أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اريان علي احمد - من -ثقافة المحسوبية- إلى -دولة المؤسسات- سوسيولوجيا التحول نحو النزاهة














المزيد.....

من -ثقافة المحسوبية- إلى -دولة المؤسسات- سوسيولوجيا التحول نحو النزاهة


اريان علي احمد

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 02:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بمعيار فلسفة نشوء الدول، يمر العراق اليوم بمرحلة مفصلية تتجاوز في تعقيدها كل ما شهدناه منذ 2003. نحن نقف في لحظة الفتوة من عمر الدولة ، وهي المرحلة التي يتحدد فيها مصير البناء ؛ فإما أن نرتقي بها عبر الوعي المؤسسي نحو الاستقرار والتمكين، أو نتركها فريسةً لمراحل العجز والهلاك. إن ديمومة الدولة العراقية واستمراريتها لا تعتمدان على المصادفة، بل على إدراكنا لضرورة الانتقال من حالة التأسيس الفتي إلى حالة النضج الراسخ الذي يحمي الوطن من تقلبات الزمن. يزخر التاريخ الحديث بنماذج لدول تمكنت من الانتقال من مستويات فساد عالية إلى مصاف الدول الأكثر نزاهة في العالم. لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة استراتيجيات طويلة الأمد وإرادة سياسية صارمة. تعد سنغافورة المثال الأبرز، حيث تحولت عبر نهج اللا-تساهل وتأسيس مكتب تحقيقات الممارسات الفاسدة مع رفع رواتب المسؤولين لقطع طريق الرشوة. في هونج كونج، تم تأسيس .اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد .التي اعتمدت استراتيجية ثلاثية تقوم على الردع، والوقاية، والتثقيف لتغيير الثقافة المجتمعية. تتصدر دول الشمال مثل الدنمارك وفنلندا مؤشرات النزاهة بفضل شفافية النظام وحق المواطن في الوصول للمعلومات والميزانيات. رواندا بدورها حققت تحولاً سريعاً بالاعتماد على الأتمتة وتقليل الاعتماد على العنصر البشري وفرض إعلان الذمة المالية للمسؤولين. أما الصين فقد اعتمدت على قبضة الدولة المركزية وحملة النمور والذباب التي استهدفت المسؤولين الكبار والصغار دون استثناء. استخدمت الصين أدوات رقابية قوية كـ اللجنة المركزية لفحص الانضباط وأنظمة التفتيش المتنقلة لضمان الانضباط الحزبي. وظفت الصين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لمراقبة أنماط الإنفاق غير المبرر للمسؤولين وربط معاملاتهم المالية بأنظمة رقمية. توسعت الصين في الحكومة الإلكترونية لتقليل التدخل البشري والوساطة، مع فرض عقوبات رادعة قد تصل للإعدام في حالات الفساد الكبرى. رغم النجاح المالي، يرى النقاد أن التجربة الصينية تفتقر للرقابة الشعبية وتستخدم أحياناً لتصفية الخصوم السياسيين. تثبت هذه التجارب أن محاربة الفساد تتطلب مزيجاً من الصرامة القانونية، والتكنولوجيا المتقدمة، والإرادة السياسية القوية. يظل السؤال مطروحاً حول إمكانية تطبيق نماذج مشابهة في مجتمعات مثل العراق، بين القبول بصرامة الإجراءات أو الخشية من استغلالها سياسياً .إن التحول من حالة الفساد المستشري إلى ضفة الاستقرار ليس مجرد إجراءات إدارية جافة أو قوانين توضع على الرفوف، بل هو رحلة سوسيولوجية معقدة تبدأ حين تدرك الدولة أن الفساد ليس مجرد سلوك جرمي فردي بل هو خلل بنيوي في نسيج العلاقة بين المواطن والمؤسسة. في المجتمعات التي تعاني من هذا الداء نجد أن الولاءات الأولية من قرابة وطائفة وعشيرة تغدو هي المحرك الأساسي للأمور وتتقدم على أخلاقيات المواطنة، مما يجعل الدولة تبدو في نظر الكثيرين كغنيمة يتقاسمها الأقوياء، ويتحول الفساد مع مرور الوقت إلى عقد اجتماعي غير مكتوب يضطر المواطن لتمويله عبر الرشوة ليضمن الحصول على أبسط حقوقه، وهو واقع مرير لا يمكن الخروج منه إلا عبر إرادة سياسية صلبة ترفض المساومة كما فعلت سنغافورة حين تبنت نهجاً لا يتساهل مع أي خرق للنزاهة، أو عبر استخدام قبضة مركزية صارمة كما في التجربة الصينية التي أعادت تعريف الفساد من كونه ممارسة مقبولة إلى كونه تهديداً وجودياً يوجب العقاب الرادع، ولعل المفتاح الحقيقي الذي يغفله الكثيرون هو دور الأتمتة التي تتجاوز كونها مجرد أداة تقنية لتصبح أداة سوسيولوجية تحرر المواطن من سلطة الوسيط البشري الذي يقتات على حاجة الآخرين، فالتكنولوجيا حين تتدخل في السجلات الإدارية والمعاملات الحكومية تعمل كقاضٍ محايد لا يعرف المحسوبية ولا يرتشي، مما يقلل من الاحتكاك المباشر ويجبر الجميع على الالتزام بمسارات قانونية واضحة، ومع هذا التغيير التقني يجب أن ينمو وعي اجتماعي جديد يعزز مفهوم الاستحقاقية والكفاءة في تولي المناصب، بحيث تصبح النزاهة جزءاً من الهوية المهنية للموظف لا عبئاً عليه، وصولاً إلى الحالة التي وصفها الفيلسوف يورغن هابرماس حين تصبح المؤسسات شفافة وتتحول الرقابة من كونها مطاردة أمنية إلى فعل مجتمعي واعٍ ينمو في ضوء الشفافية لا في عتمة السرية، إن التحول نحو الاستقرار هو في جوهره عملية انتقالية من مجتمع تحكمه علاقات الأفراد والولاءات الشخصية إلى مجتمع تحكمه قوة القانون والمؤسسات، وهو مسار لا يتم إلا حين تدرك الدولة أن الضمير الإلكتروني للأنظمة والأتمتة هو خط الدفاع الأول الذي يحمي الحقوق ويضمن أن الاستقرار ليس غياباً للفساد فحسب، بل حضوراً لعدالة مؤسسية يثق بها الجميع.



