هو به، ونحن لو تركنا الناس وشأنهم فيما يطلقون عليه من حسن وقبح لضاعت المقاييس، والناسإذا لابد لهم من أن يعتمدوا في أحكامه على شرع يأتي من وراء الغيب ليرشدهم إلى ما هو حسن وقبيح فيها ولا يرى الغزالي في الميول والغرائز البشرية كحب المنافع الدنيوية، والشهوة، والغضب، وما أشبه فهذه أمور شجبها الفقهاء ولم يشجبها الغزالي، وبذلك حسب د الوردي يتشابه الغزالي وابن خلدون في نظرتهم، للأخلاق نظرة استراتيجية مبنية وفق (الغاية تبرر الواسطة) حسبميكافيلي، فالعصبية ممقوتة لدى ابن خلدون والغزالي لكنها ضرورية للملة، وبوجدها شيء جيد ان استخدمت في الحق، وكذلك القوة والغضب وغيرها. بذلك يناقش الوردي أفكار ابن خلدون والذي يعتبره ختام المسيرة الإسلامية بالثقافة العالية، فمن سوء حظ الفكر البشري أن تخبو الثقافة الإسلامية بعد(ابن خلدون). يكتب الوردي نقده لابن خلدون وفلسفته قائلا: يبدو انه كتب فصول مقدمته وهو في أطوار نفسية، فكرية مختلفة، كشأن أكثر المفكرين العظام، الذين يقعون تحت تأثير نزعات متناقضة، فهم يندفعون في إحدى النزعات تارة، وفي الأخرى تارة أخرى، ولو أنهم كانوا متزمتين لنزعة واحدة، لا يعرفون غيرها، لما استطاعوا أن يبدعوا شيئا جديدا، إذ هم يسيرون في تفكيرهم، إذ ذاك على الطريق المطروق. لقد أسس علي الوردي لريادة دقيقة اختلفت عن بعض المفكرين ومنهم فالح عبدالجبار باعتباره متأخرا، وعبدالرزاق مسلم الماجد باعتباره متقدما وكما في مبحثنا التالي: إذ نجسد من خلاله ثلاثة مفكرين هامين، يبقى علي الوردي علامة شاخصة أساسية في خضم الصراعات التي عاشها العراق وما زال، لكن الوردي رسم خريطة تنوير أجدها متكاملة على الرغم من التشويش الذي قوبل به الرجل من قبل الكثير من منتقديه،الا ان فكره بقي صامدا، لأنه واقعي ومن صلب واقع مأسس له الوردي، واستمر حتى اليوم لأن الفكرة التي طرحها لما تزل ترتبط بالناس والواقع، على حد سواء، ونحن في ذكراه الحادية والثلاثين نفتح أبواب التساؤل ونسأل هل ما زال فكره يجسد واقعا كما نظن، هل ما زلنا نحن بحاجة إلى إعادة قراءة الوردي وطرح الأسئلة التي يخاف طرحها بعضهم حتى اليوم، هذه كلها تساؤلات ما زالت تطرح وينبغي أن يتصدى لها الباحثين في كل مناسبة تخص العلامة علي الوردي.
• ابن خلدون بين: علي الوردي ،عبدالرزاق مسلم الماجد، فالح عبدالجبار.....
بداية علينا ان نتفق ان الدكتور عبدالرزاق الماجد له الريادة في رؤيته المعرفية لنظرية ابن خلدون وتطبيقاتها المادية في ضوء النظرية الاشتراكية في المجتمع العربي ككل ، وقد استثمر الدكتور الماجد في ابن خلدون واسس لمعرفة ضمنت له الريادة وجعلت المفكرين البقية يتوجهون لقراءة ابن خلدون قراءة اخرى بناء على مقتضيات المجتمع العربي وصيروراته المختلفة ....اما الدكتور الوردي فقد كان رائدا في قراءته للنظرية في ضوء المنهج الوضعي فلم يسبقه سابق في ذلك وقد سار على نهجه الدكتور فالح عبدالجبار كما علينا ان ندرك انه لم يشكل عالم اجتماع عربي ظاهرة كبرى كما شكل العالم ابن خلدون في عصرنا الحديث اذ تمت قراءته من عدة اوجه، لدى كثير من المفكرين العرب وما يهمنا في هذه الدراسة كيف تمت قراءته من قبل العلماء الثلاثة المشار اليهم وهم الدكتور عبدالرزاق مسلم الماجد الذي تبنى في قراءته لابن خلدون النظرة الاشتراكية ومفاهيمية تخص العقل والنظرة الى المعرفة وماهية الدولة والاخلاق لدى ابن خلدون، هل تتأتى من التجربة ؟ ام من الفطرة ؟ وكان سباقا فيها والدكتور علي الوردي الذي تبنى في مقاربته المجتمع العراقي نقطة انطلاق خلدونية تتمثل في صراع البداوة والحضارة وكان سباقا فيها ايضا ، وفالح عبدالجبار الذي قرا ابن خلدون من ناحية الدولة وتشكلاتها وعلاقتها بالبداوة وبذلك سار على نهج الوردي الوضعي في تلكم القراءة ، وسنأتي على كل واحد منهم وندرس كيف توقف عند ابن خلدون علنا نؤسس لدراسة مقارنة في هذا المجال... نزع القدسية عن الدولة لدى الماجد مستندا على ابن خلدون... ان للدولة حضورها في تعريفات الماجد وهو حضور مكثف ومهم ويستعير من ابن خلدون الفكرة حول الدولة اذ ان الدولة لديه هي ظاهرة انسانية لا الهية ولا تكتسب اية قدسية وان كان يراسها النبي نفسه، بمعنى انها ليست كيان مقدس وحدد ابن خلدون مهمة الدولة بالقهر وفرق بين نوعين من السلطة لدى الدولة سلطة رئيس العشيرة القائمة على الاحترام الطوعي وسلطة الملك القائمة على القسر ، يقول ابن خلدون: "ثم يقولون – اي : الفلاسفة، وذلك الحكم يكون بشرع مفروض من عند الله يأتي به واحد من البشر ، وانه لا بد ان يكون متميزا عنهم بما يودع الله فيه من خواص هدايته وهذه القضية للحكماء غير برهانية كما تراه اذ الوجود وحياة البشر قد تتم من دون ذلك بما يفرضه الحاكم نفسه، او بالعصبية التي يقتدر بها على قهرهم وحملهم على جادته" لقد اشار الماجد الى اهمية فلسفة ابن خلدون في بناء الدولة ونزع قدسيتها فالماجد يضع حدا فاصلا بين الدولة والاله ويعتبر ان السلطة بشرية تماما. ويثير ايضا قول ابن خلدون" قدمنا ان الادميين بالطبيعة الانسانية يحتاجون في كل اجتماع الى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض فلا بد ان يكون متغلبا عليهم بتلك العصبية والالم، تتم قدرته على ذلك، وهذا التغلب هو الملك وهو امر زائد على الرئاسة سؤدد وصاحبها متبوع وليس له عليهم قهر في احكامه واما الملك فهو التغلب والحكم بالقهر" (المقدمة ص)126. كما وينتقد شكل الدولة الراسمالية التي تسبب بنظره الاحتكارات وطواغيت المال وغياب العدالة الاجتماعية . كذلك يقارن ابن خلدون مع المفكر الايطالي فيكو(1668-1744م) اذ ان فيكو يذهب الى ان "المجتمع الانساني يمر اثناء تطوره بثلاث مراحل هي: الطفولة والشباب والكهولة، اذ ان مرحلة الطفولة تمثل المرحلة البدائية والثانية العصر البطولي/الارستقراطي، والثالثة بالعصر الانساني /البرجوازي وتنتهي الدورة بانهيار المجتمع فيعود الى المرحلة الاولى ويعتبر الماجد ان ابن خلدون كان قد سبق فيكو الى فكرة الدورات التاريخية في مقدمته الشهيرة ، حيث اعتقد بان اجيال البدو هم في رايه القوة المحركة في التاريخ الرامية الى الخروج من حياة الشظف الى حياة الترف تغزو البلدان وتقيم الدويلات وتشيد الحضارة ولكنها ما ان تعتاد على حياة المدن حتى تفقد بطولتها وعصبيتها فيخرج جيل قوي جديد من البادية يزيل الدولة القديمة ويبني على انقاضها دولة جديدة وهكذا يتجدد التاريخ. "حسب حتمية التطور التاريخي عند الدكتور الماجد
• اما نظرة الدكتور الوردي للدولة الظالمة وتشكلاتها وفق الرؤية الخلدونية فيتوقف الوردي عند اراء ابن خلدون في ضرورة زوالها عند توفر القدرة على ذلك مجتمعيا ، يقول الوردي منتصرا لابن خلدون في نظرة اخرى تؤسس لدولة العدالة الاجتماعية " مهما يكن الحال فنحن نستطيع ان نستنتج ان الخروج على السلطان الظالم كان امرا مقبولا الى حد ما في صدر الاسلام، ولهذا وجدنا ذلك العهد يعج بالثورات والدعوات المختلفة لكن هذه الثورات اخذت تقل شيئا فشيئا بمرور الزمن حتى وصل الحال بالفقهاء اخيرا الى ما يشبه الاجماع على تحريم الثورة ، وعلى وجوب طاعة ولي الامر مهما كان ظالما او فاسقا" . وقد اشار الوردي الى اهم الثورات التي كانت آنذاك مثلا ثورة الحسين ضد يزيد ، ثورات العلويين التي تلتها بداية العصر العباسي وفي اواسطه سيما ثورة الزنج والقرامطة . ويسلط الوردي الضوء على راي ابن خلدون في هذه الثورات بعيدا عن تجريم وجواز هذه الثورات وقراءتها دينيا فأبن خلدون حسب الوردي يرى ان المسالة ليست مسالة تحريم او جواز من الوجهة النظرية المجردة بل هي مسألة واقعية اجتماعية تتصل بالعصبية ،فمن كانت لديه العصبية الكافية التي تمكنه من الثورة والتغلب على السلطان جاز له الخروج عليه، اما من كان ضعيفا من الناحية الاجتماعية وليس له عصبية كافية تدعمه في خروجه ،فالاولى به