أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - اريان علي احمد - أربيل: بين إرث -أربيلو- وتحدي المدينة المستوردة














المزيد.....

أربيل: بين إرث -أربيلو- وتحدي المدينة المستوردة


اريان علي احمد

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 00:47
المحور: كتابات ساخرة
    


من رحم التاريخ القديم، ومن تسميتها الآشورية العريقة "أربيلو" (مدينة الآلهة الأربعة)، وذكرها في الألواح السومرية باسم "أوربيلوم"، تقف هذه المدينة كواحدة من أقدم الحواضر المأهولة باستمرار في تاريخ البشرية؛ فعلى أرضها تعاقبت الحضارات من السومريين والأكديين إلى الآشوريين والبابليين، وشهدت سهولها معركة "غوغاميلا" التاريخية الفاصلة بين الإسكندر المقدوني وداريوس الثالث التي غيّرت مجرى التاريخ العالمي، وهذا العمق الضارب في جذور الزمن لأكثر من ستة آلاف عام هو الروح الحقيقية لأربيل التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الحواضر حضوراً في أحاديث المسافرين وصناع المحتوى، موازنةً بين إرثها السحيق وطموحها المعاصر. تطل علينا أربيل اليوم كمدينة تضج بالحيوية، حيث الطرق الواسعة والحدائق المنظمة والمشاريع التي تمنح الزائر شعوراً بالأمان والراحة، وهي صورة لمدينة تسعى بكل قوتها للحاق بركب العصر لتصبح واجهة سياحية واقتصادية بارزة في المنطقة، تلفت الأنظار بتنظيمها وعمرانها المتسارع. ولا يمكن الحديث عن أربيل الحديثة دون استحضار قلعتها الشامخة التي تتوسط المدينة كتاجٍ أثري، فهي ليست مجرد معلم سياحي، بل هي "الذاكرة الحية" التي تحفظ هوية المكان وشاهدٌ صامت على إمبراطوريات تلاشت بينما ظلت هي صامدة لتشكل المرجعية الروحية والوطنية التي لا يمكن للمدينة أن تُعرف بدونها أو تُفصل عنها. وخلف هذا التطور العمراني المتسارع، تقف أيدٍ وشركات أجنبية فرضت حضورها على كافة المرافق الحيوية في المدينة، وهذا التدخل الخارجي لم يقتصر على ضخ الأموال، بل امتد ليشمل التخطيط الهندسي وإدارة قطاعات الخدمات والسياحة، فنحن أمام نموذج استثماري تقوده جهات خارجية وجدت في أربيل بيئة خصبة لتنفيذ رؤيتها الاستهلاكية، بعيداً في كثير من الأحيان عن المصلحة المحلية الطويلة الأمد أو الخصوصية الثقافية لأهل الأرض. إن الفخ الأكبر الذي يقع فيه التقييم الحالي للمدينة هو الاعتقاد بأن الأبراج الشاهقة والواجهات الزجاجية هي الدليل على العمران الحقيقي، فالأبراج ببرودتها وهندستها المكررة ليست سوى استعراض للقوة المالية وقدرة رأس المال، أما العمران الحقيقي بمفهومه الإنساني فهو "فن إسكان البشر" والحفاظ على التناغم الاجتماعي وتوفير جودة الحياة اليومية؛ فالمباني العالية لا تصنع مجتمعاً، بل قد تحوله إلى جزر معزولة تفقد المدينة حيويتها البشرية التي كانت تميز أزقتها القديمة وأسواقها الشعبية. إن خطر الانهيار الهوياتي بات قائماً وقريباً، فعندما تطغى الرؤية الاستثمارية التجارية على حساب التخطيط القائم على الهوية، تفرغ المدينة من محتواها التاريخي لتصبح مجرد نسخة مستنسخة من عواصم ومجمعات عالمية بلا روح؛ فالتطور الذي يمحو ملامح ماضيه هو تطور انتحاري، وقد يصحو الأبناء ليجدوا أنفسهم في مدينة تحمل اسم أربيل، لكنها خالية من قلبها الكردي والأثري الأصيل. تعيش المدينة اليوم صراعاً صامتاً ومحتدماً بين ثقل ماضيها واندفاع حاضرها، وهو صراع مدفوع بأهداف اقتصادية تسعى لتحويل المدينة إلى مركز جذب لشعوب وخلفيات من كل مناطق العالم، وهذا التوجه نحو "العولمة القسرية" وإن كان يرفع من المؤشرات الاقتصادية المؤقتة، إلا أنه يضغط بشدة على النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة، مهدداً بتحويلها من مجتمع مترابط بذاكرته وتاريخه المشترك إلى مجرد تجمع استهلاكي كبير يلتقي فيه الأفراد للتجارة والعمل دون أي رابط روحي بالأرض وتاريخها. ختاماً، تقف أربيل اليوم عند أدق منعطف في تاريخها الطويل؛ فإما أن تفرض شروط تاريخها القديم والآشوري والسومري على المشاريع الحديثة لتظل مدينة ذات روح وشخصية، أو أن تذوب تماماً في قوالب الاستثمار الأجنبي المجهز مسبقاً والذي يحول الأوطان إلى مجرد مساحات تجارية عابرة، والرهان الحقيقي اليوم هو حماية الهوية قبل أن تبتلعها الأبراج