#اريان_علي_احمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الدولة الحرامية- تعبيراً عن أزمة بنيوية تتجاوز الفساد المال ...
- ولم يرتضِ بغيرِ الروحِ سكناً - بيداء وفلسفة الحب ( ئاريان كر ...
- أوروبا في قبضة -اقتصاد الحرب-: هل نعيش تكراراً لسيناريو 1914 ...
- سيادة الدولة العراقية معضلة وجودية مستعصية
- هل يمكن أن نرى الوجه ألاخر للحكومات في ظل التطورات الجيوسياس ...
- باي باي تركيا زمنك يبشر بالانتهاء
- مفاهيم تعيين مارك سافايا ما بين تداعيات الوضع في العراق وتدا ...
- تذوق الموت، الحرية أو الاختفاء، تمجيد الكفاح المسلح المرحلة ...
- ظهرت الشتائم عندما لم يعد الناس قادرين على رمي الحجارة-
- أمام فشل النظام الرأسمالي لماذا أنتم صامتون؟
- السباق على الانقلاب لتغيير مفهوم الفيدرالية في النظام العراق ...
- هل أصبح الشيطان الأكبر من ملائكة الارض من وجهة نظر ايران الا ...
- ادارة الدولة السورية مابين القائد عبدي و القائد جولاني وصراع ...
- تيك توك الطريقة الحديثة لغسل الاموال في العراق
- نظرة فلسفية هل كل الأعمار خاضعة للحب
- ما هي سلبيات وفوائد عملية السلام بين الشعب الكردي والدولة ال ...
- مابين عبثية مسرحية ( غودو ) وعبثية مسرحية ( ترامب )
- البعث والبعثية الاكثرفسادًا وقسوة مما يعتقد
- احمد الشرع الخروج من النص أم تحدي لكاتب السيناريو
- عسى ان تكون الدرس الاخير للانظمة الحاكمة


المزيد.....




- استمر طوال الليل.. مراسل CNN يشارك تفاصيل هجوم روسي دام 11 س ...
- داخل متحف الاستكشاف التابع لـ-ناشيونال جيوغرافيك- في أمريكا ...
- تحليل: مذكرة التفاهم مع إيران.. اتفاق -مليء بالتناقضات- قد ي ...
- 15 سيدة تحت قبة مجلس الشعب السوري .. فمن هنّ؟
- تصاعد الدخان فوق كييف بعد غارات روسية ليلية
- الجزائريون ينتخبون 407 أعضاء للمجلس الشعبي الوطني
- الوزن الزائد وراء فصل شرطي ألماني من وظيفته
- الدفاع الروسية تصدر بيانا خاصا حول الأهداف التي دمرتها الليل ...
- الشيباني من بيروت: منفتحون على لقاء مع -حزب الله- إذا اقتضت ...
- الشيباني من بيروت: حريصون على تجاوز الإرث السيء وبناء علاقة ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اريان علي احمد - من -ثقافة المحسوبية- إلى -دولة المؤسسات- سوسيولوجيا التحول نحو النزاهة