الجلوس في بيته وتجنب اثارة الثورة حسب رايه، بالتالي يضع ابن خلدون الشرط في الثورة في القدرة عليها، والا بلا يقول " ومن هذا الباب احوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فان كثيرا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون الى القيام على اهل الجور من الامراء داعين الى تغيير المنكر والنهي عنه، والامر بالمعروف، رجاء في الثواب عليه من الله، فيكثر اتباعهم والمتشبثون بهم من الغوغاء والدهماء ، ويعرضون انفسهم في ذلك للمهالك واكثرهم يهلكون في ذلك السبيل مأزورين غير مأجورين، لان الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم وانما امر به حيث تكون القدرة عليه قال الرسول" من راى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه" واحوال الملوك والدول راسخة قوية لايزحزحها ويهدم بناءها الا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر " فابن خلدون بالضد من الثورات الضعيفة بل يضع شرط القوة لقيامها والوردي قبل ان يستند على رؤية ابن خلدون في الثورة فهو يرفض رؤية الفقهاء الذين اجمعوا على وجوب طاعة السلطان وعلى تحريم الخروج عليه وان كان فاسقا ، ويؤيد من ذهب منهم بضرورة تغييره عند ظلمه، وهذا راي بعض ائمة الاسلام في العصر الاول اذ لم يلتزموا بهذه الاحاديث التزاما حرفيا فكان منهم من يرى الثورة على السلطان الظالم استنادا لقول الرسول لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ويضرب مثلا في الامام ابي حنيفة انه كان من اولئك الذين يرون الثورة على السلطان الظالم ويروى انه اثناء ثورة زيد بن علي على هشام بن عبدالملك ، قال عنه" ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر"
اذ يستند الوردي على هذه الروايات الى اهمية الخروج على الظلمة ، وتقويض دولتهم والمطالبة بالعدالة الاجتماعية ويؤكد رؤية ابن خلدون في اهمية العصبية التي هي في نظره شرطا اساسيا لتأسيس الدولة ويعتقد ان استخدام العصبية في مكانها لتاسيس دولة وتقويض دولة استبداد انما هي عصبية محمودة وليست مذمومة . يشابه الوردي الدكتور الماجد في ضرورة الخروج على الدولة الظالمة وانهاء حكمها.
و يعد الدكتور علي الوردي في قراءته لفكر ابن خلدون وتطبيقاته داخل المجتمع مؤسسا فكريا فصراع البداوة والحضارة يمتد عند الوردي في الماضي الى اقصاه ووجد منذ ان ظهر الانسان فالصحراء حسب قول الوردي تنتج البداوة والبقاع الخصيبة تنتج الحضارة وهما في صراع متصل منذ ان ظهرا الى الوجود وهذه هي دورة الصراع الخلدوني وهي مستمرة في نظر علي الوردي وتقوم على هيمنة احادية :سيادة روح البداوة وانتقالها الى المدينة ضمن دورة خلدونية مغلقة ، والتضاد بين البداوة والحضارة عند ابن خلدون يشمل :القيم ، التنظيم، الانتاج، الخصال السايكولوجية ، والاخلاقية وانهما عالمين متعاكسين . .
وياتي فالح عبدالجبار لا لينقدها بل ليفسر في ضوء السوسيولوجيا المعاصرة معنى ان يتجدد الصراع الدوري الذي يندفع من البادية الى الحضر ومعه صبغة دينية ويكون ندا للحضر ؟ اذن هو يكمل ما ابتدأه الوردي بايجاد تفسيرات لدورة ابن خلدون في تغلغل البدو في الحضارة ... يعتبر ان اختلال التوازن بين الدائرة الزراعية agriculturism والدائرة الرعوية pastoralism لصالح هذه الاخيرة ، ويضيف عبدالجبار ان نمط العيش الرعوي ينمي بحكم تطبيقه بالذات الملكات العسكرية الاساسية في ذلك العهد اللاتكنولوجي : سرعة الحركة وخفة الانتقال والقدرة على الهرب سواء لتفادي القتال ام لتجنب خوضه في نقطة معينة ، يقول عبدالجبار " ان الرعوي لايحتاج الى انتاج وسائط الحرب هذه فهي جزء من حياته، وهو لايعيش مطمئنا بل يحمل السلاح في حله وترحاله" ويبرهن فالح عبدالجبار سيادة البداوة في مناطق العرب وبالتحديد شمال افريقيا وعدم وجودها في اوربا الساحل المقابل بسيسولوجيا حديثة كما اسلفنا " ان طغيان البداوة في شمال افريقيا