#اريان_علي_احمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مديح الحب العنيف: حين يصبح الوفاء للمشاعر فعلاً ثوريا
- من -ثقافة المحسوبية- إلى -دولة المؤسسات- سوسيولوجيا التحول ن ...
- -الدولة الحرامية- تعبيراً عن أزمة بنيوية تتجاوز الفساد المال ...
- ولم يرتضِ بغيرِ الروحِ سكناً - بيداء وفلسفة الحب ( ئاريان كر ...
- أوروبا في قبضة -اقتصاد الحرب-: هل نعيش تكراراً لسيناريو 1914 ...
- سيادة الدولة العراقية معضلة وجودية مستعصية
- هل يمكن أن نرى الوجه ألاخر للحكومات في ظل التطورات الجيوسياس ...
- باي باي تركيا زمنك يبشر بالانتهاء
- مفاهيم تعيين مارك سافايا ما بين تداعيات الوضع في العراق وتدا ...
- تذوق الموت، الحرية أو الاختفاء، تمجيد الكفاح المسلح المرحلة ...
- ظهرت الشتائم عندما لم يعد الناس قادرين على رمي الحجارة-
- أمام فشل النظام الرأسمالي لماذا أنتم صامتون؟
- السباق على الانقلاب لتغيير مفهوم الفيدرالية في النظام العراق ...
- هل أصبح الشيطان الأكبر من ملائكة الارض من وجهة نظر ايران الا ...
- ادارة الدولة السورية مابين القائد عبدي و القائد جولاني وصراع ...
- تيك توك الطريقة الحديثة لغسل الاموال في العراق
- نظرة فلسفية هل كل الأعمار خاضعة للحب
- ما هي سلبيات وفوائد عملية السلام بين الشعب الكردي والدولة ال ...
- مابين عبثية مسرحية ( غودو ) وعبثية مسرحية ( ترامب )
- البعث والبعثية الاكثرفسادًا وقسوة مما يعتقد


المزيد.....




- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي
- مهرجان -اقرأ - استرخ- للكتاب في روسيا يسجّل أرقاما قياسية تا ...
- بعد تغيير اسمه ثلاث مرات.. الانتهاء من تصوير مسلسل -العاصي- ...
- اربيل تستذكر الفنان قرني جميل في معرض تشكيلي بمشاركة 25 فنان ...
- صدر حديثا ؛ صندوق جدتي السري. إشراف سهيل عيساوي.
- صدر حديثا ؛ رئة المدينة إشراف سهيل كيوان.
- من المواجهة إلى الحب.. فيلم -شمشون ودليلة- يصل إلى صالات الس ...
- بعد تسعة أشهر من توقيفه... القضاء اللبناني يوافق على الإفراج ...
- بعد توقف لعامين.. مهرجان رام الله للفنون المعاصرة يعود بحلة ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - اريان علي احمد - أربيل: بين إرث -أربيلو- وتحدي المدينة المستوردة