وغيابها في اوربا على السواحل المقابلة يرجع الى تباين الوزن النسبي للاقتصاد الرعوي والاقتصاد الزراعي في المجتمعين" ويذهب علي الوردي الى " ان اعظم منطقة صحراوية على وجه الكرة الارضية هي هذه المنطقة التي تكتنف البلاد العربية ، فلو سرحنا نظرنا في خارطة البلاد العربية ، من المحيط الى الخليج نجد فيها صحراء مترامية الاطراف، حيث يخترقها بحر واحد هو البحر الاحمر وبعض احواض الانهار ، وسلاسل الجبال" ويضيف علي الوردي وبشكل اعمق من فالح عبدالجبار موضحا طبيعة المنطقة العربية التي افرزت البداوة وسببها" المعروف ان هذه المنطقة لم تكن صحراوية منذ بداية امرها ، انما كانت منطقة كثيرة المطر عامرة بانواع النبات والحيوان، ولم تبدأ الطبيعة الصحراوية تظهر فيها الا بعد انزياح الدور الجليدي الرابع نحو الشمال، وبهذا اخذ المطر يقل فيها وتزداد فيها القحولة تدريجيا" التي افرزت فيما بعد البداوة ، ويذهب كلا المفكرين الوردي وعبدالجبار في ان القبائل البدوية تعتمد على مساهمة الذكور الراشدين وتتميز عمليا باعلى نسبة من المساهمة الحربية من بين سائر الجماعات وهي بهذا المعنى تجمع حربي كما اسماه فالح عبدالجبار . ويقول الوردي " ان الثقافة البدوية تقوم على اساس التغالب اي :الحرب والقتال، مركب اساسي فيها ولهذا كانت الحرب في البداوة دائما متصلة لا يخمد لها اوار ، فهي لا تتوقف فترة الا لتثور بعدئذ ، ان القيم البدوية بشتى مركباتها وخصالها تدور حول تمجيد الغزو والغلبة والفروسية والحمية المفرطة " ص77 ، علي الوردي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، بغداد، دار الحوراء، 2005م. وكلاهما ينطلقان من رؤية ابن خلدون للبداوة "والبدو متنافسون في الرئاسة ، وقل ان يسلم واحد منهم الامر لغيره، ولو كان اباه او اخاه او كبير عشيرته الا في الاكل "(المقدمة) بمعنى ان التعصب واللاتسامح يسود في القبيلة البدوية حد القتال وهو الاساس في ذلك. كذلك فان كلا المفكرين يذهبان الى ان الحضارة بمفرداتها الفنية هي التي غزت البداوة وغيرت من نمطها وهذا مما لم يلتفت اليه ابن خلدون ، يقول عبدالجبار" ان تعايش القبائل والمدن ظلّ مستمرا في العصر الزراعي في توازن مضطرب عجزت خلاله المدن عن السيطرة على البوادي اي :بقيت الغلبة للبدو ، وكان الثبات النسبي لهذه العلاقة مصدر الاعتقاد الخلدوني بأنه ازاء ظاهرة ازلية لافكاك منها ولاخروج، ان الدولة العثمانية كانت اول خرق في العصر الاسلامي /الزراعي للقانون الخلدوني خرق للقانون الاساسي لدولة الملك" اذ ان العثمانيين اندفعوا كقبائل بدوية ، رعوية ملتحمة بأواصر العصبية وفقا لكل مقتضيات ومتطلبات التحليل الخلدوني، واستولوا على الملك في الجيل الاول وقام الجيل الثاني كما في النموذج الخلدوني ولكن خلافا للحسابات الخلدونية دامت سلطة ال عثمان اربعة قرون بدلا من 120 عاما كان قد حددها ابن خلدون فلم تسقط خلافتهم على يد البوادي بل على يد قوة صناعية (اوربا) " هذا ما حلله عبدالجبار بأن البوادي لم تسقط القوة البدوية حسب رؤية ابن خلدون " ان البوادي والعصبيات والحروب هي التي تسقط البدو" ويتشارك علي الوردي في هذه الرؤية في قدرة الحضارة على اسقاط البداوة يقول الوردي وهو الاسبق في هذه الرؤية وقد يكون الدكتور فالح عبدالجبار قد اخذها روحا منه دون الاشارة اليه " ان المخترعات الحديثة من سيارات وطائرات ومدافع ورشاشات وغيرها جعلت في الامكان السيطرة على الامن في الصحراء والقضاء على الغزو ، والقتال فيها وقد اصبحت الحضارة الحديثة قادرة على التغلغل في اعماق الصحراء حيث اخذت تغري البدو على احتراف المهن الحضرية شيئا فشيئا" علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، م س ، ص 79 ويضيف الوردي "معنى هذا ان الثقافة البدوية سائرة في سبيل الاختفاء والزوال عاجلا او اجلا ، فهي لا تستطيع ان تصمد طويلا تجاه تيار الحضارة الطاغي " وهنا السؤال لماذا بقي العثمانيون كل هذه الفترة ، فالعثمانيون مثل غيرهم جاؤوا قبائل رعوية محاربة على غرار ما فعل العرب المسلمون الاوائل وكما فعل العباسيون ، من بعدهم او البويهيون ، فالسلاجقة ، وما ان استتب الملك وحصل الانفراد به حتى اصبح لزاما فصل الارستقراطية العسكرية عن القبيلة وعن نظام القرابة الذي يحيط بالسلطان ، اي : انشاء جهاز عسكري من العبيد ، بما في ذلك من غير المسلمين ، ان جهاز العنف هذا غريب عن قبيلة الحاكم ، وعن المجتمع وهو يدين بوجوده لشاريه. سبق لمثل هذا الترتيب ان حصل في العهد العباسي ، انشاء جيش من الترك وفصله عن السكان بيد ان الدولة العباسية سقطت في يد الديلم بعد فترة كما يقول ابن خلدون نفسه ولم يحصل الشيء ذاته للعثمانيين رغم ان البوادي والقبائل البدوية استمرت في الوجود على سابق عهدها، والسبب هو "ان الدولة العثمانية ، دشنت عهد البارود ، لقد قلب المدفع العلاقة بين الحاضرة والبادية ، واوقف سير الدائرة الخلدونية ، ان المدفع غير العلاقة بين المدينة وقلاع النبلاء في اوربا " ويقرا عبدالجبار بصورة مغلوطة بأن مفهوم الوردي لتضاد الحضارة /البداوة لايشبه هذا التقابل القطبي الخلدوني، بل هو عسكه تماما ، ان البداوة عند الوردي هي نظم قيم واشكال تنظيم، تطغى على المجتمع وتنتقل الى المدن لا لتدخل فيها فحسب بل لتدوم في صورة ثأر ،غزو ، دخالة ، غسل عار ، انغلاق في عصبية محلية ، وكلامه هذا صحيح بدليل قول الوردي " تنتشر قيم البداوة وتؤثر في المجتمع العراقي وتحاول التغلغل في مختلف فئاته وطبقاته" ثم يرجع عبدالجبار ليؤكد ما نذهب اليه من ان "الوردي يعيد انتاج صراع البداوة الحضارة الخلدوني، بصورة تناشز اجتماعي بين حضارة حديثة وحضارة تقليدية ، لكن هذا التناشز لم يعد حسب رايه هو نتاج انقسام المجتمع الى بدو وحضر " بل " يعاني الشعب صراعا اجتماعيا ونفسيا على توالي الاجيال فهو من ناحية لا يستطيع ان يطمئن الى قيمه الحضرية زمنا طويلا ، لان الصحراء تمده بين كل آونة واخرى بالموجات التي تقلق عليه طمأنينته الاجتماعية وهو من الناحية الاخرى لا يستطيع ان يكون بدويا كأبن الصحراء ،لان الحضارة المنبعثة من وفرة المياه وخصوبة الارض تضطره الى تغيير القيم البدوية الوافدة ، قد يجوز ان نصف الشعب العراقي شعب حائر، فقد انفتح امامه طريقان متعاكسان ، وهو مضطر ان يسير فيهما في آن واحد ، فهو يمشي في هذا الطريق حينا ثم يعود ليمشي في الطريق الآخر حينا آخر" ان المجتمع الخلدوني يقف في المركز ليس وراءه سوى التوحش السابق للعمران، وليس أمامه سوى صورته الذاتية . اما المجتمع الذي يعيد انتاجه الوردي خلدونيا فيقف حائرا بين بدويته وحضارة جديدة ، تخترق الاسوار , كما يعتبر عبدالجبار ان الوردي نسي استاذه الاول ابن خلدون وترك البداوة مضمرة ،فالبداوة لاشعور جمعي يستبطنه المجتمع رغم نشوء العصبية الجديدة . كما يشير عبدالجبار :ان عوامل الالتحام الحديثة ما تزال بعد واهنة فتزحف البداوة الخبيئة المضمرة زحفا وئيدا من زوايا اللاشعور الجماعي ويضيف: لو صحا ابن خلدون اليوم على واقع حالنا لهتف :ألم اقل لكم ان الرياسة في اهل العصبية ولقلنا نحن لعلي الوردي ولكنك لم تقل ان اللاشعور يطغى، وهنا فتح جديد يضعه عبدالجبار في قضية اللاشعور وهنا يعتبر (د فالح ) بأننا ازاء النبتة الاولى لمثقف الكلمة الحديثة المطبوعة ، ولنمو سلطة المعرفة الدنيوية بموازاة سلطة المعرفة المتسامية الدينية ، ان اندماج الاثنتين سيخرق اسوار العزلة ، السرمدية للطوائف والقبائل وسيجد في خدمته خطوط التلغراف انذاك وسكك الحديد والكلمة المطبوعة ، معتبرا ان الوردي يتحدث عن التفاعل الاجتماعي الجديد بين قبائل ومدن وقرى العراق ايام "ثورة العشرين" مركزا على فحواه :تكوين الهوية الجديدة العراقية دون ادواته :وسائل الاتصال الحديثة . ان هذه الحقيقة من تاريخ العراق تشهد التمايز بين المقدس واللامقدس في علاقة جديدة . ...
• اخوان الصفاء وابن خلدون يسبقون فرانسيس فوكوياما في قراءة التاريخ: اذ يشرح ابن خلدون شرحا اجتماعيا ، كيف يؤدي الترف بأصحابه الى التخلق بالأخلاق السيئة كالكذب والمقامرة والغش والخداع والسرقة والفجور ففي رأيه حسب الوردي "ان ذلك أمر طبيعي تؤدي اليه، عادات الترف من حيث التأنق في المطابخ والملابس، والمباني والفرش والانية فتتلون النفس من تلك العادات بألوان كثيرة لايستقيم حالها معها حيث تضطر النفس الى التفنن في تحصيل المعاش من وجهه وغير وجهه، وتنصرف الى الفكر في ذلك والغوص عليه واستجماع الحيلة له، فلا تبالي عندئذ بالاخلاق الحميدة التي امرت بها الشرائع " اي ان الترف ينسي الناس الدين والتدين يقول فوكوياما" ان المجتمع الحديث بتشديده على الحقيقة والشفافية قد قتل التدين ، لم يكن لديه ما يستعيض به عن التدين " وبالرجوع لابن خلدون " ومن مفاسد الحضارة الانهماك في الشهوات والاسترسال فيها لكثرة الترف ، فيقع التفنن في شهوات البطن من المآكل والملاذ ، فافهم ذلك واعتبر به ان غاية العمران هي الحضارة والترف وانه اذا بلغ غايته فانقلب الى فساد واخذ في الهرم كالاعمار الطبيعية للحيوانات " ففي راي ابن خلدون ان الناس اذا وصلت الى قمة الترف ، هذا يعني انها مقبلة اي : دولها على الزوال ، هذا هو الطور طور الاستهلاك الذي يخشى معه هلاك الدول وخرابها، وهنا قد سبق ابن خلدون فرانسيس فوكوياما في رايه بالانسان الاخير او نهاية التاريخ ، الراي الذي سطره في كتابه الصادر عام 1992 : نهاية التاريخ والانسان الاخير . يقول : " يغلب على السواد الاعظم من البشر في العصر الحديث كونهم محدودي الافق وأقزاما يثيرون الشفقة والرثاء، حيث يفتقرون الى الاحساس بكيفية بلوغ الشأن الرفيع وهم لايملكون سوى غريزة مراكمة الرفاهيات والكماليات التافهة والملذات الرفيعة في عالم مادي مسكون بهواجسه الذاتية ، فاذا كان فرط الرغبة في الهيمنة وحب الظهور قد تلاشى من حياة البشر ،فقد تلاشت العظمة لتبقى ضآلة وضيعة ولاشيء عداها " ( the last hollow laugh ,Aeon,2017 ، مقال مترجم ل بول ساغار، من يضحك اخيرا ..يضحك عميقا ، نشر في مجلة الثقافة العالمية ، مارس /ابريل/ 2019، العدد 198 ، الكويت، ص158-159) لقد برهن ابن خلدون قبل مئات السنين من فوكوياما الى ان الترف ونزعة الاستهلاك تهدم المجتمعات والدول ويصل بها الى نهاياتها ، فالتفنن في مذاهب الترف يقود الدول الى الخراب وهذا ما اوضحه فرانسيس فوكوياما ، في كتابه الانسان الاخير فقد كان تكهنه بملامح المجتمع الغربي ما بعد نهاية التاريخ ، انها ملامح سيئة ، اذ كان من الممكن ان ينزلق ما أسماه " الرجال الاخيرون" عند نهاية التاريخ الى درك الرضا البهيمي بالمباهج المادية ، كأشبه ما يكونون بكلاب قد استرضت تحت شمس ما بعد الظهيرة ، وهكذا فان فوكوياما بين بأن الرجال الاخيرون والنساء الاخيرات، غير راضين البتة بما نالوا من رفاهية وتنعم غير مسبوقين ، لكون تلك الرفاهية وذلك التنعم قد اخفقا في اشباع رغبتهم في الهيمنة وحب الظهور ، فاذا ما سلك الرجال الاخيرون هذا المسلك فسيضحون ضجرين بما أطلق عليه"فوكوياما" (العبودية من دون اسياد) وهي حياة الاستهلاك وقد تكهن فوكوياما بأن هذا الضجر والتململ من الحياة الجديدة ستكون في النهاية بحاجة الى متنفس سياسي والذي سيكون كحمم بركان في فورته، فوكوياما وصف الحضارة بالمبهرجة الجوفاء، ذلك الملاذ الجدب للانسان الاخير كذلك وصف ابن خلدون قبله بقرون ان من مفاسد الحضارة الانهمال في الشهوات كما مرّ بنا، واعتبر انه اذا بلغت الحضارة هذه المفاتن فهي الى زوال ، اما فوكوياما فقد عبر عن نهايتها بأنها بحاجة الى متنفس سياسي سيكون كحمم بركان في فورته، وهكذا سبق ابن خلدون فوكوياما بأشارته الى نهاية الحضارة اولا بعد بلوغها مرحلة الترف وكيف ان الترف والحضارة تسلب الناس التدين، من دون بديل، كما عبر عن ذلك فوكوياما مع اختلافات الزمن والمكان وليس من المستبعد ان يكون فوكوياما قد اطلع على الفكر الخلدوني في هذا الباب حتى قال به في كتابه" نهاية التاريخ والانسان الاخير" .
ويتوقف الوردي عند اخوان الصفا الذين سبقت اشاراتهم بانحطاط الدولة قبل ابن خلدون وفرانسيس فوكوياما ، اذ " تضمنت رسائلهم كثيرا من الافكار التي لها صلة بالامور الاجتماعية ومن هذه الافكار قولهم بان الدولة لها عمر تنتهي بانتهائه ، ففي رايهم ان ليس هناك دولة تبق للابد ، فكل دولة لابد ان تميل الى الهبوط بعد ارتفاعها انها تبدأ في اول امرها نشيطة قوية ثم تاخذ بالانحطاط والنقصان شيئا فشيئا حيث يظهر على اهلها الشؤوم والخذلان ولابد لها في النهاية من حد تقف عنده ( هذه العبارات وردت في الرسائل ، الجزء الاول ، نقلا عن منطق ابن خلدون ، الوردي ، ص162). الملاحظ ان ابن خلدون جاء بمثل هذه الفكرة في مقدمته حيث شبه اطوار حياة الدولة باطوار حياة الانسان من فتوة وكهولة وهرم ولكن ابن خلدون يختلف عن اخوان الصفاء من ناحية التعليل لهذه الظاهرة وهنا يظهر الفرق الكبير بين منطق اخوان الصفاء ومنطق ابن خلدون " باختلاف الضروف طبعا والبيئة والزمان وهكذا فان منطق فرانسيس فوكوياما يختلف عن كليهما الا انه يمر بنفس الفكرة تماما. ويكمل الوردي في اطار مناقشاته لاخوان الصفاء انهم يحاولون تعليل الظاهرة تعليلا صوريا اذ هم يرون ان الدول تدور تدور في الارض على منوال ما تدور الافلاك في السماء، وذلك تبعا لقانون عام يشمل الكون كله، فهم يقولون ان الزمان نصفه نهار مضيء والنصف الاخر ليل مظلم، والزمان ايضا نصفه صيف حار ونصفه شتاء بارد وهما يتداولان في مجيئهما وذهابهما كلما ذهب هذا رجع ذاك، وكلما نقص من احدهما زاد في الاخر بذلك المقدار . هذا ما يورده الوردي من خلال رسائلهم . ويكمل الوردي الى ان هناك من سبق اخوان الصفاء الى مثل هذه الفكرة ، على وجه من الوجوه وهي في الواقع فكرة قديمة نشأت من ضمن الاساطير الشعبية لدى كثير من الامم القديمة، في العراق ومصر وايران والهند والصين وغيرها. وسبب نشوئها فيهم انهم كانوا يأملون ان تتبدل احوال الظلم والفساد التي كانوا يعانون منها ، فدفعهم الامل الى توقع مجيء عهد جديد كمثل ما يجيء النهار بعد الليل والصيف بعد الشتاء ، ومن هذه الاسطورة نشأت فكرة المسيح لدى العبريين والمهدي لدى المسلمين وجاء اخوان الصفاء اخيرا فاتخذوها شعارا لهم ليوحوا لاتباعهم بأن دولة الخير التي هي دولتهم اتية لاريب فيها. ويكمل الوردي " ان اخوان الصفاء يصنفون الدول الى صنفين لا ثالث لهما هما : دولة الخير ودولة الشر ، وهم في ذلك يجرون على قانون الوسط المرفوع الذبي هو من قوانين المنطق القديم كما اسلفنا فاية دول من الدول كما يقول الوردي في رايهم هي منذ البداية ، اما ان تكون خيرة او شريرة ، وهي تبقى كما بدأت الى النهاية ، والتاريخ ليس سوى دورات تتعاقب فيها دول الخير والشر . ويقول الوردي " يغلب على ظني ان ابن خلدون قد استمد فكرته عن الدور الاجتماعية من اخوان الصفاء ، انما هو قد طورها واخضعها لمنطقه الجديد، فهو اولا لا يعترف بوجود صنفين متمايزين من الدول ، ان كل الدول في رايه متماثلة تقريبا حيث تبدأ في اول امرها صالحة ثم تنحدر في طريق الفساد تدريجيا وابن خلدون لا يعلل ذلك على اساس ميتافيزيقي كما فعل اخوان الصفاء، بل هو يعلله تعليلا اجتماعيا ، فهو يعزو انحدار كل دولة في طريق الفساد المحتوم الى الترف الذي يصاحب ازدهار الدولة عادة ، وبهذا يفقد الحكام خصالهم القوية التي كانوا يتخلقون بها اول الامر ، فينهارون وتنهار الدولة معهم ، حيث يحل محلهم حكام جدد من اولي الخصال القوية .يروي ابن خلدون انه عندما وقع الحريق في الكوفة في عهد عمر بن الخطاب، استأذنه الناس في بناء الكوفة بالحجارة فقال: افعلوا ولايزيدن احد على ثلاث ابيات ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة " يبدو ان الفقرة الاخيرة من كلام عمر كان لها الاثر البالغ في تفكير ابن خلدون، يقول عمر : الزموا السنة تلزمكم الدولة ، وياتي ابن خلدون ليقول ان الناس لايستطيعون ان يلتزموا بالسنة بعد ان يأتيهم الترف، ولهذا فلا بد ان تضيع الدولة منهم ، في نهاية المطاف" ص163، م س .
عموما اثبتت دول العالم الحديث ، انها وبعد ان تسير في مسيرة الترف والطغيان التي ترافقها غالبا دون ان ترعوي لمفهوم حقوق الانسان وغيرها من المفاهيم المهمة تبدأ هذه الدول بارتكاب الاخطاء الفظيعة وهكذا تنحدر شيئا فشيء الى ان تدمر نفسها بنفسها او ان ترتكب اخطاء كبيرة تؤدي بها الى الزوال والامثلة لدى كل منا كثيرة جدا جدا .
المراجع - ابن خلدون، المقدمة
- منطق ابن خلدون ، علي الوردي ، منشورات سعيد بن جبير ، ايران ، 2005، ص 93. - وقد اعتمد الوردي في ذكره للثورات عن الطبري . - منطق ابن خلدون ، علي الوردي ، نقلا عن المقدمة ، م س ، ص 93 - منطق ابن خلدون ، علي الوردي. - فالح عبدالجبار ، في الاحوال والاهوال ، عن المنابع الثقافية والاجتماعية للعنف ، كتاب في جريدة ، العدد 8 ، 8/11/ 2007 ، الصادر مع صحيفة الصباح ص18 . - ايرنست كيلر ، م س ، ص18 - الدكتور علي الوردي، منطق ابن خلدون، ايران ، ط1، 2005، ص248 - علي الوردي ، م س ، ص12.
- فالح عبدالجبار ، م س - ص12، م س ، علي الوردي .
- ص156 ، الوردي ، منطق ابن خلدون . - منطق ابن خلدون م س ، ص 156.
#ياسر_جاسم_قاسم (هاشتاغ)
Yaser_Jasem_Qasem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الثقافة العربية .. تعدد الإشكاليات وندرة المساءليات ج 5
-
المراحيض في كتاب . . . قصة البشرية مع عارها
-
الثقافة العربية تعدد الإشكالات وندرة المساءليات ج 4
-
العلم وحرية الإرادة....
-
المفكران نوري جعفر وعلي الورد ي ، تشخيصات في القدرات الكامنة
...
-
الثقافة العربية .. تعدد الإشكاليات وندرة المساءليات ج 3
-
باسل والحب الإنساني العميق ح5
-
باسل في لعبة الإنسان والمكان..... ح4
-
خيال باسل الجامح!!! ح3
-
باسل محمد عبدالكريم الجندي؟الإنسان ح2 صورة قلمية
-
باسل محمد عبد الكريم مناضل يوقد شمعة للحرية – صورة قلمية ح
...
-
الثقافة العربية ..تعدد الإشكاليات وندرة المساءليات- ح 2
-
الثقافة العربية ..تعدد الإشكاليات وندرة المساءليات ........ا
...
-
ميخائيل للكاتبة العراقية فاطمة وسام
-
التكنولوجيا والأخلاق - من كتاب العلاقة المحورية بين العلوم ا
...
-
الوعي بمدرسة فرانكفورت الحلقة الأخيرة من كتاب الوعي بالتنوير
...
-
الدين البهائي جدل وأفكار ج 3 والأخير
-
الدين البهائي جدل وأفكار ج 2
-
الدين البهائي، جدل وأفكار- ح 1
-
عمائم ليبرالية في ساحة العقل والحرية فكرة تنويرية للدكتور رف
...
المزيد.....
-
فارس: تنفيذ حكم الإعدام بحق إرهابيَّين من تنظيم داعش، بعد إد
...
-
حرس الثورة الإسلامية: الجيش الأمريكي حرض سفنا ودفع بعضها لمح
...
-
حرس الثورة الاسلامية: ناقلتا نفط مخالفتان انخدعتا بالتحريض ا
...
-
حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا بالصواريخ والمسيّرات مقر الأس
...
-
حرس الثورة الاسلامية: التعاون مع العدو سيؤدي إلى تأخير إعادة
...
-
حرس الثورة الاسلامية: تم تدمير رادار باتريوت، ورادار التحكم
...
-
حرس الثورة الاسلامية: تدمير رادار باتريوت ورادار التحكم الجو
...
-
كبير الحاخامات في بريطانيا: قرار الكنيسة بشأن فلسطين محزن لل
...
-
حرس الثورة الإسلامية: دفاعاتنا الجوية أسقطت مسيرة أمريكية من
...
-
القوات المسلحة اليمنية: نتقدم بالشكر الجزيل للجمهورية الإسلا
...
المزيد.....
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|